بعيدا عن السيناريو المصري.. المستقبل الوعر للديمقراطية التونسية بعد قرارات قيس سعيد

لم يكن المتابعون للشأن الداخلي التونسي يظنون أن الأزمة الخانقة التي تعيشها البلاد اقتصاديا واجتماعيا وصحيا قد تنتهي بإعلان قيس سعيد، رئيس البلاد، عن مجموعة قرارات وصفها مراقبون بالانقلاب الدستوري على الديمقراطية التونسية الناشئة. فقد أعلن الرئيس التونسي عقب اجتماعه بقيادات أمنية وعسكرية مساء 25 يوليو/تموز، وعلى حين غرة، حلَّ الحكومة التونسية وإقالة رئيسها هشام المشيشي، مع تجميد البرلمان ورفع الحصانة عن أعضائه، وتولِّي السلطة التنفيذية ورئاسة النيابة العامة بنفسه حتى يتمكَّن من متابعة جميع الملفات التي تمس أمن البلاد.

انفجرت التأويلات حينئذ، ونسي التونسيون الوباء الذي أجهز على منظومتهم الصحية، وترقَّبوا الأخبار القادمة من قصر قرطاج، وانقسموا بين غاضب ومُستبشر ومُترقِّب لمصير بلد ظل "فخرا لربيع العرب" الذي لم يصمد كثيرا في باقي الأقطار.

لم تُعمِّر طويلا علاقة الود السياسي بين حركة النهضة وقيس سعيد، الرئيس التونسي المُنتخَب سنة 2019. فرغم الدعم الكبير الذي قدَّمته الحركة ذات التوجُّه الإسلامي لسعيد خلال الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، فإن المشكلات بين الطرفين اشتعلت سريعا بسبب صراع القوى بين مؤسسة الرئاسة والبرلمان الذي يرأسه القيادي الإسلامي راشد الغنوشي.

حاول الطرفان تحقيق أكبر قدر ممكن من الاستفادة السياسية في ظل المناخ الديمقراطي الحديث الذي تشهده البلاد، واختار قيس سعيد هشام المشيشي رئيسا للحكومة بعد سقوط حكومة خلفه الحبيب الجملي. وقد عوَّل الرئيس التونسي على المشيشي ليكون داعما له في حرب السلطات، لكن الأخير اقترب أكثر من البرلمان على حساب مؤسسة الرئاسة، ما دفع سعيد إلى عدم المصادقة على تعديل وزاري اقترحه رئيس الحكومة وصادق عليه البرلمان، والسبب المُعلَن أن التغيير شابته خروقات.

اتسعت رقعة الخلاف بين الرئيس من جهة، والبرلمان ورئاسة الحكومة من جهة ثانية، وبدت أزمة تحديد الصلاحيات واضحة ومزعجة للجميع، وخصوصا لقيس سعيد، الذي رأى في بعض تصرفات الغنوشي، مثل اتصاله بفايز السراج، رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية السابق، لتقديم التهاني بعد أن تمكَّنت قوات حكومته من استعادة قاعدة الوطية من قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، تهديدا له ولصلاحياته وسلطته الرمزية. (1)

بعد هذه الأزمة ظهر جليا أن هناك معضلة في تحديد صلاحيات الحكم في تونس، فالكل يحكم ولكن لا أحد يحكم حقيقة، وذلك بالأساس نتيجة عدم وجود محكمة دستورية. انطلقت حكاية تشكيل المحكمة الدستورية بعد صدور الدستور التونسي سنة 2014، وتتكوَّن هذه المحكمة من 12 قاضيا يسهرون على حماية الدستور وحماية النظام الجمهوري، ويُعيِّن الرئيس أربعة منهم، فيما يُعيِّن المجلس الأعلى القضاء أربعة آخرين، وأخيرا يُصوِّت البرلمان لصالح أربعة أيضا. وقد حاول البرلمان التونسي بقيادة حركة النهضة الدفع بعجلة تشكيل المحكمة الدستورية إلى الأمام بعد سنوات من الانتظار، إذ صادق في مارس/آذار 2021 على جملة من التعديلات المتعلِّقة بتنقيح وإتمام القانون الأساسي الخاص لهذه المحكمة بأغلبية 110 صوت، لكن الرئيس التونسي رفض ختم مشروع القانون هذا مُبرِّرا ذلك بنص الدستور الذي يؤكِّد ضرورة تشكيل المحكمة الدستورية في أجل أقصاه سنة بعد الانتخابات التشريعية (التي أُجريت سنة 2014). عاد القانون إلى البرلمان فصادق عليه بأغلبية معززة، لكن الوضع لم يتغير، وظل الرئيس التونسي مُتعنِّتا، ومحتفظا لنفسه بالحق الحصري في تفسير الدستور، بما في ذلك المادة 80 التي تمنحه حق إعلان "الوضع الاستثنائي" وحل المؤسسات الرسمية كالحكومة والبرلمان في حالة أحس بخطر يتهدَّد البلاد والنظام الجمهوري. (2) (3)

نظرت حركة النهضة بعين الريبة لخطوات الرئيس السياسية والدستورية، وزادت هذه الريبة بعد أن سُرِّبَت وثيقة تتناول تفاصيل خطة انقلاب دستوري من جانب قيس سعيد على البرلمان والحكومة التونسية وحلِّهما وإعلان "حالة الاستثناء". (4) وقد سُرِّبَت الوثيقة من مكتب "نادية عكاشة"، مديرة الديوان الرئاسي، ويعود تاريخها إلى 13 مايو/أيار الماضي، وهي تدعو الرئيس التونسي إلى تفعيل المادة 80 من الدستور، وحل البرلمان وإعفاء الحكومة ثم جمع السلطات في حوزة قصر قرطاج، وذلك لإنقاذ البلاد من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والصحية الطاحنة.

اعتبرت الوثيقة أن الحكومة التونسية تتحمَّل المسؤولية الرئيسية في الوضع الصحي الكارثي للبلاد بسبب انتشار وباء "كوفيد-19″، ذلك لأنها لم تُقدِّم الرعاية الصحية اللازمة للمواطنين التونسيين بجانب سوء تدبيرها للموارد المالية والبشرية التي رُصِدَت لمقاومة الوباء، بالإضافة إلى فشلها في تحسين الوضع الاقتصادي والمساهمة في ارتفاع نِسَب البطالة والفقر وتردي الوضع المجتمعي، ومساهمتها في تغوُّل البرلمان الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى من أن يصبح فوق المحاسبة حسب الوثيقة المسرَّبة.

قيس سعيّد وراشد الغنوشي

كشف التسريب التنظيم اللوجستي الكامل للانقلاب، كمنع السياسيين ورجال الأعمال من مغادرة البلاد، وتطويق المؤسسات الرسمية والسيادية بالشرطة والجيش، واستدعاء رئيس الحكومة هشام المشيشي ورئيس البرلمان راشد الغنوشي إلى قصر قرطاج ثم منعهما من المغادرة. وقد أثارت هذه الوثيقة الكثير من الجدل في الأوساط السياسية التونسية، ما اضطر مصادر مُقرَّبة من الرئيس التونسي للخروج ونفي أية نية لمؤسسة الرئاسة بالانقلاب على الدستور، مؤكِّدة أن التسريب مُلفَّق ويستهدف تونس ومؤسساتها وتجربتها الديمقراطية.

رغم أن الوثيقة بدت بالنسبة لبعض المراقبين مجرد سيناريو خيالي بعيد عن الواقع، فإن ديفيد هيرست، مدير تحرير موقع "ميدل إيست آي"، عاد بعد إعلان قيس سعيد عن تجميد البرلمان وحل الحكومة للتأكيد أن المعلومات الواردة سلفا هي نفسها التي طبَّقها الرئيس التونسي من أجل إبعاد خصومه السياسيين، حيث أجبر الرئيس هشام المشيشي على الاستقالة، وعيَّن الجنرال "خالد اليحياوي" قائما بأعمال وزير الداخلية لقيادة حركة قمع واسعة ضد السياسيين والإعلاميين، وهو ما حدث بالضبط في الأخير. (5)

"نحن أمام نسخة كربونية مما حدث في مصر سنة 2013″، بهذه الكلمات استقبل الإعلامي المصري "عمرو أديب" متابعيه مُعلِّقا على ما حدث في تونس يوم 25 يوليو/تموز الماضي، ومُشبِّها قرارات قيس سعيد بإعلان وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي الانقلاب العسكري على الرئيس المُنتخَب الراحل محمد مرسي. بدا الإعلام المصري سعيدا بهذا الحدث الذي يُمثِّل حلقة جديدة في مسلسل صراع الأنظمة التقليدية مع الثورات العربية. (6)

عزف الإعلاميون المقرَّبون من نظام السيسي اللحن نفسه، وأكَّدوا أن ما حدث في تونس انتصار جديد على جماعة الإخوان المسلمين التي تُصنِّفها القاهرة جماعةً إرهابية، وهو انتصار أخرج التونسيين قاطبة للاحتفال رغم الوضع الصحي الصعب للبلاد، حسب القنوات المصرية. وقد وصف الإعلامي المصري "أحمد موسى"، المقرَّب من أجهزة المخابرات، داعمي حركة النهضة بالإرهابيين الذين ينشرون الخراب، إذ لم يكن هنالك من حل للتخلُّص منهم سوى إنزال الجيش التونسي الطامح إلى حماية الوطن، فيما ذهب زميله "نشأت الديهي" إلى التأكيد أن جميع خطوات قيس سعيد دستورية تماما، وأنها تهدف إلى الإجهاز على الإخوان المسلمين الذين خرَّبوا البلاد وهدموا الدين ونشروا الإلحاد، على حد وصفه. (7)

لم يكن الإعلام المصري الموالي للنظام وحده الذي أعلن الأفراح والليالي الملاح مُستبشِرا بإبادة سياسية جديدة للإسلاميين في العالم العربي، إذ سبقه في ذلك الإعلام المقرَّب من الإمارات، الذي وصف ما حدث في تونس "بالانتفاضة التونسية والاستقلال الجديد للتخلُّص من الإخوان". وتدين أبو ظبي بعداء واضح للتيارات الإسلامية، فقد عكفت بقيادة محمد بن زايد، ولي عهد أبو ظبي، على محاربة هذه التيارات في العديد من الدول العربية التي تمكَّن فيها الإسلاميون من المشاركة في الحكم عقب ثورات الربيع العربي. (8)

أشادت وسائل الإعلام المحسوبة على الإمارات بتحرُّكات قيس سعيد واصفة إياه بالبطل والرجل الحليم الذي لجأ إلى الدستور بعد غضبه من الأوضاع في تونس، وأثنت على تحرُّكات الجيش لتنفيذ قرارات الرئاسة، كما حذَّرت من سيناريوهات ما وصفته ببث الفوضى الإخوانية عبر "خطة التمكين 2028" التي تهدف -حسب المصادر ذاتها- إلى سيطرة الإسلاميين على شمال أفريقيا بقيادة تركية لإنشاء "دولة إخوانية" تتخذ من طرابلس عاصمة لها، وهي ادعاءات لا توجد عليها أي مؤشرات واقعية حقيقية لطالما ردَّدتها المنابر الإعلامية الموالية للإمارات. (9) (10)

هذا الحشد الإعلامي الكبير، الذي استهدف بوضوح حركة النهضة التونسية، دفع رئيسها راشد الغنوشي إلى مهاجمة وسائل الإعلام المقرَّبة من الإمارات، مُتَّهِما إياها بالوقوف وراء الأحداث التي تشهدها تونس عبر تحريضها المستمر على الإسلاميين. بيد أن محاولة الإمارات التدخُّل في الشأن الداخلي التونسي لا تقف عند عتبة التغطية الإعلامية، بل تتجاوز ذلك وتصل إلى حد محاولة تنصيب نظام سياسي يمكن التحكُّم فيه عن بُعد من أبو ظبي. (11)

اتضحت هذه المحاولات وضوحا شديدا في مايو/أيار 2018، عقب انكشاف مُخطَّط انقلاب أعدَّه وزير الداخلية السابق "لطفي براهم" بالتنسيق مع المخابرات الإماراتية للإطاحة بحكومة "يوسف الشاهد"، والسيطرة على البلاد بعد إحالة الرئيس السابق الباجي قايد السبسي إلى تقاعد "صحي"، تماما كما فعل من قبل الجنرال الشاب "زين العابدين بن علي" حينما أحال سلفه العجوز بورقيبة إلى التقاعد وسيطر على الحكم. (12)

وفيما يبدو، لم تتمكَّن الإمارات في النهاية من تحقيق هدفها بسحق حركة النهضة الإسلامية على الطريقة المصرية بعد أن أعلمت مصالح الاستعلامات الفرنسية والألمانية والجزائرية نظيرتها التونسية بهذه الخطوة التي رُسِمت خطوطها العريضة في اجتماع ليلي حضره وزير الداخلية الفرنسي ورئيس المخابرات الإماراتية بجزيرة جربة. (13)

فشل المُخطَّط إذن، لكن الرغبة المُلِحَّة في إنهاء أي وجود لحركة إسلامية في تونس ذات الماضي العلماني التليد ظلَّت تراود أبو ظبي. وقد اشتغلت حسابات النشطاء الإماراتيين بالتغريدات والتحليلات والمباركات بعد قرارات الرئيس التونسي، وكان من بين المهنئين "ضاحي خلفان"، نائب رئيس شرطة دبي الذي يُعتبر الصوت غير الرسمي للإمارات على تويتر، وصاحب السبق حينما تنبَّأ في تغريدة له قبل أيام قليلة من بداية الأحداث في تونس بما سيحدث في البلاد، حيث غرَّد قائلا: "أخبار سارة.. ضربة جديدة.. قوية.. جاية للإخونجية". وفي الوقت نفسه كشف حساب "مجتهد" المتخصِّص في التسريبات الخاصة بالدول العربية على تويتر أيضا أن دولا عربية، تتزعَّمها الإمارات، وعدت الرئيس التونسي بضخ 5 مليارات دولار وديعةً في حالة تمكَّن قيس سعيد من إبعاد النهضة نهائيا عن الساحة السياسية. (14)

من جانبه، اعتبر موقع "موند أفريك" الفرنسي في تقرير له أن دولة الإمارات هي الرابح الأكبر مما قام به الرئيس التونسي، مؤكِّدة أن إغلاق السلطات التونسية مكتب الجزيرة ومنع صحفيي القناة من تغطية الأحداث يُشير إشارة واضحة إلى وقوف أبو ظبي خلف ستار المشهد السياسي التونسي. (15)

ورغم اقتناع بعض العواصم العربية بأن السيناريو الأمثل لتونس يجب ألا يخرج عما انتهجه عبد الفتاح السيسي في مصر، حينما اختار التنكيل بالإسلاميين وجميع المتعاطفين مع الربيع العربي، فإن الوضع الداخلي لتونس بجانب معطيات أخرى يجعل هذا المسار صعب التحقُّق بحذافيره في بلاد الياسمين، فانحرف هذا المسار "المصري" قليلا، أو كثيرا، واتخذ وجها أقرب ربما إلى ما عاشته تركيا في انقلاباتها الناعمة عامَيْ 1971 و1998.

صحيح أن نقاط التقاطع كثيرة بين ما حدث في مصر وما يحدث الآن في تونس، لكن أهم نقاط الاختلاف بين الحدثين بلا شك هي ردود الفعل السياسية والقانونية على إعلان الرئيس التونسي، بداية بالأحزاب السياسية وصولا إلى الفقهاء الدستوريين. ففي مصر، ألقى الجنرال عبد الفتاح السيسي خطاب الانقلاب شادا عضده بشخصيات ليبرالية ويسارية وإسلامية سلفية ودينية عبر الأزهر والكنيسة، أما في تونس، فقد انقسمت المواقف السياسية حول ما أقدم عليه قيس سعيد. ففي الوقت الذي أشادت بعض الأحزاب، كالحزب الدستوري الذي ترأسه المعارضة عبير موسي، وحزب التيار الشعبي، وحركة الشعب، بهذه القرارات، عارضت غالبية الأحزاب الأخرى حل الحكومة والبرلمان، مُعتبرة إياه خرقا دستوريا كما عبَّرت عن ذلك كتلة قلب تونس، ثاني القوى تمثيلا في البرلمان، وكذلك حزب التيار الديمقراطي أبرز مكونات الكتلة الديمقراطية المُعارِضة لحكومة المشيشي، إلى جانب أحزاب أخرى كالاتحاد الشعبي الجمهوري وائتلاف الكرامة. (16) (17) (18)

لم تكن الأحزاب وحدها التي اتخذت هذا الموقف، بل سبقها إلى ذلك العديد من المراقبين والسياسيين وأساتذة القانون الذين رفضوا الطريقة التي أوَّل بها الرئيس التونسي الفصل 80 من الدستور، أما المجلس الأعلى للقضاء فأكَّد في بيان عقب اجتماعه بقيس سعيد ضرورة احترام استقلال القضاء، والنأي بالسلطة القضائية عن كل التجاذبات السياسية، مُشدِّدا في الوقت نفسه على استقلالية النيابة العامة على اعتبار أنها جزء من منظومة العدالة، وهو ما يُعتبر ردا على إعلان قيس سعيد نفسه رئيسا للنيابة العمومية. (19)

بجانب هذا الشق السياسي والقانوني، ساهم مُعطى آخر في تجنُّب المصير المصري -على الأقل حتى الساعة- وهو عدم تحوُّل الخلاف التونسي إلى صراع على الهوية كما حدث في مصر، حيث انقسم الشارع والناس والسياسيون والمراقبون إلى فئتين، أولى مُدافعة عن الإسلاميين، وثانية مُعادية لهم ومُساندة لتحرُّكات الجيش. وقد اعتبر الشيخ "كمال المرزوقي"، الرئيس السابق للرابطة التونسية للعلماء والدعاة، في حديثه لموقع "ميدان" أن الشواهد كافة تدل على تجاوز تونس المرحلة الحرجة التي خيَّمت فيها إمكانية سفك الدماء مع الحشد والحشد المُضاد على مخيال الجميع. وقال المرزوقي إن تونس لا تعيش حاليا صراعا هوياتيا بقدر ما تحاول التخلُّص من الشعبوية السياسية التي انتشرت في بلدان عدة، مُستبعِدا أن تعود تونس -حتى إن أُطيح بالإسلاميين من موقع الأغلبية- إلى مرحلة اللائكية اليعقوبية الفرنسية المُعادية لجميع مظاهر التدين والتجمع، مُشيرا إلى أن البلاد لن تتجاوز خط العلمانية الأنغلو-أميركية الأكثر تسامحا مع الدين حال عادت مسألة الهوية من جديد.

بعد إعلانه عن قراراته الأخيرة مباشرة، بدأ الرئيس التونسي يتحرَّك بسرعتين مختلفتين، فهو تارة يتحرَّك بسرعة كبيرة مُعلِنا إقالة كلٍّ من هشام المشيشي، رئيس الحكومة المُكلَّف بإدارة وزارة الداخلية، و"إبراهيم البرتاجي" وزير الدفاع، ثم "حسناء بن سليمان" الوزيرة المُكلَّفة بالوظيفة العمومية ووزيرة العدل بالنيابة، ثم يُغلق مكتب قناة الجزيرة، وينشر الجيش أمام المؤسسات الرسمية، ويمنع التجمُّعات، ويُعلِن فتح تحقيق في شبهة فساد تلقِّي بعض الأحزاب لتمويل خارجي دعما لحملاتها الانتخابية. وتارة يبدو وكأنه يتراجع عن هذه الخطوات حسبما أعلنت الرئاسة عن استقباله للاتحاد التونسي للشغل، ومنظمات المجتمع المدني والاتحاد الأعلى للقضاء، ثم إجراء العديد من الاتصالات مع زعماء عرب وغربيين للتأكيد أنه سيعمل جاهدا للحفاظ على التجربة الديمقراطية التونسية الفتية.

يرى الشيخ كمال المرزوقي في هذه الخطوات دليلا على عدم وجود رغبة انتقامية لدى الرئيس التونسي من باقي التيارات والأحزاب السياسية المُعارِضة له، فيما اعتبرتها "فريدة دحماني"، الكاتبة الصحفية التونسية ومراسلة مجلة "جون أفريك" في تونس، تخبُّطا يؤكِّد أن قيس سعيد لا يعلم حقيقة ما يجب فعله، وأنه ما من تصوُّر واضح عنده لخطواته المقبلة، ولذا لا يمكن الجزم إن كان سيُعلِن عن انتخابات مبكرة أم سيحاول تغيير النظام السياسي إلى نظام يمنح صلاحيات أوسع لمؤسسة الرئاسة ويُقلِّص من قوة البرلمان.

