شهداء الميدان.. لأن شيرين أبو عاقلة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة

شهداء الميدان.. لأن شيرين أبو عاقلة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة

حُفر صوتها في القلوب ووجهها في الأذهان، لتصبح تغطياتها الإخبارية منذ بدأت عملها مراسلة صحفية في قناة الجزيرة عام 1997 بمثابة أيقونة لا يكاد يخطئها أحد، ويشكّل حضورها على الشاشات وصوتها المميز جزءا أساسيا من الوعي العام بالصراع العربي-الإسرائيلي.

 

على مدار نحو ربع قرن، غطت شيرين أبوعاقلة الأحداث المتتالية، كانت دائما في وسط الميدان: وقفت في قلب أحداث الانتفاضة الفلسطينية التي بدأت في عام 2000، كما غطت اجتياح مخيم جنين وطولكرم عام 2002، وكانت أول صحفية عربية تدخل إلى سجن عسقلان في 2005 لتغطية أحوال الأسرى الفلسطينيين فيه، كما غطت أحداث حي الشيخ جراح. وفي صباح الأربعاء 11 مايو/أيار خرجت شيرين لممارسة عملها لتغطية أخبار اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي لمخيم جنين، دون أن تعلم أنها ستتحول هي نفسها إلى خبر حين أصابتها رصاصات الاحتلال في مقتل.

"اخترت الصحافة كي أكون قريبة من الإنسان. ليس سهلا ربما أن أغيّر الواقع، لكنني على الأقل كنت قادرة على إيصال ذلك الصوت إلى العالم.. أنا شيرين أبو عاقلة"

 

 

 

كانت شيرين أبو عاقلة، المولودة في يناير/كانون الثاني عام 1971 في القدس، قد درست الهندسة المعمارية في جامعة العلوم والتكنولوجيا في الأردن قبل أن تتجه إلى دراسة الصحافة وتحصل على بكالوريوس الصحافة والإعلام من جامعة اليرموك. عملت في عدد من المؤسسات الإعلامية مثل إذاعة صوت فلسطين، وبداية من عام 1997 انتقلت إلى العمل في قناة الجزيرة الفضائية بعد عام واحد من انطلاقها لتصبح واحدة من أوائل المراسلين الميدانيين للقناة في فلسطين.

 

في حديث لشبكة الجزيرة، أشارت شيرين إلى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي كانت تتهمها بتصوير المناطق الأمنية الممنوعة، وصرحت أنها كانت تشعر باستمرار بأنها مستهدفة. وقد أضافت في سياق آخر أنها -كأي إنسان طبيعي- تشعر بالقلق والخوف، لكن حينما يقع حدث ما تشعر أن مكانها الطبيعي هو الميدان لا المكتب. وبالفعل استشهدت في مكانها الذي اختارت الانتماء إليه، في الميدان.

 

ليست الأولى.. وربما لا تكون الأخيرة

مع الأسف لم تكن شيرين أبو عاقلة أول من يُقتَل من الصحفيين خلال ممارسة عمله، وربما لن تكون الأخيرة، في فلسطين وحدها سُجّلت مئات الانتهاكات تجاه الصحافيين من القوات الإسرائيلية ما بين إصابات وقتل وانتهاكات أخرى متنوعة. فوفقا لتصريح وليد العمري مدير مكتب الجزيرة في فلسطين خلال مؤتمر صحفي في نابلس يوم الأربعاء، فقد قتل الاحتلال الإسرائيلي 55 صحفيا فلسطينيا خلال عملهم الصحفي منذ انتفاضة الأقصى عام 2000.

 

لا يقتصر الأمر على الساحة الفلسطينية على ما يبدو، حيث يتعرض الصحفيون والمراسلون في جميع أنحاء العالم أثناء قيامهم بأداء مهامهم الصحفية إلى الخطر، ابتداءً بالتضييق الأمني وليس انتهاءً بالاستهداف عن عمد. وقد أدانت منظمة "مراسلون بلا حدود" واقعة مقتل شيرين أبو عاقلة، وأكدت على أن مقتلها يعد "انتهاكا لاتفاقية جنيف وقرار مجلس الأمن الدولي رقم (2022) بشأن سلامة وحماية الصحفيين".

 

وبحسب تقارير المنظمة، قُتل أكثر من 149 صحفيا خلال الأعوام الثلاثة الماضية أغلبهم في دول لا تشهد حروبا. وقد قُتل عدد منهم في ظروف وحشية وتم استهدافهم والتخلص منهم عمدا.

