يتنافسان على المواقع نفسها.. هل تصل المواجهة بين أميركا والصين إلى القمر؟

مقدمة الترجمة:

أعدت تارا كوب، كبيرة المراسلين في البنتاغون، تقريرا نشرته مجلة "ديفِنس وان" تناولت فيه مظاهر التنافس على احتلال القمر، لا سيما بين الولايات المتحدة والصين، اللتين قد تصطدما من أجل المواقع نفسها على القمر.

 

نص الترجمة:

ما من سباق يجري حاليا لمحاولة الوصول مرة أخرى إلى القمر، بيد أن القوى العظمى، الصين وروسيا من جهة، والولايات المتحدة وشركاءها من جهة أخرى، لا تعترف حاليا بالقوانين المقترحة من بعضها بعضا حول طبيعة النشاطات المسموحة والمحظورة حالما يصل أي منها إلى سطح القمر، وهي مشكلة يقلق بشأنها المشرِّعون ومحللو سياسات الفضاء، فكيف نتجنب صراعا في الفضاء إن لم تَعُد القوانين والسياسات الدولية المُطبَّقة على الأرض قابلة للتطبيق في الفضاء اليوم؟

 

يقول النائب "جيم كوبر"، الديمقراطي عن ولاية "تِنيسي" أن "الكثير من المفاهيم العسكرية المطبقة على الأرض لا تصلح للتطبيق في الفضاء، أو على الأقل ليست بالفاعلية نفسها. فإذا تجاوزنا ارتفاعا قدره 80 كيلومترا، أو وصلنا ارتفاعا قدره 100 كيلومتر فوق سطح الأرض على الأقل، نجد أنه ثمة قواعد مختلفة تُطبَّق هناك. لقد حان الوقت لنعي تلك الحقيقة".

 

هناك بالفعل تدافع دولي شرس حول القوانين المنظمة لعمليات الأقمار الصناعية. وعلى غرار القمر، ما من إجماع حتى الآن حول كيفية الرد على أي تحرُّكات عدوانية في مدار الأرض بحسب ما قاله الجنرال "جيمس ديكنسون"، قائد قيادة الفضاء الأميركية، في مؤتمر "البحر والجو والفضاء" الذي أقيمت فعالياته مطلع الشهر الحالي.

يقول "ديكنسون": "قد يدهشك سلوك بعض خصومنا في الفضاء. فإذا ارتُكِبَت أفعال مشابهة في نطاق آخر (غير الفضاء)، سيُنظر لها على الأرجح بوصفها أفعالا استفزازية أو عدائية أو حتى غير مسؤولة، وسترد عليها الولايات المتحدة بتدابير على المستوى نفسه، مستخدمة قوتها الوطنية بكامل ثقلها أو المناورات الدبلوماسية أو العقوبات الدولية، أو أي شيء آخر من شأنه إيصال رسالة مفادها أننا لن نتسامح مع سلوك كهذا، إلا أننا لم نصل بعدُ إلى هذه المرحلة فيما يخص الفضاء".

 

قواعد فوق القمر

تبنّت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1967 معاهدة بشأن استخدام الفضاء الخارجي، تعهدت بالتعاون وحظر الأسلحة النووية والمناورات والمنشآت العسكرية بعيدا عن كوكب الأرض، وقد ألزمت المعاهدة البلدان بإجراء "استشارات دولية مناسبة" قبل الإقدام على أي خطوة من شأنها "التسبب في تداخل محتمل يضر" ببرامج الفضاء الأخرى، كما تسمح المعاهدة بـ"طلب الاستشارة" إذا ما اعتقد بلد أن حدوث مثل هذا التداخل مرجح.

 

يقول "جيمس لَيك"، زميل بارز في شركة "كانيون" للاستشارات، إن "المعاهدة تنبّأت على نحو جيد" بالقضايا التي قد تظهر بالتزامن مع توسع نشاطات استكشاف الفضاء، لكن "يظل السؤال قائما حول ما إن كانت هذه المعاهدة كافية، وسنعرف الإجابة عما قريب".

 

تجدر الإشارة إلى أن روسيا والصين وأميركا لم يصدقوا على ملحق المعاهدة الذي يحظر النشاط العسكري على القمر. ومن المرجح أن يبدأ كلا المعسكرين -الصين وروسيا من جهة، والولايات المتحدة وشركاؤها من جهة أخرى- في تدشين قواعدهما على القمر دون التوصل إلى أي اتفاق فيما بينهما.

 

في يونيو/حزيران الماضي، أعلنت إدارة الفضاء الوطنية الصينية ووكالة الفضاء الاتحادية الروسية (روسكوسموس) نيتهما البدء في تفقد المواقع الممكنة لمحطتهما الدولية المشتركة لأبحاث القمر العام الجاري، على أن تختارا الموقع بحلول عام 2025. وفي عام 2020، أعلنت وكالة ناسا، بالتعاون مع الدول الشريكة للولايات المتحدة وفق اتفاقية أرتِميس، مشروع معسكر قاعدة أرتِميس الذي تسعى الدول الراعية له إلى إرسال رواد الفضاء من جديد إلى القمر بحلول عام 2024. وبالإضافة إلى هذين التحالفين، تعمل شركات خاصة مثل "بلو أوريجين" على إنشاء قواعد خاصة على القمر.

بيد أن المواقع المتاحة على القمر لبناء قاعدة منطقية من الناحية الاقتصادية قليلة العدد، وذلك بحسب "بلِدين بوين"، الأستاذ في جامعة "لَيستر" ومؤلف كتاب "الحرب في الفضاء: الإستراتيجية وقوات الفضاء والجغرافيا السياسية". ويقول "بوين" إن "الجليد المائي -على سبيل المثال- قد يكون موجودا في بؤر محدودة، ما يرجِّح أن تصير المناطق المحيطة بفوهات معينة في المناطق القطبية للقمر مرغوبة أكثر". ومن ثَم، ماذا سيحدث إذا رغب كل طرف في الفوهة نفسها باعتبارها أفضل بقعة للبدء بعمليات على سطح القمر؟

 

يقول "ألِكس غيلبرت"، الباحث وطالب الدكتوراه في موارد الفضاء بمعهد "باين" في كلية كولورادو للمناجم: "عندما نواجه موقفا مشابها، حيث نحاول القيام بشيء ما في البقعة نفسها مع آخرين، فالفيصل هنا هو مَن وصل إلى تلك البُقعة أولا، فإذا لم تكن الأول فسيصبح البديل الوحيد إجلاء الساكن الحالي بالقوة".

 

أيدت مجموعة أرتِميس فكرة "المناطق الآمنة" على القمر، بحيث يحدث تواصل بين عمليتين فضائيتين إن هدفتا إلى العمل في المنطقة نفسها. ويقول غيلبرت: "حتى إذا دشنت قاعدة وأعلنتها منطقة آمنة، فلا يزال بوسع أي طرف الدخول إليها، لكن فكرة المنطقة الآمنة مجرد وسيلة لإجبار الأطراف على التفاوض مع بعضها بعضا".

 

بيد أن هناك خطرا قائما بالفعل، يتمثل في استخدام هذه المناطق وسيلةً للاستيلاء على مواقع بعينها من المنافسين، وفقما يقول غيلبرت. يؤكد: "ثمة شيء شديد الأهمية يتوجب إدراكه بشأن المناطق الآمنة، وهو أن لكل طرف تعريفه الخاص بها". ومن جانبها تقول "بورا دَفي"، مهندسة النظم الفضائية في شركة "كانيون" للاستشارات: "أيا يكن مَن سيصل هناك أولا، فإنه يحق له استخدام الموارد الموجودة فيها، لكن لا يمكن لأي دولة ادعاء السيادة على منطقة (كما تفعل على الأرض)".

 

صراع الموارد

تقول "دَفي" إن الأمر ليس متعلقا بالمياه فحسب، بل بالمعادن الأرضية النادرة و"هيليوم-3″ أيضا التي ستكون في المتناول على سطح القمر، ولذا من المهم بمكان صياغة معاهدة لاستخدام تلك الموارد بصورة سلمية: "يجب أن يكون القمر متاحا للاستخدام المفتوح والحر بموجب اتفاقية أرتِميس ومعاهدة الفضاء الخارجي".

 

بيد أنّه من غير المتوقع أن تنضم روسيا أو الصين إلى اتفاقيات أرتِميس. حتى الآن، تركز قوات الدفاع الفضائية الأميركية بالأساس على الأجسام التي تدور حول الأرض. لكن ذلك تغيَّرَ هذا العام عندما أُسندت إلى قوة الفضاء وقيادة الفضاء الأميركيتين مهمة حماية أصول أميركية على ارتفاع 438 كم تقريبا، وهي منطقة تسمى "الفضاء المحيط بالقمر"، وتمتد قليلا إلى ما بعد مدار القمر.

 

ما زال أمام الأميركيين جهود مطلوبة كي يلحقوا بالركب بحسب ما قاله النائب "فرانك لوكاس"، الجمهوري عن ولاية "أوكلاهوما"، والعضو البارز في لجنة العلوم والفضاء والتكنولوجيا بمجلس النواب الأميركي. ويعتقد لوكاس أن عملية الهبوط التي قامت بها مركبة الفضاء "تشانج آه-4" الصينية عام 2019 على الجانب المظلم للقمر، كان لزاما أن تصبح "لحظة سبوتنيك" للجيل الحالي في الولايات المتحدة (أي توقظ الأميركيين على غرار ما فعله أول قمر صناعي يسبح في الفضاء أطلقه الاتحاد السوفيتي عام 1957)، "غير أننا فوتنا تلك اللحظة، نظرا للفوضى المنتشرة في العالم، وجائحة كوفيد-19، وصعوبة البيئة التي نعمل فيها"، هكذا يقول لوكاس.

 

تشير هذه العمليات على الجانب المظلم للقمر إلى تطوير الصين التكنولوجيا اللازمة للعمل والتواصل مع مركبتها التي هبطت هناك بعيدا عن مجال الرؤية، وبعيدا عن أنظار أي قدرة أميركية يمكنها أن تراقب ما يفعلونه هناك. وطبقا لما كتبه "دَفي" و"ليك" في ورقة لهما، فإن هذ الإنجاز يسمح للصين بـ"تحقيق مساعيها العلمية أو العسكرية أو أي مساع أخرى دون رقابة أو تداعيات". وقد حث الكاتبان على ضرورة تسريع الولايات المتحدة وتيرة جهودها في المراقبة، مثل نظام "دوريات الطرق المحيطة بالقمر" أو (CHPS) الذي يطوره معمل أبحاث القوات الجوية. "في المستقبل، ستكون هناك حاجة لعتاد من أجل الدفاع والهجوم، كي نضمن الاستخدام المفتوح والسلمي للفضاء المحيط بالقمر".

—————————————————————————————

هذا المقال مترجم عن Defense One ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

ترجمة: هدير عبد العظيم.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

باتت الرقابة الصينية لا تقتصر على النطاق الجغرافي الصيني، لكنها آخذة بالتفشي بالولايات المتحدة الأميركية، عبر هوليوود ونتفليكس، والعديد من المنصات العصرية بحيث يلتزم محتواها برؤية الحزب الشيوعي للصين.

28/6/2021

لأنها تدرك أهمية الاستخبارات في السباق الذي تخوضه ضد هيمنة العالم الغربي، صنعت بكين علامة استخباراتية مميزة وفريدة. ببساطة، كانت الصين الدولة الأولى والوحيدة التي حولت شعبها بأكمله إلى جواسيس.

25/7/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة