خلف كمامة كورونا.. كيف استغلت فرنسا الوباء للفتك بحقوق المسلمين؟

"إن بلدنا مريض، مريض يعاني من أمراض خطيرة، أحد هذه الأمراض الانعزالية الإسلامية التي تهاجم وحدتنا الوطنية".

(جيرارد دارمنان، وزير الداخلية الفرنسي)

في يوم 25 يناير/كانون الثاني الماضي، أعلن معهد "باستور" الفرنسي إيقاف مشروع تطوير لقاح "كوفيد-19″، بعد أن جاءت النتائج الأولية مخيبة للآمال بنسبة فعالية أضعف من اللقاحات المتوفرة. انتظر الفرنسيون هذا اللقاح لإيمانهم العميق بمنتجاتهم المحلية، لكن فرنسا تخلَّفت عن ركب الدول العظمى التي أعلنت لقاحات مختلفة الفعالية لمحاربة الوباء الذي قلب الدنيا رأسا على عقب، ربما لأنها انهمكت في معركة وجودية أهم من تلك التي ستزاحم فيها الدول العظمى في مجال الاكتشافات العلمية، معركة ضد عدو وصفته باريس أنه أكثر خطورة على المجتمع الفرنسي، وتناوله الإعلام بغزارة لا مثيل لها، واختار له الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" اسم "الانعزالية". (1)

 

من "الساحة الحمراء" إلى "صحن الكعبة"

بدأت القصة في 18 فبراير/شباط 2020، حين حلَّ الرئيس الفرنسي ماكرون ضيفا على حي "بورزويل" بمدينة "ميلوز" في مقاطعة "الراين الأعلى" شرقي فرنسا. صافح ماكرون الحضور بحرارة وابتسامة، لكنه لم يعلم أن على بُعد 250 مترا فقط توجد الكنيسة الإنجيلية التي ستصبح البؤرة الأولية لانتشار فيروس "كوفيد-19" القادم من الصين في شتى أنحاء البلاد، مُخلِّفا قرابة 7 ملايين إصابة ونحو 115 ألف حالة وفاة في البلاد حتى لحظة كتابة هذه السطور. (2)

 

على كل حال، لم يُفكِّر ماكرون أثناء زيارته تلك بأزمة الوباء، بل شغلته مواضيع أخرى مثل حماية العلمانية، ومواجهة التغلغل الإسلامي في المجتمع، والخطر الذي يتهدَّد المبادئ المقدسة للجمهورية الفرنسية. بعد عشرة أيام من ذلك التاريخ، أعلن ماكرون رسميا شنَّ حرب لا هوادة فيها ضد ما سمَّاه "الانعزالية الإسلامية"، وقد كرَّر الرئيس الفرنسي أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة، انشغاله بذلك الهاجس الذي يؤرِّقه والطبقة السياسية في البلاد، وهو هاجس أن "تنعزل" الأقلية المسلمة وتحتكم في حياتها العملية والسياسية والدينية إلى قوانين الشريعة الإسلامية واضعةً إياها فوق الدستور الفرنسي ومبادئ الجمهورية.

 

رغم تأكيد ماكرون أن إصدار قانون كامل ومفصَّل بشأن الأمر مسألة وقت فقط، فإن الأزمة الصحية في العالم أجَّلت المشروع لبعض الوقت، بعدما حل "كوفيد" ضيفا ثقيلا على نشرات الأخبار وأستوديوهات "التوك شو"، لكن سرعان ما عادت عجلة الحياة تدور في الإليزيه وعادت معها "الانعزالية الإسلامية" إلى الساحة، إذ أعلن الرئيس الفرنسي في أكتوبر/تشرين الأول 2020 تقديم مشروع قانون لمحاربة التطرف والانعزالية الإسلامية إلى مجلس الدولة يوم 9 ديسمبر/كانون الأول من السنة نفسها.

