من أفضل حاكم مصرف عربي إلى متهم بالفساد.. لماذا يصب اللبنانيون غضبهم على رياض سلامة؟

"ينام مئات الآلاف من الأطفال جائعين، غالبا دون تناول وجبة واحدة في اليوم"، بتلك الكلمات تحدَّثت "جنيفر مورهِد"، مديرة منظمة إنقاذ الطفولة في لبنان، عن الأوضاع الإنسانية القاسية في البلاد، تعقيبا على تقرير أصدرته المنظمة نفسها في 29 يوليو/تموز 2021.

 

بالنسبة إلى المواطن اللبناني، فإن ما صدر في تقرير منظمة إنقاذ الطفولة من أن العائلات اللبنانية لم تعد قادرة على شراء الأدوية التي تحتاج إليها لعلاج المرضى، أو أن نحو 47% من السكان لا يستطيعون شراء السلع الأساسية مثل العدس وزيت الطهي وحفاضات الأطفال والفوط الصحية والوقود، لم يكن مفاجئا البتة، فهو واقع يعيشونه كل يوم. فقد أخذ اقتصاد لبنان ينهار انهيارا متسارعا في السنوات القليلة الماضية، ومضت البلاد نحو مزيد من التخلُّف عن سداد الديون، والعجز عن تأمين المواد الأساسية من دواء وقمح ومحروقات لمواطنيها، ليصل السخط الشعبي إلى حالة انفجار تسبَّبت في اندلاع احتجاجات واسعة النطاق في أكتوبر/تشرين الأول 2019.

ورغم أن الاحتجاجات وُجِّهَت بالأساس ضد الطبقة السياسية الفاسدة في البلاد، فإن أنظار اللبنانيين اتجهت أيضا نحو تكنوقراط اقتصادي ظل يُطمئن مواطني بلاده بأن "الوضع المالي ممتاز"، وأن الليرة (العُملة اللبنانية) بخير. إنه حاكم مصرف لبنان "رياض سلامة" الذي تحميه الآن من المحتجين كتل خرسانية موضوعة حديثا، تُحيط بالمصرف الأهم في البلاد.

 

فبعد نحو ثلاثة عقود نُظر فيها إلى رياض سلامة بوصفه رجلَ مالٍ واقتصادٍ واسعَ الحيلة حافَظَ على استقرار الاقتصاد اللبناني، أضحى مهندس السياسة النقدية في لبنان منذ عام 1993 محل اتهامات عديدة بالفشل وحتى بالفساد، حيث تُشير تقارير دولية إلى أن الرجل استخدم منصبه لتقديم خدمات لسماسرة السلطة في النظام السياسي مُستندا إلى سمعته بوصفه مصرفيا كفئا يحظى باحترام اللبنانيين لسنوات طوال قبل أن تكشف الأضواء والوثائق صورة أخرى مُغايرة.

 

فعلى مدار أكثر من عقدين ونصف، اعتاد رجال السياسة في لبنان على استقبال سفراء الدول الكبرى وسط ضجيج إعلامي كبير، لكن الضيوف أنفسهم الذين قصدوا لبنان لأغراض سياسية في المقام الأول اتجهوا للقاء رجل الاقتصاد اللبناني بعيدا عن الأضواء. لطالما بادر السفراء النافذون للقاء رياض سلامة بُغية معرفة مدى تأثير السجال السياسي الساخن على عُملة البلاد، واحتمالية حدوث فراغ دستوري في رئاسة الجمهورية من عدمه، لا سيما وقد حامت التكهُّنات باستمرار حول إمكانية شغله لمنصب سياسي أثقل وزنا من منصب حاكم مصرف لبنان، بما في ذلك رئاسة الجمهورية. لكن النغمة السائدة في هذا الصيت سرعان ما تحوَّلت من "سلامة الكفء" إلى "سلامة الفاسد" خلال فترة وجيزة.

 

Lebanon's Central Bank Governor Riad Salameh gestures, as he speaks during an interview with Reuters in Beirut, Lebanon August 6, 2018. REUTERS/Mohamed Azakir
رياض سلامة

وُلد رياض سلامة، صاحب الولاية الأطول عُمرا على رأس مصرف لبنان، في منتصف يوليو/تموز عام 1950 لعائلة مارونية تقطن بلدة "كفردبيان" في جبل لبنان. وقد شجَّعته عائلته على إتمام دراسته حتى حاز الدرجة الجامعية في الاقتصاد من الجامعة الأميركية في بيروت. وقد منحه هذا التخصُّص فرصا وظيفية عدة، كالعمل في شركة "ميريل لينش" المالية العالمية في باريس، مُتدرِّجا في مناصب رفيعة داخل الشركة بين عامَيْ 1973-1985 حتى صار نائبا لرئيس الشركة ومستشارا ماليا. لفت نجاح سلامة في الخارج أنظار المسؤولين في بلاده، فاختير عام 1993 ليتولَّى منصب حاكم مصرف لبنان، بُغية إخراج البلاد التي تفاقمت أوضاعها في أعقاب الحرب الأهلية (1975-1990) من أزمة ديون الحكومات المتعاقبة.

 

آمن اللبنانيون بأن سلامة أقوى حُكَّام المصارف المركزية في المنطقة، وتفاخروا بأنه استطاع المحافظة على استقرار سعر صرف الليرة رغم التقلُّبات الأمنية التي مرَّ بها لبنان والأزمات الاقتصادية التي ضربت الاقتصاد العالمي. ولم يكن الانبهار بالمصرفي الماهر مجرد أقوال، إذ حاز سلامة على مدار سنوات عمله جوائز من أكبر المؤسسات المالية، كجائزة أفضل حاكم مصرف مركزي في العالم العربي عام 1996، ووسام جوقة الشرف الفرنسية من رتبة فارس عام 1997، ثم الوسام نفسه لكن برتبة ضابط عام 2009، كما حصل عام 2019 على الدرجة A في تصنيفات مجلة "جلوبال فاينانس" (Global finance).

 

بالتزامن، نال رياض سلامة أيضا نفوذا سياسيا لا يقل عن صيته الاقتصادي، ويعود ذلك إلى اقتران اسمه برئيس الوزراء الراحل "رفيق الحريري" الذي كان سلامة أحد أبرز معاونيه في إدارة أمواله، وفي تنفيذ برنامجه لإعادة بناء لبنان. نجح سلامة في ضبط قيمة الليرة اللبنانية، وبلغ نجاحه وعلاقته الوثيقة مع الحريري حدَّ وصف الأخير إياه بأنه "الاحتياطي الإستراتيجي للبنان". وقد برع سلامة أيضا في الحفاظ على موقع مُستقِل عن جميع الأطراف رغم علاقته مع الحريري، إذ نجح الرجل في إقناع الجميع بأن هدفه الأساسي والأوحد هو الاستقلال بالسياسة النقدية للبلاد عن حكومة الغالبية أيًّا كانت.

رفيق الحريري ورياض سلامة

بيد أن مسار الأحداث حمَل تطورات مرغوبة وغير مرغوبة في آنٍ واحد بالنسبة إلى المصرفي البارز، فقد اغتيل الحريري عام 2005، وتداعت العلاقات اللبنانية السورية. ورُغم خسارته لسنده السياسي الأبرز، ازدادت أهمية سلامة في نظر الكثيرين بالنظر لكفاءته آنذاك، فأُعيد تعيينه ثلاث مرات في المنصب نفسه الذي يشغله حتى الآن، بل واعتُبر سلامة أيضا منافسا على المقعد الرئاسي بالنظر لكونه مسيحيا مارونيا (شرط لتولِّي الرئاسة بموجب نظام المحاصصة الطائفي)، وبالنظر أيضا إلى وجود سابقة لانتقال حاكم المصرف إلى قصر بعبدا، إذ وصل "إلياس سركيس"، الحاكم الثاني لمصرف لبنان، إلى رئاسة الجمهورية عام 1968.

 

في ذلك التوقيت كان لبنان قد بدأ يُكابد آثار صراعات سياسية ممتدة، وانهيار ركائز الاقتصاد الهشة وفي مقدمتها السياحة والتحويلات الخارجية والدعم المالي من الخليج، وقد تزامن ذلك مع فراغ طويل الأمد في المقعد الرئاسي مع انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان في 24 مايو/أيار 2014، وهو ما تزامن مع طرح اسم رياض سلامة لتولِّي المقعد الرئاسي بُغية إنقاذ البلاد من أزمتها الاقتصادية.

 

لكن سلامة لم يحصل على الرئاسة في النهاية، ولم ينجُ لبنان من أزمته الاقتصادية أيضا، بل إن الأزمة على العكس تفاقمت واشتدَّت، حيث تسبَّبت "الهندسة المالية" التي أدخلها سلامة، وهي مجموعة آليات تُقدِّم عوائد كبيرة للبنوك مقابل الدولار، في دخول البلاد في أزمة بلغت أوجها عام 2019، حين بات لبنان بلدا لا يملك إلا القليل لعرضه مقابل جبل ديون يعادل 150% من الناتج القومي. أما المواطن اللبناني فوجد نفسه غير قادر على سحب أمواله من البنوك، وقد ردَّد محتجون اتهامات في تلك الفترة عن تهريب ودائع ضخمة لأشخاص علموا سابقا بقُرب وقوع أزمة. وبالتزامن، فطن اللبنانيون إلى حقيقة أن البنك المركزي لم يُعاقب الدولة على استثماراتها المُتهوِّرة، بل لعب دور الوسيط "فأخذ المال من المصارف وأعطاها للدولة، ما سمح للأخيرة بالاستدانة أكثر، ثم تفاقمت المشكلة حين لم يعد بمقدور الدولة ردَّ الأموال للمصارف وبالتالي لم يعد بمقدور المصارف أيضا إعطاء المودعين أموالهم"، كما يقول "باتريك مارديني"، الخبير الاقتصادي، في حوار له مع موقع "رصيف 22".

 

ماريان حويك مديرة المكتب التنفيذي لرياض سلامة

لم يقتصر الضجيج المحيط برياض سلامة على شخصه فقط. والحقيقة إن وصيفة ملكة جمال لبنان السابقة "ماريان حويك" لم تغب أبدا عن الأضواء بعدما غيَّرت اهتماماتها وصارت تُدير مكتب حاكم مصرف لبنان التنفيذي منذ عام 2007، فسرعان ما لفتت "اليد اليمنى" لرياض سلامة الأنظار، خاصة بعد ترقيتها مستشارة تنفيذية أولى في إبريل/نيسان 2020.

 

تجاوز الأمر مسألة لفت الأنظار إلى ضجيج كبير حول دور السيدة التي ترأس المكتب التنفيذي للبنك المركزي. فحويك التي وجب أن تخضع لنص المادة 20 من قانون النقد والتسليف اللبناني، الذي يمنع نواب حاكم المصرف المركزي من حيازة مصالح في شركات خاصة، شاركت في نشاط مالي خارجي، وأظهرت وثائق سُرِّبت في "أوراق بنما" أنها فتحت حسابا مصرفيا في سويسرا عام 2012، دون أن يُعلن مصرف لبنان عن الحساب كما هو مُتَّبَع.

 

بيد أن الأهم -على الأقل بالنسبة للبنانيين- هو أن سلامة، أو "مُعلم حويك"، حظي بمساعدة مهمة من مستشارته في إيداع ثروة هائلة في مصارف خارجية خاصة بإمارة "ليختنشتاين" ودولة "بنما". على سبيل المثال، فصَّل تقرير فرنسي عام 2016 وضعية أملاك وأرصدة سلامة ومقربين منه في الخارج، وكشف أن حويك حوَّلت 187 مليون دولار إلى حساب في بنما باسم سلامة، و150 مليون دولار إلى حساب آخر في "فِرجين أيلاندز" البريطانية. وانتهى التقرير، الصادر عن مؤسسة "إنترناشونال كريستل غروب" الفرنسية، إلى أن قيمة المبالغ المحوَّلة إلى حسابات سلامة وشقيقه بلغت 446 مليون دولار، فيما بلغت المبالغ المُودَعة باسم حويك 340 مليونا.

في السياق نفسه، قدَّمت منظمة "أكاونتابيليتي ناو" (Accountability Now) شكوى لدى مكتب المدَّعي العام السويسري حول احتمالية اختلاس سلامة وشقيقه أموال البنك المركزي وضلوعهما في غسيل الأموال. ويُحقِّق المدّعون السويسريون حاليا في شبكة من الحسابات المصرفية من سويسرا إلى بنما، بعدما أظهرت الوثائق أن سلامة استخدم شركة وساطة مملوكة لشقيقه، لِيُخوِّلها حق بيع سندات الدين الخارجي المعروفة بـ "يوروبوند" من المصرف المركزي. وقد أشاروا أيضا إلى انتقال مبالغ كبيرة في حساب الشركة إلى حسابات سويسرية يملكها سلامة، واستخدام جزء منها لشراء عقارات بقيمة ملايين اليوروهات في فرنسا وألمانيا وبريطانيا وسويسرا.

 

علاوة على ذلك، انضمَّت فرنسا -التي يحمل سلامة جنسيتها- في يوليو/تموز الحالي إلى الجهات المُحقِّقة، فقد فتح المدعي المالي الفرنسي تحقيقا في قضية حاكم مصرف لبنان ومزاعم الاختلاس وغسيل الأموال المُثارة حوله. وكانت نيابة مكافحة الفساد في فرنسا تُجري تحقيقا أوَّليا منذ نهاية مايو/أيار بعد شكوَيَيْن تقدَّمت بهما جمعيات ضد سلامة، كما يُحقِّق قضاة فرنسيون في القسم المالي من محكمة باريس في شكوى قدَّمتها مجموعة "شيربا" الفرنسية لمكافحة الفساد، التي تتهم سلامة وشقيقه وماريان حويك باكتساب أموال بطرق غير مشروعة ونقلها من لبنان إلى البنوك السويسرية، ثم غسل الملايين في فرنسا عبر شراء العقارات الراقية، بما في ذلك عقارات فاخرة قُرب برج إيفل.

 

دفعت كل هذه الاتهامات والشبهات صحافيين من "مشروع تتبُّع الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود" (occrp)، وشريكهم اللبناني موقع "درج"، إلى تتبُّع الاستثمارات الواسعة لسلامة في الخارج، ليصلوا إلى نتائج مُثيرة للاهتمام. على سبيل المثال، بعد ستة أيام فقط من الإعلان عن التحقيق في أنشطة المصرف المركزي الذي طالب به مدَّعون لبنانيون في يناير/كانون الثاني 2020، حصلت شركة مملوكة لسلامة في لوكسمبورغ على 11 مليون جنيه إسترليني (14.3 مليون دولار) من خلال بيع أصل في بريطانيا. في ضوء ذلك، لم يستغرب أحد ما كشفته وكالة "بلومبيرغ" في مارس/آذار الماضي أن مسؤولين في إدارة بايدن ناقشوا إمكانية اتخاذ تدابير مُنسَّقة مع نظرائهم الأوروبيين تستهدف رياض سلامة، على خلفية التحقيقات في تحويل أموال إلى الخارج، وإمكانية تجميد أصول سلامة في الخارج وسن إجراءات من شأنها الحد من قدرته على التصرُّف بالأموال دوليا.

 

epa08029226 Lebanese anti-government protesters wear masks resembling the Lebanese Central Bank Governor Riad Salameh as they shout slogans outside Lebanese Central Bank to voice rejection to the 'haircut' measure that has been circulating lately at Hamra Street in Beirut, Lebanon, 27 November 2019. Central Bank Governor Riad Salameh on 11 November 2019 dismissed any intentions of implementing a haircut on deposits or enforcing capital controls on Lebanese lenders. EPA-EFE/WAEL HAMZEH

"أنا آسف لإحباط أولئك الذين ينشرون الشائعات حول استقالتي كل يوم، لا أريد الاستقالة وسأواصل إستراتيجيتي للخروج من هذه الأزمة"، بتلك اللهجة الساخرة تحدَّث سلامة في سبتمبر/أيلول الماضي؛ مُستكمِلا جهوده في الدفاع عن نفسه ضد الاتهامات بالفساد وتراجع الكفاءة في السنوات الأخيرة. فالرجل الذي قال إنه عاش جيدا قبل أن يصبح محافظا لمصرف لبنان، إذ حظي براتب قدره 165 ألف دولار شهريا في "ميريل لينش" مع ثروة بلغت 23 مليون دولار، حرص على تأكيد دوره بوصفه المسؤول عن الحفاظ على النظام المالي اللبناني -بالوسائل المتاحة- وعدم تركه للانهيار.

 

وفيما يبدو، فإن سلامة لا يزال يمتلك بعد أوراق النفوذ التي يُراهن عليها. فبغض النظر عن الانتقادات التي تطوله، لم يواجه سلامة دعوات جادة للإطاحة به، ولا عقابا واحدا على إستراتيجيته المالية بالمزيد من الاقتراض لدفع الأموال إلى الدائنين الحاليين. وحتى الآن لم يؤتِ اتهامه العام الماضي من جانب مجموعة محامين لبنانيين بانتهاك قانون العقوبات اللبناني ثماره. ووسط خلافات الخصوم السياسيين في لبنان، وما صاحبها من مأزق خطير يُفاقم الكارثة الاقتصادية التي أشعلها التخلُّف عن سداد الديون السيادية العام الماضي، يظل سلامة مُحصَّنا من تحقيق لبناني حقيقي فيما يخص شبكة المصالح التجارية والسياسية الفاسدة التي تربَّحت تحت إدارته، وما زالت تُروِّج أنه المُنقِذ للاقتصاد اللبناني.

 

الآن، وبعدما جنَّد سلامة إمبراطوريته داخل البنك المركزي ليجعل وجوده ضروريا للأقوياء ومراكز القوى في الطيف السياسي اللبناني، يترك رئيس المصرف المركزي اللبناني البلاد على مُفترق طرق خطير، تماما كما يفعل نظراؤه من السياسيين، غير آبهٍ ربما بالنكسات الاقتصادية المتلاحقة التي تضرب شعبا بات يواجه وحده بنوكا مُتعسِّرة وعُملة مُحطَّمة وبطالة آخذة في الارتفاع، في الوقت الذي يكافح فيه لتأمين احتياجاته الأساسية من الطعام والدواء والوقود.

المصدر : الجزيرة