أنشطة خبيثة.. هل آن أوان محاسبة الإمارات على تدخُّلها في السياسة الأميركية؟

أعدَّ بِن فريمان، مدير مبادرة "شفافية التأثير الأجنبي" في مركز السياسة الدولية، تقريرا نشرته مجلة "ديفِنس وان" الأميركية، يتناول فيه التدخُّل الإماراتي في صناعة القرار الأميركي، المسكوت عنه حتى الآن من قِبَل المسؤولين الأميركيين، وكيف لذلك أن يؤثِّر في سمعة الولايات المتحدة دوليا.

أُدين يوم الثلاثاء 20 يوليو/تموز الماضي "توم باراك"، الملياردير الذي شغل منصب رئيس لجنة تنصيب دونالد ترامب وأحد أكبر جامعي التبرُّعات لحملته الانتخابية، لارتكابه "جهودا غير مشروعة تُعزِّز مصالح الإمارات داخل الولايات المتحدة بتوجيهات من كبار المسؤولين الإماراتيين".

سيُجبَر باراك وأعوانه المُدانون على الرد على تلك الاتهامات، لكن لا يُرجَّح أن يواجه المسؤولون الإماراتيون أي عواقب لأفعالهم رغم تنسيقهم لهذه العملية السرية بهدف تعزيز نفوذ دولتهم، التي استهدفت أعلى مستويات الحكومة الأميركية. لو أن هذه العملية نفَّذتها أيٌّ من الحكومات الصينية أو الروسية أو الإيرانية، لتعالت الأصوات المُطالِبة بانتقام قاسٍ وسريع، أما بالنسبة للإمارات، فقد اعتادت التدخُّل في العملية السياسية الأميركية والإفلات بأريحية من العقاب.

إدانة باراك ليست المرة الأولى التي تؤثِّر فيها الإمارات على السياسة الأميركية سِرًّا. على سبيل المثال، تآمرت الإمارات مع جورج نادر وآخرين بين عامَيْ 2016-2018 لجمع 3.5 ملايين دولار في حملة تبرُّعات غير قانونية من أجل كسب النفوذ في واشنطن. وتبيَّن في النهاية أن ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد هو مَن أشرف على هذه العملية بنفسه، فيما ركَّزت الحملة في بدايتها على تقديم المساهمات المالية والحصول على تسهيلات للوصول إلى حملة هيلاري كلينتون الرئاسية عام 2016. لكن بعد فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية ذلك العام، تحوَّل تركيز الإمارات سريعا إلى ترامب، وبدأ ذلك بتبرُّع غير شرعي بمبلغ مليون دولار من أجل لجنة تنصيبه.

أثناء إدارة ترامب، استمرَّت عمليات الإمارات السرية بهدف تعزيز نفوذها، بينما سعت كلٌّ من الإمارات والسعودية إلى تأليب الولايات المتحدة على خصمهما المُحاصَر: قطر. وقد سعت الإمارات إلى التشهير بسمعة الدوحة بواسطة عملية قانونية استثنائية، بالإضافة إلى عدد من الحملات السرية التي تضمَّنت دفع أموال لفعاليات مراكز بحثية تنتقد القطريين، وتخصيص 2.5 مليون دولار لتمويل حملة سرية أدارها جورج نادر و"إليوت برويدي"، جامع التبرُّعات المؤيِّد لترامب، بهدف إقناع أعضاء في الكونغرس باتخاذ موقف قاسٍ ضد قطر. وعمل برويدي أثناء تلك الحملة بصورة وثيقة مع النائب "إِد رويس" (جمهوري عن ولاية كاليفورنيا)، الذي صار وكيلا أجنبيا مسجلا بعد مغادرته الكونغرس عام 2019.

توم باراك (يمين) ويوسف العتيبة

بعيدا عن الكونغرس والبيت الأبيض، جَنَت الإمارات أيضا نفوذا في العاصمة واشنطن عن طريق تمويل مراكز بحثية بأساليب ملتوية وخفية. فقد تبرَّعت "سِرًّا" بمبلغ 20 مليون دولار لمركز بحثي في العاصمة نأى بنفسه عن انتقاد الإماراتيين، بل وعيَّن باحثا على صلة وثيقة بـ "يوسف العتيبة"، السفير الإماراتي في واشنطن، الذي سهَّل إتمام التبرُّع.

كان العتيبة أيضا واحدا من المسؤولين الرئيسيين الذين وجَّهوا جهود باراك للتأثير على إدارة ترامب لصالح الإمارات، وكشفت رسائل بريد العتيبة الإلكتروني المُسرَّبة دفع مبلغ 250 ألف دولار لصالح مركز بحثي آخر لإعداد تقرير حول تصدير مُسيَّرات الجيش الأميركي إلى دول مثل الإمارات. وزوَّد المركز العتيبة بنسخة من التقرير قبل نشره، وبدوره أثنى الرجل على التقرير قائلا إنه "سيُساعد في دفع النقاش نحو الاتجاه الصحيح". هذه المُسيَّرات التي أوصى المركز البحثي بتصديرها إلى الإمارات هي ذاتها التي باتت جزءا من صفقة سلاح أميركية للإمارات تبلغ قيمتها 23 مليار دولار.

ماذا فعلت الحكومة الأميركية لمعاقبة الحكومة الإماراتية على انخراطها مرارا في مثل هذه الحملات غير المشروعة لجني النفوذ؟ ببساطة، لا شيء. فقد وجَّهت تُهما إلى الأفراد المتورطين مباشرة أمثال توم باراك وجورج نادر، لكن دون حتى أن يوبِّخ أي مسؤول أميركي على الملأ السفير الإماراتي يوسف العتيبة أو ولي العهد محمد بن زايد على دورهما في هندسة عمليات التأثير الأجنبي السرية هذه. بعدم محاسبة الإمارات على التدخُّل غير المشروع في السياسة الأميركية، فإن الولايات المتحدة تُرسل رسالة واضحة إلى غيرها من الأطراف الأجنبية التي قد تضر بالولايات المتحدة فيما بعد، رسالة مفادها أنها بوسعها تقويض النظام السياسي الأميركي سِرًّا دون الخوف من المحاسبة فيما بعد.

من أجل القضاء على هذه البيئة الضارَّة التي لا تُقدِّم شيئا سوى تعزيز التأثير الأجنبي على الديمقراطية الأميركية، يجب محاسبة الإمارات على هذه التجاوزات التي لا تُعَدُّ ولا تُحصى. وأضعف الإيمان هو أن تُصدر إدارة بايدن بيانا للتنديد بأفعال الإمارات، وإعلام الحكومة الإماراتية بأنها لا يمكنها الاستمرار في تقويض السياسة الأميركية دون عواقب. ثانيا، وهو ما يُرجَّح أن يجذب انتباه الإماراتيين بدرجة أكبر، على الحكومة الأميركية إلغاء صفقة بيع الأسلحة المُزمعة للإمارات والبالغة قيمتها 23 مليار دولار، التي تتضمَّن طائرات مقاتلة ومُسيَّرات مسلحة وقنابل وصواريخ. وقد أعرب خبراء في صفقات الأسلحة وأعضاء في الكونغرس عن قلقهم مرارا بشأن هذه الصفقة، خصوصا في ظل الدور الإماراتي في الحرب الكارثية باليمن، التي أودت بحياة آلاف المدنيين وتسبَّبت في وصول الأسلحة الأميركية إلى أيدي مقاتلي القاعدة والمليشيات المرتبطة بإيران.

يقع الخياران السابقان ضمن مجموعة من الخيارات المتاحة التي يمكن لأميركا استخدامها لمحاسبة الإمارات على تدخُّلها غير المشروع في السياسة الأميركية. ورُغم أن الحل الحاسم لهذه المشكلة ليس جليا، فإن من الواضح تماما أن الموقف الراهن، حيث يمر التدخُّل الأجنبي في الديمقراطية الأميركية دون عقاب، موقف خطير وغير قابل للاستمرار. وإذا استمر المسؤولون الأميركيون في التغاضي عن محاسبة الإمارات على تدخُّلها المتكرر في الانتخابات وصناعة القرار في أميركا، فقد تظل الأخيرة مُستهدَفة من قِبَل عمليات التأثير الأجنبي الخبيثة.

__________________________________________________

هذا التقرير مترجم عن: Defense One ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : الجزيرة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة