طالبان في القصر.. ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة إلى إيران وإسرائيل؟

بعد أيام من فرض حركة "طالبان" سيطرتها على العاصمة الأفغانية كابل، تمكَّنت وسيلة إعلام إسرائيلية من بث حديث حصري لها مع أحد المتحدثين باسم الحركة هو "محمد شاهين". بيد أن الحدث الاستثنائي والصادم، الذي تزامن مع تصريحات للحركة بحرصها على الانفتاح في علاقاتها القادمة، سرعان ما تبيَّن أنه وقع دون إظهار هوية القناة الحقيقية للمتحدِّث باسم طالبان.

وبالفعل سُمع في التسجيل صوت شاهين الذي تهافتت عليه وسائل الإعلام الغربية وهو يسأل المراسل الإسرائيلي: "مَن أي تلفزيون أنت؟"، ليرد الأخير بالإنجليزية: "كان نيوز.. كان نيوز"، قبل أن ينتقل المراسل للبدء بسؤال حول تعامل الحركة مع الأقليات الدينية في البلاد.

لم يُفوِّت مراسل "كان" العبرية الفرصة لسؤال شاهين حول تعامل حركته مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وموقفه من تهنئتها. يمكننا قراءة هذه المخاطرة الإعلامية السريعة بوصفها دلالة على مدى تخوُّف إسرائيل مما يحدث في أفغانستان، حيث يجاور هذا البلد العدو اللدود للإسرائيليين "إيران". هذه المرة، تحار إسرائيل بشأن دلالة سيطرة طالبان على البلاد: هل هي "خنجر مُحتمَل في ظهر إيران؟" أم "بؤرة جديدة للإسلام السياسي المُعادي لتل أبيب؟".

أيادي إيران في أفغانستان

في أغسطس/آب 1998، وقعت واحدة من أشهر العمليات المسلحة التي تُدلِّل على حجم العداء بين إيران وطالبان، إذ هاجم عناصر من حركة طالبان القنصلية الإيرانية في مدينة "مزار شريف" الواقعة شمالي أفغانستان، فقتلوا ثمانية إيرانيين من بينهم صحافي يعمل في وكالة أنباء رسمية. ذكرت تقارير عدة آنذاك أن قائد فيلق القدس السابق "قاسم سليماني" وضع خطة عسكرية انتقامية عاجلة بالتعاون مع "التحالف الشمالي الأفغاني" المدعوم من إيران، حيث أمهله المرشد الأعلى علي خامنئي 48 ساعة لتنفيذ عملية والانسحاب بسرعة. ورغم أن العملية لم تتم لأسباب لوجستية وسياسية، فإن الحادثة جعلت تدخُّل طهران العسكري في الأراضي الأفغانية أو مقاتلتها لطالبان احتمالا قائما باستمرار. (1)

تعود العلاقة المُعقَّدة بين إيران وأفغانستان إلى أربعة عقود مضت، وبالتحديد إلى عام الثورة الإيرانية الذي تزامن مع غزو الاتحاد السوفيتي لبلاد الأفغان (1978-1979)، وكلاهما داعب طموحات طهران للتحوُّل إلى لاعب إقليمي في جوارها المباشر، وبالأخص في أفغانستان التي تربطها بها علاقات ثقافية ودينية وطيدة، أبرزها لغة "الدَري" شبه الرسمية في إيران، وكذلك التعداد الشيعي المُعتبَر (المعروف بالهزارة) في غرب أفغانستان بولاية هِرات.

لكن رغم أن العوامل الجيوسياسية والروابط الثقافية مَكَّنت إيران من ممارسة نفوذ كبير في أفغانستان، فإن الخلاف الأيديولوجي والطموح السياسي لعب دورا طبيعيا في العلاقة المتوترة مع حركة طالبان التي استولت على الحكم أواخر التسعينيات. فقد تبنَّت الحركة السُّنية نهجا مُتشدِّدا آنذاك، وقمعت الشيعة الهزارة في أفغانستان، الذين نظروا إلى طهران بوصفها ثقلا موازنا لطالبان السُّنية، ومن جهة أخرى استضافت طالبان عناصر تنظيم القاعدة الذين سعوا لاستهداف إيران وغيرها من البلدان. لم يكن غريبا إذن أن تسعى طهران لإسقاط الحركة في تلك الفترة، بل وسجَّل التاريخ قرارها بدعم الولايات المتحدة في غزوها لأفغانستان عام 2001 للتخلُّص من خطر القاعدة، كما نقلت شخصيات إيرانية بعد أحداث أيلول/سبتمبر 2001 معلومات استخبارية للأميركيين عن طالبان.

بيد أن العداء بين الطرفين سرعان ما انحسر بينما تمدَّدت أذرع الولايات المتحدة وقواعدها العسكرية شرقا وغربا، من آسيا الوسطى إلى الخليج، ومن العراق إلى أفغانستان، مما جعل العلاقة بين طهران وطالبان تتأرجح نحو درجة من التعاون التكتيكي في وجه الوجود الأميركي في المنطقة، وهو تعاون عزَّزه ظهور تنظيم الدولة (داعش) في أفغانستان واستهدافه لإيران وطالبان معا، إذ يُنسِّق الطرفان الآن لمحاربته وملاحقة عناصره.

