تحدي طالبان الأكبر.. كيف تنوي الحركة التعامل مع الشباب الذين ترعرعوا تحت مظلة الغرب؟

في مقالها المنشور في مجلة "ذي أتلانتيك"، تتناول الكاتبة "ياسمين سرحان" إحدى أهم المعضلات التي تواجه حكم طالبان وهي كيفية تعامل الحركة مع الشباب. يُشكِّل مواليد أواخر التسعينيات وما بعدها ثلثي سكان أفغانستان، وهُم لا يعرفون شيئا عن الحياة تحت حُكم طالبان مثل الأجيال الأكبر سِنًّا، فكيف ينظرون إلى أنباء وصولها إلى الحُكم؟ وكيف تُخطِّط الحركة للتعامل معهم؟

 

Afghans continue to wait at airport in Kabul- - KABUL, AFGHANISTAN-AUGUST 20: Afghans continue to wait around the Kabul International Airport as they try to flee the Afghan capital of Kabul, Afghanistan on August 20, 2021.

يبلغ متوسط عُمر المواطن الأفغاني اليوم 18 عاما، وثلثا السكان تقريبا تحت سن 25. ليس الغزو الأميركي أو عهد طالبان بالنسبة لهؤلاء ذكريات حية، بل في الحقيقة محض تاريخ بعيد. لقد عرف جيلهم أفغانستان تحت وصاية قوات حلف الناتو فحسب.

 

بعد مرور عشرين عاما، تعود طالبان إلى السلطة في بلد سيطرت عليه من قبل، بيد أنها في خضم سعيها لحيازة الشرعية الدولية، تسعى ضمن أولوياتها إلى كسب تأييد الشباب الأفغاني الذي ترعرع بعد إسقاط حُكمها، أولئك الذين أَلِفوا شتى الحريات المكفولة في البلاد، التي تُعاديها طالبان منذ زمن طويل، ومنها الحق في التعليم والصحافة الحرة. ورُغم أن طالبان ستواجه قطعا تحديات صادرة عن جماعات مسلحة ومجموعات إثنية عديدة، فإن شباب أفغانستان هُم التحدي المحلي الأطول أمدا لأهداف الحركة، لا لشيء إلا أن هذا الجيل هو مَن سيرسم مستقبل البلاد ديمغرافيا وأيديولوجيا واقتصاديا.

 

لعل تلك الحقيقة تُفسِّر سبب عزوف طالبان عن تطبيق أي إصلاحات سريعة حتى الآن. "لا يتغيَّر أي شيء في هذه اللحظة، ولا نعرف بعد ما سيحدث،" هكذا تحدَّث "مُدثِّر سادات"، شاب أفغاني يعيش في كابول ويبلغ 25 عاما. رُغم مولده عام 1996، العام نفسه الذي وصلت فيه طالبان إلى السلطة، فإن سادات لا يكاد يتذكَّر شيئا عن عهدها. وليس ماضيها القريب مُطمئنا لهؤلاء في كل الأحوال، إذ اتسمت السنوات الخمس لطالبان في السلطة بين عامَيْ 1996-2001 بالقمع، لا سيما بوجه النساء الذي حُرِموا التعليم ومغادرة منازلهم دون مُرافِق من الذكور، وكذلك بوجه الأقليات الإثنية التي تعرَّضت للتمييز والملاحقة، أضف إلى ذلك حظر وسائل ترفيه بسيطة مثل الموسيقى والتلفاز والرياضة. ففي ملعب "غازي" بالعاصمة كابول، على سبيل المثال، حلَّت الإعدامات محل مباريات كرة القدم.

 

بيد أن أفغانستان اليوم ليست البلد نفسه الذي كانت عليه قبل عشرين عاما، إذ قطعت أشواطا للأمام وإن شابتها أوجه نقص عدة وتركَّزت في المدن الكبرى فقط. فقد بدأت الفتيات في الذهاب إلى المدارس منذ عام 2001، وشاركن في إدارة المشاريع التجارية، وخدمن في الشرطة والجيش والمناصب العامة، ورُغم أن المجتمع الأفغاني نفسه يظل ذكوريا ومحافظا، فإن الكثير من الأفغان الآن ينتمون إلى جيل أكثر انفتاحا من ذي قبل. على وجه الخصوص، لن يرضخ أولئك الذين يسكنون المناطق الأكثر ثراء وتعليما في مراكز المدن إلى محاولات العودة لما قبل 2001. أما الشباب، بوصفهم المستفيدين الأبرز مما جرى أثناء العقدين الماضيين، "فسيكونون الأكثر قلقا حيال الأوضاع وإلى أي مدى يُمكن أن تسوء، والأكثر تشكُّكا حول تعهُّدات طالبان بأن الأمور ستختلف هذه المرة عن سابقتها"، هذا ما يراه "مايكل كوغِلمان"، نائب مدير برنامج آسيا بمركز ويلسون في واشنطن العاصمة.

 

في محاولة منها لخطب ود الجيل الأصغر وطمأنة القوى الغربية في آنٍ واحد، تعهَّدت طالبان بأنها لن تعود إلى العنف والقمع، وستحترم حقوق المرأة (على أن تتسق وتفسيرهم المتحفِّظ للشريعة الإسلامية)، ولن تسعى للانتقام ممَّن حاربوها في السابق، كما قطعت وعدا بدعم الإعلام الأفغاني ما لم تخالف رسائله القيم الإسلامية أو المصالح القومية الأفغانية.

