مُعضلة الليرة والجنيه.. هل يُحفِّز الاقتصاد المصالحة بين مصر وتركيا؟

انتهجت تركيا منذ صعود حزب العدالة والتنمية إلى سُدة الحُكم عام 2002 سياسة عُرفَت بـ "تصفير المشاكل" فيما يخص علاقاتها مع دول الجوار، وتمكَّن صانعو تلك السياسة من حصد ثمارها سريعا بتحقيق نمو اقتصادي ارتفع على إثره الناتج المحلي الإجمالي حتى وصل عام 2017 إلى ثلاثة أمثال ما كان عليه قبل وصول الحزب الحاكم الجديد. بيد أن تركيا في خضم سعيها لإحياء دورها العثماني من جديد تطلَّعت إلى نفوذ أكبر في محيطها الإقليمي مع اندلاع الربيع العربي، وهو ما أدى إلى توتر علاقاتها مع جيرانها العرب الأقوياء، خاصة مصر والسعودية والإمارات. واليوم، بعد أن تدهور الوضع الاقتصادي مُجددا إثر انخفاض قيمة الليرة التركية، يجد حزب العدالة والتنمية نفسه في مواجهة معارضة كبيرة ربما تُهدِّد فوزه بالانتخابات المصيرية عام 2023. ولذا، قرَّرت أنقرة منذ فترة على ما يبدو إعادة النظر في سياساتها وتحالفاتها، والعودة من جديد إلى سياسة "تصفير المشاكل".

على الناحية الأخرى، تقف مصر هي الأخرى في مواجهة أزمات اقتصادية كبرى منها أيضا تراجع قيمة الجنيه المصري، ومن ثمَّ بدأت مؤخرا في تغيير عدد من أولوياتها الإقليمية. فبينما اصطف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع السعودية والإمارات لحماية نظامه ومحاربة الإسلام السياسي قبل نحو عقد، فإنه يتبنَّى الآن سياسة تنويع مصادر الدعم الأجنبي، وهو ما قاد مصر في النهاية إلى التقارب مع تركيا وقطر. وكان أحد الملفات التي لم تتأثر بالخصومة السياسية لمصر مع الدوحة وأنقرة هو الاقتصاد، حيث بقيت القاهرة حريصة على إبقاء 6 مليارات دولار هي حصيلة الاستثمارات القطرية والتركية بمعزل عن الاستهداف، ومن ثم ارتفعت استثمارات البلدان في مصر حتى في أوج الصراع، وهو خيط رفيع سارت عليه القاهرة للموازنة بين مصالحها السياسية مع حلفائها، ومكاسبها الاقتصادية مع خصومها القُدامى.

تهاوي الليرة والجنيه.. وجه آخر للتقارب بين مصر وتركيا

كشفت الأرقام الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للمحاسبات التابع لرئاسة الجمهورية المصرية أن تركيا احتلت المركز الأول العام الماضي في قائمة البلدان الأجنبية التي اتجهت إليها الصادرات المصرية، وذلك للمرة الأولى في تاريخ العلاقات التجارية بين البلدين. واللافت أن تركيا حتى في ظل تأزُّم العلاقات السياسية مع القاهرة، ظلت تنتقل بين المراكز الخمسة الأولى، حيث أصرَّت الحكومة المصرية على استمرار تدفق الاستثمارات التركية، التي ظلَّت بمنأى عن الصراع السياسي، رغم تأكيد مسؤولين مصريين أن أنقرة ظلت هي الطرف الأكثر استفادة من تلك الشراكة التجارية. وبحسب ما نقله موقع "سكاي نيوز العربية" نقلا عن مسؤولين مصريين، زادت مصر صادراتها إلى تركيا من 1.7 مليار دولار عام 2020 إلى 2.9 مليار دولار العام الماضي، كما زادت الواردات من تركيا بنسبة 13%، ومن ثم ارتفعت قيمة التجارة بين البلدين بنسبة 33%، واستحوذت أنقرة بذلك على نحو 7.29% من صادرات مصر إلى العالم.

على مدار سنوات، تجاهلت السلطات المصرية عدة مطالب برلمانية بإلغاء اتفاقية التجارة الحرة الموقَّعة بين البلدين منذ عام 2005، بدعوى أنها منحازة لصالح الصناعة التركية على حساب الصناعة المصرية، وأنها تسبَّبت في اختلال الميزان التجاري بين البلدين منذ توقيعها بنحو 16.2 مليار دولار لصالح أنقرة، وذلك بحسب بيانات رسمية مصرية. ورغم أن الاتفاقية نصَّت على أنه يحق لأي طرف إلغاء الاتفاقية حال حدوث اختلال في ميزان المدفوعات، لم تفكر القاهرة أبدا في إلغائها. وتعاملت أنقرة أيضا بالمنطق نفسه مع السلطة الجديدة في مصر، فرغم تصريحات الرئيس التركي الشديدة عقب عزل الجيش للرئيس الراحل محمد مرسي، والتي تسبَّبت في قطع العلاقات بين البلدين، لم تتخذ أنقرة قرارا بسحب الوديعة التركية التي أودعتها البنك المركزي المصري خلال عهد مرسي، وأتاحت للحكومة المصرية خيار التسديد حتى عام 2018، وهو الوقت الذي شهد ذروة العداء السياسي بين البلدين.

أثمرت سياسات الباب الخفي تلك عن نتائج إيجابية للتقارب في الأشهر الأخيرة مع تهاوي الليرة التركية إلى أكثر من نصف قيمتها خلال العام الماضي، إلى جانب تخفيض مصر قيمة الجنيه بنسبة 17% أمام الدولار، على خلفية عدة أزمات اقتصادية عصفت بالبلدين بدأت مُبكرا بتداعيات جائحة كورونا، وانتهت إلى نزيف خسائر لا يتوقف على خلفية الحرب الروسية الأوكرانية. ولأن مصر تعاني عجزا في الميزان التجاري منذ عام 2004، وهو ما يجعل نفقاتها بالعملة الأجنبية أكبر من دخلها، كان الحل من وجهة نظر الحكومة المصرية وقف استيراد أكثر من 800 علامة تجارية، في محاولة مؤقتة لوقف استنزاف احتياطاتها من الدولار.

أتى قرار وقف الاستيراد في صالح تركيا بالأساس، فرغم أن القرار طال عددا من شركاتها، فإنه يظل من مصلحة القاهرة زيادة التقارب التجاري مع تركيا أكثر من أي وقت مضى، للاستفادة من هبوط سعر الليرة (التي تساوي 1.26 جنيها مصريا الآن)، وهو ما يعني انخفاض سعر البضائع أمام المُستهلك المصري الذي يحتاج إلى سلع رخيصة الثمن قدر الإمكان، ويعني أيضا زيادة جديدة مرتقبة في حجم الصادرات والواردات في ظل التهدئة بين البلدين. وبالحديث عن الطرف الرابح في تلك المعادلة، تُشير الأرقام الرسمية بوضوح إلى تركيا، إذ يصل العجز في الميزان التجاري بين البلدين إلى 666 مليون دولار لصالح أنقرة، لكنها صفقة رابحة في الوقت نفسه للمستهلك المصري، وبالتبعية للسلطات المصرية التي لم تضع تعزيز التصنيع المحلي بعدُ على قائمة أولوياتها المُلِحَّة.

مع تحسُّن الأجواء السياسية، إلى جانب العثرات الاقتصادية الحادثة في البلدين والتي تعصف بالمستهلكين الذين تتفاقم معاناتهم بسبب هبوط العملتين المحليَّتين، ومع عدم انقطاع العلاقات الاقتصادية فعليا منذ 2013، دفع الوضع الإقليمي الأخير كلًّا من القاهرة وأنقرة إلى المُضي قُدما نحو تطبيع العلاقات السياسية وتعزيز العلاقات الاقتصادية، فأعلنت تركيا على لسان وزير خارجيتها تعيين قائم جديد للأعمال بالسفارة التركية في القاهرة، وهو "رضا كوناي"، السفير التركي السابق بالعراق. ورغم أن التعيين جاء بدلا من القائم السابق الذي انتهت فترة عمله، فإن الإشارات التركية اللاحقة أكدّت أن البلدين باتا على بُعد خطوات من إعادة العلاقات بالكامل، وصولا إلى تبادل السفراء في المستقبل القريب.

ما الذي يعرقل حدوث مصالحة تركية مصرية؟

في أيام معدودات، استضافت تركيا ولي عهد أبو ظبي الأمير "محمد بن زايد" بحفاوة بالغة لأول مرة منذ عام 2012، وقبله وزير خارجية البحرين، وبعده وزير التجارة السعودي، كما أن مسار التقارب مع دولة الاحتلال الإسرائيلي تُوِّجَ باستقبال الرئيس التركي نظيره الإسرائيلي "إسحاق هرتسوغ" في أنقرة بالكثير من الاهتمام، وهي أول زيارة لرئيس إسرائيلي إلى تركيا منذ 14 عاما. ورغم أن مسارات تطبيع العلاقات مع تركيا كانت محل ترحيب من كل خصومها، فإن مصر سلكت طريقا منفردا وبطيئا على عكس هؤلاء كافة، نظرا إلى اختلاف حساباتها عن حسابات حلفائها.

من جهتها، ترى تركيا أن مصر تمتلك مفاتيح ملفات مهمة في المنطقة العربية، وخاصة في الدول التي تتقاطع فيها الأهداف المصرية والتركية، غير أن ما يَحُول دون إتمام الخطوات الأخيرة هو عدة ملفات عالقة يعتبرها كل طرف مربط الفرس في تعكير صفو العلاقات. إذ إن القاهرة، التي بادرت في مايو/أيار العام الماضي بدعوة تركيا إلى بدء جولة أولى من المحادثات الاستكشافية، ترى أن التقدُّم في إعادة العلاقات مرهون بإحراز تقدُّم في القضايا محل النقاش بالنسبة لها، وعلى رأسها بالطبع موقف أنقرة من شرعية نظام السيسي ودعمها لمعارضيه.

وبحسب تسريبات نشرتها مواقع صحافية عربية وتركية، نقلا عن مصادر دبلوماسية من الجانبين، تعثَّرت كواليس الاتصالات المصرية-التركية لإعادة العلاقات رسميا بسبب عدة ملفات يطالب كل جانب الآخر بحسمها شرطا وحيدا للتقارب. فمن جهتها، تشترط القاهرة تسليم المعارضين المصريين المُقيمين بتركيا، بدعوى أنهم مطلوبون للمحاكمة لدى الجهات القضائية في البلاد. أما المفاوِض التركي، فيرفض حتى اللحظة إيقاف نشاط جماعة الإخوان المسلمين داخل تركيا، ويرفض تسليم المعارضين، وهو الملف الأبرز العالق بحسب التسريبات. وقد عرضت أنقرة إخراج تلك الأسماء من أراضيها دون تسليمها، وهو الطلب الذي قُوبل بالرفض من القاهرة.

توسَّعت رُقعة الخلافات إلى خارج حدود البلدين، لا سيما الملف الليبي، وهو إحدى أبرز العقبات في ملف المصالحة المصرية-التركية. فبينما تطلب مصر إخراج المقاتلين الأجانب كافة من ليبيا، ترفض أنقرة بدعوى التفرقة بين المقاتلين الذين تدعمهم في ليبيا، وبين العسكريين الأتراك الموجودين هناك ضمن الاتفاقية الموقَّعة في وقت سابق مع حكومة الوفاق الوطني. بيد أن القاهرة بحسب التصريحات العلنية لرئيس الوزراء المصري ترفض تلك التفرقة، أضف إلى ذلك مطلب القاهرة من تركيا بالضغط على حلفائها في العاصمة طرابلس لإعادة فتح السفارة المصرية، والوصول إلى صيغة مُرْضية في ملف الإعمار، وهو ساحة تنافس كبرى بين البلدين.

دوافع التقارب ومكاسب العودة

يبد أنه لدى كلا البلدين ما يكفي من الدوافع الخفية والمُعلنة للدخول في مسار المصالحة رغم الخلاف الأيديولوجي بينهما. بالنسبة لتركيا فإنها ترى بوضوح أن الرهان على المُعارضة المصرية وجماعة الإخوان المسلمين لم يُجنِ ثماره، وأن ثمَّة خللا واضحا أثَّر على سياساتها في افتراضها بأن الجماعة المصرية مكافئة لحزب العدالة والتنمية، وأن السياق السياسي المصري شبيه بنظيره التركي. وقد أثبتت الأحداث أن الاختلافات جمَّة بين الطبيعة المؤسسية لكلا الفريقين، كما أن المعارضين الذين عوَّلت عليهم أنقرة أظهروا تخبُّطا وانقساما داخليا أعاقهم بوضوح عن تأدية دور "المُعارضة بالخارج" على النحو المرجو. من جهته، استطاع النظام المصري فرض نفسه مُمثِّلا أوحدَ للدولة المصرية رغم الأصوات المعارضة على مدار السنوات الماضية، ومن ثمَّ أجبر دولا عديدة -منها دول أثقل من تركيا مثل ألمانيا والولايات المتحدة- على الانفتاح السياسي على القاهرة ولو لم يستحسنوا ذلك أو تَعارَض مع مبادئهم النظرية.

يُضاف إلى ذلك في الأخير أن استنزاف جميع الأطراف في أزمات إقليمية عديدة لم يُسفر عن فوز طرف مُعيَّن، بما في ذلك الأزمة الخليجية نفسها، ما يعني أن الجميع مُضطر الآن إلى تجاوز مرحلة الاستقطاب ورفع السقف، والجلوس إلى الطاولة من أجل التوصُّل إلى تسوية في تلك الملفات، لا سيما وقد فقدت النظم السياسية بالشرق الأوسط الكثير من الجهد والمال في تلك الصراعات الإقليمية، ولم تعُد قادرة لا سياسيا ولا اقتصاديا على المُضي فيها أكثر من ذلك. لقد ولَّت لحظة السباق الجنوني، وحانت الآن لحظة التسوية، لأن الجميع مستفيد اقتصاديا وسياسيا من وقف السباق الآن، والأهم أن الجميع لم يعُد قادرا على إطالة أمد الصراع أكثر من ذلك.

من باب المصالح الاقتصادية، تتطلَّع مصر إلى إعادة تفعيل اتفاقية "الرورو" مع تركيا بعد تجميدها عام 2015، بهدف تسهيل نقل صادرات البلدين، واستغلال الموانئ المصرية لنقل الصادرات التركية إلى دول الخليج العربي. وبينما لم تتأثر صادرات تركيا من وقف الاتفاقية لوجود ممرات بديلة، خسرت مصر عائدات بلغت 46.8 مليون دولار، هي مجموع ثلاث سنوات من عمر الاتفاقية قبل وقف العمل بها. وقد صرَّح رئيس اتحاد الغرف التجارية المصرية أن بلاده بحاجة إلى تفعيل الاتفاقية مرة أخرى. هذا وثمَّة دوافع مصرية أخرى للتقارب الاقتصادي مكمنها طموحات لجعل مصر مركزا لوجيستيا للصادرات نحو أفريقيا، وهي طموحات تتقاطع مع هدف تركيا بتعزيز حضورها التجاري في القارة السمراء.

على المستوى السياسي، ستستفيد القاهرة من تقاربها مع تركيا في رفع الحظر الذي فرضته الأخيرة على مشاركتها في نشاطات حلف الناتو. وفي المقابل، تتطلَّع أنقرة إلى قيام الحكومة المصرية بوضع قيود على أنشطة حركة "كولن" المناوئة لحزب العدالة والتنمية. هذا ولم يستبعد وزير الخارجية التركي "مولود جاويش أوغلو" أن تتفاوض تركيا ومصر على ترسيم الحدود في شرق البحر المتوسط، إذا سمحت العلاقات بينهما بمثل هذه الخطوة، لكن القاهرة تبدو أكثر تريُّثا في هذا الملف بعد أن قطعت شوطا في الاقتراب من المحور اليوناني-الإسرائيلي-القبرصي.

من جهة أخرى، يُشكِّل التقارب التركي-الإسرائيلي الأخير مخاوف لمصر، إذ إن توقيع مصر اتفاقا لترسيم الحدود مع تركيا قد يُوسِّع المنطقة الاقتصادية الخالصة لتركيا، ويدعم خططها في التحوُّل إلى مركز إقليمي لتجارة الغاز؛ ما يعني تنافسا شرسا على المدى البعيد بين دولتين لديهما الهدف نفسه. ولكن تجاهل أنقرة في شرق المتوسط بدعوى عدم إغضاب اليونان، يُمهِّد لتعاون إسرائيلي-تركي مستقبلي في مجال الطاقة قد تقتنص فيه إسرائيل -بدلا من مصر- فُرصة التعاون مع تركيا في هذا الملف. وسبق وقدَّم وزير الطاقة الإسرائيلي عرضا تتجاهله أنقرة حتى اللحظة، لكن قبوله سيُمثِّل ورطة للقاهرة، ومن ثمَّ لعل الخيار الأفضل لمصر أن تتعاطى بإيجابية مع تركيا بدلا من خسارتها لصالح تل أبيب.

من المرجح تُفرز موجة التقارب الأخيرة عدة سيناريوهات لا نعلمها على وجه اليقين حتى اللحظة، أولها أن تنتهي اللقاءات بمصالحة شاملة بين البلدين وصولا إلى تبادل السفراء، وعقد لقاء مباشر بين السيسي وأردوغان. ولكن رغم إشارات التقارب التي تزداد يوما بعد يوم، لا يبدو أن الرئيسين على استعداد للقاء شخصي، أما ما دون ذلك فهو مقبول لهما. السيناريو الثاني هو الوصول إلى صيغة مُرضية للتفاوض دون حسم الملفات العالقة، وإنهاء القطيعة وعودة التمثيل الدبلوماسي، مع فتح باب العلاقات بالحد الأدنى. وأخيرا، السيناريو الثالث هو فشل التفاوض من دون تصعيد جديد، وإبقاء الحال كما هو عليه وتجميد الخلافات دون حلِّها، مع تحييد الآلات الإعلامية في كلا البلدين، وإبقاء ملف الاقتصاد خارج المعادلة ليستفيد الطرفان من باب التجارة المفتوح، على أمل أن يكون مستقبلا هو الباب الخلفي لتجاوز المشكلات العالقة وتطبيع العلاقات بشكل كامل.

المصدر : الجزيرة