بعد 50 عاما من انسحابها.. هل تعود الولايات المتحدة إلى فيتنام؟

أعد كل من تشارلز دجو، عضو الكونغرس السابق في لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب، وماثيو بووِل، القائد في البحرية الأميركية، تقريرا نشرته مجلة "ديفِنس وان" المتخصصة في الشؤون العسكرية، يتناولان فيه احتمالية عودة القوات الأميركية إلى فيتنام، وقد استعرضا المنافع الأمنية التي ستعود على الدولتين من مثل هذه الخطوة التي تستند بالأساس على مواجهة الصين وتحركاتها المقلقة في بحر الصين الجنوبي.

نشرت صحيفتا "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست" الأميركيتان منذ 50 عاما "أوراق البنتاغون" التي أثارت شكوكا بشأن النوايا والدوافع وراء التدخل الأميركي في فيتنام. وبالنسبة إلى الكثير من الأميركيين حتى اليوم تجسد فيتنام تذكرة مؤلمة بحرب قاسية، وما زال الكثيرون يشككون في مكتسبات تقوية العلاقات الأميركية-الفيتنامية. بيد أن ذكرى الحرب الآخذة في الابتعاد نحو ماضٍ بعيد في وقت تبرز فيه مخاوف جيوسياسية جديدة، تحتِّم على الولايات المتحدة النظر في تعميق العلاقات مع فيتنام، وبحث عودة القوات الأميركية إلى هناك في القريب العاجل.

يجهل الكثير من الأميركيين تاريخ فيتنام بعد انسحاب الجيش الأميركي منها، الذي تم بعد 18 شهرا من نشر "أوراق البنتاغون". فلم تنتهِ الحرب بسحب القوات الأميركية، أو بوقوع جنوب فيتنام تحت حكم الشيوعيين عام 1975، إذ حاربت فيتنام عام 1979 الصين في حرب لا تقل دموية ومأساوية، بل وتفوق تداعيات هذه الحرب -من حيث تأثيرها على العلاقات الجيوسياسية الكائنة اليوم- تداعيات التدخل الأميركي في فيتنام.

لقد باتت الصين خصما جيوسياسيا للمصالح الفيتنامية، ودشنت عدة جزر صناعية في بحر الصين الجنوبي وقامت بعسكرتها منذ عام 2015. ولم تُبْنَ هذه الجزر متاخمة لفيتنام فحسب، بل دُشِّنت في مياه إقليمية تدعي فيتنام سيادتها عليها. وتهدد اعتداءاتُ الصين ومزاعمُها بالسيادة في بحر الصين الجنوبي التجارةَ الدولية والمصالح الأميركية، هذا إلى جانب أمن فيتنام وسيادتها.

تضع هذه المزاعم الصينية بالسيادة على المنطقة، التي تتجاهل بوضوح القانون الدولي، المصالح الإستراتيجية الأميركية والفيتنامية في كفة واحدة فيما يتعلق ببحر الصين الجنوبي. وتدرك أميركا الخطر المحدق، ليس فقط بالتجارة العالمية، بل أيضا بالاستقرار في ديمقراطيات آسيا والمحيط الهادي المقرَّبة من الغرب، إذا ما استمرت الصين في عدوانيتها. ولم تنسَ فيتنام هي الأخرى الحرب المريرة التي خاضتها ضد الصين، بل وترى تهديدا صريحا تشنه الصين على استقلال فيتنام وأمنها انطلاقا مما تعتبره هانوي مياهها الإقليمية.

أنشأت الولايات المتحدة، كجزء من جهود حرب فيتنام، عدة منشآت حربية رئيسية في البلاد أثناء الستينيات، وتتمركز جميعها في أماكن إستراتيجية لصد العدوان الصيني في بحر الصين الجنوبي، ولتأمين حلفاء الولايات المتحدة الإقليميين. لذا يجب على الولايات المتحدة وفيتنام النظر في عودة القوات الأميركية إلى هذه المنشآت خلال السنوات الخمس أو العشر المقبلة، فمن شأن هذه الخطوة تعزيز قدرة فيتنام على مقاومة أي ضغوط صينية، لا سيما بعد سلسلة من إجراءات الانفتاح الدبلوماسي رفيع المستوى خلال العقد الماضي بين البلدين، ومن ثَم يتوجب على البلدين أن ينخرطا الآن في نقاشات أكثر جدية وتفصيلا على مستوى الإدارتين السياسيتين والعسكريتين بشأن عودة القوات الأميركية إلى فيتنام.

ساعدت الورقة البيضاء بشأن الدفاع (تقرير تصدره الحكومات يوضح خططها الدفاعية لعقد قادم) التي نشرتها الحكومة الفيتنامية عام 2019 في تليين موقف البلاد المتصلب سابقا حول الاستمرار في عدم الانحياز، ما يسمح الآن بتكوين تحالفات عسكرية إذا ثبت أنها خطوة حكيمة. أما على الصعيد الاقتصادي، لا تزال فيتنام معتمدة على الصادرات والواردات الصينية، لكنها تعتبر أقل اعتمادا على الصين من جيرانها. كما يجدر الإشارة إلى أن الحكومة الفيتنامية أقل فسادا من أي من الدول الأخرى المجاورة لها. تمهد هذه الظروف الساحة نحو تقوية تدريجية في العلاقات الاقتصادية والعسكرية بين واشنطن وهانوي، وهو أمر ضروري قبل فتح أي نقاش حول تمركز قوات أميركية في البلاد. هذا وقد تسرع الأعمال الاستفزازية التي ترتكبها الصين في بحر الصين الجنوبي من تعميق العلاقات الأميركية الفيتنامية.

بداية، يمكن أن تعمل دوريات للقوات البحرية الأميركية، مخصصة للتمركز في أراضٍ أجنبية، من داخل فيتنام للاستجابة لأي تحركات صينية (وتكون مهمتها الأساسية صد الاعتداءات)، وهي وحدات لا تحتاج إلى بُنًى تحتية معقدة. ويمكن للولايات المتحدة السعي لإرساء بنية تحتية إضافية أو قاعدة أميركية دائمة، رغم أنه خيار غير مرجح في المستقبل القريب بسبب سياسة عدم الانحياز التي تتبناها فيتنام.

لقد خاضت الولايات المتحدة حربا مريرة في فيتنام، لكن المحركات الجيوسياسية المعاصرة تجعل مصالح البلدين شديدة الاتساق، ما يوفر فرصة لتعاون موسَّع، لا سيما تنسيق التحركات الأميركية-الفيتنامية للرد على أي اعتداء صيني في بحر الصين الجنوبي. ويعتبر تكثيف الوجود العسكري الأميركي في فيتنام طريقا لاغتنام هذه الفرصة، فبعد خمسين عاما تقريبا على انتهاء الحرب، أصبح لدى الولايات المتحدة وفيتنام فرصة مواتية لإعادة بناء علاقة أصدق وذات فائدة أمنية للطرفين.

________________________________________________

هذا التقرير مترجم عن Defense One ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يروي كتاب “موسم القتل” قصة مروعة عن تاريخ المذابح الإندونيسية وتداعياتها، ويسعى المؤلف جيفري روبنسون لاستدعاء هذه الحلقة المنسية من التاريخ وسط مجتمع دولي لم تضغط القوى العظمى فيه لمحاسبة المسؤولين.

4/8/2021

لأنها تدرك أهمية الاستخبارات في السباق الذي تخوضه ضد هيمنة العالم الغربي، صنعت بكين علامة استخباراتية مميزة وفريدة. ببساطة، كانت الصين الدولة الأولى والوحيدة التي حولت شعبها بأكمله إلى جواسيس.

25/7/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة