شعار قسم ميدان

بين واشنطن وموسكو.. الخيارات الصعبة لدول الخليج في أزمة أوكرانيا

يخترق الجيش الروسي أوكرانيا من كل الجهات، فتدوي صافرات الإنذار في أوروبا، ويتردَّد صداها في الخليج العربي، ويتوقَّف الغرب كما الشرق عند مواقف بلدان تسبح فوق أكبر احتياطيات للطاقة في العالم، ويُمكنها بما تملكه من احتياطيات وقدرات إنتاجية ضخمة إبقاء سوق الطاقة مستقرا، دون أن تتأثر أوروبا، حال فرض الحلفاء بقيادة الولايات المتحدة عقوبات فتاكة على روسيا التي تغطي حاجة القارة العجوز بنحو 40% من الغاز و30% من النفط. فبدون العرب، لن يتمكَّن خصوم موسكو من نزع يدها عن سوق الطاقة الأوروبي المُحكم، لكن كيف السبيل إلى ذلك وثمة مصالح عديدة وإستراتيجية تربط الخليج بأطراف الأزمة؟

من المفارقات أن مع ارتفاع أسعار النفط والغاز، برزت دول الخليج كأبرز الرابحين في معادلة بها رابحون قلائل ومتضرِّرون كُثر. ورغم ذلك، تسعى تلك الدول بحذر ونَفَس طويل لعدم تعظيم المكاسب المالية، دون النظر إلى ما تفرضه السياسة من مصالح بعيدة. ففي حين أن لدى الغرب مصلحة راسخة معلنة في تلك الحرب، هي ردع روسيا خوفا من إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وإحياء حُلم سوفيتي قديم قد يبتلع أوروبا، فإن العرب ليسوا كذلك، وهم يقولون إنه لا يمكن لأحد الرهان بأن روسيا ستغيب عن المشهد الدولي، أو إنها لن تكون مهمة حال خسارتها، وهي كلها محددات صنعت موقف دول الخليج من الأزمة الحالية، بين صمت وحياد وانحياز غير مُعلن.

الحج بعيدا عن واشنطن

وفقا لمزاعم صحفية نقلتها صحيفة وول ستريت جورنال، حاول الرئيسُ الأميركي جو بايدن التواصل مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، دون جدوى. محاولة اتصال فاشلة تكرَّرت أيضا مع ولي عهد الإمارات، محمد بن زايد، جعلت بايدن محل انتقاد لاذع في الإعلام الأميركي، قبل أن يتدخَّل البيت الأبيض لنفيها. وسواء صحَّت وقائع المكالمات أو كذبت، كان القادة الخليجيون يعلمون أن مساعي واشنطن ستنحصر في طلب واحد، هو ضخ مزيد من النفط بعد مقاطعة الولايات المتحدة الإنتاج الروسي. هذا وسبق أن رضخت المملكة مرتين لطلب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بتعديل إنتاجها من النفط، مرة عام 2018، ومرة أخرى عندما طالبها بخفض الإنتاج عام 2020، لكنَّ المياه الجارية بين الدولتين أصابها الركود بعد فوز بايدن في الانتخابات الأميركية كما لا يخفى على الجميع.

جفاء العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة يكشفه تصريح لولي العهد السعودي، بأن المملكة قد تختار تقليص الاستثمارات في الولايات المتحدة، وأنه لا يهتم إذا أساء الرئيس جو بايدن فهمه من عدمه، وذلك ردا على ما تصفه تقارير أجنبية بأن بايدن قرَّر تجاهله مقابل التحدث فقط مع أبيه الملك. ولا تنحصر المشكلات بين الولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين عند الشقيقة الكبرى فحسب، فالإمارات لم تستجب هي الأخرى لمطالب واشنطن، وبدلا من ذلك، هاتف ولي عهدها الرئيس الروسي، وأكَّد علانية ما وصفه بـ"حق روسيا في ضمان أمنها الوطني"، لتُسارِع بعدها أبو ظبي التي تترأس حاليا رئاسة مجلس الأمن الدولي إلى الامتناع عن التصويت مرتين على مشروع القرار الأميركي لإدانة روسيا (قبل أن ترضح لضغوط واشنطن وتصوت لإدانة روسيا في المرة الثالثة).

بدا واضحا أن الإمارات والسعودية تنأيان بنفسيهما عن مساندة أميركا في ذلك الصراع، وأنهما لن تنخرطا في حرب العقوبات على روسيا. وعلى ما يبدو ثمة بركان انفجر ضد واشنطن، مصدره الحليفان الرئيسيان لها في الشرق الأوسط، وعملاقا النفط اللذان لا يخطبان ود واشنطن كما اعتدنا في السابق، فهما ينظران إليها الآن بوصفها حليفا لا يمكن الاعتماد عليه، إذ إنها بعد وصول بايدن إلى البيت الأبيض تحاول إحياء الاتفاق النووي مع إيران من جديد، بمعزل عن مصالحهم، كما ترفض حتى اللحظة إدراج جماعة أنصار الله الحوثي اليمنية على لوائح الإرهاب، رغم استهدافهم أكثر من مرة الدولتين الخليجيتين من الداخل. وبدلا من ذلك جمَّدت واشنطن مؤقتا صفقات أسلحة للسعودية، وسببت إحباطا للإمارات بسبب بطء وتيرة إتمام صفقة طائرات "إف-35″، وهي كلها أزمات مكتومة أحدثت شرخا في العلاقات ظهر صداه بقوة اليوم.

يأتي الموقف القطري مُتسقا مع خطة الدوحة لتدعيم علاقاتها بالغرب، إذ صنَّفتها الولايات المتحدة حليفا رئيسيا من خارج الناتو.

ولكن على النقيض من مواقف السعودية والإمارات، يبدو أن قطر أظهرت تقاربا شديدا مع الموقف الأميركي. وفي حين نأت الدوحة بنفسها عن الانحياز الصريح لأحد طرفي الأزمة، فإنها أعلنت تضامنها مع أوكرانيا في "الحرب غير العادلة ضدها" على لسان أمير البلاد، تميم بن حمد، مع احتفاظها في الوقت نفسه بسياسة الباب المفتوح مع روسيا. ويأتي الموقف القطري مُتسقا مع خطة الدوحة لتدعيم علاقاتها بالغرب، إذ صنَّفتها الولايات المتحدة حليفا رئيسيا من خارج الناتو، وفي المقابل، فإنها تعهُّدت بتوفير جزء من الغاز القطري إلى أوروبا، للمساعدة في فطمها عن الطاقة الروسية.

كراسي موسيقية

وفيما يبدو، شي تشي تحرُّكاتها الأخيرة أن دول الخليج، وبخاصة السعودية والإمارات، لا ترغب في خسارة علاقاتها مع حليف كبير محتمل من خارج المعسكر الغربي الذي بات غير موثوق به، خاصة أنها ترتبط مع هذا الحليف بمصالح راسخة في ضبط أسواق الطاقة وفق ما تقتضيه آلية "أوبك بلس".

يقول العتيبة إن "العلاقة بين أبو ظبي وواشنطن تمر بمرحلة اختبار"، مؤكدا تصريحات سابقا لمسؤولين إماراتيين حول عدم التيقُّن من الالتزام الأميركي تجاه المنطقة.

في النهاية، اختارت الرياض وأبوظبي الحياد الخليجي العلني تجاه أزمة أوكرانيا، ردا على سياسات الرئيس الأميركي المُترددة تجاه أمن الخليج، وانسحاب بلاده التدريجي من المنطقة. يُعبِّر السفير الإماراتي في واشنطن، يوسف العتيبة، بوضوح عن تلك الرؤية بالقول إن "العلاقة بين أبو ظبي وواشنطن تمر بمرحلة اختبار"، مؤكدا تصريحات سابقا لمسؤولين إماراتيين حول عدم التيقُّن من الالتزام الأميركي تجاه المنطقة. أما الرياض فإنها أخذت الخلافات إلى مستوى أكثر عملية، لتدخل في محادثات مع الصين لتسعير بعض صادراتها النفطية باليوان، بحسب ما كشفته صحيفة "وول ستريت جورنال"، وهي خطوة من شأنها التأثير على اقتصاد البترودولار القائم بين الخليج والولايات المتحدة منذ السبعينيات.

في الاتجاه المعاكس، كانت قطر تستثمر التصعيد مع روسيا من أجل ترسيخ علاقاتها مع الولايات المتحدة، حاصدة مكاسب سريعة أهمها إعلانها حليفا رئيسيا من خارج الناتو. ومع ذلك، فإن الدوحة كانت واقعية في تقدير قدرتها على مساندة الجهود الأميركية، ورفضت بطريقة غير مباشرة أن تضطلع بمهمة المُزود البديل للغاز الروسي، إذ صرَّحت أنه لا يمكن لأي دولة تعويض حصة روسيا من الغاز بشكل سريع، وهو ما فسَّرته صحف ألمانية بأنه تعبير عن رغبة الدوحة في إبرام صفقات شراء طويلة المدى، تبرر "الكلفة العالية للاستثمار في إنتاج وتحويل الغاز الطبيعي المسال"، وربما يُفسَّر أيضا في ضوء رغبة الدوحة في الحفاظ على علاقتها المستقرة مع موسكو.

فوائد محتملة

لا يعكس فقط حياد دول الخليج تجاه أوكرانيا العلاقات المتنامية بينهم وبين روسيا، لكنه يعكس من جهة أخرى تطلُّع دول المنطقة لتنويع حلفائها في نظام عالمي متقلِّب، لا سيما مع تبدُّل المصالح الأميركية الراسخة منذ الحرب الباردة، وما تعتقد الرياض أنه خذلان مستمر من واشنطن لحلفائها البعيدين عن منطقة المحيط الهادي صاحبة الانتباه الأميركي الأكبر الآن. تؤكِّد ذلك مجلة "فورين بوليسي" الأميركية بالإشارة إلى الضمان الذي أعطته الولايات المتحدة لأوكرانيا عام 1994، مقابل تخليها عن أسلحتها النووية التي ورثتها عن الاتحاد السوفيتي، ثم رفضها الآن الاستجابة لكييف بفرض حظر جوي يحميها من الروس، وبالمثل ما جرى عقب انسحاب واشنطن من أفغانستان وسيطرة طالبان السريعة على الحكم بعد عشرين عاما من تعهُّدها باستئصال الحركة، وهي كلها محددات ترسم عصرا جيوسياسيا جديدا.

تستفيد روسيا والصين من حقيقة أن دول الخليج العربي باتت تسعى اليوم نحو مصالحها الخاصة.

تستفيد روسيا والصين من هذه المتغيرات الجديدة، ومن حقيقة أن دول الخليج العربي باتت تسعى اليوم نحو مصالحها الخاصة، حتى ولو كان ذلك يعني الخروج عن التحالف التاريخي مع واشنطن ولو قليلا. فبعدما تذرَّعت بشروط تعجيزية لعدم تسليم الإمارات صفقة طائرات "إف-35″، بقيمة 23 مليار دولار، اتجهت أبو ظبي إلى الصين، واشترت منها طائرات مسيرة من طراز "وينغ لونغ"، كما شرعت في طلب 12 طائرة هجومية خفيفة من طراز "آل 15″، وتدرس حاليا إمكانية شراء 36 طائرة أخرى.

تعلَّمت أيضا السعودية درس تجميد صفقات السلاح، وسعت للبحث عن احتياجاتها عن واشنطن، وتُشير صور أقمار صناعية نقلتها شبكة "سي إن إن" الأميركية إلى أن الرياض تتعاون مع بكين لبناء مصنع صواريخ باليستية، وأن عمليات نقل متعددة واسعة النطاق لتكنولوجيا الصواريخ الحساسة تحدث بين البلدين، وهو تطوُّر يمكن أن يغير بشكل كبير حدود القوة الإقليمية، ويُعقِّد موقف واشنطن بالدرجة الأولى بشأن تفاوضها مع إيران لإحياء الاتفاق النووي، ومن غير المرجَّح أن توافق طهران على شروط الولايات المتحدة بوضع قيود على تكنولوجيا الصواريخ الباليستية الخاصة بها، في وقت بدأت فيه عدوتها الكبرى بتصنيع صواريخها الباليستية الخاصة.

إلى جانب السعودية، اكتشفت واشنطن نشاطا آخر في الإمارات، لكنه أشد خطورة على الشريك الأميركي الذي ظل على مدى عقود ضامنا لأمن الخليج كله، إذ كشف تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" شروع أبو ظبي في بناء قاعدة صينية لها على أراضيها، وهو ما اعتبره مسؤول سابق في الخارجية الأميركية، أثناء حديثه مع "الجزيرة نت"، تأمينا ضد الانسحاب الأميركي، في ظل الفراغ الذي سبَّبه التراجع الأميركي من منطقة الشرق الأوسط.

تظل الولايات المتحدة هي الشريك الأمني الأبرز للدول الخليجية، ومن غير المرجح أن تتغير هذه الحقيقة في المستقبل القريب، ومع ذلك، فإن هناك عدة مؤشرات تُظهِر بوضوح سياسات خارجية أكثر استقلالية لهذه الدول، لعل أبرزها صفقات الأسلحة. وبخلاف أوروبا والولايات المتحدة، لا تضع روسيا والصين محددات وضوابط تتعلق بحقوق الإنسان واردات أسلحتها، وهو ما يجعل العلاقات معها مغرية إلى حد كبير. وفيما يبدو، فإن منطقة الخليج باتت مقبلة على توازن جديد للقوى بين الفاعلين الدوليين، والمفارقة هنا أن الأنظمة الخليجية ستكون هي المستفيد الأكبر من علاقات متوازنة بين مختلف الأطراف، في حين أن واشنطن ستكون الخاسر الأكبر بعد أن وجدت منافسين في منطقة طالما اعتُبرت ملعبا أميركيا خالصا، لعقود طويلة.

المصدر : الجزيرة