شعار قسم ميدان

إيطاليا.. حارس أجواء أوروبا يحميها في صمت من تحرُّشات روسيا

مقدمة الترجمة

مع الغزو الروسي لأوكرانيا، يكتسب الحديث عن تنظيم المهمات الدفاعية في حلف الناتو أهمية متزايدة. في هذا المقال، تُحدِّثنا "إليزابِث براو"، الزميلة بمعهد "أميركان إنتربرايز"، عن الدور البارز لإيطاليا في هذا الصدد بوصفها الحارس الأمين لأجواء الناتو، غير أن هذا الحارس يمارس مهمته في صمت تام، وبأقل قدر ممكن من الضجيج.

نص الترجمة

لقد سمعنا الكثير من اللغط حول الأسلحة المتنوِّعة التي ترسلها الدول الأعضاء بحلف الناتو إلى أوكرانيا، وكذلك سمعنا عن الخوذات التي أرسلتها ألمانيا وعددها 5 آلاف خوذة، بيد أننا لا نسمع ما يكفي -إن سمعنا أي شيء على الإطلاق- عن دور إيطاليا المحوري في ضبط الأجواء فوق البحر الأسود، وجهودها مؤخرا في ضبط المجال الجوي لدول البلطيق (ليتوانيا وإستونيا ولاتفيا)*، ودورياتها البحرية بطول البحر المتوسط وعرضه عبر حاملة الطائرات الخاصة بها. نعم، لقد دشَّنت إيطاليا دورها الخاص بوصفها رأس حربة برامج ضبط الجو التابعة لحلف الناتو، ولكن لأن روما لا تتكلَّم كثيرا عن دورياتها تلك، فإن جهودها الثقيلة في هذا المجال لا تظهر على الرادار.

الآن، وبينما وصلت الأزمة بين روسيا وأوكرانيا إلى ذروتها، وأصبحت الأراضي الروسية والأوكرانية المُطلَّة على البحر الأسود شديدة الخطورة إلى درجة دفعت شركات التأمين إلى وضعها على قائمتها السوداء؛ تحلِّق المقاتلات الإيطالية من طراز "يوروفايتر" ومقاتلات "إف-35" إلى الجنوب قليلا من نيران المعركة الجارية، حيث تُؤمِّن الأجواء الرومانية فوق البحر الأسود جنبا إلى جنب مع القوات الجوية لرومانيا وألمانيا، وهي مُهمَّة في إطار جهود "ضبط الجو المُعزَّز" التي أطلقها حلف الناتو بعد أن استحوذت روسيا على شبه جزيرة القرم وساعدت الانفصاليين على بسط سيطرتهم في شرق أوكرانيا بدءا من عام 2014.

مايسترو الأجواء

تصدَّرت إيطاليا جهود استخدام مقاتلات "إف-35" في مهمات الناتو الجوية، وكانت أول بلد يطير بها بالفعل أثناء دورياتها فوق أجواء أيسلندا وإستونيا.

تحدَّث معي "مانفرِد رويدِنباخ"، المتحدث باسم القيادة الجوية المشتركة لحلف الناتو، قائلا: "إيطاليا واحدة من أبرز المساهمين في مهمات الناتو لضبط الجو بشتى أنحاء أوروبا، وهي إشارة قوية إلى قدرات إيطاليا والتزامها تجاه التحالف. أضِف لذلك أنها تحمي أجواءها على مدار الساعة وطيلة العام بواسطة طائرات "يوروفايتر" المتطوِّرة والمقاتلات من طراز "إف-35″، كما تشارك القوات الجوية الإيطالية في مهمات الناتو لضبط الجو بمنطقة البلطيق ولحلفائنا في أيسلندا وبلغاريا وسلوفينيا وشمال مقدونيا والجبل الأسود". وقد تصدَّرت إيطاليا جهود استخدام مقاتلات "إف-35" في مهمات الناتو الجوية، وكانت أول بلد يطير بها بالفعل أثناء دورياتها فوق أجواء أيسلندا وإستونيا، ونجحت في اعتراض طائرة (نقل روسية) بالفعل أثناء مهمة فوق منطقة البلطيق العام الماضي.

اليوم، تطير مقاتلات "إف-35" الإيطالية في دورياتها فوق المتوسط بواسطة حاملة الطائرات الإيطالية "كاڤور"، وذلك في مهمة مشتركة مع مجموعات قتالية على متن حاملة الطائرات الفرنسية "شارل ديغول" وحاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس هاري ترومان". وتجدر الإشارة هُنا إلى أن إيطاليا البلد الأوروبي الوحيد الذي يمتلك حاملة طائرات ومقاتلات "إف-35" في الوقت نفسه، إذ إن فرنسا تمتلك حاملة طائرات بالفعل لكنها لا تمتلك مقاتلات "إف-35″، في حين تمتلك هولندا والنرويج المقاتلة الأحدث في العالم دونما حاملة طائرات، هذا ولا تمتلك ألمانيا أيّا منهما، ومن ثَم فإن إيطاليا نقطة ارتكاز جوية للناتو، ولا نبالغ إن قُلنا إنها مايسترو أجواء الناتو.