Lebanese journalists hold pictures of Al Jazeera reporter Shireen Abu Akleh, who was killed during an Israeli raid in Jenin in the occupied West Bank, to express solidarity, in front of the U.N. building in Beirut, Lebanon May 11, 2022. REUTERS/Mohamed Azakir

قائمة ممتدة

ضمت القائمة العديد من الأسماء المحفورة بالدم، لعل من بين آخرهم "بيير زاكريفسكي" مصور قناة فوكس نيوز، والصحفي الأميركي "برنت رينود"، وكلاهما قُتلا في مارس/آذار الماضي خلال تغطية الغزو الروسي لأوكرانيا. وطبقا لتقرير منظمة مراسلون بلا حدود، فإن 6 صحافيين من بين 7 قتلوا خلال عملهم في تغطية الصراع في أوكرانيا، "جرى استهدافهم بشكل متعمد من قبل القوات الروسية"(1).

 

وهناك أيضا الصحفي "خوليو فالديفيا" الذي وُجد مقتولا في المكسيك بعد فصل رأسه عن جسده، وذلك عقب تلقيه العديد من التهديدات لأشهر قبل مصرعه. وتُصنَّف المكسيك أنها الأخطر عبر العالم للصحفيين، فمنذ 2000 قُتل حوالي 150 صحفيا، ونادرا ما تم الوصول للجناة أو معاقبتهم(2).

 

وفي ديسمبر/كانون الأول 2012 قُتل المصور الصحفي المصري "الحسيني أبو ضيف" أثناء تغطية التظاهرات في محيط قصر الاتحادية في القاهرة، كما قُتل المصور الصحفي المصري "أحمد عاصم السنوسي" في يوليو/تموز 2013 خلال ما عُرف وقتها بأحداث الحرس الجمهوري، وفي مارس 2014 قُتلت الصحفية المصرية "ميادة أشرف" برصاصة في رأسها أثناء تغطيتها أحداث مظاهرة بالقاهرة.

epa05233760 Egyptian protesters hold candles and posters depicting killed journalist Mayada Ashraf during a protest outside the Egyptian Press Syndicate in downtown Cairo, Egypt, 28 March 2016. Journalists and protesters gathered to mark the second anniversary of the killing of young journalist Mayada Ashraf, who was shot dead on 28 March 2014. Protesters chanted anti-government slogans and demanded the release of jailed journalists. According to the Committee to Protect Journalists, 23 journalists were in jails in Egypt by the end of 2015. EPA/KHALED ELFIQI

كما قُتلت الصحفية البلغارية "فيكتوريا مارينوفا" التي تعرضت للاغتصاب والتعذيب قبل أن تُقتل خنقا وكانت تعمل قبل مقتلها على تغطية قضية فساد محتملة، وقُتل الصحفي السلوفاكي "جان كوسياك" وخطيبته رميا بالرصاص على خلفية تحقيقاتهما في التهرب الضريبي من جانب رجال أعمال موالين للأحزاب السياسية، واغتيل الصحفي اللبناني "سمير قصير" في يونيو/حزيران 2005 عقب تفجير قنبلة أسفل سيارته بمنطقة الأشرفية في بيروت.

 

وقُتلت الصحفية الألمانية "كارين فيشر" في أفغانستان عام 2006 بالرصاص في خيمتها أثناء إقامتها في شمال أفغانستان، فيما قُتلت الصحفية اليمنية "رشا عبد الله" إثر تفجير سيارتها بعبوة ناسفة في العاصمة المؤقتة عدن، كما قُتل الصحفي السعودي "جمال خاشقجي" في أكتوبر/تشرين الأول 2018 في عملية قتل وحشية داخل القنصلية السعودية في إسطنبول(3).

 

بالمثل، قُتل "جيمس فولي" المراسل الحربي لـ"جلوبال بوست"، حيث اختُطف على أيدي مسلحين من تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في عام 2012، ليظهر بعد عامين من اختفائه في مقطع فيديو قاس لعملية قطع رأسه. وطبقا لتقرير"الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، فقد قُتل 711 من الصحفيين والعاملين في مجال الإعلام منذ بدء الثورة والحرب في سوريا مطلع العقد الماضي(4).

 

ولا تقتصر المخاطر التي يواجهها الصحفيون على القتل فقط، فطبقا لتقرير صادر عن لجنة حماية الصحفيين، بلغ في عام 2021 عدد الصحفيين السجناء حول العالم 293 صحفيا سجينا.

 

استهداف مضاعف للصحفيات

SENSITIVE MATERIAL. THIS IMAGE MAY OFFEND OR DISTURB A colleague reacts next to the dead body of Al Jazeera journalist Shireen Abu Akleh, who was killed by Israeli army gunfire during an Israeli raid, according to the Qatar-based news channel, in Jenin in the Israeli-occupied West Bank, May 11, 2022, in this still image from a handout video. Israeli military said Abu Akleh may have been shot by Palestinians as they clashed with its troops. Al Jazeera/Handout via REUTERS THIS IMAGE HAS BEEN SUPPLIED BY A THIRD PARTY TPX IMAGES OF THE DAY
لحظة استشهاد الصحفية شيرين أبو عاقلة

وإذا كانت الصحافة هي مهنة المخاطر والمتاعب للرجال، فإن هذه المخاطر تكون مضاعفة عند النساء. في وقت سابق، طالب وزير خارجية جزر المالديف "عبد الله شهيد" رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السادسة والسبعين من الدول الأعضاء الاعتراف بتأثر الصحفيات في كثير من الأحيان بشكل أكبر من قبل كارهي النساء الذين يرغبون في جعل الصحافة مهنة غير آمنة لهن، وذلك في إطار احتفالية اليوم العالمي لإنهاء الإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة بحق الصحفيين عام 2021.

 

خلال كلمته آنذاك، أكد "شهيد" أن هناك التزاما جماعيا بضمان بقاء الصحافة آمنة للنساء، ووَضْع حد للمضايقات والبلطجة والتهديدات التي تستهدف جنسهن. ولا تقتصر التهديدات التي تواجه الصحفيات على التهديدات الجسدية فقط، بل تمتد لتشمل أشكالا جديدة من التهديدات عبر الإنترنت؛ ما يؤثر على سلامتهن النفسية والعقلية، وقد تتصاعد في حالات متطرفة وصولا إلى القتل، كحالة مقتل الصحفية المالطية "دافني كاروانا غاليزيا"(5).

 

في استطلاع أجراه الاتحاد الدولي للصحفيين عام 2017 وشمل 400 صحفية من 50 دولة، تبين أن 48 منهن تعرضن للعنف القائم على أساس النوع الاجتماعي في العمل بأشكال متعددة شملت العنف اللفظي والنفسي والجسدي والتحرشات الجنسية(6)، بينما تعرض 44% منهن للعنف الرقمي على الإنترنت، وقد توصّل الاستطلاع إلى أن 26% فقط من الصحفيات المشاركات يعملن في أماكن لديها سياسة تغطي العنف القائم على النوع الاجتماعي والتحرشات الجنسية.

 

في ضوء هذه المخاطر المتزايدة، بادرت "هانا ستورم" إلى تأسيس مؤسسة "Headlines Network" بهدف الترويج لمزيد من المحادثات المفتوحة حول الصحة العقلية في وسائل الإعلام. تحدثت "هانا" بانفتاح عن تعرضها للإصابة بكرب ما بعد الصدمة نتيجة ما مرت به خلال عملها مراسلة صحفية، وكان من بين ما تعرضت له حادثَا اعتداء جنسي أثناء أداء عملها مراسلة في هايتي عام 2010. تركت "هانا ستورم" العمل مراسِلة في العام نفسه، وتخصصت في تقديم المشورة للعاملين بغرف الأخبار بشأن سلامة الصحفيين النفسية وقضايا الصحة العقلية، مؤكدة أنها لم تستطع أن تشارك قصتها الشخصية قبل مرور 8 أعوام كاملة على حدوثها(7).

 

الأمان أولا من أجل صحافة حرة

A member of the local media records a fire at the Comayaguela market in Tegucigalpa February 18, 2012. REUTERS/Jorge Dan Lopez (HONDURAS - Tags: DISASTER MEDIA SOCIETY)

هل يمكن أن ننتظر صحافة حرة في ظل عدم شعور الصحفيين بالأمان؟ تحمل مهنة الصحافة عموما، والصحافة الميدانية خصوصا، مخاطرها التي يعرفها العاملون بها، لكن المخاطر تتضاعف في ظل تزايد الانتهاكات الميدانية، سواء من الحكومات أو الأنظمة السياسية وسلطات الاحتلال أو من المنظمات الإرهابية. في النهاية، يواجه الصحفيون الرصاصات الطائشة والمقصودة عراة من أي حماية، حيث تُرتكَب الجرائم في حقهم أحيانا على الهواء مباشرة ويفلت المجرمون من العقاب.

 

وفقا لـ"رودني بيندر"، المدير التنفيذي للمعهد الدولي لسلامة الأخبار، ينفق المجتمع الدولي حوالي 250 مليون دولار سنويا على تطوير الإعلام حول العالم، مضيفا أنهم "يدربونهم كي يصبحوا صحفيين محترفين ويخاطروا بحياتهم، لكنهم لا يدربونهم على كيفية حماية أنفسهم"؛ ما يجعل مهمة الحماية هذه تقع على عاتق الصحفيين أنفسهم في نهاية المطاف.

 

في هذا الإطار، توفر لجنة حماية الصحفيين مجموعة أدوات الأمان الرقمي بعدة لغات من بينها العربية، كما توفر الشبكة العربية للصحافة الاستقصائية دليل السلامة والأمان الذي توفر من خلاله مجموعة من الأدلة الرئيسية المتاحة في هذا الإطار، من بينها دليل الأمان في تغطية الاحتجاجات، ودليل السلامة للصحفيات، وغيرها من الأدلة التي ننصح جميع الصحفيين بالاطلاع عليها وتطبيق ما جاء فيها، بالإضافة إلى برامج تدريبات السلامة والأمان التي يتلقونها في مؤسساتهم الصحفية.

 

ماذا عن السلامة النفسية؟

A Palestinian protester jumps away from incoming tear gas fired by Israeli security forces during a protest against the construction of the controversial Israeli separation barrier in the West Bank village of Bilin near Ramallah May 8, 2009. REUTERS/Darren Whiteside (WEST BANK CONFLICT POLITICS IMAGES OF THE DAY)

لا تقتصر مخاطر العمل الصحفي على القتل والانتهاك، فحتى من يعود إلى بيته سليم الجسد، يعاني نفسيا مما يقابله في الميدان، مشكلات القلق والاكتئاب وكرب ما بعد الصدمة تعتبر من التأثيرات الشائعة على الصحة العقلية في أوساط الصحفيين(8)، كما يتعرضون لظواهر مثل الاحتراق الوظيفي وإرهاق التعاطف والشعور بالذنب بسبب النجاة من حوادث لم ينج منها الآخرون. ولا تقتصر هذه الأضرار النفسية على المراسلين العاملين في ميادين الصراع والكوارث الطبيعية فقط، بل تمتد أيضا لهؤلاء العاملين في غرف الأخبار (وفي هذا السياق، نرشح هذا المساق المقدَّم من منصة إدراك حول إدارة القلق والصدمات النفسية للصحفيين والعاملين في مجال الإعلام، وكذلك هذا الدليل المقدم من مركز دارت).

 

في أحد لقاءاتها، تحدثت شيرين أبو عاقلة عن الأمان بوصفه أولوية في الميدان وعن إجراءات السلامة الشخصية وإجراءات حماية الطاقم، وقد ظهر ذلك بوضوح في مشهد النهاية، حيث قُتلت وهي ترتدي سترة الصحافة وخوذة الحماية، رغم أن ذلك لم يكن كافيا في النهاية لوقايتها من رصاصات الاحتلال التي استهدفتها بدقة فأردتها شهيدة.

 

لقد استطاعت شيرين ببطولاتها في الميدان أن تلهم آلاف النساء في العالم العربي، فبعد مقتلها انتشرت العديد من التغريدات والمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي على ألسن نساء وفتيات يخبرن حكاية واحدة -وإن اختلفت تفاصيلها- عن كيف كُنّ يقفن أمام المرايا أو الأصحاب أو في التجمعات العائلية ليتظاهرن بأنهن صحفيات ويقلدن شيرين أبو عاقلة، ليكبرن وهي جزء من وجدانهن وملهما أساسيا لكل واحدة منهن في ميدانها.

—————————————————————————–

المصادر

  1. الاعتداءات على الصحافة: البلدان الأشد فتكا بالصحفيين في عام 2021 – Committee to Protect Journalists
  2. المصدر السابق
  3. حراس الكلمة كيف يمكن حماية الصحفيين:
  4. التقرير السنوي عن أبرز الانتهاكات بحق الإعلاميين في سوريا
  5. Concept Note for the Commemoration event of the 2021 International Day to End Impunity for Crimes Against Journalists
  6. IFJ survey: One in two women journalists suffer gender-based violence at work
  7. هانا ستورم
  8. Job demands, coping, and impacts of occupational stress among journalists: a systematic review
المصدر : الجزيرة