بالمثل نظرت طالبان إلى إيران نظرة براغماتية مع مرور الوقت، بينما قلَّت حِدَّة تشدُّدها الأيديولوجي الذي عُرف عنها في التسعينيات، وازدادت تمرُّسا في ممارسة سياساتها الإقليمية. وإبَّان بدء محادثات السلام مع الولايات المتحدة عام 2019، سارعت طالبان لكسب إيران إلى صفها، وبدأت بإدراج الأقليات العِرقية الأفغانية في التحالف الجديد الناشئ على غير عادتها، وذهب العديد من كبار قادتها إلى طهران لإجراء مشاورات مع المسؤولين الإيرانيين. من جانبها، بقيت إيران طيلة فترة الاحتلال الأميركي تعمل على كسب الجهات المحلية الفاعلة بُغية إحباط المصالح الأميركية. (2)

الانسحاب الأميركي.. فرصة لإيران أم عبء عليها؟

يرى مراقبون أن طهران الآن أمام عدة خيارات لتعزيز مصالحها في أفغانستان: أولها دعم طالبان، والتوصُّل إلى اتفاقيات مع الحركة من أجل احتواء أنشطتها، ثم بناء تحالفات.

لا يعني ارتياح إيران لانسحاب الأميركيين من جوارها أن طهران لن تواجه تحديات تخص توسيع نفوذها في كابل في المستقبل القريب. ولا يقتصر ذلك على صعوبة التعامل مع طالبان بوصفها حركة سُنية وانشغال طهران بمعارك إقليمية أخرى أبرزها سوريا، وإنما يتعلَّق أيضا بالنظرة السلبية من قِبَل بعض الأفغان تجاه أنشطة طهران في بلادهم، وكذلك بالقيود الكبيرة التي يفرضها النزاع حول حقوق المياه بين البلدين، يُضاف إلى ذلك تحدي موجات اللاجئين الأفغان الذين يقبع أكثر من مليون منهم داخل إيران بالفعل منذ سنوات.

يرى مراقبون أن طهران الآن أمام عدة خيارات لتعزيز مصالحها في بلد لا تملك فيه حليفا تمارس من خلاله نفوذها كما تفعل في دول الشرق الأوسط. أولها دعم طالبان سرا أو علنا، والتوصُّل إلى اتفاقيات مع الحركة من أجل احتواء أنشطتها، ثم بناء تحالفات وبُنى إقليمية للتشاور المستمر والدوري مع القوى الإقليمية ذات الاهتمام بأفغانستان، وأبرزها الصين وروسيا، على غرار مجموعة "أستانة" الخاصة بسوريا، لا سيما أن تلك البلدان نفسها لم ترغب باستمرار الوجود الأميركي في باحتها الخلفية، وستسعى لبلورة منظومة أفغانية تُقلِّص النفوذ الغربي الذي رعته الولايات المتحدة على مدار عشرين عاما في كابل.

إسرائيل.. مكاسب وتخوفات

بعد انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، كان الإسرائيليون الطرف الأدق في تحديد الزمن الذي ستحتاج إليه طالبان للسيطرة على البلاد بعد سحق الحكومة الأفغانية، إذ قالوا إن الأمر لن يستغرق بضع ساعات. ونجم هذا التوقُّع عن خبرتهم في تجارب مماثلة، فقد حدث ذلك حين انسحبت قواتهم من لبنان في مايو/أيار 2000، فانهار جيش جنوب لبنان مباشرة، وفي غضون ساعات أفسح المجال لسيطرة حزب الله اللبناني، كما حدث ذلك في قطاع غزة حين سيطرت حركة حماس على القطاع بعد هزيمة حركة فتح عام 2007 في أعقاب الانسحاب الإسرائيلي من القطاع.

رُغم بُعدها النسبي عن إسرائيل، سيكون للواقع الجديد الذي يتشكَّل في أفغانستان تأثير ولو محدود على الدولة العبرية، إذ تخشى تل أبيب أن يُغذِّي نظام طالبان حركات جهادية أخرى في الشرق الأوسط، وتحديدا حركتَيْ حماس والجهاد اللتين سارعتا لتهنئة طالبان. ويُعزِّز ذلك ما تراه إسرائيل على الأرض من تجرؤ إيراني غير مسبوق في استهدافها وحليفها الأميركي، إذ كثَّفت طهران من استخدام وكلائها في العراق وسوريا ولبنان، ووصلت الأمور إلى إطلاق حزب الله 20 صاروخ كاتيوشا في 6 أغسطس/آب الماضي.

بالتزامن مع وصول رئيس إيراني جديد يسعى لإثبات نفسه وبرنامجه، وهو "إبراهيم رئيسي"، وكذلك رئيس حكومة جديدة في إسرائيل هو "نفتالي بينيت"، ارتأت طهران التحرُّك ضد أعدائها والاستفادة من الفراغ الذي تتركه أميركا رويدا على مدار السنوات القليلة الماضية في شتى أنحاء الشرق الأوسط الكبير.

وينعكس ما حدث في أفغانستان، من جهة أخرى، على الطموحات الإسرائيلية لتعزيز العلاقات مع دول آسيا الوسطى (لا سيما الدول الأقرب لها مثل أذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان)، فالعلاقات الوطيدة بينها وبين تلك الدول لا تأتي فحسب في إطار اهتمامها بالفضاء السوفيتي السابق بوصفها وكيلا لمصالح الغرب بصورة عامة، لكن يمكن النظر إليها أيضا ضمن مساعي الضغط عبر تلك البلدان على طهران، مما يعني أن ظهور علاقة عمل جيدة بين طالبان في أفغانستان (الدولة الأكثر تعدادا للسكان في آسيا الوسطى) وإيران قد يُمهِّد الطريق لعرقلة الدور الإسرائيلي في تلك المنطقة، لا سيما والعلاقات بين تركيا وإيران أفضل كثيرا مما هي بين تركيا وإسرائيل حتى اللحظة، الأمر الذي يُحجِّم من قدرة دولة الاحتلال على الحركة في تلك المنطقة.

من جهة أخرى، هناك عدة فرص قد يجنيها الإسرائيليون من الأزمة الأفغانية، إذ يعتقدون أن وصول طالبان إلى كابل يُعقِّد حسابات النظام الشيعي في طهران، لا سيما إن فشلت طالبان في إحكام سيطرتها التامة أو اضطرت للدخول في مساومات مع أجنحة أو تنظيمات سُنية أكثر تشدُّدا منها، ما يعني تعثُّر محاولات إنشاء علاقة جيدة مع طهران من الطرفين. إذن، تظل هنالك احتمالية قائمة لأن تعود طهران إلى مربع الصراع مع جماعات مسلحة سُنية في أفغانستان، وهو أمر سينال استحسان تل أبيب رُغم صعوبة رعايته بصورة مباشرة نظرا للتنافر الطبيعي بين إسرائيل وتلك التنظيمات.

تقف البحرين والإمارات على قمة المرشحين للانخراط في تعميق تحالف مع إسرائيل، وهما من الدول الأشد توجُّسا من إيران.

هناك أيضا فائدة أخرى لإسرائيل تتمثَّل في أن الأحداث المتتالية في أفغانستان أظهرت واشنطن أمام الدول العربية بوصفها حليفا لم يَعُد راغبا في حماية حلفائه، ومن ثمَّ سيكون الانسحاب الأميركي دافعا للدول المناوئة لإيران في المنطقة لتعزيز علاقاتها مع إسرائيل، والاهتمام بملفات التنسيق الأمني والاستخباراتي معها في مواجهة إيران بعد أن تقاعست واشنطن عن القيام بذلك الدور. وتقف هنا البحرين والإمارات على قمة المرشحين للانخراط في تعميق تحالف مع إسرائيل، لا سيما وقد وقَّعتا علنا اتفاق تطبيع معها العام الماضي، وهما من الدول الأشد توجُّسا من إيران.

أما بالنسبة إلى السعودية، فإن قطار التطبيع عندها يظل أبطأ كثيرا لاعتبارات الرأي العام والمؤسسة الدينية المحافظة هناك، يُضاف إلى ذلك أن رهانها الأساسي فيما يبدو لا يزال قائما على تنويع تحالفاتها بين الحفاظ على النظام المصري في الغرب وتعزيز الروابط مع باكستان قدر الإمكان في الشرق، بل وربما فتح باب التطبيع مع تركيا، وهو باب أسهل شعبيا وأثقل إستراتيجيا وعسكريا لتحقيق توازن حقيقي مع إيران في المنطقة، لا سيما أن الأتراك مُشتبكون بملفات حيوية للسعودية في صراعها مع إيران داخل العراق وسوريا، وهما بلدان نشأ اهتمام مصري بهما أيضا في الآونة الأخيرة.

في نهاية المطاف، يبدو أن إسرائيل ليست ببعيدة عمَّا يدور في كابل، ولا بعيدة أبدا عن مآلاته وانعكاساته على الشرق الأوسط وآسيا الوسطى اللذين تهتم بهما اهتماما كبيرا منذ عقود. أما صعود طالبان فهو يُعقِّد من ملف العداء المستمر بين إسرائيل وإيران، وقد يأخذ الطرفين نحو محطات جديدة لتعزيز نفوذهما الإقليمي بوجه بعضهما بعضا، وهي معادلات لن تغيب عنها بحال تركيا أو السعودية، وستُعزِّز في الأخير من الأوراق المطروحة على الطاولة أمام طالبان إقليميا لخلق تحالفات وتنسيقات تُبقي نظامها وتُرسِّخ أركانه إقليميا ودوليا.

__________________________________________________

المصادر

  1. إيران تركز اهتمامها على أفغانستان
  2. Iran’s influence in Afghanistan
المصدر : الجزيرة

المزيد من دائمة الخضرة
الأكثر قراءة