اعتبرت دحماني أن مسؤولية النهضة عن الأزمة السياسية التي تعيشها تونس لا تقل عن مسؤولية الرئاسة نفسها التي أشعلت الأزمة

قالت الدحماني في حديثها لموقع "ميدان" إن الرئيس التونسي يعلم جيدا أنه يملك إمكانية تجاوز مهلة الثلاثين يوما التي يُحدِّدها الدستور لفترة الاستثناء، والدخول إلى مرحلة "الدكتاتورية الدستورية" كما يُطلِق عليها المتخصِّصون. بيد أنه ظهر مع الوقت عدم استعداده لقرارات بهذا الحجم قد تجعله محط أنظار الداخل والخارج من الداعمين والمعارضين محليا وإقليميا وعالميا، ومحل انتقاد الشارع التونسي الذي ينتظر انفراجة سياسية تعقبها انفراجة اقتصادية، إذ يظل المُشكل القائم -وفقما تقول الدحماني- هو عدم امتلاك الرئيس أو التيارات السياسية الأخرى بما فيها حركة النهضة أي مشروع اقتصادي حقيقي قادر على إخراج تونس من عنق الزجاجة.

اعتبرت دحماني أن مسؤولية النهضة عن الأزمة السياسية التي تعيشها تونس لا تقل عن مسؤولية الرئاسة نفسها التي أشعلت الأزمة، ذلك لأن رفاق راشد الغنوشي لم يتمكَّنوا من تحقيق مطالب الشعب التونسي الذي منحهم رئاسة البرلمان، بل ساهموا مع باقي الطبقة السياسية في تأزم الأوضاع اقتصاديا واجتماعيا، وفقدوا بذلك الكثير من الدعم ونسبة مُعتبرة من شعبيتهم بسبب الحسابات السياسية الضيقة. لكنها استدركت بالقول إن هذا الأداء السيئ من الطبقة السياسية لا يعني أن سياسة الإقصاء على طريقة بن علي ستُجدي نفعا، ومن ثمَّ فإن الجلوس على طاولة الحوار هو الحل الوحيد حتى تتمكَّن تونس من الحفاظ على تفرُّد تجربتها الناجحة نسبيا في العالم العربي.

لا أحد يمكنه التكهُّن بما تُخبِّئه الأيام للدول العربية، خصوصا بعد سنوات الثورات العشر، التي بدت بعد انقضائها وكأنها عادت بالجميع إلى المربع صفر، في حين يتوجَّه رهان الجميع إلى تونس الآن، فالمدافعون عن الربيع العربي، المعتنقون لأفكاره وأهدافه ومطالبه، يرون في انتصار تونس جرعة جديدة من الياسمين، تُعطي الأمل في عودة روح الربيع مرة أخرى، ولو بعد حين، في حين يرى عرَّابو الثورات المضادة أن انهيار النموذج التونسي مسك الختام لسنوات من محاربة التغيير.

__________________________________________________________________

المصادر:

  1. للقصة بقية – نونس.. أزمة الرئاسات الثلاث
  2. بعد رفض الرئيس المصادقة على قانونها.. ما مصير المحكمة الدستورية بتونس؟
  3. في قراءة ثانية.. البرلمان التونسي يصادق بأغلبية معززة على تعديل قانون المحكمة الدستورية
  4. Top secret Tunisian presidential document outlines plan for ‘constitutional dictatorship’
  5. Tunisia: There is nothing constitutional about Kais Saied’s coup
  6. في غياب سد النهضة.. تونس والإخوان يسيطران على "التوك شو" المصري
  7. نشأت الديهي: الإخوان ليس لهم ملة وما دخلوا دولة إلا وأفسدوها ونظام إلا وخربوها
  8. فنانو تونس: التخلص من سطوة "الإخوان" استقلال جديد
  9. قيس سعيد.. رئيس "حليم" لجأ إلى الدستور عندما غضب
  10. ما هي سيناريوهات الإخوان لتفادي السقوط النهائي في تونس؟
  11. الغنوشي لـTRT: إعلام الإمارات وراء ما حصل بتونس واستهداف حركة النهضة
  12. هذه هي قصة "الانقلاب الإماراتي" الفاشلة في تونس
  13. المصدر السابق
  14. أخبار سارة.. ضربة جديدة ..قوية ..جاية للاخونجية
  15. Les Émirats grands gagnants du « coup d’État » en Tunisie
  16. ما موقف الأحزاب التونسية المختلفة من قرارات الرئيس قيس سعيد؟
  17. عبير موسي ترحب بقرارات سعيّد وتدعو إلى إصلاح جذري
  18. ما موقف الأحزاب التونسية المختلفة من قرارات الرئيس قيس سعيد؟
  19. "الأعلى للقضاء" في تونس: القضاة مستقلون والنيابة العامة جزء من القضاء
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة