أزمة الوقود اللبناني.. كيف تحولت إلى ساحة معركة جديدة بين أميركا وإيران؟

Cars stand in line at a gasoline station as they wait to fuel up in Jiyeh, Lebanon May 10, 2021. Picture taken May 10, 2021. REUTERS/Aziz Taher

"إذا ما بنعبي بنزين ما بناكل.. الله لا يوفقهن"، هكذا تحدَّث سائق أجرة لبناني وهو يُغالب المشقة التي نالت منه بسبب انتظاره ساعات طويلة في الشمس الحارقة، فمنذ سبعة أيام يركض الرجل من محطة إلى أخرى على أمل أن يملأ خزان سيارته بالبنزين كي يباشر عمله ويُطعم أسرته. مثله مثل الآلاف من اللبنانيين، وقف الرجل أمام إحدى محطات البنزين في العاصمة اللبنانية "بيروت"، ثم شق طريقه ببطء شديد مرعوبا من فكرة أن يصل دوره فيجد الوقود قد نفد، حاول الرجل الخمسيني أن يتمالك نفسه أمام الكاميرا، فقال أيضا: "من الخامسة فجرا هنا، أنا زلمة عمري خمسين سنة، نزلوا دمعتي الله لا يوفقهن".

 

في الطابور ذاته الذي اصطف فيه "الشوفير" اللبناني، عكست تعابير وجوه الواقفين وأحوالهم آثار الأزمة الاقتصادية في لبنان، التي يتكيَّف أهلها اليوم مع انقطاعات الوقود طويلة الأجل. ففي مهمة انتظار ملء خزان السيارة التي تحولت إلى جحيم، لا غرابة أن ترى سيدة "تحفر الكوسا"، وأخرى تؤدي مهام لها على الحاسوب المحمول استغلالا للوقت، فيما ترى رجلا يواصل أعماله على الهاتف وهو غارق في العرق.

A worker fills up a car with fuel, at a gas station in Beirut, Lebanon June 24, 2021. REUTERS/Mohamed Azakir

في لبنان أيضا، لم يعد باستطاعة ذوي الدخل المحدود الوصول إلى أماكن عملهم بسبب ارتفاع تكلفة التنقل، ما يعني فقدانهم مصدر تأمين احتياجاتهم الغذائية، فيما يقتصر التنقل بين المدن والقرى الآن على الظروف الطارئة فقط بسبب نفاد الوقود، كما أن أزمة انقطاع التيار الكهربائي وصلت إلى حد التقنين لـ22 ساعة يوميا. ومع فقدان الليرة المحلية أكثر من 90% من قيمتها منذ خريف عام 2019، تفاقمت أزمة البلاد المالية التي وصفها البنك الدولي بأنها "من بين أسوأ ثلاث أزمات في العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر من حيث تأثيرها على مستويات المعيشة"، ومعها، تفاقمت مشكلات البلاد التي أحيت الذكرى الأولى لانفجار بيروت قبل أسابيع.

 

في الوقت الذي تعد فيه الأزمات الاقتصادية هي الشيء الوحيد الذي يتطور ويتغير -إلى الأسوأ- في لبنان، تبقى سائر أحوال لبنان كما هي دون تغيير، وأبرزها بالطبع دوره بوصفه مسرحا للحروب السياسية والتجارية بين الشرق والغرب، والذي تعكسه المنافسة النفطية المحتدمة اليوم بين واشنطن وطهران. فبعد أن فاجأ زعيم حزب الله اللبناني حسن نصر الله الجميع بإعلانه عن نجاح جهوده في جلب الوقود من الحليف الإيراني، دخل الأميركيون على الخط لتقويض الخطوة الإيرانية بمشروع دولي لتزويد لبنان بالطاقة، وهي منافسة تزيد من هيمنة الاستقطاب الإقليمي على الساحة اللبنانية وتعقِّد أزمة البلاد الاقتصادية وإن منحتْها انفراجة نسبية في قضية الوقود.

 

المواطن اللبناني.. "بين كماشتين"

في منتصف أغسطس/آب الماضي، التف جمع من اللبنانيين حول أرض تحتوي على خزان وقود في بلدة التليل بمنطقة عكار شمال لبنان، حيث كان عناصر من الجيش اللبناني يوزعون الوقود على المواطنين من الخزان المخبأ الذي اكتشفوه للتو في قطعة أرض خصصت لتخزين حصا البناء. وفيما كان المواطنون ينتظرون بلهفة للحصول أخيرا على حصة جيدة من الوقود، انفجر الخزان، ما أدى إلى مقتل 79 جنديا ومدنيا على الأقل، فيما نقل عشرات المصابين إلى مستشفيات عكار وطرابلس وبيروت.

سلطت الواقعة الضوء على أزمة السوق السوداء للوقود في لبنان. فبعدما اضطرت أغلب محطات الوقود وأكبرها إلى إغلاق أبوابها بعد نفاد الديزل من ماكيناتها، أضحت السوق السوداء ملاذا للكثيرين من أجل الحصول على الوقود لتشغيل السيارات أو المولدات الكهربائية في البيوت التي لا يصلها التيار الكهربائي أكثر من ساعتين يوميا. بل وأعلنت المستشفيات الحكومية والخاصة عن تخوفات كبيرة من موت المرضى بسبب نقص الديزل، وذلك بعد أن اضطرت المستشفيات إلى خفض استهلاكها من الكهرباء وإيقاف أجهزة التكييف في أجنحتها.

 

في الوقت نفسه، أدى تقنين الكهرباء بسبب فقدان الوقود إلى تضرُّر المصالح الحيوية، مثل المخابز والمصانع، ففي بلد لم تعُد 77٪ من عائلاته قادرة على شراء ما يكفي من الغذاء نتيجة ارتفاع أسعاره (وفقا للأمم المتحدة)، تتجه الأسر والمطاعم ومحلات السوبرماركت -في الوقت نفسه، بشتى أنحاء لبنان- إلى التخلص من المنتجات الغذائية التي تعفنت بسبب نقص التبريد الناجم عن أزمة الوقود في تناقض صارخ.

 

لكن رغم أن أزمة الوقود اللبنانية بقيت طيلة سنوات من الملفات الشائكة، فإنها وصلت إلى مستوى غير مسبوق بسبب الجمود المتواصل بين الخصوم السياسيين المحليين منذ أكتوبر/تشرين الأول عام 2019، حين خرج اللبنانيون من منازلهم إلى الشوارع مطالبين بمحاسبة الفاسدين وإنقاذ البلاد التي فقدت حكومتها القدرة على تحمل تكاليف الواردات الرئيسة أو دعم السلع الأساسية، ما أدى إلى حدوث نقصٍ ضخم في الكهرباء والبنزين والأدوية.

Smoke rises as demonstrators walk during the ongoing anti-government protest, in Beirut, Lebanon, November 19, 2019. REUTERS/Aziz Taher

تفاقمت الأمور ووصلت إلى صورتها الحالية حين قرر البنك المركزي في لبنان، الذي اعتاد أن يسهم في تمويل واردات السلع الأساسية، إنهاء دعمه لمنتجات الوقود المستورد، ومد خط ائتماني لواردات الوقود على أساس سعر الصرف الموازي لليرة اللبنانية، وهو ما أدى إلى نقص الوقود وغرق البلاد في الظلام كما يؤكد مالِكُو محطات الوقود والمستوردون.

 

"حزب الله" يستعين بالنفط الإيراني

ورغم أن الفرقاء السياسيين في لبنان هم المسؤولون عن الأزمة المتفاقمة التي تعصف بالبلاد، فإن ذلك لم يمنعهم من محاولة توظيفها والاستفادة منها. ولعدة مرات، تحدث الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله عن سعي حزبه للمساهمة في حل أزمة الوقود في بلاده، وتحديدا عبر جلب ناقلات "المازوت" من إيران. في الرابع من أغسطس/آب الحالي، مضى نصر الله في وعوده وقال إن مجموعة من رجال حزب الله موجودون في إيران لبحث قضية البنزين والمازوت، وإن الوقود الإيراني سيصل لبنان قريبا برا أو جوا. كما تعهد نصر الله، وفق صحيفة "الأخبار" اللبنانية، بأن أزمة الدواء من أولويات الحزب، وأنه سيأتي بالدواء الإيراني إلى السوق اللبنانية.

 

بيد أن التصريح الأكثر مباشَرة صدر في خطاب بثه التلفزيون بمناسبة يوم عاشوراء (19 آب/أغسطس 2021)، إذ أعلن نصر الله أن "السفينة الأولى المحمَّلة بالوقود، التي سوف تنطلق من إيران، قد أنجزت كل الترتيبات وستبحر خلال ساعات". وأكد زعيم حزب الله، الذي لم يَفُتْهُ التأكيد على أن أزمة المحروقات في لبنان "مصطنعة ومفتعلة"، أن "المسألة ليست مسألة سفينة واحدة، وإنما ستصل السفن تباعا"، وبالفعل عاد نصر الله بعد أيام وأكد على أن "سفينتنا الثانية ستبحر خلال أيام، وستلحق بها سفن أخرى. سنواصل هذا المسار طالما هناك حاجة في البلد، وسنكمل تحمل المسؤولية".

يقول "وليد فخر الدين"، الأكاديمي والمحلل السياسي اللبناني، في حديثه لموقع "ميدان" إن قضية الباخرة التي تحدث عنها حزب الله لها بُعد دعائي واضح أكثر من كونها حلا فعليا للأزمة، فهي من جهة لا تغطي حاجة السوق اللبنانية سوى أربعة أيام في أفضل الأحوال. ويضيف: "لبنان ليس بلدا محاصرا ليُمنَع عنه دخول النفط، لكنه بلد مُفْلِس لا يستطيع شراء النفط، وإذا ما صحت المعلومات الواردة عن أن مجموعة رجال الأعمال المقربين من حزب الله، ومعظمهم من اللبنانيين الناشطين في أفريقيا، هم من دفعوا كلفة هذه الباخرة بمبلغ لا يتجاوز مليوني دولار، فهذا نوع من شد الأعصاب أو محاولة لإرضاء الجمهور الخاص".

 

يشدد فخر الدين على أن المشكلة في لبنان ليست قابلة للحل حاليا إلا بتغيير سياسي جذري، فهناك طبقة سياسية فشلت في إدارة أبسط الملفات، تاركة اللبنانيين يواجهون الأزمة تلو الأزمة، مع حلول قصيرة الأجل من طرف أو آخر لكسب النقاط السياسية ليس إلا. يؤكد: "الأزمات في لبنان ليست تقنية، بل هي أزمة إفلاس دولة، ولا حل لها إلا بواسطة إعادة تكوين السلطة، والبدء بمرحلة انتقالية نبني فيها المؤسسات ونتفاوض بأفضل الشروط مع صندوق النقد الدولي".

 

على أي حال، سيستفيد حزب الله من خطوات استيراد النفط من إيران، التي تصدَّرت سلم أولوياته الشهر الماضي. وعلى الصعيد الداخلي اللبناني، سيؤدي تعاون حزب الله في مجال الطاقة مع طهران إلى إضعاف حكومة بيروت -الموالية للغرب- أكثر وأكثر، لا سيما أن لبنان لا يستطيع استقبال البواخر الإيرانية دون الوقوع في فلك العقوبات الأميركية، ولذا فإن الحل الذي يتوقع أن يلجأ إليه حزب الله هو إدخالها إلى أراضي النظام السوري في طرطوس أو الساحل السوري، ثم نقلها بصهاريج من مناطق عبر القصير، المنطقة التي سيطر عليها حزب الله، إلى داخل الأراضي اللبنانية.

An Iranian carries the Iranian and Hezbollah flags during the commemoration of the 41st anniversary of the Islamic revolution in Tehran, Iran February 11, 2020. Nazanin Tabatabaee/WANA (West Asia News Agency) via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE HAS BEEN SUPPLIED BY A THIRD PARTY. TPX IMAGES OF THE DAY

على الجانب الإيراني، يُعَد دخول طهران على خط الأزمة الاقتصادية اللبنانية تأكيدا منها على حضورها المركزي في الساحة اللبنانية، وهي خطوة جديدة في معركتها الإقليمية مع إسرائيل، وتحديدا في "حرب الظل" التي ما انفكت تدور بين البلدين منذ فبراير/شباط الماضي، حيث تعرضت السفن المرتبطة بكل دولة لهجوم في المياه المحيطة بالخليج عدة مرات. وقد تحدَّث نصر الله عن تأمين شحنة وقود إيراني، وحذر من أي محاولة لتعطيل السفينة، في إشارة مبطنة -ولكنها واضحة- إلى الهجمات المنسوبة مؤخرا إلى إسرائيل على سفن إيرانية تُزوّد سوريا بالوقود، حيث قصفت الدولة العبرية مناطق في سوريا بغية تعطيل شبكات الإمداد هناك.

 

التحركات الأميركية

بعد مرور ساعات على إعلان حسن نصر الله انطلاق أولى سفن النفط الإيرانية نحو بلاده، أعلنت السفيرة الأميركية أن بلادها تعمل على قدم وساق لإيجاد حلول لأزمة الوقود اللبنانية، وذلك من خلال مشروع يمد لبنان بالطاقة عبر مصر والأردن. ويقترح الأميركيون أن يبيع الأردن الكهرباء للبنان، وهو ما يقضي بأن تمر الطاقة عبر أراضي النظام السوري، ثم عبر محطة كسارة اللبنانية، على أن يتم توفير الغاز اللازم من خلال الخط العربي الذي يمتد من مصر إلى شمال لبنان عبر الأردن وسوريا.

