شعار قسم ميدان

كيف أصبحت شركات السلاح الأميركية الرابح الأكبر من حرب أوكرانيا؟

Ukrainian service members unpack Javelin anti-tank missiles, delivered by plane as part of the U.S. military support package for Ukraine, at the Boryspil International Airport outside Kyiv, Ukraine February 10, 2022. REUTERS/Valentyn Ogirenko

بعد مرور أكثر من شهر على صراع ثقيل تشارك فيه أطراف مختلفة، لم تكشف الحرب في أوكرانيا بعد عن أسرارها كاملة، فلا هي وضعت أوزارها، ولا حتى مالت إلى طرف على حساب الآخر، فقط تشتد المعارك يوما بعد يوم. وبينما تقود روسيا هجوما ضاريا ومستمرا، مدفوعة بجيش من أعتى جيوش العالم، فاجأ الجيش الأوكراني، وهو الطرف الأضعف والأقل عددا في تلك المعادلة، الجميع بصموده، ونجح في عرقلة تقدُّم القوات الروسية بفضل الأسلحة الغربية التي منعت موسكو من فرض السيطرة الجوية على سماء أوكرانيا، وحافظت على العاصمة كييف من السقوط، على الأقل حتى الآن.

 

وكلما طالت أيام الحرب، زادت تكاليفها وخسائرها المادية والبشرية، وتعقَّدت أيضا حسابتها أكثر فأكثر، حتى إن المعارك باتت تُخفي حاليا في طياتها عدة حروب داخل حرب واحدة، فروسيا تقاتل من جهة للحيلولة من أن يصل حلف الناتو إلى حدودها الغربية، وتستهدف من جهة أخرى إحياء أمجاد ذاكرة الماضي القريب لدى شعوب دول الاتحاد السوفيتي القديم، بينما تخوض أوكرانيا حربا بالنيابة عن أوروبا لكسر شوكة العدو الذي يبتلع ببطء دول الشرق الأوروبي، أما الولايات المتحدة، فتسعى جاهدة إلى تدمير روسيا من بوابة الاقتصاد، وتوريطها في حرب استنزاف طويلة تزيد العقوبات من صعوبتها، بهدف إعادة تصحيح مسار التاريخ، من خلال احتواء روسيا، وتعزيز النفوذ الأميركي داخل القارة العجوز.

 

ولكن بجانب النتائج السياسية التي ستترتَّب على الحرب، هناك نتائج أخرى لا تقل أهمية تتعلَّق برغبة كل طرف في التسويق لترسانته المسلحة بهدف الرفع من مبيعاته، مثلما حدث سابقا في سوريا، حين استغلَّت موسكو الحرب هناك لإغراء الزبائن بفعالية نيرانها، ما انعكس في النهاية على زيادة الطلب على الأسلحة الروسية بقيمة جاوزت 26 مليار دولار عام 2016، وهو أعلى مستوى وصلت إليه عام 1992. واليوم، ترى واشنطن في هذه الحرب فرصة مناسبة للغاية لإقناع العديد من الدول الأوروبية خصوصا بشراء إنتاجاتها العسكرية استعدادا لغد قادم وغير مستقر.

 

مقبرة الدبابات الروسية

A charred Russian tank is seen, amid Russia's invasion of Ukraine, on the front line in the Kyiv region, Ukraine March 20, 2022. Press service of the Ukrainian Ground Forces/Handout via REUTERS THIS IMAGE HAS BEEN SUPPLIED BY A THIRD PARTY. MANDATORY CREDIT

مع تقدُّم الحرب، بدأت آمال أوكرانيا في الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي "الناتو" تتضاءل، على عكس ما كانت تسعى إليه قبل بدايتها، إذ كانت تعتبر ذلك هدفا إستراتيجيا يضمن لها حماية من أهداف موسكو التوسعية، لكن الأمور لم تسر كما أراد الأوكرانيون. في المقابل، يبدو أن أوكرانيا في طريقها إلى عصر من الحياد الإجباري الطويل، وهو الواقع الجديد الذي فرضه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بحربه، أيًّا كانت النتائج التي ستُفضي إليها الحرب في نهاية المطاف.

على الأرض، واجهت موسكو تحديات عسكرية متزايدة ربما لم تكن تتوقعها، ذلك لأن القوات الروسية التي حُشدت للمعركة، وقُدِّر تعدادها وفقا للمعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في لندن بنحو 280 ألف جندي، تتقدَّمهم 2840 دبابة، أي بمعدل 3 دبابات روسية مقابل كل دبابة أوكرانية، بخلاف تفوُّق روسيا عدديا أيضا على خصمها في عدد الطائرات المقاتلة بالمعدل نفسه تقريبا، هذه القوات لم تنجح حتى الآن في فرض سيطرتها الجوية، كما أنها لم تُحقِّق أهدافها على الأرض.

 

على عكس توقُّعاتها الأولى ربما، لم تجد موسكو نفسها فقط في مواجهة أسلحة الدفاع الجوي الأوكرانية روسية الصنع، مع مقاومة بدائية هشة. في الحقيقة، سرعان ما بات واضحا للجميع أن العتاد الروسي صار فعليا في مواجهة مصيرية مع أسلحة غربية حديثة لا تقل عنه فتكا. فقد حملت أشلاء الجنود الروس في ميادين القتال بصمة غربية واضحة، بفضل صواريخ "جافلين" الأميركية المدمرة للدروع، إلى جانب نظيرتها البريطانية "نلاو"، وهي أسلحة خفيفة حملها الجنود الأوكرانيون على أكتافهم، تتطلَّب 15 ثانية فقط لتدمير أكثر الدبابات الروسية تطورا، ويصل مداها إلى نحو 5 كيلومترات.

 

فمع تقدُّم المعارك، استغلَّت الولايات المتحدة الفرصة، وأعلنت عن إرسال 2000 من تلك الصواريخ إلى أوكرانيا، إلى جانب 6000 من منظومة "أ- تي 4" سويدية الصنع المضادة للدروع، ثم بعد ذلك، أتت الصفقة الأهم المتعلقة بمنظومة ستينغر الأميركية المضادة للطائرات، التي تحكي فصلا مثيرا عن الأداء المرتبك لسلاح الجو الروسي في الحرب على أوكرانيا، فبينما قال الروس إنهم أجهزوا على سلاح الجو الأوكراني في الساعات الأولى للقتال، ووجَّهوا ضربات مدمرة للقوات الجوية والدفاعات الجوية الأوكرانية، كشفت الحرب خطأ هذه الادعاءات، فالطيران الأوكراني الأكثر هشاشة ظل يُحلِّق، على عكس الطائرات الروسية الأشد بطشا، التي تجنَّبت الطلعات الجوية المنخفضة في سماء كييف خوفا من الاستهداف.

وإلى جانب الصواريخ المضادة للدبابات والطائرات، قدَّمت الولايات المتحدة لأوكرانيا أسطولا من الطائرات بدون بطيار، جاوز 100 طائرة، عملت بجوار الطائرات المُسيَّرة التركية من طراز بيرقدار، التي نفَّذ بها الجيش الأوكراني هجمات ناجحة وغير متوقَّعة خلال الأيام الأولى من الحرب. وفيما لا يُمكن الوثوق في الإعلانات الرسمية المتبادلة حول خسائر الصراع، تكشف الصور أن الجيش الروسي فقد العديد من الطائرات المقاتلة والمروحيات والطائرات المُسيَّرة، إلى جانب معداته الثقيلة، بسبب الأسلحة الغربية، في تكرار مخيب للآمال لسيناريو الانسحاب السوفيتي من أفغانستان قبل أكثر من ثلاثة عقود.

 

أسلحة روسية غير فتاكة

تشي كل المؤشرات السابقة بأن روسيا تواجه صعوبة بالغة في التقدُّم على الأرض، فثاني أقوى جيوش الأرض حسب تصنيف "غلوبال فاير باور"، الذي يُنفق سنويا على الدفاع ميزانية قيمتها 60 مليار دولار سنويا، لم يتمكَّن حتى الآن من التفوُّق على غريمه الأوكراني الذي لا تتجاوز ميزانيته على أقصى تقدير 4 مليارات دولار سنويا، وبينما يُروِّج الغرب لرواية تقول إن المساعدات التي قدَّمها هي التي ساهمت في قلب المعادلة على الأرض، يظل لغز الأداء العسكري الباهت للروس في أوكرانيا أكبر من أن تُفسِّره المساعدات الغربية وحدها.

 

ففي حين قدَّرت المخابرات الأميركية في البداية أن تشن روسيا هجوما فتاكا برا وجوا، وأن جيشها سيعتمد إستراتيجية استخدام القوة القصوى، لأن إطالة أمد القتال يجلب لموسكو تكاليف أكبر ومخاطر أوسع، وأنها ستحاول إسقاط كييف بسرعة قبل أن يصل المدد الغربي إلى أوكرانيا، كشفت الأسابيع الأولى من القتال خطأ تلك الحسابات، فروسيا على ما يبدو لم تكن مستعدة في البداية للزج بأقوى عتادها في تلك الحرب، سواء الطائرات المتطورة التي لم تبرح مدرجاتها، أو الدبابات الأحدث في العالم من طراز "تي 14 أرماتا" التي غابت عن ميادين القتال، وربما استهانت موسكو بمقدرات الجيش الأوكراني، فبخلت عن إرسال أقوى أسلحتها على الإطلاق، مما تسبَّب في ظهورها بصورة شاحبة مغايرة لما عهده العالم عنها في سوريا مثلا.

Service members of pro-Russian troops are seen atop of tanks during Ukraine-Russia conflict on the outskirts of the besieged southern port city of Mariupol, Ukraine March 20, 2022. REUTERS/Alexander Ermochenko

لم تقف الأزمة عند ذلك الحد، فقد وثَّق الخبراء العسكريون حسب ما أشارت "رويترز" أدلة كافية على نقص تنسيق القوات الجوية الروسية مع تشكيلات القوات البرية، حيث أُرسِلت العديد من تشكيلات القوات الروسية إلى الأمام بعيدا عن متناول غطاء الدفاع الجوي الخاص بهم. رسمت هذه الفوضى في النهاية مشهدا مختلفا، إذ انحرفت الآليات العسكرية الروسية عن أهدافها المحددة، لتبقى عالقة في الطرق، إما محطمة وإما معطوبة، في صورة عكست واقعا أدهش خصوم موسكو قبل أصدقائها.

 

وأمام هذه الصدمة، أعلنت روسيا للمرة الأولى في الميدان استخدام صواريخ فرط صوتية أسرع من الصوت بمرات عدة، التي تنتمي إلى عائلة جديدة من الأسلحة يقول عنها الرئيس بوتين إنها "لا تُقهر"، في محاولة يائسة لضبط معادلة القوة على الأرض. وفي هذا السياق، يرى مركز أبحاث "روسي"، ومقره لندن، أن سوء الأداء العسكري الروسي راجع إلى عدم المسح الجيد للأهداف، وهو ما جعل بطاريات الصواريخ الأوكرانية المختبئة تعمل بكفاءة ضد كل الأهداف على مرمى البصر، وتواصل دعم صمود الجيش الأوكراني ضد الغزو الروسي الذي لم ينجح في اجتياح أوكرانيا حتى الآن.

 

مكاسب صافية

على مستوى الدعاية العسكرية إذن، يمكن القول إن حرب أوكرانيا تسبَّبت حتى الآن في تراجع سمعة العتاد الروسي والقوة العسكرية الروسية، وأنه ما لم تدفع موسكو بمعدات أكثر تطورا، مصحوبة بإستراتيجية أكثر وضوحا، فإن سمعتها بوصفها موردا للأسلحة يمكن أن تتضرر كثيرا. في المقابل، تبدو الولايات المتحدة في طريقها لتحقيق بعض الغنائم من خلال بيع المزيد من السلاح لشركائها الأوروبيين.

A view shows an armoured convoy of pro-Russian troops during Ukraine-Russia conflict outside the separatist-controlled town of Volnovakha in the Donetsk region, Ukraine March 12, 2022. REUTERS/Alexander Ermochenko

في هذا السياق، يكشف معهد "سيبري" لأبحاث السلام -أحد أكثر المراكز البحثية موثوقية في متابعة ورصد صناعة ومبيعات الأسلحة عموما- عن زيادة نفقات التسليح في أوروبا حتى قبل غزو روسيا لأوكرانيا بنسبة 19%، وهو ما يؤكده التقرير الصادر عن وكالة الدفاع الأوروبية (EDA)، مُشيرا إلى أن دول الاتحاد الأوروبي أنفقت قرابة 200 مليار يورو على شؤون الدفاع خلال عام 2020. هذه الأرقام باتت اليوم مرشَّحة للتزايد، بل للتضاعف، في ضوء القرارات الأوروبية الجديدة بزيادة نفقات التسليح، وإلزام الشعوب الأوروبية بدفع دولارات إضافية كضرائب بهدف زيادة النفقات الدفاعية.

 

هذه الأموال سوف تُصب في جيوب شركات التسليح العالمية، تتزعَّمها خمس شركات أميركية رئيسية تستحوذ على 37% من سوق التسليح العالمي. هذا وتُشير بيانات البورصة العالمية إلى ارتفاع أسهم الشركة الأميركية "رايثيون تيكنولوجيز" المُصنِّعة لصواريخ "ستينغر" بنحو 16%، إلى جانب شركة "لوكهيد مارتن" الأميركية المُصنِّعة لصواريخ "جافلين" المضادة للدبابات بنسبة 3%، والأمر نفسه ينسحب على شركة "ساب" السويدية المُصنِّعة للصواريخ "نلاو" المضادة للدروع، التي تحوَّلت إلى عقبة أمام تقدُّم القوات الروسية إلى قلب العاصمة كييف، ويتوقع خبراء أن تصل أسهم شركات الدفاع إلى مستويات قياسية، بعد زيادة الطلب على السلاح، في عدة بلدان مختلفة.

A Ukrainian service member walks along a trench with a next generation light anti-tank weapon (NLAW) at a position on the front line in the north Kyiv region, Ukraine March 24, 2022. REUTERS/Gleb Garanich
جندي أوكراني يسير على طول خندق مع سلاح خفيف مضاد للدبابات (NLAW)

وبالإضافة إلى العمالقة الكبار في مجال التسليح، يمكن لبعض القوى الصاعدة أن تأمل في تحقيق بعض المكاسب، وفي مقدمتها تركيا التي حازت صناعاتها الدفاعية سمعة جيدة بفضل الطائرات المُسيَّرة من طراز "بيرقدار". وإلى جانب السلاح التركي، تعتبر إسرائيل نفسها أحد الأطراف الخفية المستفيدة من الصراع الدائر، إذ تقول صحيفة "هآرتس" العبرية إن أسهم شركة "إلبيت سيستمز" (Elbit Systems) ارتفعت بنسبة 18% بعد مرور يومين فقط على انطلاقة الحرب الأوكرانية، هذا وتستحوذ دولة الاحتلال على ما يقرب من 3% من المبيعات العالمية.

 

في قلب كل حرب، بغض النظر عن أطرافها وأهدافها ونتائجها، هناك قوائم لا حصر لها من الضحايا، وفي المقابل تظل هناك دوما قائمة صغيرة من المحظيين والمستفيدين. فمع كل يوم إضافي من الحرب والقتال، تمتلئ خزائن تجار الموت بالمزيد من الأموال، خاصة حين يكون الزبائن من الدول الثرية التي تشعر بالخطر. أما المواطنون الأوروبيون، فمن الواضح أنه سيكون عليهم الاستعداد للتخلي عن بعض الرفاه، في الوقت الذي تستعد فيه حكوماتهم لنقل الأموال من صناديق الرعاية الاجتماعية والصحية إلى حسابات شركات الأسلحة.

المصدر : الجزيرة