لدى إيطاليا اليوم أكثر من 9 آلاف ضابط من قواتها المسلحة مُنتشرين في 34 مهمة عسكرية في 21 بلدا، منهم 1100 في العراق، وأكثر من 600 في كوسوفو (لدى إيطاليا اهتمام كبير بأمن البلقان نظرا لعلاقاتها التاريخية به وقُربه الجغرافي منه)*. ولنقارن ذلك بألمانيا التي تنشر حوالي 3 آلاف جندي في 11 بلدا. تؤدي إيطاليا -إذن- دورا مركزيا في حماية أجواء الناتو، وهو أمر له تاريخ طويل كما أشار "فينشِنزو كامبوريني"، جنرال متقاعد وطيَّار مقاتل في القوات الإيطالية وقائد سابق لقواتها الجوية ولعملياتها الدفاعية، إذ أشار قائلا: "إن هناك تاريخا طويلا من الحديث عن الجنود المشاركين في مهمّات السلام داخل أروقة السياسة الإيطالية، إنه إرث من الحرب الباردة حين امتلك الحزب الشيوعي وزنا سياسيا في البلاد، وكذلك إرث نابع من دور الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان، إذ يتحدَّث البابا عن السلام باستمرار".

الحارس الصامت

يسترجع "كامبوريني" ذكرياته قائلا: "ألقى طيَّارونا القنابل فوق صربيا، وقال السياسيون في إيطاليا إن هذا دفاع متكامل بين حلفاء الناتو.

لقد مثَّلت الضربات الجوية للناتو على صربيا في التسعينيات حالة فارقة، إذ شنَّها التحالف لعرقلة الاعتداءات الصربية على الأقليات في كوسوفو، وشملت أكثر من 38 ألف مهمة قام بها طيَّارو الناتو، ومنهم إيطاليون. وأخذ "كامبوريني" يسترجع ذكرياته قائلا: "ألقى طيَّارونا القنابل فوق صربيا، وقال السياسيون في إيطاليا إن هذا [دفاع متكامل] (بين حلفاء الناتو)*، وغضب الطيَّارون تحت قيادتي من هذا الأمر، وأتذكَّر أحد المقاتلين معي حين قال لي إننا نخاطر بحياتنا دون أن يعلم أحد شيئا عنا". وحين كان كامبوريني قائد العمليات الدفاعية أثناء الحرب في أفغانستان، قتلت القوات الإيطالية عددا من مقاتلي طالبان، وسأله وزير الدفاع عمَّا سيجري حين يعرف الرأي العام الإيطالي، فقال كامبوريني: "قلت له يُمكننا أن نقول إننا حيَّدناهم".

إذن، الثقافة السياسية في إيطاليا تنفر تماما من الحديث عن الحقائق العسكرية، ومن ثم ليس مفاجئا أن حكوماتها لم تسلِّط الضوء على مساهماتها الضخمة في حلف الناتو وجهوده الجوية، رغم أن مهمّات ضبط الأجواء لا تؤدي إلى سقوط ضحايا. بيد أن البعد عن الأضواء لا يقلل من أهمية الدور الذي تقوم به إيطاليا جوا وبرا أيضا، بل العكس، فبينما تصبح أجواء الناتو أكثر عرضة للاختراق من خصومها، يحتاج التحالف إلى مهمّات ضبط الأجواء أكثر من أي وقت مضى. ففي عام 2021، انطلقت مقاتلات الناتو من قواعدها 370 مرة ردا على اختراقات أو شُبهات اختراق من خصوم التحالف، وقد جرت معظمها في أجواء البلطيق، وشمل 80% منها الطيران الروسي.

يبدو أن الحكومات الإيطالية المتعاقبة قد قرَّرت أن المساهمة في جهود الناتو الجوية ناموس من نواميس إيطاليا العسكرية، مثله مثل إرسال أعداد كبيرة من جنودها إلى مهمّات عديدة للناتو والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي حول البحر المتوسط ومناطق أخرى حول العالم. ويبدو أيضا أن ساسة إيطاليا راضون بألَّا يعرف الملايين من المصوِّتين لهم داخل إيطاليا عن دورهم الهائل والمؤثر، فما يُهِم هو أن الطرفين الأهم بالنسبة إلى روما يعرفان جيدا بجهودها العسكرية: حلفاؤها في الناتو، وخصوم الناتو على الجهة المُقابِلة.

_______________________________________

ترجمة: نور خيري

هذا التقرير مترجم عن Defense One ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : الجزيرة