لم يكن مصطلح "الانعزالية" (تُترجم الكلمة الفرنسية "Séparatisme" إلى الانفصالية أيضا) متداولا داخل الأروقة السياسية أو العلمية الفرنسية، بل ارتبط المصطلح أساسا بمطالب إقليمَيْ "الباسك" و"كتالونيا" بالانفصال عن إسبانيا، وبمطالب الاسكتلنديين بالخروج من عباءة بريطانيا، وربما ببعض الحركات الانفصالية في أفريقيا وأميركا اللاتينية. ويُطلَق المصطلح في العموم على الحركات المسلحة التي تحاول الخروج على السلطة الحاكمة، تماما كما حدث في الولايات المتحدة الأميركية حينما بدأ الأميركيون ذوو الأصول الأفريقية بالدعوة إلى الانفصال عن البيض وثقافتهم وديانتهم، والعودة إلى ثقافتهم الأصلية ودياناتهم مثل الإسلام وبعض الديانات الوثنية. (3) ورغم ندرة هذا المفهوم في القاموس السياسي الفرنسي، فإن ماكرون استقاه من أحد رموزه المفضلين، الرئيس الفرنسي السابق "شارل ديغول"، الذي حارب الأفكار الشيوعية شأنه شأن باقي الدول الغربية أثناء الحرب الباردة.

 

في يوم 20 مايو/أيار 1952، خرج ديغول في خطاب قال فيه إنه سيعمل بجد حتى يحارب ذلك الداء المُستشري في المجتمع الذي يُسمى "الانعزالية" بهدف إعادة الوحدة الوطنية التي تضمن لفرنسا القوة والسعادة، ومن ثمَّ حارب ديغول الشيوعيين واعتبرهم سرطانا سيهدم الدولة ومفاصلها. يسير ماكرون اليوم على الخط نفسه، مستبدلا مكة بموسكو ليس إلا، ومُعلِنا عن حرب سياسية تستهدف الأقلية المسلمة في البلاد، رغم أن المقارنة ليست متكافئة في الحقيقة، ذلك لأن الحزب الشيوعي الفرنسي حظي بتعاطف ربع الفرنسيين في حين يظل الحضور السياسي للإسلام ضعيفا ومُتشتَّتا داخل أقلية بعينها. (4)

 

رغم أن تشريع هذا القانون ارتبط إعلاميا بالأحداث التي عرفتها فرنسا مؤخرا، وعلى رأسها مقتل المعلم الفرنسي "صامويل باتي" بعد عرض صور كاريكاتورية مسيئة للنبي محمد ﷺ، فإن فكرة سن مشروع يستهدف الأقلية المسلمة راود ماكرون منذ ديسمبر/كانون الأول 2017. وحسب ما كشفته صحيفة "لوباريزيان" الفرنسية، فقد طالب الرئيس الفرنسي وزير الداخلية السابق "جيرارد كولومب" بتكثيف مراقبته على ضواحي المدن حيث تتركَّز الجاليات الإسلامية، ومحاولة اختراقها من أجل التحقيق في وجود شبكات جهادية نشطة داخل فرنسا وخارجها، وسرعان ما بدأت الخطوة الأولى بـ 15 ضاحية، هذا وحرصت الحكومة الفرنسية على سرية الخطوة وعدم الترويج لها إعلاميا إلا بعد التأكُّد من تحقيقها نتائج مرجوة. (5)

بعد رحيل كولومب وتعيين كريستوف كاستانير وزيرا للداخلية، جاءت تعليمات الإليزيه واضحة بالعمل على استصدار قانون يؤطر مراقبة الفعاليات الإسلامية من مساجد وجمعيات وناشطين، وأن يكون القانون قويا وصارما بما يكفي، دون أن يتصادم مع قانون 1905 الذي يفرض على الدولة عدم التدخُّل في الشؤون الدينية. وقد سرَّعت الأحداث من صدور هذا القانون في ظل اتهامات المعارضة اليمينية لماكرون بعدم الضرب بيد من حديد على "التطرف الإسلامي"، ما دفع ماكرون لوضع اللمسات الأخيرة على نص يظهر به أكثر حزما في عيون الناخبين مقارنة بالخطاب العنصري الفاشي الكلاسيكي الذي يُنتجه حزب "مارين لوبِن". واستدعى الإليزيه المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية التابع بصورة غير عضوية للدولة، وصاحب العلاقات القوية مع وزارة الداخلية، مُطالِبا إياه بالانخراط في المشروع وتأكيد نقطتين أساسيتين: محاربة الإسلام السياسي، ورفض التمويل الخارجي للمساجد والجمعيات الإسلامية. (6)

 

الإجبار على الحرية

"يجب أن يعلم الجميع أن هذا القانون لا يستهدف الديانة الإسلامية، ولكنه ضد الأيديولوجيا الإسلامية، هذا القانون يهدف للحرية، وللحماية، ولمحاربة التطرف الإسلامي".

(جان كاستيكس، الوزير الأول الفرنسي)

في سلسلته الشهيرة حول المفاهيم السائلة، يُخبرنا "زيجمونت باومان" عن الطريقة التي تستثمر فيها الدول في الخوف من أجل تحقيق بعض المكاسب في أوقات الأزمات، فقد استند الارتباط بين الدولة والمواطنين في بداية الحداثة إلى علاقة متبادلة من أجل رأس المال والعمالة، لكن مع انفتاح العالم على السوق الحر والنيوليبرالية والاستهلاك، تغيَّرت التزامات الدولة من توفير الأمن المجتمعي إلى دائرة أضيق هي توفير الأمن الشخصي للفرد الذي عملت أجهزة النظم السياسية على تخويفه من كل شيء، من المجرمين والإرهابيين وناهبي الأموال العامة، ثم باعت له مقابل ذلك سُبلا للحماية السياسية عبر الوعود والخطابات. (7)

 

تُقدِّم حكومة ماكرون نموذجا للاستثمار في هذا الخوف مؤخرا، إذ استغلَّت حالة الارتباك الحاصل جرَّاء الوضعية الصحية والاقتصادية المتردية بسبب الوباء، وسعت لأجل إيجاد "عدو إسلامي"، وتمكَّنت من إقناع البرلمان يوم 24 أغسطس/آب الماضي باعتماد قانون الانعزالية الذي سمَّته "قانون احترام مبادئ الجمهورية". ورغم أن القانون على الورق لا يستهدف المسلمين على وجه الخصوص، بل يستهدف التيارات والطوائف كافة التي تسعى لتقديم نمط عيشها على حساب أسلوب الحياة الفرنسي، فإن القانون يُركِّز على نقاط مُحدَّدة تُثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الجالية الإسلامية هي التي ستدفع فاتورته، ولعل أبرز ما جاء به القانون هو التضييق على الجمعيات والمساجد، وفرض التعليم النظامي، وإلغاء الحق في التعليم المنزلي. (8)

لنفهم ما تعنيه مثل هذه البنود على أرض الواقع، سنستعين هنا بدراسة أجرتها "فارين بارفيز" الباحثة في علم الاجتماع بجامعة ماساتشوستس أمهرست الأميركية. تتبَّعت بارفيز في دراستها عددا من الفتيات المسلمات القاطنات بمدينة ليون الفرنسية بين عامَيْ 2006-2014، مع التركيز على آفاق الدراسة والعمل بالنسبة لهن والتحديات التي يعشنها بسبب التزامهن الديني. وتُشير الدراسة إلى قصة فتاة من تونس جاءت لفرنسا رفقة والديها طامحة في مواصلة دراساتها العليا، لكنها سرعان ما اصطدمت بواقع صعب، إذ تركت الجامعة (التي لا تمنع حتى الآن ارتداء الحجاب) بعد تعرُّضها لهجوم عنصري من طرف أحد أساتذتها بسبب لباسها الإسلامي. (9)

 

لم تجد هذه الفتاة بُدًّا من محاولة استثمار التعليم الذي تلقَّته في تدريس بعض الفتيات اللائي حُرِمْن من متابعة دراستهن بسبب منع الحجاب في المدارس الفرنسية بوصفه رمزا دينيا منذ عام 2004. ونقلت بارفيز عن الفتيات اللواتي شاركن في الدراسة قلقهن الكبير من إقدام فرنسا على منع التعليم عن بُعد، مُعلِّقة على ذلك بالقول: "كنت أتساءل هل مخاوف الفتيات حقيقية ومبررة أم أن هنالك نوعا من المبالغة، لكنني تفاجأت أن القانون الذي صدر أخيرا يُركِّز على هذه النقطة بالذات".

 

إن منع التعليم المنزلي، وتتبُّع الآباء الذين لا يرسلون أبناءهم إلى المدرسة قانونيا، يعني أن الحكومة الفرنسية لن تكتفي بإعدام فرص الشغل والتطور للنساء المحجبات، اللاتي يجدن أنفسهن مجبرات على ترك الدراسة والعمل في مجالات الخياطة أو الطبخ من المنزل، بل سيتجاوز ذلك إلى إجبار هؤلاء الفتيات على خلع حجابهن بقوة القانون للدراسة حضوريا وإجباريا حتى وإن لم تتدخَّل الدولة نظريا في الاختيارات الدينية للشعب.

في الوقت نفسه، تعمل الحكومة على تحقيق أكبر قدر من المكاسب من هذا القانون الجديد. فقد أكَّد كُلٌّ من وزيرة المواطنة "مارلين شيابا" ووزير التعليم "ميشيل بلانكير" أنه ستُفتح تحقيقات في الشهادات الطبية التي يُقدِّمها بعض الآباء المسلمين لمنع بناتهن من حضور دروس السباحة بدعوى معاناتهن من الحساسية ضد المواد المستخدمة في مياه المسابح. وترى الحكومة الفرنسية أن هذه الشهادات التي ارتفع عددها مؤخرا أداة لنشر التطرُّف والانعزالية الإسلامية بمنع الفتيات من ارتداء ملابس السباحة أمام زملائهن من الفتيان.

 

التأطير الديني والقانوني للجالية الإسلامية كان أحد الأهداف الأخرى لهذه القوانين، فبعد مقتل صامويل باتي، خرج وزير الخارجية الفرنسي الحالي "جيرارد دارمنان" ليؤكِّد أن وزارته ستعمل بكل جد على إغلاق أهم جمعيتين إسلاميتين في البلاد، وهما جمعية محاربة الإسلاموفوبيا بفرنسا، وجمعية بركة سيتي الخيرية. وأعلن دارمنان بعدئذ حلَّ الجمعيتين بدعوى تشجيعهما على الانعزالية وتمرير رسائل الكراهية والحضِّ على الإرهاب. واعتبرت الحكومة الفرنسية أن جمعية محاربة الإسلاموفوبيا، التي تنشط في مساعدة المسلمين ممن يتعرَّضون للاضطهاد على اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، تستغل هذه الخدمات لنشر أفكار خاطئة حول فرنسا والمجتمع الفرنسي وإقناع الضحايا بأنهم يعيشون في بلد عنصري يُعاديهم على أُسس دينية، في حين أن الإجراءات التي اتُّخِذَت ضدهم نتيجة قيامهم بأمور تتعارض مع روح الجمهورية العلمانية وقانونها. (10) وأضافت الحكومة أن الإحصائيات التي تنشرها الجمعية تُغذِّي الانعزالية وتُعطي فرصا لظهور أشخاص معروفين بتبنيهم للإسلام الثوري الرافض للمثلية الجنسية والديمقراطية.

 

تعليقا على هذه الخطوة، قالت منظمة العفو الدولية في بلاغ لها في 18 نوفمبر/تشرين الثاني إن حل هذه الجمعيات يُعتبر خطوة خطيرة جدا من طرف الحكومة الفرنسية، وإنها تستهدف بالأساس جميع الجمعيات والمنظمات الحقوقية التي تدافع عن حقوق الأقليات وتنشط ضد العنصرية، مُضيفة أن الحكومة الفرنسية لم تُقدِّم أي دليل ملموس على جميع الاتهامات التي وجَّهتها لهذه الهيئات الإسلامية.

 

في الوقت ذاته، لا يكف وزير الداخلية الفرنسي عن الظهور من فترة لأخرى تحت قبة البرلمان من أجل إعطاء بعض الإحصائيات حول عدد المساجد والجمعيات الإسلامية التي أُغلِقت نتيجة تورُّطها في إنتاج خطاب ديني مُتطرِّف يُهدِّد قيم الجمهورية، فقد أعلن دارمنان في ديسمبر/كانون الأول 2020 أن وزارته أجرت أكثر من 17 ألف عملية مراقبة نجم عنها إغلاق 394 مركزا إسلاميا ما بين مساجد وغيرها، في انتظار 89 مسجدا سينضمون بعد فترة وجيزة لهذه القائمة السوداء. (12)

سرعان ما صارت أخبار إغلاق المراكز والمساجد الإسلامية روتينا يوميا بعد ذلك في وسائل الإعلام المحلية، إذ تُقرِّر الحكومة إغلاق أحدها، ثم يقول الإعلام إن المسجد أشرف عليه متطرفون، دون إعطاء أي تفسيرات أو توضيحات حول نوعية هذا التطرف وأهم رسائله، اللهم باستثناء بعض الحالات الفردية التي سُلِّط الضوء عليها، مثل قضية إمام مسجد التقوى بمدينة "سان شامون"، الذي أُوقِف بسبب ذكره لبعض الآيات التي تحض النساء على عدم التبرج والاختلاط بالرجال أثناء خطبة عيد الأضحى، وهو ما يتعارض مع أُسس الجمهورية الفرنسية حسب بلاغ وزارة الداخلية.

 

في تقرير له حول الأمر، أكَّد موقع "ميديا بارت" الفرنسي أن وزارة الداخلية تحاول حجب الحقيقة بكثرة استعمال الأرقام دون نشر أي معطيات مُفصَّلة أو لائحة تحمل أسماء المساجد التي أُغلِقت. والسبب الحقيقي وراء ذلك، كما كشف التقرير، هو أن بعض المراكز الإسلامية التي تناقلت وسائل الإعلام إغلاقها بسبب خطابها المتطرف لم تكن سوى ضحية مراقبة روتينية نتيجة عدم احترامها لقواعد السلامة من الحرائق أو القواعد العامة للنظافة، بيد أن وزارة الداخلية لعبت على هذا الخيط من أجل بروزة إنجازاتها بأرقام يستحيل التأكُّد من صحتها. (13)

 

وذكر الموقع مثالا تناقلته وسائل الإعلام يخص مركزا إسلاميا أُغلِق بسبب عمل بعض النساء المنتقبات به على تدريس القرآن يوميا للأطفال تدريسا غير قانوني، حسب ما أفاده وزير التعليم الفرنسي نفسه، لكن بعد بحث بسيط، اكتشف "ميديا بارت" أن الأمر يتعلَّق بالمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية في ضاحية "سان دوني"، الذي أُغلِق بسبب عدم احترامه شروط الوقاية من الحرائق، ومن ثمَّ فلا وجود لأسطورة النساء المنتقبات اللاتي يرتدين اللباس الأسود ويُرغمن الصغار على حفظ القرآن.

 

ديمقراطية تحارب الرقص والمهاجرين

بعد أن رفع حزبا ماكرون ولوبِن توقُّعات الناخبين اليمينيين، كان لزاما على حزب الجمهوريين اليميني التقليدي محاولة اللحاق بهذا السباق التعس بأي وسيلة، وهُنا كانت الوسيلة الجمهورية مميزة وخارج الصندوق. بدأت الأمر من خلال الكلمة التي ألقتها "آني جينيفارد"، نائبة رئيس حزب الجمهوريين في البرلمان الفرنسي في يوليو/تموز الماضي، وطالبت فيها باتخاذ قرارت مناسبة ضد البُعد الطائفي الذي بات يشوب بعض حفلات الزفاف، إذ تُعزف الألحان الغريبة، وترقص العائلات رقصات محلية لا علاقة لها بالثقافة الفرنسية، وترفع في بعض الأحيان أعلام بعض الدول الأخرى. (14)

آني جينيفارد

رغم الانتقادات التي تعرَّضت لها البرلمانية الفرنسية، فإن زميلها "جيل بلاتري"، عمدة مدينة "ساون سور لوار"، أكَّد دعمه لزميلته مُشبِّها ما تعيشه بعض البلديات أثناء حفلات الزفاف "بالغزو الخارجي"، ومُضيفا أن "الناس لا يحترمون القوانين، ويرفعون الأعلام الأجنبية، ويأتون بآلات العزف الغريبة والموسيقى المحلية، ويأتون دائما متأخرين عن مواعيدهم". وما يُحسب للعمدة اليميني هو تسميته الأمور بأسمائها الحقيقية حين قال: "المشكل بصراحة يأتي من الشعوب القادمة من شمال أفريقيا". (15)

 

يبقى هذا التصعيد السياسي ضد الجاليات المهاجرة طريفا، إذا ما قورن بتصعيد آخر ضد المهاجرين غير النظاميين الذين يعيشون أوضاعا صعبة بين مطرقة الوباء وسندان "الانعزالية الإسلامية". ففي تقرير له حول أوضاع المهاجرين غير النظاميين في فرنسا، سلَّط موقع "ميدل إيست آي" الضوء على قانون 5 أغسطس/آب 2021 الذي اعتمده البرلمان الفرنسي في إطار تدبير الأزمة الصحية. ويقضي القانون بالسجن ثم الطرد من التراب الفرنسي، مع المنع من دخوله مرة أخرى، لكل مهاجر "غير شرعي" رفض إجراء تحليل "كوفيد-19" قبل إعادته إلى بلده. (16)

