شعار قسم ميدان

الخطر الروسي.. هل يعيد توحيد صفوف معسكر الليبرالية الغربية؟

مقدمة الترجمة

مع بدء روسيا حربها على أوكرانيا قبل أسابيع، ظهر الغرب الليبرالي مُوحَّدا بشكل غير مسبوق، ونجح في إظهار استجابة حاسمة للجهود الروسية، بشكل ربما لم تتوقعه موسكو نفسها. وبدلا من أن تكون الحرب مسمارا جديدا في نعش النظام الليبرالي كما بشَّر الكثيرون قبلها، يبدو أن ما يحدث هو العكس تماما. يناقش ألكسندر كولي ودانيال هيكسون في هذا المقال من مجلة "فورين أفيرز" إذا ما كانت حرب أوكرانيا منحت قُبلة الحياة لليبرالية الغربية، وأجبرت قواها على ترتيب نفسها مُجددا.

نص الترجمة

لم يتوقع سوى قِلَّة من المحلِّلين بأن الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" سيُنفِّذ تهديده باجتياح واسع النطاق لأوكرانيا. فيما توقعت قِلَّة أقل عددا بأن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والشركاء الديمقراطيين الأساسيين لهما سيستجيبون لمثل هذا القرار الاستجابة الحاسمة التي رأيناها.

لننظُر الآن إلى سلطة المجتمع الديمقراطي الليبرالي الفاعل المُسلَّح بالكامل. لقد فكَّك هذا المجتمع بسرعة مُذهلة التشابك السابق بينه وبين الاقتصاد الروسي، وحقَّق ذلك بدرجة كبيرة، ومن ثم حُرِمَت روسيا من مزايا النظام الاقتصادي الليبرالي، وجرى الاستيلاء على يخوت بعض أثرياء النخبة السياسية الروسية الفاسدة، كما هُدِّدوا بمطاردة ثرواتهم في الخارج. وكذلك أجهض الغرب بضربة استباقية حملة المعلومات المغلوطة الروسية على نحو فعَّال وقوي، وطارد وسائل الإعلام ومنصات الدعاية الروسية. ولم تكتفِ ألمانيا بالاصطفاف مع حلفائها بالناتو في مَدِّ أوكرانيا بالمساعدات العسكرية، بل والتزمت أيضا بزيادة المصروفات الدفاعية لتتجاوز 2% من الناتج المحلي الإجمالي الألماني. وعلى إثر الاجتياح أيضا لم تعد مسألة ما إن كانت فنلندا والسويد ستُعزِّزان من علاقاتهما العسكرية مع الناتو والولايات المتحدة قيد النظر، بل صار الأمر في الحقيقة مفروغا منه.

اتجه بوتين إلى قبضة السلطوية الشمولية، فارضا حدودا على حرية التعبير والمجتمع المدني على نحو لم تشهده روسيا منذ الحقبة السوفيتية، ومن ثمَّ فرَّ عشرات الآلاف من الروس خارج البلاد.

في الوقت ذاته، لم تسقط الحكومة الأوكرانية أسيرة انشقاقات داخلية كما تَوقَّع الكرملين. أما الجيش الروسي، فعانى قدرا كبيرا من المشكلات الإجرائية والعملية في أدائه بصورة ملحوظة وكبيرة أتت دون التوقُّعات. وفي وجه الضغوطات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية المتصاعدة، اتجه بوتين إلى قبضة السلطوية الشمولية، فارضا حدودا على حرية التعبير والمجتمع المدني على نحو لم تشهده روسيا منذ الحقبة السوفيتية، ومن ثمَّ فرَّ عشرات الآلاف من الروس خارج البلاد منذ بدء الاجتياح. والحال أن السلطويين المحافظين والشعبويين المناصرين لبوتين في أوروبا وأميركا الشمالية قد تلقوا ضربة موجعة أفقدتهم رصيدا كبيرا، على الأقل حتى اللحظة. هذا وتراقب بكين عن بُعد مشاق الجيش الروسي على الأرض، وشدة العقوبات الغربية والمساعدات العسكرية المتدفِّقة إلى أوكرانيا.

ليس هذا بأمر هيِّن. فقبل أسابيع قليلة خلت، بدا أن الولايات المتحدة واليابان وشركاءهما الديمقراطيين إما غير مستعدين وإما غير قادرين على كبح جماح "المد المُعادي لليبرالية" عالميا، وسرعان ما أخذ المُعلِّقون يلحظون المفارقة. فكما كتب "مايكل بِكلي" و"هال براندز"، قدَّم بوتين إلى الولايات المتحدة وحلفائها "فرصة تاريخية لإعادة بناء نظام عالمي بدا أنه في طريقه نحو التفتُّت والانهيار". وكما ناقشنا في عدد يناير/فبراير من مجلة "فورين أفيرز"، ليس تحلُّل النظام العالمي الليبرالي سوى "تجلٍّ واحد من تجليات أزمة أكثر اتساعا بكثير من الليبرالية بحد ذاتها".

لقد تطوَّرت هذه الأزمة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، فانتهجت القوى الديمقراطية الكبرى منذ بواكير التسعينيات نسخة منفتحة جذريا من النظام الليبرالي، لا سيما فيما يتعلَّق بالسياسات الاقتصادية النيوليبرالية مثل حرية تنقُّل رأس المال غير المحدودة، وهي سياسات نشرت ديمقراطية السوق أول الأمر، لكن سرعان ما بدأت التغيُّرات المُتعاقبة في النظام العالمي أثناء العقد الأول من هذا القرن بدعم "مجموعة متنوِّعة من القوى غير الليبرالية، بما فيها الدول السلطوية، مثل الصين التي ترفض جملة وتفصيلا الديمقراطية الليبرالية مثلها مثل الشعبويين والسلطويين المحافظين الذين يموضعون أنفسهم بوصفهم حماة لما يُسمَّى بالقيم التقليدية والثقافات الوطنية؛ حيث يُدمِّرون تدريجيا المؤسسات الديمقراطية وحُكم القانون"، كما كتبنا في وقت سابق.

لا يزال الوقت مبكرا كي نعرف ما إذا كان اجتياح روسيا لأوكرانيا سيُحيي من جديد المشروع الليبرالي أم لا، لكن هناك بالفعل أمارات على إفراط غير معقول في التفاؤل من جانب البعض في أوساط المراقبين الأميركيين والأوروبيين، وهو ما قد يُسبِّب التشوُّش في الحُكم على اللحظة الراهنة، لا سيما إذا أخطأ صُنَّاع القرار في قراءتها بوصفها بُشرى بانتهاء أزمة النظام الليبرالي وباستعادة الهيمنة العالمية الغربية.

شبح الانهيار

إن واشنطن، حتى في ذروة القوة الأميركية بعد الحرب الباردة (التي تُسمَّى بـ"اللحظة أحادية القطب")، لم تكن ذلك العملاق الذي يحمل النظام العالمي على كتفيه منفردا. فقد كان النظام الليبرالي الذي وُلِد أثناء التسعينيات مُؤتلفا ومَصونا من قِبَل عُصبة كبيرة من الدول والمؤسسات الدولية، وهو في الحقيقة أقرب إلى اتحاد كونفدرالي غير رسمي أكثر من كونه اتفاقا تقليديا بين عدد من القوى العظمى. وكانت الركيزة الأساسية لهذه العُصبة هي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومجموعة الدول السبع وحلف الناتو، مع مجموعة كبيرة من التحالفات الثنائية والشراكات الإستراتيجية.

والحال أن الهيمنة الاقتصادية والعسكرية لهذا الميثاق الديمقراطي الليبرالي لم تكن لتدوم أبدا. وذلك لسببين، أولهما أن حصة الدول السبعة تتراجع بالفعل فيما يتعلق بالناتج الاقتصادي العالمي منذ منتصف التسعينيات، وثانيهما أن الهيمنة الديمقراطية الليبرالية ارتكزت على الرضوخ -إن لم يكن التعاون- من جانب الدول السلطوية والقوى العظمى غير الليبرالية مع المنظومة القائمة.

ونظرا إلى هذه الثغرات، فإن بزوغ الصين والظهور المتجدد للقوة الروسية كان لا بد أن يحث على تعاون إستراتيجي أكثر وثوقا فيما بين أعضاء الائتلاف الديمقراطي الليبرالي. لكن الأمور لم تسِر كذلك خلال معظم فترات العقدين الماضيين: فقد تصدَّع هذا الائتلاف في أعقاب هجوم الحادي عشر من سبتمبر/أيلول على الولايات المتحدة، وسرعان ما أخلى السبيل للخلافات المحتدمة حيال ما استخدمته الولايات المتحدة من "استجوابات مُعزَّزة" (شملت انتهاكات لحقوق الإنسان مع المشتبه بهم في تُهَم الإرهاب)* و"عودات استثنائية" (أعادت المشتبه بهم قسرا إلى بلدانهم الأم)*، وكذلك حيال حرب العراق و"عقيدة الضربة الاستباقية" لإدارة بوش والإستراتيجيات المتباينة للتعامل مع روسيا والصين. وعوضا عن توطيد أواصر الديمقراطية الليبرالية، قوَّضَ هذا الانحدار النسبي من أُسس النظام الليبرالي. فقد أحدث شقوقا في صفوف القوى العظمى الديمقراطية نفسها، في الوقت الذي عزَّز فيه من الحركات السياسية غير الليبرالية، مثل الشعبوية الرجعية (في الغرب)*.

يُنبئنا الرد الغربي على حرب بوتين في أوكرانيا بما يُمكِن أن تُنجزه الديمقراطيات الليبرالية حينما تتصرَّف بالتنسيق بعضها مع بعض. لننظر مثلا إلى تطوُّر من التطوُّرات الأكثر إدهاشا في هذا الصدد: العقوبات على البنك المركزي الروسي التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان، إذ تقتضي هذه الخطوة الفريدة من نوعها -التي يطلق عليها المؤرخ "آدم توز" "الخيار النووي" للعقوبات الاقتصادية- تنسيقا استثنائيا فيما بين مراكز القوى المالية الغربية. وقد فَقَدَ البنك المركزي الروسي، في غضون 24 ساعة، إمكانية الوصول إلى 338 مليار دولار، أي ما يُقدَّر بـ60% من الاحتياطي الخاص به البالغ 643 مليار دولار. وتحت وطأة الانهيار الوشيك للروبل الروسي، أُجبِرَت الحكومة الروسية على تقييد حركة رؤوس الأموال وتقييد سحب العملات الأجنبية، مما أجبر الشركات الروسية على بيع العملات الأجنبية. كما أدَّت العقوبات الجارفة والنفور الدولي من اجتياح أوكرانيا، مع رد الفعل الشعبي ضد بوتين، إلى خروج المئات من الشركات الغربية من روسيا بما فيها مزوِّدو أنظمة الدفع وبائعو التجزئة والمستثمرون في الطاقة.

 

إن استعراضات قوة كهذه يمكن أن تخلق مشكلاتها أيضا. فقد يُفضي الأمر بالحكومات الديمقراطية الليبرالية، عن خطأ، إلى الاستخلاص بأنهم يمكنهم أن يستردوا قوتهم القيادية التي تبوَّؤوها قبل عقدين من الزمان. ويجب ألا يُخالجنا شك أبدا بأن الديمقراطيات الليبرالية حينما تتآلف معا في العمل؛ فإنها تُرسي المجتمع السياسي الأقوى على هذا الكوكب. ولكن لا مراء في أن هذه الديمقراطيات فقدت أرضيتها منذ التسعينيات والسنوات الأولى من الألفية. كما أن تحوُّل الصين إلى قوة عظمى أمرٌ متمِّمٌ لذلك على الأرجح. وحقيقة أن المحللين العسكريين الغربيين بالغوا في القوة العسكرية لروسيا لا تعني أن روسيا مجرد "محطة وقود متنكرة في هيئة دولة"، كما كتب السناتور الراحل "جون ماكين".

ينزع كثير من الأميركيين إلى الاستيهام بالقوة الأميركية، لا سيما حين يتعلق الأمر بقدراتها العسكرية، وأيضا إلى بخس هذه القوة حقها من جهة أخرى عندما تكون في ائتلاف ديمقراطي ليبرالي. ويمكن أن نلمس هذه النزعة في الحديث عن الولايات المتحدة بوصفها "الأمة التي لا محيص عنها" أثناء إدارة كلينتون، وفي استعداد إدارة بوش للإضرار عمدا بتحالف المجتمع الليبرالي الديمقراطي. وبالمثل فإن النجاح الأميركي في الأزمة الأوكرانية قد يؤول في نهاية المطاف إلى شحن الغطرسة الأميركية التي تستند إلى شعار "أميركا أولا" المعهود لدى أنصار الشعبوية الرجعية.

هنالك سبيل آخر يمكن أن يقودنا نحو سياسة خارجية أميركية قائمة على مبدأ "أميركا أولا"، وبشكل أكثر معقولية. ويُحاجج "ستيفن والت" بأن "الحرب في أوكرانيا تُظهِر بأن تحمُّل أوروبا مسؤولية أكبر لحماية نفسها ليس أمرا مرغوبا فحسب، بل أمر ممكن"، مما يعني أن نجاح العمل الجماعي الديمقراطي الليبرالي في مواجهة العدوانية الروسية يُثبت بالدليل أن المجتمع العابر للأطلسي يمكن أن يُخفِّض من اعتماد أعضائه على بعضهم بعضا أمنيا وسياسيا. ومن المؤكَّد أن إعادة رسم الموازين في المجتمع الديمقراطي الليبرالي على نحو يمنح أوروبا صوتا ومسؤولية أكبر، ستُساهم في عافية هذا المجتمع على المدى البعيد. بيد أن ترك أوروبا وحيدة في هذا المضمار من شأنه أن يُضعِف الائتلاف الديمقراطي الليبرالي، بل وأن يُدمِّره أيضا، في اللحظة التي يواجه فيها هذا الائتلاف أكبر تحدٍّ أمامه منذ الحرب الباردة.

الحرب القادمة على المال الفاسد

لقد عُهِد عن النخبة السياسية الفاسدة استغلالها لمكامن الهشاشة في النظام السياسي والاقتصادي الليبرالي. وقد غدت روسيا بمساعدة مُتحمِّسة من مديري الثروة والشركات والحكومات الغربية لاعبا رئيسا في الفساد السياسي المعولَمَ، حيث نقل الأوليغارشيون الروس أموالهم بسلاسة عبر شركات وهمية، وتحصَّلوا على الإقامة والمواطنة لذويهم وأسرهم تحت شعار "الإقامة الذهبية" لبرامج الاستثمار في البلدان الغربية، كما استثمروا في العقارات الفارهة، وهو قطاع يخلو عمليا من أي رقابة مُعتَبَرة. ويقوم هؤلاء طيلة الوقت بتبييض سُمعتهم عن طريق تمويل المؤسسات الثقافية البارزة والتبرُّع للجامعات وتقديم يد المعونة والدعم للسياسيين وجماعات المصالح السياسية، علاوة على ما بحوزتهم من شركات متخصصة في تحسين سمعتهم، وهي شركات تُرْهِبُ الصحافيين والباحثين الذين يهددون بالنشر عن ماضي عملائهم الفاسدين.

لقد حثَّ اجتياح روسيا لأوكرانيا الحكوماتِ الديمقراطية على التعامل بجدية أخيرا مع النخبة الفاسدة الروسية. وهنالك خطوات اتُّخِذَت بالفعل أبعد مما طمح إليه مكافحو النخب الفاسدة: فقد فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا أوامر بمصادرة الممتلكات وتجميد الأصول وحظر السفر على عدد واسع من الأوليغارشيين المرتبطين بالكرملين، كما صادرت بلدان من الاتحاد الأوروبي يخوت عدد من الأثرياء الروس والشخصيات ذوي التأثير الكبير بمَن فيهم "عليشر عثمانوف"، والصديق الحميم لبوتين "إيغور سَتشين"، وكذلك فرضت بريطانيا عقوبات على "رومان أبراموفيتش"، المالك الثري لنادي تشيلسي لكرة القدم، وأعلنت الولايات المتحدة عن تشكيل "KleptoCapture" (أي ملاحقة النخب الفاسدة)، وهي وكالة استخباراتية صُمِّمَت خصيصا للكشف عن الأصول المخفية المملوكة لروس واستهدافها.

عليشر عثمانوف (يمين) وبوتين

ليست روسيا، بطبيعة الحال، البلد الوحيد الذي تستغل فيه النخب السياسية الفاسدة النظام الليبرالي وتعمل على تقويضه، إذ يستفيد كلٌّ من شركات الأعمال الأميركية والسياسيين الغربيين والمليارديرات الصينيين والأمراء السعوديين من تلك الثغرات نفسها. وفي عالم مثالي، سيصبح رد الفعل ضد الأوليغارشية الروسية قاعدة لحملة عامة أوسع على الشركات المستفيدة من التهرُّب الضريبي الدولي، وتبييض أوجه الفسدة وما يحوزونه من ثروات. وسيتطلَّب هذا التزاما وطنيا ومتعدد الأطراف دوليا من أجل التصدي لصعود الأوليغارشية العالمية، التي لعل روسيا كانت الـمُصدِّر الرئيسي لها.

يبدو أن مثل هذه التعبئة الواسعة ضد كل صنوف الأوليغارشيين عالميا غير مرجَّحة في الوقت الحالي، فهي تصطدم بكثير من المصالح المترسخة، لكن اجتياح أوكرانيا وما نجم عنه من حملة على الأوليغارشية الروسية يُبصِّرنا بالكيفية التي تعمل بها النخب السياسية الفاسدة العابرة للحدود القومية وما تُحدِثه من تقويض للدول وتهديد للأمن القومي للدول الديمقراطية. إن وَصْم الأوليغارشيين الروس يمكنه أن يُقوِّي من قبضة مكافحي الفساد في خضم سعيهم لفضح المُلَّاك المستفيدين ممن يملكون أو يتحكَّمون في أعمال الشركات ومدخراتها، وكشف برامج منح جوازات السفر والإقامات الذهبية، والتحقُّق من الأصول المشبوهة للثروات غير المنطقية.

في هذا الصدد، تُمثِّل حملات التضليل والتشويه والمال المُظلِم تحديا أعقد حتى من غسيل الأموال الصريح لصالح النخب السياسية الفاسدة. لقد أغلقت كثير من الدول الديمقراطية أبواب المنصات الإعلامية الروسية، بيد أن وسائل الإعلام الغربية كثيرا ما تقوم بدور أكبر حين يتعلَّق الأمر بتقويض الثقة المؤسسية واللُّحمة الاجتماعية والقيم الديمقراطية. على سبيل المثال، أعلنت قناة "روسيا اليوم" الأميركية بأنها ستتوقف عن بث تشغيلها في الولايات المتحدة بعد أن مُحيت من قائمة البث المُتلفَز والمنصات الأميركية، لكن "تاكر كارلسون" التابع لقناة "فوكس نيوز" يواصل ترويج الضلالات والبروباغندا الموالية للكرملين لجمهور وشريحة أعرض بكثير.

تاكر كارلسون

إن المنصات الإعلامية المحلية تستحق حماية حرية التعبير، بصرف النظر إلى أي مدى تُعادي الليبرالية في منظورها وأُفقها المطروح. ولكن في الوقت نفسه، آن الأوان لاتخاذ إجراءات سليمة دستوريا من أجل كبح جماح مقدرة الحكومات الأجنبية فيما يخُص تأثيرها على السياسات الأميركية، لا سيما الحكومات السلطوية. وبإمكان المنصات الإعلامية المسؤولة أن تتخذ إجراءات أكثر تنسيقا مع بعضها بعضا للحد من الانتشار المُتعمَّد للدعايات الاستبدادية، إذ إن موفِّري الكابلات غير مُطالبين بأي دور في هذا الصدد، وكذلك بوسع النشطاء أن يُكثِّفوا جهودهم لمقاطعة المُمَوِّلين ممن يقدِّمون الرعاية لتلك الشبكات.

إن "البوتينية" نموذج مهم للحكومة الفاسدة والحكم الاستبدادي، لكن يجب فهمها بوصفها جزءا من حركة نخبوية فاسدة مناوئة لليبرالية على مستوى العالم، فالتضليل السياسي والمال الفاسد هُما الركيزتان الأساسيتان اللتان تُقوِّض من خلالهما الأنظمة الاستبدادية النظام الليبرالي العالمي، وهما أداتان رئيستان أيضا من ضمن الأدوات التي يستخدمها السلطويون والشعبويون داخل البلدان الديمقراطية لتقويض الديمقراطية الليبرالية من الداخل. وستقتضي معالجة تأثيرهما الفتَّاك تشاركا أشمل للمعلومات وتنسيقا مستداما بين وكالات ومسؤولي مكافحة الفساد في المجتمع الديمقراطي.

أقطاب المنظومة الليبرالية

رغم رد الفعل القائم تجاه الاجتياح الروسي لأوكرانيا، فإن هناك انقساما واضحا بين قلب المحور الديمقراطي الليبرالي -أوروبا والولايات المتحدة، وحلفاء مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا- ودول أخرى كثيرة تُعَدُّ جزءا من الجنوب العالمي. ويبدو أن هنالك انقساما في صفوف هذه المجموعة الأخيرة، ومواقف مُبهمة أيضا بشأن الاجتياح الروسي لأوكرانيا. ولننظر إلى قرار الأمم المتحدة لإدانة الغزو الروسي الذي صوَّتت لصالحه 141 دولة، وعارضته خمس دول، فيما امتنعت 35 دولة عن التصويت عليه (واختارت 12 دولة الامتناع عن التصويت، بما فيهم أذربيجان وتركمانستان وأوزبكستان وفنزويلا). ومع ذلك، كانت هناك من بين تلك الدول التي امتنعت عن التصويت خمس دول تُمثِّل نِصف البشرية مجتمعة، وهي الصين والهند وباكستان وبنغلاديش وجنوب أفريقيا.

يجب ألا يكون امتناع الصين مفاجئا لأحد. فمن جهة، يتوق صُنَّاع السياسة الصينيون إلى تجنُّب توسيع أي دعم لروسيا يمكن عن طريقه أن تُفرَض عليهم العقوبات الغربية. فمثلا، أوقَف البنك الآسيوي للبنية التحتية -وهو بنك تنموي أسَّسته الصين عام 2016- نشاطاته المتعلقة بروسيا وبيلاروسيا، كما أعلنت الصين أنها لن تمد موسكو بقطع غيار بديلة للطيران. بيد أنه مع ذلك، ما من مصلحة لبكين في دعم الغرب ضد شريكها الإستراتيجي، فعلى النقيض من ذلك، كرَّرت وأعادت وكالات الأخبار الصينية الرسمية الحُجج الأساسية لروسيا التي تُلقي باللوم على الولايات المتحدة والناتو والاتحاد الأوروبي في إشعال الحرب، وضخَّمت من التضليلات الروسية بشأن الأسلحة البيولوجية الأميركية.

أما الهند فتعكِس الحياديةُ الظاهرية لسياستها تجاه الاجتياح الروسي المعتقدَ الراسخ في نيودِلهي بأن بإمكانها الإبقاء على شراكات إستراتيجية مع كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة الأميركية في الوقت نفسه. ولا تزال الهند أحد المشترين الرئيسيين للسلاح الروسي، وقد اشترت مؤخرا ثلاثة ملايين برميل من النفط الروسي ذي السعر المُخفَّض. ومن بين المُتردِّديين الآخرين، امتنعت كل دول الاتحاد السوفيتي السابقة عن التصويت، أو لم تُسجِّل صوتا أصلا، أضِف إليهم 16 دولة أفريقية على علاقة تجارية وعسكرية مع روسيا. وتخشى بعض هذه الدول من الضغط الروسي عليها، في حين يرمي البعض الآخر إلى التحوُّط فيما يتعلق برهاناته الإستراتيجية، حيث يعارض هؤلاء العقوبات بدافع المبدأ والمصلحة الذاتية، ويسعى للإبقاء على قدراته للتودُّد إلى روسيا بوصفها راعيا وشريكا.

حتى تلك الدول التي أيَّدت قرار الأمم المتحدة لا تنوي أن تفرض عقوبات على روسيا. فمثلا، وضعت الإمارات العربية المتحدة نفسها ملاذا آمنا مهما لنزوح رأس المال الروسي خارج بلاده، وكذلك ستسمح قوانين الضرائب في إسرائيل للأوليغارشيين الروس بغسيل أموالهم. أما تركيا، رغم العضوية في الناتو ودعمها للجيش الأوكراني، فتبدو على استعداد للسماح بإعادة تسجيل الشركات الروسية تحت شعارات تركية، وكي تصبح البنوك التركية وسيطا للشركات الروسية. وعليه؛ ستواجه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأعضاء الآخرون في نظام العقوبات خيارا صعبا: هل سيعاقبون شركاءهم الإستراتيجيين أم سيسمحون لشركائهم بتخريب عقوباتهم؟

الأهم من كُل ذلك هو الارتفاع في أسعار الطاقة والسلع الغذائية والسلع الناعمة الذي سيزيد من انعدام الأمن المالي في العالم برُمَّته، كما يمكن أن يؤدي التضخُّم وأسعار الطاقة المرتفعة إلى اضطرابات اجتماعية عالمية، ويُشكِّل حالة من الاستياء ضد تسليح الغرب للاقتصاد العالمي. ومثلما جرى في أعقاب أزمة الاقتصاد العالمي عام 2008، تزدهر مُعاداة الليبرالية وتنمو في أزمنة الأزمات المالية والاضطراب الاقتصادي.

العملاق المسكوت عنه

للمفارقة، قد يوضِّح الاجتياح الروسي لأوكرانيا بأن أحد المخاطر المُحدِقة بالنظام الليبرالي يبقى كامنا في صلب الدول الديمقراطية الليبرالية ذاتها. فما من بقعة يكمُن فيها الخطر أكثر من الولايات المتحدة نفسها. وستبقى الجهود المبذولة للدفاع عن النظام الليبرالي وإصلاحه عُرضة للخطر ما دامت الأحلاف المعادية للديمقراطية يُسمح لها بالتغلغل في الحزب الجمهوري. فلم تكتفِ هذه الأحلاف، أثناء حقبة ترامب، بدعم مُعاداة الديمقراطية أو البوتينية على النسق الأميركي فحسب، وهو نهج انتهجته في الاعتداء علنا على المواثيق المؤسسية وشيطنة وسائل الإعلام المستقلة، بل وانتهى بها الأمر إلى دعم بوتين نفسه.

توضِّح لنا أول محاكمة لترامب هذا الخطر. فحين وُوجِهَ بالأدلة الدامغة على أن الرئيس حاول ابتزاز الحكومة الأوكرانية من أجل نقل الأسلحة الدفاعية الأميركية إليها، اصطف الحزب الجمهوري لمعارضة المحاكمة في مجلس النواب وسعى لتبرئته في مجلس الشيوخ. وبهذا، شوَّه الحزب الجمهوري مسؤولي السياسة الخارجية وضخَّم من الدعايات الروسية ضد أوكرانيا، بل الأكثر إثارة للقلق هو أن ترامب بحد ذاته أخبر المستشارين أنه يُخطِّط لانسحاب الولايات المتحدة من حلف الناتو أثناء ولايته الثانية.

لقد سنحت الفرصة الملائمة الآن ليمين-الوسط من الحزب الجمهوري كي يتنكَّر لهذه التوجهات. ولربما تتسبَّب حرب بوتين لإجهاض ديمقراطية وليدة في أن يعيد الحزب الجمهوري اكتشاف قيمة الديمقراطية الليبرالية، ولعلها تجعل أعضاء الحزب يعيدون النظر مرة أخرى في حملتهم لتقويض المؤسسات الديمقراطية في الولايات المتحدة؛ وهي جهود مبذولة أكثر على مستوى الولايات حاليا. ولكن في حال انتُخب ترامب، أو شخص آخر على شاكلته، للرئاسة عام 2024، فإن كل تلك الرهانات ستذهب هباء.

________________________________________

ترجمة: كريم طرابلسي

هذا التقرير مترجم عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : الجزيرة