نووي في أرض المعركة.. ماذا تعرف عن سلاح بوتين المفضل لبدء حرب عالمية ثالثة؟

Russian President Vladimir Putin gives start to training launches of ballistic missiles as part of the exercise of the strategic deterrence force, in Moscow, Russia February 19, 2022. Sputnik/Aleksey Nikolskyi/Kremlin via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY.

منذ اللحظة الأولى لغزو أوكرانيا، اتبعت الإدارة الروسية خطابًا نوويا صادمًا وكثيفًا في تهديد الناتو، يتّضح ذلك سواء في تصريحات بوتين نفسه أو أيٍّ من رجاله، مثل وزير الخارجية سيرجي لافروف(1) الذي قال في مقابلة تلفزيونية إن الخطر النووي جاد وحقيقي، ويجب ألا نُقلِّل من شأنه، وإن الحرب العالمية الثالثة ستكون نووية ومدمِّرة.

كانت هذه التهديدات النووية فعالة إلى حدٍّ ما، على سبيل المثال تراجع الناتو بالفعل عن فرض منطقة حظر طيران فوق أوكرانيا، الأمر الذي أنذر بالدخول في معركة مباشرة مع الروس، لكنها لم تمنع الحلف من إمداد الأوكران بالكثير من الطائرات والأسلحة الثقيلة والخفيفة، بل وتدريب القوات الأوكرانية في دول الحلف، حتى إن الرئيس الأميركي جو بايدن، بعد أن قدَّم مؤخرا دفعة من الأسلحة المتنوعة بقيمة 800 مليون دولار إلى الجيش الأوكراني(2)، كان قد طالب الكونغرس قبل عدة أسابيع بالموافقة على تقديم مساعدة(3) قيمتها 33 مليار دولار لأوكرانيا، كل ذلك يُمثِّل إجراءات تصعيدية في مواجهة الروس.

 

ليست هذه المرة الأولى التي يُهدِّد فيها بوتين بالنووي، حدث الشيء نفسه عام 2014 أثناء الغزو الروسي لشبه جزيرة القرم، حيث تحدَّث القادة الروس علنا عن وضع الأسلحة النووية في حالة تأهُّب، وفي عام 2015 هدَّدت روسيا السفن الحربية الدنماركية بأسلحة نووية إذا انضمت الدنمارك إلى نظام الدفاع الصاروخي لحلف الناتو(4).

 

لكن أثناء كل ذلك التبادل في التصعيد، ينسى البعض أننا فقط نتحدث عن نوع محدد من السلاح النووي قد تكون احتمالات استخدامه الآن ضعيفة إلى حدٍّ كبير، وهو السلاح النووي الإستراتيجي، الذي يُمثِّل الثالوث النووي لأي دولة، المكوَّن من الصواريخ البالستية العابرة للقارات (ICBMs) والصواريخ البالستية التي تُطلق من الغواصات (SLBMs)، والطائرات قاذفات القنابل الثقيلة المُجهَّزة بأسلحة نووية، وجميعها يمكن أن يضرب أهدافا بعيدة عن الدولة، على مسافة آلاف الكيلومترات، ليُسبِّب ضررا بالغا.

 

نووي في أرض المعركة

إلى جانب النووي الإستراتيجي، هناك نوع آخر من الأسلحة، يُسمى "السلاح النووي التكتيكي"(5) أو "السلاح النووي غير الإستراتيجي"، وهو سلاح يمكن أن يُستخدم في ساحة المعركة، فالقنابل النووية التكتيكية لا تُستخدم لتدمير مدن كبيرة أو إنهاء الحرب، بل هي أسلحة قصيرة المدى تُستخدم في نطاقات ضيقة، غالبا مع وجود قوات صديقة على مقربة وربما في منطقة صديقة متنازع عليها، قد يُستخدم هذا النوع من السلاح لتدمير رتل دبابات مثلا أو مطار كبير أو إحدى الكتائب التي تتحرك باتجاه الجيش في أرض المعركة، بالتالي يُعَدُّ السلاح التكتيكي أداة لتحقيق مكاسب محدودة، والحصول على بعض المزايا في مسرح العمليات، وليس القضاء نهائيا على العدو.

 

في تلك النقطة دعنا نتعلم قليلا عن الكيفية التي يُقدَّر بها حجم العائد أو الطاقة التفجيرية الخارجة من السلاح النووي، حيث يُعبَّر عنها بالكمية المقابلة من مادة "ثلاثي نترو التولوين" (TNT) التي ستُولِّد الكمية نفسها من الطاقة عندما تنفجر.

 

وبالتالي، فإن السلاح النووي الذي يعطي 1 كيلو طن هو السلاح الذي ينتج كمية الطاقة نفسها في انفجار 1 كيلو طن (1000 طن) من هذه المادة. وبالمثل، فإن السلاح الذي تبلغ قوته 1 ميغا طن سيكون له طاقة تعادل تفجير مليون طن من مادة ثلاثي نترو التولوين. انفجار مرفأ بيروت 2020، الذي أُطلق عليه مصطلح "بيروتشيما" تشبيها بما جرى لمدينة هيروشيما لكنه لم يكن نوويا، قُدِّر بقوة تساوي نحو 1 كيلو طن، أما القنبلة اليدوية الشهيرة في الحروب، التي تظهر في كثير من الأفلام، فتحتوي فقط على ما مقداره 50-60 غراما من ثلاثي نترو التولوين!

انفجار مرفأ بيروت
انفجار مرفأ بيروت

يعني ذلك أن قنبلة القيصر مثلا (Tsar Bomba)، أو قنبلة إيفان الكبير كما يسميها الروس بقوة 50 ميغا طن، التي انفجرت في صباح يوم 30 أكتوبر/تشرين الأول عام 1961 بمنطقة نوفايا زمليا الروسية بالدائرة القطبية الشمالية وهي إلى الآن أقوى قنبلة نووية في التاريخ، أعطت طاقة تساوي تفجير 50 مليون طن من ثلاثي نترو التولوين، قارِن ذلك بقنبلتَيْ هيروشيما وناغازاكي، نحو 15-20 كيلو طن بالترتيب، قتلت الأولى نحو 146 ألف شخص.

 

يَعتبر البعض قنبلتَيْ هيروشيما وناغازاكي من ضمن الأسلحة النووية التكتيكية، والواقع أنه لا يوجد ما يمكن اعتباره حدًّا فاصلا واضحا(6) بين نوعَيْ القنابل الإستراتيجية والتكتيكية، فحجم الطاقة الخارج من السلاح التكتيكي يبدأ من 10 أطنان ويصل إلى 100 كيلو طن (بينما يُعتقد أن أكبر رأس حربي إستراتيجي روسي حاليا يُقدَّر بنحو 800 كيلو طن).

 

تاريخ طويل للتناحر

في 5 نوفمبر/تشرين الثاني 1991، أعلن الرئيس الروسي ميخائيل جورباتشوف عن عدة خطوات لخفض القوات النووية الروسية التكتيكية، تبدأ من إزالة الرؤوس الحربية النووية من الصواريخ والمدفعية والألغام التكتيكية، وكذلك تفريغ الأسلحة النووية التكتيكية من السفن والغواصات ذات الأغراض العامة والطائرات البحرية ووضعها في مناطق التخزين المركزي. وكذا الأمر بالنسبة للأسلحة المضادة للطائرات العاملة، لكن بشرط واحد فقط، وهو "إذا فعلت الولايات المتحدة الشيء نفسه"(7).

انفوجراف

جاء ما سبق ردا على مبادرة أعلنها الرئيس جورج بوش الأب في سبتمبر/أيلول من العام نفسه، وفي يناير/كانون الثاني 1992 أعاد الرئيس الروسي بوريس يلتسين تأكيد مبادرة جورباتشوف بل وتوسيعها، وتضمَّنت التحركات التالية تخفيضا متكررا لأعداد الرؤوس النووية التكتيكية من قِبَل كلٍّ من الولايات المتحدة وروسيا.

 

لكن في أثناء ذلك كله عمل الروس على تطوير ترسانتهم النووية التكتيكية، في ديسمبر/كانون الأول 2020 قال بوتين: "من غير المقبول إطلاقا أن نقف مكتوفي الأيدي. إن وتيرة التغيير في جميع المجالات الحاسمة للقوات المسلحة سريعة بشكل غير عادي اليوم. إنها أسرع حتى من سباقات الفورملا-1، بل أسرع من الصوت، لو توقفت لثانية واحدة فستبدأ في التخلف على الفور".

 

كانت الجهود المبذولة من قِبَل الروس لتطوير السلاح النووي التكتيكي الخاص بها أقل وضوحا وشمولية من خطة تحديث النووي الإستراتيجي، ولكنها السياسة نفسها، وهي التخلص التدريجي من أسلحة الحقبة السوفيتية واستبدالها بأسلحة أحدث ولكن أقل. تعمل روسيا على تحديث مخزون نشط يصل إلى 2000 رأس حربي نووي تكتيكي(8)، تتنوع بين صواريخ جو-أرض، والصواريخ البالستية قصيرة المدى، وقنابل الجاذبية، التي تنطلق من القاذفات متوسطة المدى والقاذفات التكتيكية والطيران البحري، وكذلك الصواريخ المضادة للسفن والغواصات والطائرات وطوربيدات للسفن السطحية والغواصات.

 

بر وبحر وجو

بنظرة أكثر تمعُّنًا، سنجد أن النسبة الأكبر من الترسانة النووية التكتيكية الروسية (نحو 950 رأسا حربيا) مُخصَّصة للقوات البحرية، وبشكل أساسي تَركَّز برنامج التحديث البحري الرئيسي للجيش الروسي على غواصات الهجوم من النوع "ياسن-م" (Yasen/-M)، وياسن(9) هي أحدث غواصة هجومية روسية متعددة الأغراض ومُجهَّزة بنظام إطلاق عمودي مُكوَّن من 32 خلية إطلاق، تعمل بالطاقة النووية ويمكن أن تحمل أسلحة نووية تكتيكية على متنها، بقدرات متنوعة. بدأت "ياسن-م" بالفعل في الإحلال محل الغواصات الهجومية الروسية التي تعود إلى الحقبة السوفيتية. نسخة مُحسَّنة من الغواصة نفسها تُدعى "كازان" (Kazan) انضمت أيضا إلى الأسطول الروسي الشمالي مؤخرا.

الغواصة ياسن-م
الغواصة ياسن-م

يُعتقد أن "ياسن-م"، ومعها كل الغواصات والسفن المُحدَّثة، مزودة بنسخة نووية من صاروخ(10) "كروز كاليبر" (Kalibr) الذي يُطلَق من البحر ليُصيب أهدافا برية، بمدى متنوع ومرن يبدأ من مدى قصير يساوي عدة مئات إلى مدى متوسط يساوي عدة آلاف من الكيلومترات، يمكنها أيضا إطلاق صاروخ كروز من النوع "3م-55" (3M-55) المضاد للسفن والهجوم البري، إلى جانب صواريخ "فيتر" (Veter) النووية المضادة للغواصات، فضلا عن طوربيدات نووية.

ولا يتوقف الأمر عند تطوير ياسن فقط، لأن تطويرها كان بطيئا بعض الشيء، ما دفع البحرية الروسية إلى عمليات تطوير متزامنة بمنصات نووية تكتيكية أخرى مثل الغواصات "سييرا" و"أوسكار-2″ و"أكولا"، إلى جانب تكهنات بأن روسيا تفكر في بناء نوع جديد من غواصات صواريخ كروز.

 

إلى جانب ذلك، يُعَدُّ سلاح الجو الروسي ثاني أكبر مستخدم للجيش للأسلحة النووية التكتيكية (نحو 500 رأس حربي)، تم بالفعل تسليم 125 طائرة من طراز السوخوي "سو-34" (Su-34) الجديدة للقوات الجوية الروسية منذ عام 2014 بعد أكثر من 25 عاما من التطوير المطوَّل، حيث يخطط أن تحل محل السوخوي (Su-24) بشكل كامل، في خطوة تحديثية كبيرة.

منذ اللحظة الأولى كان من المتوقع أن تلعب(11) "سو-34" دورا مركزيا في العمليات العسكرية الروسية في المسرح الأوروبي، سواء في حالة الصراع مع أوكرانيا خصوصا، أو مع حلف الناتو عموما، حيث تضع قدرتها العالية على التحمل جميع الأهداف في أوروبا ضمن نطاق عملها، ومن المرجَّح أن تُنفِّذ المقاتلة الغالبية العظمى من الضربات الأولية على الأهداف عالية القيمة، سواء في حالة ضربة نووية تكتيكية أو تقليدية، كما تتمتع الطائرة بقدرات عالية في القتال الجوي ورثتها عن تصميم سابقتها "سو-27″، إلى جانب أجهزة استشعار فائقة الجودة تجعل هذه الطائرة تحديدا تحفة فنية.

 

هذا ولم نتحدث بعد عن التطويرات الجديدة في الترسانة الجوية الروسية، مثل السوخوي (Su-57)، التي تقول وزارة الدفاع الأميركية إنها تتمتع بقدرة نووية، ويُتوقع أن تتنافس مع طائرات مثل "إف 35" (f35)، وستُزوَّد أيضا بصواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت ذات خصائص مماثلة لخصائص "كينجال" (Kinzhal)، التي أعلنت وزارة الدفاع الروسية أنها استخدمتها لتدمير مخزن أسلحة تحت الأرض في غرب أوكرانيا، وأن هذا الطراز من الصواريخ تعجز عن رصده كل أنظمة الدفاع الجوي.

الصاروخ كينجال 
الصاروخ كينجال

الصاروخ كينجال(12) بدوره يُعَدُّ واحدا من إنجازات روسيا مؤخرا، فهو متنوع القدرة، طُوِّر لاستهداف البنية التحتية الأوروبية الحيوية (مثل المطارات والمستودعات ومراكز القيادة) ولمواجهة صواريخ دفاعية أميركية مثل "ثاد 6" (THAAD.6)، ويُشكِّل أيضا تهديدا لحاملات الطائرات الأميركية وحلف شمال الأطلسي. إلى جانب ذلك يصعب التعرُّض له، فمسار رحلته من الطائرة إلى الهدف غير منتظم، وكذلك فهو يجري بسرعة تصل إلى 4900 كم/ساعة، وقد يصل إلى سرعات 12350 كم/ساعة. مع هذه السرعة، ربما لا يتمكَّن أحد من اللحاق به.

 

سلم التصعيد

كان ما سبق هو مجموعة من الأمثلة من ضمن حالة من التحديث الكامل13 للأدوات الحاملة للرؤوس النووية التكتيكية الروسية في كل النطاقات من بر وبحر وجو، سواء كانت هجومية أو حتى دفاعية، هدفها جميعا هو موازنة القوات التقليدية المتفوقة لحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة، وكذلك الرغبة في خلق توازن مقابل للقوات التقليدية الصينية، الكبيرة جدا وذات القدرات المتطورة، في الشرق الأقصى.

لكن في النهاية، تبقى ملاحظة واحدة مهمة، وهي أن السلاح النووي التكتيكي هو سلاح نووي، إنها معلومة بديهية كما يمكن أن تلاحظ، لكنها على أرض الواقع ليست كذلك، فهذا التمييز بين الإستراتيجي والتكتيكي نشأ بسبب اتفاقيات الحد من التسلح بين الولايات المتحدة وروسيا التي اهتمت في المقام الأول بالمخاطر الكبرى مثل الصواريخ البالستية العابرة للقارات والأدوات التي تحملها، كونها مصدر الخطورة الرئيسي.

 

لكن استخدام الأسلحة النووية التكتيكية ضد خصوم مسلحين بالنوع نفسه من الأدوات قد ينطوي على خطر كبير، فهي ذات مخاطر أقل وبالتالي يسهل استخدامها، وبسبب ذلك فهي تُعَدُّ درجة سلّم فاصلة بين التقليدي والنووي، أشبه ما يكون بمرحلة انتقالية بدلا من القفزة الكبرى باستخدام صاروخ عابر للقارات، قد يكون نشر الرؤوس النووية التكتيكية الصغيرة منخفضة القوة تشجيعا خطيرا على شن حرب نووية تالية.

 

إلى جانب ذلك، فإن الأسلحة النووية التكتيكية التي يُرجَّح استخدامها أولا كانت عادة تحت سيطرة سياسية أقل صرامة في أوقات الأزمات العسكرية من الأسلحة الإستراتيجية التي يرتبط استخدامها بأوامر عُليا وانعقاد مجالس القيادة السياسية والعسكرية، إذا كان ضابط صغير الرتبة نسبيا قادرا على التحكم في سلاح نووي تكتيكي صغير بقوة ضمن نطاق الطن وليس الكيلو طن، فيمكنه عبر خطوات بسيطة الحصول على إذن بالإطلاق.

 

قد تكون أسلحة بقوة 10-15 كيلو طن مؤثرة وكبيرة وبالتالي مخيفة بوصفها ضربة استباقية بالنسبة لجيش ما، لكن هناك رؤوس حربية يمكن أن تطلق طاقة بقوة 10-100 طن فقط، والواقع أن أكبر مشكلات السلاح النووي التكتيكي -إلى جانب ما سبق- هي أنه متنوع جدا في المدى والقوة، خذ مثلا الرأس الحربي الأميركي "ب61" (B61) الذي يُعَدُّ الآن14 أصغر سلاح نووي في الترسانة الأميركية بقوة تبدأ من 300 طن فقط، وتنطلق في التنوع بين 1.5 أو 10 أو 50 كيلو طن، يمكن استخدام سلاح بمثل هذه القوة عن طِيب خاطر في أوقات الأزمات، بمعدلات أكبر من استخدام الرؤوس الحربية التي تصل الطاقة التفجيرية الخارجة منها إلى درجات الكيلو طن المتفاوتة.

 

أضف إلى ذلك أن هناك تطورا كبيرا في دقة ومدى الصواريخ التي تتمكَّن من حمل رؤوس نووية تكتيكية، فمثلا الصاروخ الروسي15 "أوتر-21 توشكا" (OTR-21 Tochka) قادر على حمل وتوصيل رأس نووي يصل إلى 100 كيلو طن لمسافة 150-185 كم فقط، بدأ استخدام هذا الصاروخ عام 1981، وإلى الآن ما زال إحدى الأدوات التكتيكية للجيش الروسي، التي استُخدمت في الحرب السورية وحرب اليمن الأخيرة وحرب مرتفعات قرة باغ 2020، ويُستخدم حاليا في الحرب الروسية الأوكرانية.

"إسكندر-م" يمكنه حمل رؤوس نووية تكتيكية
"إسكندر-م" يمكنه حمل رؤوس نووية تكتيكية

وبوجود صواريخ روسية مثل "إسكندر-م"16 (Iskander-m)، الذي يمكن أن ينقل حمولة نووية صغيرة إلى مسافة تتراوح بين 400-500 كيلومتر ويحل محل توشكا في بعض المناطق من الجيش الروسي الآن، ويلفت انتباه الباحثين في هذا النطاق بوصفه إحدى أهم الأدوات النووية التكتيكية الروسية، مع "كاليبر" الذي تحدَّثنا عنه قبل قليل وينقل حمولات متنوعة تصل إلى عدة آلاف من الكيلومترات، فإننا أمام ترسانة متنوعة في استخداماتها.

 

ولا يقف الأمر عند هذه الحدود، صاروخ "ليتل جون" (MGR-3 Little John) الأميركي مثلا كان قادرا على إطلاق رأس حربي بقوة 10 كيلو طن لمسافة 19 كم فقط، وصاروخ "بلوتون" (Pluton) الفرنسي كان قادرا في السبعينيات على إطلاق رأس حربي نووي بقوة 15 كيلو طن لمسافة 120 كم.

 

بل وطُوِّرت أسلحة نووية تكتيكية صغيرة يمكن حملها من قِبَل شخصين فقط، مثل الذخيرة الذرية الخاصة بالتدمير17 (SADM)، وهي سلاح نووي محمول أنتجه الجيش الأميركي في الستينيات ولم يُستخدم، ونظام الأسلحة "ديفي كروكيت"18 (Davy Crockett)، وهو عبارة عن مدفع صغير يمكن أن يُطلِق قذيفة نووية بقوة 10-230 طنا نشرته الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة. في زمن الحرب، يمكن استخدام هذه النوعية من المتفجرات بيُسر لتحقيق فاعلية كبيرة في "نقاط الاختناق" مثل الأنفاق والممرات الجبلية الضيقة والجسور.

قنبلة نووية من النوع "و-54" (W54) في حقيبة محمولة!
قنبلة نووية من النوع "و-54" (W54) في حقيبة محمولة!

 

عقيدة التصعيد

الأسوأ من ذلك أن العقيدة النووية الروسية تفتح الباب حاليا بهذا النوع من التدرج، لفهم أعمق لتلك النقطة يمكن أن نتأمل وثيقة من ست صفحات نشرتها الحكومة الروسية 2 يونيو/حزيران 2020 تُحدِّد منظورها بشأن الردع النووي، بعنوان "المبادئ الأساسية لسياسة الدولة للاتحاد الروسي بشأن الردع النووي"19، وفيها يُعَدُّ التهديد الروسي بالتصعيد النووي أو الاستخدام الفعلي الأول للأسلحة النووية سلوكا من شأنه أن يؤدي إلى "خفض تصعيد" النزاع بشروط تخدم روسيا.

 

سياسة "التصعيد بغرض خفض التصعيد"20 (Escalate To De-Escalate) تعني ببساطة أن الروس قد يقفزون للخيار النووي في حالة هجوم غير نووي من قِبَل الخصم وجود الدولة نفسه في خطر، هذا النوع من التصعيد النووي يُهدِّئ الطرف الآخر ويُخفِّض من حِدَّة تصريحاته أو خطواته القادمة، كان هذا واضحا في التهديدات النووية التي انهالت على الناتو من قِبَل الحكومة الروسية في بداية الحرب الأوكرانية.

 

لهذه العقيدة تاريخ طويل متعلق بأن السلاح النووي هو أفضل الطرق في حالات الضعف، فحينما تراجع الاتحاد السوفيتي سياسيا وعسكريا خلال الحرب الباردة، ثم مع انهياره، كان الضامن الوحيد بالنسبة للروس هو السلاح النووي، بحيث مَثَّلَ أداة ردع رئيسية، وحتى مع خفض أعداد الرؤوس النووية -إستراتيجية كانت أو تكتيكية- كان الروس على وعي تام بضرورة أن يمتلكوا ما يكفي لمنع تهديد وجودهم، وهم الآن يشعرون بأن وجودهم ذاته مُهدَّد أثناء الحرب مع أوكرانيا.

اقرأ أيضا: ترسانة الشيطان.. هل روسيا جادة بشأن استخدام السلاح النووي؟

في تلك النقطة، يبرز السلاح النووي التكتيكي أداة لتصعيد متدرج من قِبَل الروس (والناتو على حدٍّ سواء)، لكن النهاية الحتمية للحرب التي تُستخدم فيها الأسلحة النووية التكتيكية هي كارثة بكل المقاييس، فصعود درجة واحدة من هذا السلّم ترفع جدا احتمال أن تستمر في الصعود، وفي مرحلة ما قد لا تتمكَّن من الرجوع، حتّى إن رغبت في ذلك. هذا ولم نتحدث بعد عما ستُثيره تحركات كتلك من رغبة دول أخرى، لم تشارك في الحرب، في تطوير قدراتها النووية، ويرتفع عدد الرؤوس النووية في العالم من جديد في سباق تسلح يعلم الله وحده إلى أي مدى سيصل، بعد أن وصل إلى حدٍّ أدنى حاليا يساوي 15 ألف رأس حربي بعد نهاية الحرب الباردة.

 

أول وآخر استخدام للسلاح النووي، من كل الأنواع، سواء كان إستراتيجيا أو تكتيكيا، حدث في اليابان سنة 1945، كلما ظهر صراع جديد ننتظر أن ينكسر ذلك الصيام، ويرتعب العالم من يوم يحدث فيه الاستخدام الثاني، لكن في المرة الأولى كان الأميركان فقط يستخدمون الرؤوس النووية، أما الآن فهناك جوقة واسعة من الاحتمالات، أحلاها مُرّ إلى درجة لا تتصورها!

————————————————————————————————————–

المصادر

1- Russia-Ukraine war: Lavrov warns of risk of nuclear conflict

2- Biden unveils $800 million in new Ukraine military aid, to ask Congress for more

3- Biden’s $33 billion Ukraine aid request hits early snag over Covid funding in Congress

4- ‘Limited’ Tactical Nuclear Weapons Would Be Catastrophic

5- Tactical Nuclear Weapons (TNW)

6- Tactical nuclear weapons, 2019

7- Non-Strategic Nuclear Weapons Special Report No 3 May 2012 By HANS M. KRISTENSEN

8- المصدر السابق

9- The Yasen-M and the Future of Russian Submarine Forces

10- Nuclear Notebook: How many nuclear weapons does Russia have in 2021?

11- This Russian Strike Fighter Would Spearhead Any Move on Ukraine: Su-34 Hellducks Over Kiev?

12- Kh-47M2 Kinzhal

13- Nuclear Notebook: How many nuclear weapons does Russia have in 2021?

14- The B61 family of nuclear bombs

15- OTR-21 Tochka (SS-21)

16- skander-M (SS-26)

17- The U.S. Military Once Had Nukes That Could Fit in a Backpack

18- The M28/M29 Davy Crockett Nuclear Weapon System

19- Basic Principles of State Policy of the Russian Federation on Nuclear Deterrence

20- Escalate To De-Escalate: Russia’s Nuclear Deterrence Strategy

المصدر : الجزيرة