يفتي ويفسّر ويؤرّخ.. القصة الكاملة لظاهرة إبراهيم عيسى

epa01511939 Ibrahim Eissa, Editor-in-Chief of the newspaper Al Dostour, listen to his reporters after Egyptian President Hosni Mubarak pardoned him in Cairo on 07 October 2008 as part of the president's efforts to foster freedom of the press in Egypt. Eissa was sentenced to two months in jail, which was an appeal of a six months prison sentence from 26 March 2008, after his newspaper published rumours on Mubarak's health. At least seven journalists were sentenced in September 2007 to up to two years in prison on charges ranging from misquoting the justice minister to spreading rumours about the 80-year-old president as well as an Al-Jazeera journalist who had been sentenced to six months over a film that highlighted torture in Egyptian police stations had her sentence reduced to a fine. EPA/KHALED ELFIQI

في بداية رمضان هذا العام، عَرَضت قناة "سي بي سي" (CBC) الفضائية المصرية مسلسل "فاتن أمل حربي" الذي مرَّ انطلاقه دون جَدَل يُذكَر، ولكن في غضون أيام قليلة نال المسلسل دون غيره قدرا كبيرا من الجدل والنقد، وبدرجة تجاوزت أحيانا ما ناله مسلسل "الاختيار 3″ الذي تحوَّل إلى مادة للسخرية و"الميمز" على وسائل التواصل الاجتماعي. ومؤلف مسلسل "فاتن أمل حربي" هو الصحافي المصري "إبراهيم عيسى"، وقد نال بسببه هجوما لاذعا وصل إلى تقديم بلاغات ضده أمام النائب العام. وقد أتى المسلسل في وقت حَرِج من مسيرة عيسى المهنية، إذ يتعرَّض الرجل لموجة هجوم غير مسبوقة إثر تصريحه قُبَيل رمضان بأن حادثة الإسراء والمعراج ليست إلا خرافة دون سند تاريخي.

 

عقب تصريحه ذاك، انتقد بعض الموالين للنظام مثل النائب "مصطفى بكري" عيسى تحت قُبة البرلمان. ولطالما هاجم عيسى الشيوخ ورجال الدين، بل وسبق وأنكر حادثة الإسراء والمعراج في ديسمبر/كانون الأول 2020 دون "ترند" يُذكَر، بيد أن تصاعد حِدَّة الانتقادات يجعلنا نطرح التساؤل الآتي: مَن هو إبراهيم عيسى حقا؟ كيف بدأ وإلى ماذا انتهى؟ ولماذا انتقل من النضال السياسي إلى "النضال التنويري الزائف"؟

 

صحافي بالفطرة

تخرَّج إبراهيم عيسى في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، لكنه بدأ مشواره الصحافي مبكرا منذ المرحلة المدرسية، إذ أصدر صحيفة طلابية نشرها بين طلاب مدرسته. وبعد سلسلة من البدايات المتواضعة، ظفر بالنقلة المهنية التي بدأ بها مشواره الفعلي عندما انضم إلى فريق تحرير مجلة "روز اليوسف" الشهيرة عام 1987. ثم استقال عيسى من المجلة بعد ثلاث سنوات نتيجة موقفه الرافض لمُناهضة غزو الكويت، وأخذ يتنقَّل بين تجارب عدة لم يُكتَب لها النجاح، فلجأ إلى كتابة الروايات، وأصدر في تلك الفترة رواية "في وصف ما يمكن تسميتها بالحبيبة"، ورواية "العُراة" التي مُنِعَت من النشر، ورواية "مريم التجلِّي الأخير"، كما نشر كُتبا عدة مثل "دم الحسين" و"عمائم وخناجر" و"الجنس وعلماء الإسلام" و"الحرب بالنقاب"، وكلها عناوين تنضح باتجاه محتواها وتوجُّه صاحبها.

"عمائم وخناجر"

في عام 1995، عُرضت على عيسى فرصة لرئاسة تحرير جريدة الدستور، لكنه لم يلبث فيها طويلا، إذ تسبَّب في إغلاقها عام 1998 بسبب نشره رسالة منسوبة إلى الجماعة الإسلامية تُهدِّد فيها ثلاثة من المسيحيين المعروفين في مصر هُم "نجيب ساويرس" و"رامي لَكَح" و"رؤوف غَبُّور"، ومن ثمَّ عاد عيسى أدراجه إلى مسار الروايات والأدب. وقد نشر عيسى عام 1999 كتاب "أفكار مُهدَّدة بالقتل"، وصرَّح فيه بكراهية كلِّ مَن مَثَّل الدين على هيئة المشايخ أو رجال العلم الشرعي، بل واختار عيسى أن يهاجم أقرب شيخ لقلوب الناس آنذاك الشيخ "محمد متولي الشعراوي"، فلم يُفرِّق بينه وبين أي شيخ آخر رُغم ما حازه الشعراوي من رضا رسمي مقارنة بالمشايخ المحسوبين على تيارات الإسلام السياسي. على مدار التسعينيات إذن تجلَّى صراحة عداء إبراهيم عيسى لكُل ما هو مُعمَّم وإسلامي أيًّا كان الموقف السياسي المصاحب له.

 

أثار كتاب "أفكار مُهدَّدة بالفتل" جدلا محدودا عند طرحه، فلم ينل قبولا لدى الناشرين، ولذا طفق عيسى يبحث عن فرصة عمل طيلة سبع سنوات بعد نشر كتابه دون أن يجد مبتغاه، ودخل في دوامة من الفشل المهني والإحباط النفسي، كما حكى ذلك بنفسه في حواره مع "مجلة القاهرة" (Cairo Magazine) الناطقة بالإنجليزية. وفي أثناء تلك السنوات، حاول عيسى الحصول على ترخيص لنشر صُحف عديدة، لكن محاولاته أُحبِطَت المرة تلو الأخرى. وقد حاول عيسى الكتابة في إحدى الصحف المحلية الصغيرة باسم مستعار، لكن سرعان ما تنبَّهت الأجهزة الأمنية لذلك فصودرت الصحيفة وأُغلقت. أتت الرسالة واضحة إذن من أمن الدولة: إبراهيم عيسى يتجاوز الخطوط الحمراء المرسومة للصحافيين السياسيين تحت حُكم مبارك، ولا بد من إسكاته أو إسكات الجريدة التي ينشر فيها، أما في الدين فليتحدَّث بما شاء.

 

وجد عيسى أن طريقه مسدودة في الكتابات السياسية، فاضطُر إلى البحث عن لقمة عيشه عبر سبيل أخرى، لا سيما وقد واجه في تلك الفترة صعوبات مادية ولم يُنقذه منها سوى استضافته في الولايات المتحدة لإلقاء محاضرات ووِرَش عمل في عدة جامعات أميركية مثل "جورج تاون" و"بيركلي"، وهناك استطاع أن يستغل الفرصة ويلتقي بأصدقائه الذين قدَّموا له المساعدة. وما إن انتهت الرحلة الأميركية حتى عاد عيسى إلى مصر وحاول إصدار صحيفة ثقافية لم يُسمَح لها بالصدور. ومن جديد، لجأ عيسى إلى الروايات، فنشر رواية "مقتل الرجل الكبير" عن وفاة رئيس إحدى الدول المُتخيَّلة، لكنها لم تلقَ رواجا أدبيا وكانت ضعيفة فنيا، حتى إنه أخذ يوزِّع نُسَخَها على الباعة ودور النشر بنفسه قبل مُصادرتها. وقد تكاثرت في هذه الفترة النصوص الأدبية لعيسى التي أتى معظمها ضعيفا وركيكا، ودون مستواه المعهود في الكتابة السياسية، إذ يبدو أنها كُتِبَت على عَجَل، مثل "صار بعيدا" و"دم على نهد" التي امتلأت بالإيحاءات الجنسية.

فقرة من كتاب "أفكار مُهدَّدة بالقتل" المنشور عام 1998.
فقرة من كتاب "أفكار مُهدَّدة بالقتل" المنشور عام 1998.