 

لكن الوعود الأميركية تظل شديدة التفاؤل ومحفوفة بالمخاطر في أفضل الأحوال. وحتى إذا تجاهلنا المشكلات اللوجستية المتعلقة بالتنفيذ، وأهمها تأثير الصراع في سوريا، فإن التحركات الأميركية ستخلق مشكلة طويلة الأمد. ومع نجاحها في تخفيف حدة الانهيار المميت لإمدادات الوقود المرتبطة بعمل قطاعات حيوية في البلاد، فإن الاعتماد على خط الغاز ذاك سيغذي تقاعس الحكومة اللبنانية التي اشترط عليها الغرب سابقا إصلاح هيكلتها قبل تقديم المساعدات. ومن المرجح أن الحلول الحالية ستؤدي إلى مزيد من التقاعس والشعور بالاستحقاق من طرف الحكومة والطيف السياسي اللبناني، والمزيد من الاعتقاد بقدرة لبنان "المأزوم" على جلب الدعم الحيوي باستمرار للحيلولة دون غرقه التام في أزماته، مع تأجيل لا نهاية له في الأفق للمشكلات السياسية والاقتصادية الجذرية التي تسبب تلك الأزمات ابتداءً.

تؤكد "منى يعقوبيان"، المستشارة الأولى لنائب الرئيس الأميركي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المعهد الأميركي للسلام، أن انهيار الدولة في لبنان سيكون له عواقب وخيمة على الاستقرار الإقليمي، وكذلك على مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة المتأثرة بالفعل بسبب التمدّد الإيراني في العراق وسوريا وجنوب لبنان. وتبرز الكاتبة أربعة تأثيرات رئيسة في هذا الصدد: أولها، ظهور فراغات أمنية في لبنان تتيح عودة التطرف إلى مناطق لبنانية عدة مع جذب المقاتلين السوريين. وثانيها، أن حزب الله سيكون الأكثر استعدادا لمواجهة الانهيار الكامل للدولة، حيث يتمتع الحزب ببنية تحتية أمنية وشبكات للرعاية الاجتماعية تتيح له إدارة لبنان أكثر من غيره، وهو سيناريو ترفضه واشنطن تماما. أما ثالثها، فهو احتمالية حدوث موجة نزوح كبرى من بلد يستضيف بالفعل أكبر عدد من اللاجئين بالنسبة إلى السكان في العالم (نحو 1.5 مليون لاجئ سوري). وأخيرا، احتمالية أن يؤدي فشل الدولة في لبنان إلى امتداد الفوضى إلى إسرائيل.

 

في الأخير، يعتمد حل أزمات لبنان على قيام حكومة قوية وذات مصداقية تستطيع تنفيذ إصلاحات مستدامة في قطاع الطاقة، والتفاوض على حُزمة مالية مع صندوق النقد الدولي. يُضاف إلى ذلك البحث عن معادلة جديدة مناسبة للوضع الإقليمي المتغيِّر والمتقلب، فلطالما ارتبط مصير لبنان بالتوازنات الإقليمية نظرا لصغر حجمه وهشاشة النشاطات الاقتصادية التي اعتمد عليها ليبقى مستقرا. بالأمس، شكَّلت السعودية، بدورها الاقتصادي وموازنتها لإيران ورعايتها لاتفاق الطائف، لاعبا أساسيا منح الاستقرار المطلوب. واليوم، وبينما يتراجع الاهتمام السعودي بالمشرق، وتتجه اهتمامات الرياض نحو تنمية الداخل، تنشأ فجوة اقتصادية تتجلى في الأزمات المالية والاقتصادية المتعاقبة في السنوات القليلة الماضية. قد تحاول مصر والأردن ملء تلك الفجوة سياسيا، بيد أن قدرتهما على ملئها اقتصاديا تظل محل شكوك إن لم تحظيا بدعم أوروبي أو أميركي، وهو أمر ستكشف الأيام القادمة -وحدها- عن إمكانية حصوله في ظل تشتت الأولويات الغربية بين موازنة الصين وروسيا وصد موجات اللاجئين، وهي أولويات لا تكاد تلقي بالا لمصير بلد صغير مثل لبنان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يعتقد حسن نصر الله أن الصينيين بإمكانهم تقديم حلول عملية وسريعة للمشكلات الملحة مثل توليد الطاقة وإدارة النفايات والبنية التحتية للنقل في لبنان.. فكيف نقرأ تحركات التنين الصيني تجاه لبنان؟

Published On 9/9/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة