عين على أوكرانيا وأخرى على تايوان.. الصين تقرأ خرائط الحرب الروسية

وقت كتابة هذه السطور، تشن القوات الأوكرانية المدعومة بسلاح غربي هجوما مضادا على القوات الروسية المتمركزة في شرق أوكرانيا، تحديدا في مدينة "خاركيف"، وسيُلقي نجاح هذا الهجوم الأوكراني المضاد من عدمه بظلاله على العملية العسكرية الروسية برُمَّتها، فلأول مرة منذ بدء الهجوم الروسي تصبح أوكرانيا في موضع الهجوم وروسيا في موقع الدفاع ولو لفترة مؤقتة.

 

المفارقة الأهم ربما أن هذه الوضعية الحالية للجيش الروسي في أوكرانيا والنتيجة التي ستؤول إليها الحرب لن تُحدِّد الوضع الأمني والجيوسياسي الأوروبي فحسب، بل سترسم ملامح المواجهة المتفاقمة على الجهة الأخرى من الكوكب في جنوب شرق آسيا، إذ تراقب الصين تطورات الحرب الروسية الأوكرانية من كثب، وتُقيِّم الإستراتيجية الروسية ومدى نجاحها في فرض معادلة جديدة، وقوة الرد الغربي ومدى صلابته وحجم تأثير العقوبات، وإلى أي مدى ستتماسك الديمقراطيات الغربية أمام أزمات الطاقة والغذاء الناتجة عن العقوبات على روسيا.

 

ما الذي تريده الصين تحديدا؟

يتفق كلٌّ من الرئيس الصيني "شي جينبينغ" وقيادات الحزب الشيوعي الصيني مع الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" وقيادات الكرملين في الرغبة بتقسيم العالم إلى مناطق نفوذ يهيمن عليها عدد قليل من الدول الكبرى. وتريد الصين أن تفرض هيمنتها السياسية على شرق آسيا، وتملك روسيا طموحا مماثلا في شرق أوروبا تسعى من خلاله إلى فرض معادلة جديدة على الأمن الأوروبي، ليُجبِر الطرفان أميركا على تقليص هيمنتها فتقتصر على غرب أوروبا والنصف الغربي من العالم.

Russian President Vladimir Putin attends a meeting with Chinese President Xi Jinping in Beijing, China February 4, 2022. Sputnik/Aleksey Druzhinin/Kremlin via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY.
الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" (يسار) مع الرئيس الصيني "شي جين بينغ" (يمين) (رويترز)

هذا النظام البديل الذي يريده الطرفان لن يدعو إلى أي قيم عالمية بديلة أو حقوق إنسان من نوع مختلف، بل على العكس تماما، ستسود فيه القيم المحافظة وإحياء الثقافات المحلية في مقابل قيم الليبرالية والعولمة، إذ يرى الرئيسان الصيني والروسي أن الليبرالية وحقوق الإنسان والديمقراطية هي خدع لتبرير التخريب الغربي لأنظمتهما، وأن مثل هذه الأفكار ستصبح قريبا من بقايا نظام دولي غير مستقر سيسقط تحت وطأة تناقضاته الداخلية، وسيحل محله تسلسل هرمي مبني على منطق القوة الخشنة الصريحة يعرف فيه كل بلد مكانه في ميزان القوى العام.

 

من هذا المنطلق تراقب الصين المشهد الروسي الأوروبي، ففي بداية الحرب، تطلَّعت بكين إلى أن تؤكد الحربُ الدعايةَ الصينية الداخلية حول عجز الغرب وتفضيله مصالحه الاقتصادية والتجارية على حساب اتخاذ موقف سياسي موحَّد وحازم ضد روسيا، فإذا عجز الغرب عن تشكيل إرادة سياسية موحَّدة لردع روسيا، فإن الصين يمكنها أن تمضي قُدما في تشكيل منطقة نفوذها التي تحلم بها في شرق آسيا. وبالفعل "توسَّعت الصين على صُعُد وجبهات مختلفة بعدوانية في السنوات الأخيرة، خاصة في بحار شرق آسيا، حيث تتحرك لترسيخ مزاعمها الإقليمية الواسعة. وتُنتج بكين اليوم السفن الحربية على نحو أسرع من أي دولة منذ الحرب العالمية الثانية، كما ملأت الممرات البحرية الآسيوية بالحرس الساحلي الصيني وبسفن الصيد، وزادت من استخدامها لاصطدام السفن والاعتراضات الجوية زيادة ملحوظة من أجل الدفع بجيرانها خارج المناطق المتنازع عليها. هذا وتطوف الدوريات العسكرية الصينية مضيق تايوان يوميا تقريبا، وتقوم بمحاكاة الهجوم على أهداف تايوانية وأميركية"، وكل هذا قبل اندلاع المواجهة الغربية مع روسيا، لكن نتيجة تلك المواجهة في شرق أوروبا هي ما سيُحدِّد للصين شكل وطبيعة وتكلفة الخطوة القادمة.

 

عند أي حديث عن طموحات الصين السياسية، تتجه الأنظار فورا إلى تايوان، حيث تطالب الصين بالسيادة على تايوان منذ الحرب الأهلية الصينية في الأربعينيات، عندما خسر القوميون بقيادة "تشيانغ كاي-شِك" أمام القوات الشيوعية بقيادة "ماو زيدونغ" وأقاموا وجودا في الجزيرة المجاورة. وقد انهارت المحادثات التايوانية الصينية عام 2016 بعد أن تولَّت رئيسة تايوان "تساي إنغ ون" منصبها بقيادة الحزب السياسي الذي تنتمي إليه، وهو حزب يعارض إعادة التوحيد مع الصين، ومنذ ذلك التاريخ تُحلِّق طائرات سلاح الجو التابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني بصورة شبه يومية وتخترق المجال الجوي التايواني.

رغم تعقيد الملف التايواني وحساسيته بالنسبة إلى الصين، فإن تايوان جزء من حلقة أعقد بالنسبة للصين في شرق آسيا. فعلى غرار روسيا، تشعر الصين أن الغرب والولايات المتحدة شكَّلا خلال العقود السابقة طبقة جيوسياسية عدائية حيال الصين، مما رسم حاجزا عسكريا داخل المجال الحيوي الصيني صُمِّم لاحتواء الصين ومنعها من التمدد في محيطها الإقليمي، وهو حاجز عسكري تتشكَّل طبقته الأولى من الدول المتاخمة للصين وعلى رأسها اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية وإندونيسيا والفلبين وفيتنام. وتُشكِّل تلك الطبقة الأولى رأس حربة لحرمان الصين من التمدد جويا وبحريا، ثم تأتي الطبقة الأعمق والأبعد في الاحتواء الجيوسياسي للصين والمكونة من دول مثل الهند وأستراليا وبريطانيا وأخيرا الولايات المتحدة، ويمكن النظر هنا إلى اتفاقية "أوكوس" التي وُقِّعت نهاية العام الماضي داخل هذا الإطار.

 

في هذا السياق، يبدو أن صعود الصين في محيطها الإقليمي سوف يحدث في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين والآسيويين على السواء، إذا أرادت الصين أن تبسط نفوذها على شرق آسيا، وهو سيناريو يشبه كثيرا سيناريو المواجهة الروسية مع الناتو والغرب حاليا، لكن هذا السيناريو بطبيعة الحال أوسع نطاقا وأشد خطورة من حيث تداعيات المواجهة المحتملة فيه إذا ما قررت الصين البدء في نسختها الخاصة من المواجهة مع الغرب لتشكيل مجال حيوي ومساحة نفوذ إقليمية، لا سيما وهي قوة عالمية صاعدة لا قوة في طور الأفول مثل روسيا الاتحادية.

 

تحفُّظ الصين وجموح روسيا

BEIJING, CHINA - APRIL 08: Chinese President Xi Jinping adjusts his jacket at a ceremony to honour contributions to the Beijing 2022 Winter Olympics and Paralympics at the Great Hall of the People on April 8, 2022 in Beijing, China. (Photo by Kevin Frayer/Getty Images)
الرئيس الصيني "شي جين بينغ" (غيتي)

بحلول عام 2030، تُشير التوقعات إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للصين سوف يتجاوز نظيره الأميركي لأول مرة، هذا فضلا عن حجم وميزان التبادل التجاري بين الصين والولايات المتحدة والغرب بصفة عامة الذي يصب في صالح الصين أيضا، وفي المقابل تعتمد روسيا أساسا على بيع المواد الخام والطاقة، فقبل ثلاثة عقود كان اقتصاد كلٍّ من روسيا والصين في الحجم نفسه تقريبا، أما الآن فقد صار اقتصاد الصين أكبر بعشر مرات من نظيره الروسي. ورغم كل تحفظات الصين على النظام الدولي، فقد ازدهرت الصين في ظل النظام الحالي بشكل لم يُتح لأي دولة أخرى في العالم عدا الولايات المتحدة نفسها، في حين أن روسيا ظلت في تراجع منذ أزمات الاتحاد السوفيتي الاقتصادية في سبعينيات القرن الماضي.

 

لذا نجد أن الصين نفسها متحفِّظة على الجموح الروسي في هدم أُسس النظام الدولي القائم، إذ تريد قيادات الحزب الشيوعي مراجعة بعض قواعد النظام لخدمة مصالحها بشكل أفضل ليس إلا، وتأمين صعودها المستمر والآخذ في التزايد من أي رد فعل غربي قد يعوق عملية التنمية الصينية الناجحة التي يقودها الحزب الشيوعي، وذلك على النقيض من بوتين الذي لا يملك أي أداة أخرى لممارسة النفوذ الروسي غير التهديدات التخريبية وقوة السلاح، وبالنظر إلى علاقاتها الاقتصادية مع أميركا وأوروبا، فإن للصين مصلحة أساسية في الاستقرار داخل النظام الدولي على عكس روسيا.

 

التحفظ الصيني على الجموح الروسي له أسباب أخرى لا تقل أهمية بالنسبة للحكومة الصينية، فحجم التبادل التجاري بين الصين وروسيا خلال العام الماضي هو 18% من حجم تجارة روسيا مع العالم بأسره. وفي المقابل يُمثِّل حجم التجارة بين البلدين أقل من 2.5% من حجم التجارة الصينية، وبهذه الأرقام تكون الصين أهم شريك تجاري لروسيا، لكن بالنسبة للصين فروسيا أقل أهمية بكثير، والنقطة الأهم أن حجم التبادل التجاري بين الصين وأعداء روسيا الحاليين، الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، أضعاف حجم التبادل التجاري مع روسيا، وهنا مرة أخرى نجد أن موقع الصين داخل النظام الدولي يحد من خياراتها في مجابهته.

بالاستمرار مع الفرضية ذاتها، ترى تحليلات أن وجود روسيا ضعيفة نسبيا يُناسب الصين بشكل ما، لأنه لن يكون أمام روسيا خيار إلا أن تكون مطواعة للصين بعد أن خسرت السوق الأوروبي تقريبا. وترغب الصين في الضغط على روسيا من أجل حق الوصول إلى الموانئ الروسية الشمالية لاستيعاب المصالح الصينية المتنامية شمال أوروبا، والحصول كذلك على موقع تفاوضي أفضل من أجل النفط والغاز الروسي الرخيص والتكنولوجيا العسكرية الحساسة، وربما تصاميم الأسلحة النووية المتقدمة.

 

مأساة سياسات القوى العظمى

في ضوء ذلك، تتفق غالبية التحليلات على أن الصين لن تذهب بعيدا في دعمها لروسيا في مواجهة الناتو، الذي بات واضحا للعيان أنه أخذ دفعة قوية مع توقع انضمام فنلندا إلى الحلف، وتنتشر الأحاديث في الإعلام الغربي عن احتمالية انضمام النرويج والسويد، مما يجعل روسيا أمام هزيمة إستراتيجية مؤكَّدة بوصول الناتو إلى حدودها الشمالية مع وجوده بالفعل على حدودها الجنوبية في تركيا، بغض النظر عن أي نتيجة تخرج بها روسيا من حربها في أوكرانيا.

 

يتوافق ذلك مع التحليلات القادمة من دوائر صناعة القرار في الحزب الشيوعي الصيني حول أن الناتو والغرب ستزداد قوتهم بشكل كبير بعد تعثُّر الجيش الروسي في أوكرانيا، وعجزه عن فرض معادلة إستراتيجية جديدة في شرق أوروبا، حيث سيستمر الناتو في التوسع وستزداد قوة الغرب السياسية والثقافية، وسيزداد نفوذ الولايات المتحدة في أوروبا وخارجها، وستُعزَّز القيم الليبرالية والحقوقية عبر العالم في مقابل تراجع كل القوى المناوئة لليبرالية داخل الغرب، والقوى المناوئة للغرب نفسه عبر العالم.

مأساة سياسات القوى العظمى للأكاديمي الأمريكي "جون مِرشايمر"
مأساة سياسات القوى العظمى للأكاديمي الأمريكي "جون مِرشايمر"

أمام هذه المعطيات، وهذا العالم الجديد قيد التشكُّل، تحسب الصين خطواتها القادمة جيدا، ما يقودنا في التحليل الأولي البسيط إلى أن الصين لن تُكرِّر ما تراه خطأ روسيا في تحدي الغرب والولايات المتحدة. لكن مع نظرة تحليلية وتاريخية أوسع، ينكشف لنا أن هذا التوقع ربما يكون متفائلا أكثر من اللازم، وفي العلاقات الدولية يبرز مفهوم جديد يسمى "مأساة سياسات القوى العظمى" الذي نحته الأكاديمي الأميركي "جون مِرشايمر" في كتاب بالعنوان نفسه "The Tragedy of Great Power Politics". وقد ذهب مِرشايمر إلى أن القوى العظمى، على عكس ما يوحي به اسمها، لا تملك الكثير من الخيارات في مجال العلاقات الدولية والأمن القومي، وفي مثال المواجهة الصينية الأميركية المتنامية، أوضح مِرشايمر أن الولايات المتحدة بوصفها قوة عُظمى ترى في الصين منافسا على الصعيد الدولي وتسعى لاحتوائها مبكرا قبل أن تصبح تهديدا حقيقيا لها في المستقبل. ومن ثم بدأت واشنطن في اتخاذ إجراءات احتوائية بغرض تحجيم هذا الصعود الصيني، وفي المقابل تنظر الصين إلى إستراتيجية الاحتواء الأميركية نظرة معاكسة بوصفها تحركات تطويق عدائية، ما يقودها في المقابل إلى تبني إستراتيجيات لحماية أمنها القومي من عدائية التحركات الأميركية، وهي الإستراتيجيات التي ستراها الولايات المتحدة بدورها تحركا عدائيا، فتبدأ في تعزيز إستراتيجيتها الخاصة، التي ستستفز الصين أكثر، وهكذا.

 

نقطة مِرشايمر الأساسية أن هناك معضلة أمنية تحكم إستراتيجيات القوى العُظمى، مفادها أن ما يقوم به طرف باعتباره فعلا دفاعيا يراه الطرف الآخر تحركا عدائيا. وهذه هي مأساة سياسات القوى العظمى، وهو ما سوف يقود الطرفين، الصين والولايات المتحدة، إلى الدخول في منافسة أمنية مكثفة، إذ إن القوى العظمى بطبيعتها لا تتحمل وجود منافس مكافئ لها في حيز ترى فيه مصالح حيوية لها. يُعيدنا ذلك إلى سيناريو المواجهة الروسية الغربية الذي خضع لسياسات القوى العظمى نفسها، حيث أخذ الناتو يتوسع في إجراء احتوائي ودفاعي بشكل رأت فيه روسيا اعتداء على مجالها التاريخي والحيوي، وتطويقا إستراتيجيا لها، ومن ثمَّ بدأت بالتصعيد العسكري لحماية أمنها القومي، وهي النظرة ذاتها التي تنظر بها الصين إلى النفوذ الأميركي والغربي في جنوب شرق آسيا.

 

من هذا المنطلق يبدو أن التنافس وسياسة التصعيد هي المصير الذي بدأ في التشكل منذ سنوات في جنوب شرق آسيا وبحر الصين الجنوبي. قد تتراجع الصين عن طموحاتها التوسعية مؤقتا أمام الإخفاق الروسي والتماسك المفاجئ لحلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة، وقد تطول الحرب في أوكرانيا وتتحوَّل إلى شكل أكثر قتامة وفوضوية في هيئة حرب مُدن لا ينتصر فيها أحد انتصارا صريحا، مع سلسلة من محادثات السلام لوقف إطلاق النار تنهار طيلة الوقت. وحين يحل فصل الشتاء، وتبقى أسعار الطاقة في أوروبا مرتفعة، ويستمر صمود الغرب أمام هذه التحديات أو ينهار لصالح موقف أكثر لينا تجاه روسيا، فإن كل هذا لن يُشكِّل مستقبل أوروبا وحدها، بل وسيرسم ملامح مستقبل المواجهة الأكثر خطورة على الجانب الآخر من العالم في الوقت نفسه.

المصدر : الجزيرة