 

قُبلة الحياة من التلفاز

ظل عيسى طريدا لا يعرف أين أو كيف يكتب، فلا الصحف استقبلته ولا المجال الثقافي قَبِل به، وبقيت كتبه حبيسة الأرفف، حتى أعطى له أحد رجال الأعمال قُبلة الحياة عام 2001 عند إطلاق قناة دريم الفضائية، التي استضافته على شاشتها مذيعا لبرنامج سياسي بعنوان "على القهوة"، وقد نال البرنامج طيلة سنتين شهرة كبيرة حتى تم الضغط على القناة لإيقاف البرنامج، وهو ما حدث بالفعل عام 2003. وبدلا من الدخول في سرداب الاختفاء مرة أخرى، وجد الجمهور فجأة نفسه أمام إبراهيم عيسى وهو يُقدِّم برامج دينية على القناة نفسها، مثل برنامج "الفهرس" الذي تناوَل بواكير التاريخ الإسلامي، و"الرائعان" عن سيرتَيْ أبي بكر وعمر، و"الرائعتان" عن سيرة السيدتيْن عائشة وفاطمة الزهراء، ثم برنامج "الله أعلم"، ومثله برنامج "الطريق إلى كربلاء" على قناة شبابيك البحرينية.

كان المشهد غريبا، فعيسى الذي لم يُعرَف له أي قراءات أو كتابات في المجال الديني، بل وكان متجاوزا في هجومه على الفكر الديني ورموزه، وظهر فجأة كي يُعرِّف الناس بالصحابة والسيرة النبوية وكأنه رجل غير الرجل. بيد أن الوضع لم يكن كذلك بالضبط، فمع التدقيق نجد أن ما ميَّز برامج عيسى الدينية حينها خيط ناظم يمكن أن يلحظه المشاهد في أول دقيقة من كل برامجه، وهو أنه يعتمد على مرويات بعينها في رواية أحداث الفتنة الكبرى بين الصحابة تعمَّدت تضخيم الكارثة وتخطئة الصحابة. وفي هذا السياق، خلط عيسى الصحيح بالموضوع والثابت بالظني، حتى اتهمه خصومه بأنه مُتشيِّع مُستَتِر، كما كُتبت عشرات المقالات تحذيرا من تشيُّعه وعلمانيته في آنٍ واحد.

 

لم يبتغِ عيسى من هذه الأعمال الدينية سوى تكثيف حضوره عند المشاهدين بعد منع برامجه وكتاباته السياسية، وهو ما كشف عنه في أحد لقاءاته عندما سُئِل عن الهدف من برامجه الدينية، فرد قائلا: "لا يوجد هدف، فما حدث منذ البداية أنه بعد توقُّف برنامج ’على القهوة‘ عام 2003 تحوَّلت إلى تقديم برامج التاريخ الإسلامي بعد إغلاق الباب أمام برامج التاريخ الحالي، لأن برامجي تنجح إلى درجة أنها تتوقَّف، وبرامج التاريخ الإسلامي هي مجرد حيلة لكي يظل حضوري على الشاشة ويتواصل الناس معي".

حوار مجلة القاهرة مع إبراهيم عيسى عام 2005، وقد كُتِب على الغلاف "الضحكة الأخيرة.. كيف تبوَّأ صحافي مصر الأكثر إثارة للجدل صدارة المشهد".
حوار مجلة القاهرة مع إبراهيم عيسى عام 2005، وقد كُتِب على الغلاف "الضحكة الأخيرة.. كيف تبوَّأ صحافي مصر الأكثر إثارة للجدل صدارة المشهد".

نجح عيسى في "حيلته" بالفعل، واستطاع اختراق وعي المشاهد المصري بدرجة كبيرة، فتوسَّعت شهرته الصحافية المحدودة بفضل برنامجه على دريم وبرامجه الدينية، ثم برامجه المتنوِّعة مثل برنامج "حمرا" الكوميدي وبرنامج "فُرجَة" السينمائي. وبعد أن بلغت شهرته تلك الآفاق، عَرَض عليه السياسي المصري "أيمن نور"، رئيس حزب الغد تحت التأسيس آنذاك، العمل في صحيفة الحزب، فوافق عيسى لكن الصحيفة سرعان ما أُغلِقَت بالتزامن مع اعتقال أيمن نور، فعاد عيسى إلى صحيفة "الدستور" عام 2005 بعد إعادة إطلاقها برخصة أجنبية، وترأس معها تحرير صحيفة "صوت الأمة".

 

على مدار هذه السنوات، تمحوَرَت موضوعات إبراهيم عيسى حول الإصلاح السياسي، حيث تناول القضايا الساخنة مثل الفساد، وملف توريث الحُكم إلى جمال ابن الرئيس "محمد حسني مبارك"، والدور السياسي للإخوان المسلمين والناصريين، ومشروع "توشْكَى"، وتوظيف العسكريين المتقاعدين في مناصب عليا، وغير ذلك من القضايا التي شغلت الرأي العام آنذاك. وقد كان الرجل ناقدا لاذعا لنظام مبارك، الذي اتهمه بدوره في عدة قضايا حُكم فيها عليه بالسجن لفترات متفاوتة، وما لبث مبارك أن أمر بعفو رئاسي لعيسى كي يُعفي نفسه من حرج اعتقال صحافي ذائع الصيت. وفي الأخير، استطاع عيسى الاتفاق مع اليساريين والإسلاميين في هذه الفترة، وكانت له علاقات متينة مع الإخوان المسلمين، وكان الجميع ملتفا حوله بشكل أو بآخر نتيجة آرائه المنافحة عن الحرية والديمقراطية، قبل أن يخون كل ما دافع عنه في يوم من الأيام.

 

باب السياسة المفتوح

وجد عيسى باب السياسة مفتوحا على مصراعيه عقب ثورة 25 يناير 2011، ومن ثم انطلق مُبشِّرا بأفكاره الديمقراطية الليبرالية، وللمفارقة كان أول برنامج سياسي بعد تنحي مبارك هو برنامج "صالون إبراهيم عيسى" على قناة الجزيرة مباشر مصر التي يهاجمها بضراوة الآن. ثم اشترك عيسى مع آخرين في إنشاء قناة "التحرير" الفضائية في فبراير/شباط 2011، وقدَّم فيها برنامج "في الميدان" مع "محمود سعد" و"بلال فضل" و"عمرو الليثي"، كما أصدر صحيفة "التحرير" في العام ذاته، وباع حصته في قناة التحرير مقابل ما يقارب المليون دولار كما يروي الممثل "تامر عبد المنعم" في كتابه "مذكرات فلول".

 

سرعان ما توالت البرامج السياسية التي قدَّمها عيسى دون توقُّف، ففي عام 2012 أذيع له برنامجا "هنا القاهرة" و"إبراهيم والناس" على قناة "القاهرة والناس"، ثم قدَّم عيسى عام 2013 برنامج "25/30" على قناة "أون تي في" (ONTV) الذي استمر لعامين، كما قدَّم برنامج "ذا بُصّْ" (The Boss) على شبكة "أو إس إن" (OSN) عام 2014 حتى وقْفِه العام التالي. وقد تناولت جميع تلك البرامج مواضيع سياسية واجتماعية شغلت الرأي العام، وقلَّما تعرضت لمواضيع فكرية أو دينية، وكان خطها كما كان أيام مبارك: دفاع شرس عن الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وهجوم شرس على كل ما هو إسلامي.

 

لكن يبدو أن كراهية إبراهيم عيسى للإسلاميين غلبت حُبَّه للديمقراطية، فانقلب على كل مبادئه ودَعَم السيسي حين توالت فصول أحداث عام 2013، ومن ثمَّ صار من أشدِّ المُحرِّضين على إقصاء أنصار تيار الإسلام السياسي، بل واستئصالهم من الحياة كلها إن أمكن. وقد لفت الأنظار حينئذ تأييد عيسى للمجزرة الوحشية ضد المعتصمين في ميدانَيْ رابعة والنهضة، حيث مهَّد الرجل للمذبحة بكل ما أوتي من قوة، حتى إنه مهَّد لاستئصال الإخوان من المجتمع تماما، فأذاع فيديو في أغسطس/آب 2013 لعملية فض اعتصام لعمال المناجم في إحدى الدول الأفريقية ارتكبت فيها الشرطة مجزرة بوليسية، ثم طالب بفض اعتصام رابعة بمثل هذا الشكل الذي تطلَّب "عُنفا مُفرِطا وقتلا حازما وقسوة كبيرة وجفافا نفسيا".

 

من أذرع السيسي إلى قدمه

بعدما أيَّد عيسى القتل الصريح للإسلاميين، رأى في الرئيس الجديد "عبد الفتاح السيسي" أملا مشرقا ونافذة لتحقيق أحلامه، وقد بادله السيسي الثقة فاختاره الأخير مع المذيعة لميس الحديدي لينفردا باللقاء التلفزيوني معه قبل ترشحه لانتخابات 2014. ولكن ما لبث أن دخل عيسى في خلاف مع النظام الجديد بسبب مسائل عدة، أولها التضييق على الصحافيين والنشر، ثم التنازل عن جزيرتَيْ تيران وصنافير، بالإضافة إلى تكميم الأفواه واحتكار أجهزة المخابرات للمنابر الإعلامية. ففي إحدى حلقاته ببرنامج "القاهرة والناس" عام 2017، انتقد عيسى ضمنيا هذا التحوُّل الجديد في الساحة الإعلامية، وكأنه فوجئ بأن يد القمع التي باركها امتدت إليه هو الآخر، ومن ثمَّ أُوقِفَت برامجه السياسية كافة، وعاد عيسى إلى نقطة الصفر.

 

ومثلما فعل قديما، حين لجأ إلى الكتابات الأدبية والدينية كلما أوقفت الأجهزة الأمنية برامجه السياسية، أصدر عيسى عشرات البرامج والكتب الدينية والأدبية حينئذ، مثل برنامج "مُختَلَف عليه" على قناة الحرة، وبرنامج "له ما له وعليه ما عليه" على إذاعة "نجوم إف إم" المصرية الشهيرة. ولذا انتقل عيسى مجددا من ساحة النضال السياسي إلى نضال رخيص اتخذ التنوير ستارا له، فمنذ إيقافه سياسيا من قِبَل النظام، دأب عيسى على نقد البخاري وابن تيمية وأبو هريرة، فكل هؤلاء مجرد تاريخ ولن يستطيع أحدهم وقف برنامجه، أما نقد الحاكم فصار محفوفا بالمخاطر ولم يعُد يضيف إلى رصيده البنكي، على حدِّ وصف الكاتب بلال فضل.

 

إلى جانب برامجه المُتَلفَزَة المُنصبَّة على نقد الدين والمتديِّنين، أصدر عيسى كتابَيْ "رحلة الدم" و"حروب الرحماء" عامَيْ 2016 و2018، وهُما امتداد لكتاب "دم الحسين" وأفكاره حول الفتنة الكبرى التي اعتمدت في أغلبها المرويات الموضوعة والشيعية. وقد حوَّل عيسى روايته "مولانا" إلى فيلم عام 2016 وانتقد فيه رجال الدين كما هي عادته القديمة، وألَّف كذلك سيناريو فيلم "الضيف" عام 2019 حيث شكَّك في فرضية الحجاب، كما كتب سيناريو فيلم "صاحب المقام" الذي روَّج فيه لضرب من ضروب الصوفية عام 2020، وأخيرا أتى مسلسل "فاتن أمل حربي" في رمضان المنصرم. ومؤخرا، اتهم الصحافي المصري "مجدي الجلاد" عيسى بأنه يروج لأفكار المُفكِّر الإسلامي المثير للجدل "جمال البنا"، وادعى الجلاد أن عيسى محسوب على "شِلة" أتباع جمال البنا.

 

عزوف عن السياسة

إبراهيم عيسى (الأوروبية)
إبراهيم عيسى (الأوروبية)

طلَّق عيسى الحديث عن الطغيان والاستبداد، ولم يسمع أحد له همسا منذ سنوات في نقد قمع الحريات ومصادرة الآراء واعتقال عشرات الآلاف من الأبرياء، وبلغت تحوُّلاته الفكرية إلى حدِّ تغيير شهادته في قضية مبارك وتُهمة قتل المتظاهرين، فقال عيسى في شهادته الأخيرة بالقضية إن مبارك بطل ولم يأمر بقتل أحد وكان حريصا على الشعب، بعدما اتهمه لسنوات بالتورُّط في قتل المتظاهرين ومتابعة عمليات القتل والقمع متابعة دورية، بل وأنكر عيسى أنه رأى الشرطة تقتل أي متظاهر في مظاهرات 2011.