 

غير أن الكابوليين لم يتلقوا تلك الوعود بثقة كبيرة، وهُم يرون مقاتلي الحركة يدهنون ملصقات دعائية عليها صور لنساء، وكذلك تطبيق سياسة إجبار النساء على ارتداء الحجاب، علاوة على إفادة تقارير بأن عمليات القتل الانتقامية والزواج بالإجبار جرت بالفعل في ولايات أخرى. يقول "ناويد نورمال"، الدبلوماسي الأفغاني السابق ذو الثلاثين عاما من منزله في بريطانيا، إن "الناس خائفون مما قد يحدث لهم"، وإن أمثاله ممَّن نشأ ورسم خططا لحياته وأهدافا لبلده بعد سقوط طالبان يشعرون أن "كل شيء بات سرابا".

 

كسْب قلوب الشباب الأفغان مثل "سادات" ونورمال" أمر مهم بالنسبة لطالبان لأنهم مستقبل البلاد وحاضرها الديمغرافي في الوقت نفسه، ورُغم أن طالبان أظهرت رغبتها في الحُكم استنادا إلى القوة المحضة، فإن تأمين الاعتراف الدولي أصعب الآن بدون تأمين دعم ما يقارب نصف السكان المولودين بعد عام 2001، أما أولئك الذين استفادوا من سقوط طالبان -النساء الشابات وكذلك أقلية الهزارة الشيعية- فهُم بالطبع أكثر تشكُّكا حيال تعهُّدات الحركة بإرساء السلام.

 

"يجب أن يكونوا لُطفاء في هذه اللحظة لأنهم يتطلَّعون إلى تأسيس حكومة"، هكذا يتحدَّث "برويز كريمي" البالغ 24 عاما والمنتمي إلى إثنية الهزارة في مدينة "غزني" جنوب شرق البلاد. لا يتذكَّر كريمي الحياة تحت حكم طالبان، لكنه يقول إنها حاضرة في بعض ذكريات طفولته، حين أوقفه وأسرته مقاتلو الحركة في قريتهم بين الفينة والأخرى. لا يعيش كريمي في أفغانستان اليوم، إذ لجأت أسرته إلى بريطانيا عام 2012، لكنه قلِق على أسرته وأصدقائه الباقين في البلاد، الذين لم تُخفِ طالبان يوما احتقارها لهم لأنهم من الهزارة. حين سألته عن رأيه في تعهُّدات الحركة باحترام الأقليات الإثنية، سرعان ما تذكَّر مقولة شهيرة منسوبة إلى طالبان: "الطاجيك إلى طاجيكستان، والأوزبك إلى أوزبكستان، والهزارة إلى ’كورِستان‘ (أي المقابر)". يقول كريمي: "قائلو تلك العبارة يحكمون أفغانستان الآن، والله وحده يعلم ماذا سيفعلون بالهزارة".

 

في الحقيقة، فإن هذا الإحباط له أسبابه، فقد تخلَّت قيادات البلاد عن الأفغان في غضون أيام وفرَّت مع زحف طالبان، وتخلَّى المجتمع الدولي عنهم أيضا إبَّان الانسحاب الغربي الفوضوي الذي ترك الآلاف باحثين عن مخرج من البلاد. ثمة إحساس بالغدر هنا من جانب الولايات المتحدة، التي لم تُبدِ أي ندم أو أسف حول طريقة انسحابها، وأحدثت صدمة بالأخص في صفوف الشباب الأفغان، يقول كوغِلمان: "آخر ما أرادوه هو عودة طالبان إلى الحُكم، لكن غضبهم تجاه الولايات المتحدة الآن يفوق غضبهم تجاه طالبان، وهو أمر كاشف جدا".

 

الشيء الوحيد الذي يُمكِن أن يُلجِّم طالبان هو حاجتها إلى الشباب الأفغاني، إذ يقول كريمي إنهم "إذا أرادوا تشكيل حكومة، فسيحتاجون إلى جيش، وموظفين لتسيير أعمال الحكومة على المستويات كافة، وهو أمر يحتاج إلى أموال ضخمة. إنهم بحاجة إلى مجتمع ليحكموا". بيد أن الشباب الأفغاني لا يزال يشعر بأن آماله تحطَّمت، كما أردف كريمي.

————————————————————————————–

هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

ترجمة: نور خيري.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

وقعت مروحيات قديمة في حوزة طالبان أثناء زحفها الأخير.. فما مصير القطع العسكرية المتطورة والجوية الأميركية إن وقعت في يدي الحركة؟ هل تملك أصلا القدرة على استخدامها؟ وهل يمكن أن تبيعها للصين وروسيا؟

Published On 18/8/2021
Taliban patrols Herat city- - HERAT, AFGHANISTAN - AUGUST 18: Taliban patrol in Herat city after took control in Herat, Afghanistan, on August 18, 2021 as Taliban take control of Afghanistan after 20 years.

لم يتوقع أحد على الأرجح التفكك السريع لقوات الأمن والدفاع الوطنية الأفغانية، بيد أن علامات الصعود العسكري لطالبان، وأوجه الخلل الحرِجة للقوات الأفغانية ظهرت على السطح على مدار السنوات القليلة الماضية.

Published On 20/8/2021

يتحدث الجميع عن “نصر” باكستاني في أفغانستان بسبب عودة طالبان، الحليف الباكستاني، إلى التمدد. بيد أن عودة الحركة القوية هذه المرة قد تخرج عن السيطرة وتشكِّل خطرا غير مسبوق على الدولة الباكستانية.

Published On 21/8/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة