اغتيال شيرين.. حين أخفقت إسرائيل في الكذب شرقا وغربا

Protest the killing of Al Jazeera journalist Shireen Abu Akleh in London- - LONDON, UNITED KINGDOM - MAY 14: People gather to protest the killing of Al Jazeera journalist Shireen Abu Akleh while covering an Israeli raid in West Bank, within events markings the 74th anniversary of the Nakba, also known as Day of the Catastrophe in 1948, in London, United Kingdom on May 14, 2022.

بعد مرور أكثر من 22 عاما على الحادثة الموثقة بالفيديو، لا يزال قادة دولة الاحتلال الإسرائيلي مُصِرّين حتى يومنا هذا على أن الطفل الفلسطيني محمد الدرة البالغ من العمر 12 عاما، الذي جلس يرتعد بجانب والده حين اخترقت عدة رصاصات جسده النحيل، قد قُتِل برصاصة فلسطينية وليس برصاص الجيش الإسرائيلي. أُعيدت هذه الحادثة إلى الأذهان مؤخرا بسبب اغتيال شيرين أبو عاقلة الصحافية في قناة الجزيرة، التي واصلت لأكثر من ربع قرن تغطية الانتهاكات الإسرائيلية في الضفة الغربية. ففي صباح الحادي عشر من مايو/أيار الحالي، قتلت إسرائيل أشهر وجوه الصحافة الفلسطينية بالرصاص وهي في طريقها لتغطية اجتياح قوات الاحتلال مخيم جنين الواقع شمال الضفة الغربية، فانضمت بذلك إلى أكثر من 50 صحافيا فلسطينيا قتلتهم إسرائيل منذ عام 2001، وفقا لنقابة الصحفيين الفلسطينية.

 

إسرائيل تتهرَّب من الجريمة

Family and friends carry the coffin of Al Jazeera reporter Shireen Abu Akleh, who was killed during an Israeli raid in Jenin in the occupied West Bank, during her funeral in Jerusalem, May 13, 2022. REUTERS/Ronen Zvulun
جنازة مراسلة الجزيرة شيرين أبو عقله

منذ اللحظة الأولى بدت دولة الاحتلال الإسرائيلي متخبطة حول مآلات جريمة اغتيال أبو عاقلة، فقد عجَّل ديوان رئيس الحكومة "نفتالي بينيت" ووزارة الخارجية والسفارة الإسرائيلية في واشنطن بنشر فيديو لا علاقة له بالحادث بُغية التهرُّب من المسؤولية، حيث ظهر في الفيديو صراخ أحد المسلحين الفلسطينيين قائلا: "لقد أصبنا الجندي"، للإيحاء بأن مسلحين فلسطينيين لربما أخطأوا وقتلوا أبو عاقلة. بيد أن الفلسطينيين من شهود ومؤسسات حقوقية كذَّبوا الادعاءات الإسرائيلية، إذ عزا الشهود الفلسطينييون القتل إلى القوات الإسرائيلية، وقالوا إن المباني المحيطة بالمنطقة امتلأت بالجنود الإسرائيليين، وأوضح منتج قناة الجزيرة الذي أُصيب في الحادثة نفسها "علي السمودي" من على فراش المستشفى أن القوات الإسرائيلية أطلقت الرصاص على شيرين، مؤكدا أنه لم يكن هناك مقاتلون فلسطينيون مسلحون في الجوار.

 

سرعان ما أظهرت تحقيقات أجرتها منظمات حقوقية إسرائيلية بالإضافة إلى صحافيين إسرائيليين يعرفون المكان تماما زيف المقطع الذي نشرته حكومة الاحتلال، وأن الساحة التي تضمَّنها الفيديو تختلف تماما عمَّا هو موجود في فيديو بثته قناة الجزيرة يوثق حادثة الاغتيال، وكانت منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية لحقوق الإنسان من أبرز الجهات التي فنَّدت الرواية الإسرائيلية الرسمية، حيث أظهر تحقيق أجراه أحد باحثيها زيف ادعاءات جيش الاحتلال بالتصوير الجوي للحادثة.

 

بعد مرور يوم على اغتيال أبو عاقلة، تراجعت دولة الاحتلال عن الرواية الأولى بأن رصاص المقاتلين الفلسطينيين الطائش هو مَن أصاب أبو عاقلة وقتلها، وبات مسؤولوها يُشيرون في تصريحاتهم إلى أنه من الممكن أن يكون أحد جنودها السبب في استشهاد الصحفية، وقد خرج هؤلاء للقول إن النتائج المؤقتة التي توصلت إليها القيادة المركزية للجيش بشأن مصدر إطلاق النار هذا الأسبوع غير حاسمة. فيما أكَّدت النيابة العامة الفلسطينية أن التحقيقات الأولية خلصت إلى أن مصدر إطلاق النار الوحيد في مكان الجريمة كان من قوات الاحتلال، وجاء في بيان النيابة أن القوات تعمَّدت ارتكاب الجريمة رغم أن شيرين ارتدت الزي الصحافي والخوذة الواقية، وأن إطلاق النار استمر إلى ما بعد إصابتها مما أعاق محاولات إسعافها.

يعقَّب الباحث المتخصِّص في الشأن الإسرائيلي "صالح النعامي" على الموقف الإسرائيلي المتخبط قائلا: "عندما لا تكون الحقيقة في صفك من الطبيعي أن تفشل كُل الادعاءات التي تُساق للتنصُّل من الجريمة، كل الوسائل ضد الدعاية الإسرائيلية بما فيها مسألة التوثيق من قِبَل القناة التي تعمل بها أبو عاقلة.. الجزيرة استطاعت أن توثِّق حادث الاغتيال بوضوح ومباشرة، وقد أظهر توثيقها بما لا يدع مجالا للشك أن الساحة التي كانت شيرين موجودة بها تختلف تماما عما نشرته الحكومة الإسرائيلية".

 

من جهته، يرى رئيس تحرير شبكة الهدهد للشؤون الإسرائيلية "سعيد بشارات" أنه بعد فشل الحجة الأولى للاحتلال بعدم مسؤوليته عن إطلاق النار وارتكاب الجريمة، فإنه يُحاول الآن التوجُّه نحو التشبث بالذريعة الأمنية من أجل الردع في الساحة الإسرائيلية، مضيفا: "تحاول إسرائيل من خلال الترويج لهذه الادعاءات الأمنية أن ترسم لنفسها صورة الدولة التي تحارب الإرهاب في جنين، وخاصة بعد عملية إلعاد التي وقعت في الخامس من مايو/أيار الحالي، وأسفرت عن مقتل ثلاثة إسرائيليين وإصابة آخرين".

 

عبر التركيز على القيمة الأمنية لوجود جيشها في مخيم جنين، تتراجع إسرائيل تدريجيا عن التنصل الكامل من الجريمة نحو التذرع القوي بأن وجود جيش الاحتلال في مخيم جنين جاء لمنع تنفيذ عمليات انطلاقا من المخيم، ومن ثمَّ فإن ما قامت به عمل أمني مشروع، وفي إطار هذا العمل يُمكن أن يُصاب أشخاص غير متورطين عن طريق الخطأ.

 

إسرائيل واختلاق الروايات

Family and friends carry the coffin of Al Jazeera reporter Shireen Abu Akleh, who was killed during an Israeli raid in Jenin in the occupied West Bank, as clashes erupted with Israeli security forces, during her funeral in Jerusalem, May 13, 2022. REUTERS/Ammar Awad (REUTERS)

"لكشف الحقيقة، يجب أن يكون هناك تحقيق حقيقي، والفلسطينيون يمنعون ذلك حاليا.. بدون تحقيق جاد لن نصل إلى الحقيقة"، هكذا تحدَّث رئيس الوزراء الإسرائيلي "نفتالي بينيت". وعلى طريقته، تحدَّث مسؤولون في دولة الاحتلال عن ضرورة إجراء تحقيق في حادثة مقتل شيرين، وطلبوا من السلطة الفلسطينية المشاركة في ذلك، لكن طلب تشكيل لجنة تحقيق مشتركة أتى بمنزلة خبر ساخر، حيث قرَّرت إسرائيل ببساطة أن تمنح الفرصة للمتهم بالقتل كي يشارك في التحقيق بنفسه.

 

يعج سجل الحكومة الإسرائيلية بالجرائم التي طال فيها أمد التحقيقات لفترات طويلة، قبل أن تصل إلى طريق مسدود في النهاية وتعجز عن محاسبة القادة العسكريين، بل ولا تسمح إسرائيل بإجراء تحقيقات دولية في انتهاكاتها أصلا، وقد اختارت في السنوات الأخيرة عدم التعاون أو إتاحة الوصول إلى لجان الأمم المتحدة أو المقررين التابعين لها. وكما قال المدير التنفيذي لمنظمة بتسيلم الحقوقية "حجاي إلعاد": "لا ينبغي لأحد أن يُصدِّق الوعود الإسرائيلية بالتحقيق فيما حدث، لأن الوعد بإجراء التحقيقات ليس سوى خطوة أولى في التبييض المنظم لجرائم إسرائيل".

 

على أي حال، يظهر بوضوح أن محاولة تمرير الرواية الإسرائيلية على مستوى العالم هذه المرة تواجه معوقات عدة، إذ إن بشاعة الجريمة وتوثيقها والشهود عليها من ألفها إلى يائها أفشلت أي محاولة للتضليل. وقد كان وراء هذا الفشل عدة اعتبارات، منها أن إسرائيل تتعامل في هذه القضية مع قناة الجزيرة القوية إعلاميا، حيث إن الفيديو الموثق الذي نشرته القناة لاغتيال أبو عاقلة يناقض بوضوح رواية الجيش الإسرائيلي.

في هذا السياق، يؤكد المحلل المختص بالشأن الإسرائيلي "عادل شديد" في حديثه لميدان أن إسرائيل تواجه أزمة دولية حقيقية في تمرير روايتها، قائلا إن "ما حدث يُشير إلى عجز إسرائيل حتى عن إقناع حلفائها وأصدقائها بروايتها، لا سيما أن شيرين معروفة بمهنتها الإعلامية على المستوى العربي والدولي". وقد أشار شديد إلى أن كل هذه المتغيرات أدت إلى التعاطف العالمي الواسع مع شيرين، فلم يعد الأمر مقتصرا على الساحة الفلسطينية فحسب، وتابع: "هناك إجماع عالمي على إدانة إسرائيل وأن الجنود الإسرائيليين هم مَن قتلوها، وتسليط متزايد للضوء على أن إطلاق النار على الفلسطينيين من جانب الإسرائيليين لا حدود له".

 

فيما يؤكد الكاتب الفلسطيني المخضرم "طلال عوكل" أن ما صعَّب على إسرائيل تمرير روايتها هو أن الرواية الإسرائيلية تضاربت في تبرير الجريمة للعالم بشكل جعل قبولها مستحيلا، إذ إن إسرائيل بدَّلت روايتها أربع مرات في يوم واحد ما بين رفض الجريمة ورفض تحمُّل مسؤوليتها وتوجيهها لمقاتلين فلسطينيين ثم محاولة تبريرها بالعملية الأمنية. وقد أضاف عوكل في حديثه إلى "ميدان" قائلا: "هناك اعتراف شبه رسمي بارتكاب إسرائيل للجريمة الآن، واعتراف مبكر من منظمة حقوق الإنسان بتسيلم، وهذا لا يضرب فقط مصداقية إسرائيل وإنما يؤكد مرة أخرى أن الروايات الإسرائيلية عموما لطالما كانت كاذبة، وهو ما يزيد من القدرة على فضحها في المستقبل".

 

وقد بيَّن عوكل أن إسرائيل بعد تخبُّطها وفشلها في التنصُّل من الجريمة انتهى بها الأمر إلى محاولة التهرُّب من مسؤوليتها باقتراح لجنة تحقيق فلسطينية-إسرائيلية مشتركة، كي تمنح نفسها المزيد من الوقت. وشدَّد عوكل على أن إسرائيل وقعت في مصيدة تطرُّفها المتزايد وقراراتها وسياساتها الإجرامية المتنامية طيلة العقدين الماضيين، فقد أضحى العالم يُتابع ما جرى، وهناك ردود فعل من شتى أنحاء العالم حول الجريمة، وهو ما نراه في انهيار الرواية الإسرائيلية سريعا على عكس ما حازته في السابق من قدرة أكبر على إقناع قطاعات غربية على الأقل.

 

ماذا بعد الحادثة؟

Pro-Palestinian demonstrators hold placards with the pictures of Al Jazeera reporter Shireen Abu Akleh, who was killed during an Israeli raid in Jenin, during a protest outside the Israeli consulate in Istanbul, Turkey May 12, 2022. REUTERS/Dilara Senkaya

"لسنا طرفا في أي تحقيق بشأن مقتل الصحافية شيرين أبو عاقلة، ونعمل على إجراء تحقيق إسرائيلي-فلسطيني مشترك"، بعد ساعات قليلة مرَّت على مشاهد اعتداء قوات الاحتلال الإسرائيلي على جنازة الصحفية شيرين أبو عاقلة، قالت المتحدثة باسم الابيض "جين بساكي" كلماتها تلك، وقد اكتفت بالتعقيب على مشاهد الاعتداء على موكب الجنازة بالضرب المبرح للمشاركين قائلة: "لقد شاهدنا كل هذه الصور، إنها تثير انزعاجا كبيرا، نأسف للتدخل فيما كان ينبغي أن يكون جنازة هادئة".

 

إن مقتل شيرين التي تحمل الجنسية الأميركية كان من المتوقع أن يضيف بُعدا ما للاهتمام الأميركي بحادثة قتلها، لكنَّ الأميركيين اكتفوا بالدعوة إلى إجراء تحقيق مشترك بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وهو ما يعني أن الدولة الحليفة لإسرائيل قد نفضت يدها من القضية التي تشغل العالم وإن تعاطف جزء من الرأي العام فيها -لا سيما في صفوف الجناح الأكثر راديكالية بالحزب الديمقراطي- مع القضية الفلسطينية بصورة متزايدة.

 

بدورهم، قال خبراء حقوق الإنسان التابعون للأمم المتحدة إن "انعدام المُساءلة يعطي تفويضا مطلقا لمواصلة سلسلة عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء"، مؤكدين أن استهداف الصحافيين العاملين في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفشل السلطات الإسرائيلية في التحقيق بشكل مناسب في مقتل الإعلاميين ينتهك الحق في الحياة. ومع مرور الأيام على وفاة شيرين دون أن يهدأ الرأي العام الذي هبَّ للدفاع عنها، يتضح أن دولة الاحتلال لم تعُد قادرة على كسب معركة الرأي العام بسهولة، ولربما تتعقَّد حساباتها بشأن اجتياح جنين الذي يُقال إنها تسعى إلى تنفيذه هذا الصيف.

LONDON, ENGLAND - MAY 14: Demonstrators hold placards depicting press flak vests during the Free Palestine, End Apartheid protest outside BBC Broadcasting House May 14, 2022 in London, England. Al Jazeera journalist Shireen Abu Akleh was shot and killed by Israeli forces whilst reporting on raids in the West Bank on Wednesday. UN human rights experts have condemned the killing. (Photo by Hollie Adams/Getty Images)

إذن، تواجه إسرائيل الآن قضية لن تمر مرور الكرام، فهي تقف أمام جريمة فاضحة وواضحة لا مجال فيها للتحايل والالتباس، ولا يمكنها المكابرة هذه المرة رغم آلة أكاذيبها التي أثبتت فعاليتها في صفوف الرأي العام الغربي سابقا، إذ سجَّلت عدسات الشبكة الإعلامية الأكبر في العالم العربي جريمتها بجلاء، وحازت تلك اللحظات القاسية على شاشة الكاميرا تعاطف الملايين من العرب وغير العرب.

 

لذا تواجه تل أبيب اليوم مهمة شاقة في التخفيف من حِدَّة الغضب الدولي والإقليمي جراء اغتيال شيرين أبو عاقلة عبر البحث عن عدة وسائل للإفلات من الحساب، منها ربما العدول عن سياسة الاعتقالات المكثفة في الضفة الغربية، وربما التراجع ولو مؤقتا عن مخطط اجتياح جنين، ومحاولة إقناع الرأي العام الدولي أن القتل تم عن طريق الخطأ في خضم عملية أمنية. وقد تقرِّر إسرائيل بدلا من ذلك أنها خسرت ما خسرته إلى غير رجعة في تلك الحادثة، وأن من الأفضل لها أن تواصل نهج القبضة الحديدية لتحقيق ما أمكن تحقيقه من مكاسب، ومن ثم تسرِّع وفق هذا السيناريو من وتيرة اعتقالاتها وقمعها للفعاليات الفلسطينية في الضفة والقدس، وتسارع إلى تنفيذ عملية اقتحام مخيم جنين.

 

على أي حال، وكما أثبتت حرب غزة الأخيرة وملف الشيخ جراح وأحداث المسجد الأقصى في رمضان الماضي وهروب المعتقلين من سجن جلبوع وانتفاضة عرب 48 وغيرها، فإن القضية الفلسطينية استعادت سخونتها، وستحمل أيامها القادمة أحداثا جديدة لربما تُفسِد على الحكومة الإسرائيلية مخططاتها لتصفية القضية برُمَّتها، وتُعطِّل أيضا قطار التطبيع المتسارع مع عدة دول عربية. لطالما اتكأت إسرائيل على آلتها الإعلامية وفعاليتها في الغرب، ومن ثمَّ فإن استهدافها صحافية في وضح النهار وفي زمن الإنترنت والتواصل الاجتماعي العالمي يضرب قدرتها على الكذب ضربة موجعة، وسيدفعها في قادم الأيام إلى إعادة النظر في موقعها الدولي، الذي ما لبثت تحاول ترميمه بدعم أوكرانيا في مواجهة روسيا والانحياز إلى المعسكر الغربي، الذي اعتاد غض الطرف عن جرائمها على طول الخط، ودعمها بلا شروط.

المصدر : الجزيرة