 

أثار هذا التحوُّل الجذري علامات استفهام لدى متابعي ومُحبي عيسى، فقد وصفه المرشح الرئاسي السابق "محمد البرادعي" بأنه أكثر شخص شعر منه بالخيانة عقب انقلاب 2013. ولكن هل كان عيسى مفاجئا في تحوُّلاته؟ في الحقيقة يعلم المقرَّبون من عيسى أنه لا يثق إلا في نفسه، فلم يكُن يوما رجل جماعات وتنظيمات أو حتى مبادئ وقيم، وإنما تضعُف وتقوى علاقاته بحسب الصورة التي يختار أن يظهر عليها. ففي صورة نجده مُنخَرِطا في صفوف اليسار، وفي أخرى نجده على مائدة لأصحاب المال، وفي ثالثة نجده كتفا بكتف مع رجال الإخوان، وفي رابعة نجده مع الأميركيين ضد الإرهاب، وفي خامسة مع الثوار ضد العسكر، وفي سادسة مع مبارك إنصافا لصاحب الضربة الجوية، وفي سابعة حكائا لسير الصحابة العظام، وفي ثامنة راويا لقصص الدم التي صاحبت تاريخ الإسلام من روايات موضوعة ومثيرة للجدل.

 

ولم تخلُ حياة عيسى المهنية من تجاوزات فجَّة. ففي 20 إبريل/نيسان 2022، سجَّل الكاتب بلال فضل مقطعا حكى فيه استغلال عيسى للموظفين منذ عام 2006، وكيف اشتكى منه الموظفون بسبب التضييق المالي عليهم. ثم تكرَّر الأمر ذاته عام 2007 عندما نقل فضل إلى عيسى شكوى جماعية من عُمَّال جريدة "الدستور"، ففوجئ بنبرة استعلائية من عيسى رفض فيها الأخير تلبية مطالبهم وهدَّدهم بالفصل قائلا إنه هو "مَن صنعهم كصاحفيين".

 

وعلى المنوال نفسه أتت الاتهامات الشخصية ضد عيسى، حيث نشرت الصحافية المصرية "ياسمين الجيوشي" في 7 إبريل/نيسان 2022 منشورا على صفحة فيسبوك رَوَت فيه كيف منع عيسى رواتب الموظفين، وفصل النساء الحوامل تعسُّفيا، وضيَّق على العاملين بالصحيفة، وأخَّر صرف مكافآتهم الشهرية، بينما حصَّل في حسابه البنكي أموالا بعشرات ومئات الآلاف.

 الصحافية المصرية "ياسمين الجيوشي"
الصحافية المصرية "ياسمين الجيوشي" (الجزيرة)

بدأ إبراهيم عيسى مُتواضِعا حالِما، ثم مُعارِضا ثوريا ثم بُوقا للسلطة، ثم صوتا أليفا يعمل في مؤسسات النظام الإعلامية ويسير على هَوَى الحُكَّام، ثم طريدا من حظوَة النظام، ثم شَريدا يناضل ضد أفكار يقبع الكثير من المدافعين عنها وراء القضبان. وتتلخص رسالته اليوم فيما يكتبه بجريدة "المقال" من آراء ناقدة للخطاب الديني التقليدي، إذ يُشكِّك الرجل في صحة أحاديث البخاري ويروي روايات غير مُعتبرة عن الصحابة وحوادث التاريخ الإسلامي، وغير ذلك مما دأب عليه منذ ظهر اسمه إلى فضاء المجال العام المصري، علاوة على الترويج لنظرة مُعادية للإسلاميين، فالإسلاميون كُلهم سواء، ولا فرق بين مستنير ومتشدِّد، أو بين إخواني وسلفي، أو بين وسطي وداعشي، وهُنا يلتقي الرجل مع حُكَّامه، فينافح عن فتح الأبواب أمام أفكار تجديد الخطاب الديني التي ترعاها بعض أجنحة النظام. في نهاية المطاف، لم يعُد هناك مكان للسياسة أو المعارضة في خطاب عيسى الجديد، ولو على حساب كل ما آمن به يوما، أو ادَّعى أنه آمن به.

المصدر : الجزيرة