 

وكشف التقرير أن الحكومة الفرنسية في وضع صعب بسبب طلب الدول التي خرج منها هؤلاء المهاجرون فحصَ كورونا سلبيا قبل استلامهم، ما دفعها لإعداد قانون يقضي بالسجن من 3 إلى 6 أشهر لكل مهاجر يرفض إجراء هذا الفحص قبل ترحيله، وهو ما اعتبرته هيئة مراقبة أماكن الاحتجاز (هيئة مستقلة) انتهاكا لحق الأشخاص في عدم الخضوع لأي فحوص أو تدخُّلات طبية قبل موافقتهم، بغض النظر عن الهدف من هذا الإجراء.

اعتبرت الهيئة أن القانون يتعارض تعارضا كاملا مع مبدأ الاتفاق الطبي الذي لا يُعطي للأُطر الطبية الحق في فرض أي إجراءات دون موافقة الطرف الآخر، مُنتقِدا إفراط الحكومة الفرنسية في تكديس مراكز الاعتقال الإدارية وإغلاقها على المهاجرين في ظل الوضع الصحي الخطير الذي يعيشه العالم حاليا، فيما تساءل مراقبون عن الطريقة التي ستتعامل بها فرنسا مع هؤلاء المهاجرين في حالة طلبت الدول المُستَقبِلة لهم شهادة تلقيح قبل تسلمها مواطنيها.

 

تُواصل فرنسا في عهد ماكرون إذن مسيرتها في تحويل العلمانية من وعاء فضفاض يتسع للجميع إلى أيديولوجيا قسرية تستهدف إخضاع الأقليات، وخاصة المسلمين، تحت دعوى حماية مبادئ الجمهورية. لا يحتاج الأمر إلى الكثير من الفطنة للتنبؤ بالمعاناة التي سيُكابدها مسلمو فرنسا خلال السنوات المقبلة، بينما تُواصل باريس حربها المقدسة لفرض "التنوير" على الجميع بقوة القهر.

———————————————————————————–

المصادر

  1. Coronavirus : l’Institut Pasteur arrête son principal projet de vaccin, pas assez efficace
  2. Séparatisme islamiste : l’histoire secrète d’un projet de loi brûlant
  3. Un séparatisme « venu d’en haut » Rhétorique identitaire pour élites en mal de légitimité populaire Vincent Geisser
  4. Du séparatisme communiste au séparatisme musulman
  5. Séparatisme islamiste : l’histoire secrète d’un projet de loi brûlant
  6. المصدر السابق.
  7. الاستثمار في الهلع.. كيف يعزز التقدم الخوف لدى البشر؟
  8. Respect des principes de la République
  9. Lyon. Le séparatisme imaginaire des femmes salafistes
  10. Le CCIF dissous et re-dissous
  11. FRANCE. LA FERMETURE D’UNE ASSOCIATION ANTIRACISTE EST UNE MENACE POUR LES LIBERTÉS
  12. Lieux fermés pour «séparatisme»: la transparence n’est pas un luxe
  13.  المصدر السابق.
  14. LR, la danse de la honte
  15. المصدر السابق.
  16. La crise sanitaire, un prétexte pour durcir l’enfermement des sans-papiers en France
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

“الحرية، المساواة، الإخاء”، هذه هي المبادئ الثلاثة الأساسية التي قامت عليها الجمهورية الفرنسية وصرّح إيمانويل ماكرون مرارا بأنه سيحميها ويضمن تطبيقها.. لكن ما آلية ماكرون وحزبه في سبيل ذلك؟

13/1/2021

ربما انتهى زمن الاستعمار رسميا، لكن قواه لا تزال تتحكَّم. هي قصة قديمة إذن لكنها تتجدَّد كل يوم بصورة مختلفة، ليستمر معها الرجل الأبيض في الاستيلاء على خيرات أفريقيا، في أكبر سرقة علنية عرفها التاريخ.

8/6/2021

يُعَدُّ انتصار فرنسا في المباراة الأخيرة ضد ألمانيا انتصارا للألمان وفقا لمجريات اللعب التي تعكسها الأرقام، لكن من وجهة نظر إستراتيجية فإن فرنسا قد نجحت بتحقيق أهدافها وتحجيم الخصم للحد الأقصى.

17/6/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة