القديس "فلاديمير".. كيف يستخدم بوتين المسيحية لتدمير الغرب؟

حين دار رائد الفضاء الروسي الشهير يوري جاجارين حول الأرض لأول مرة في التاريخ البشري مطلع الستينيات، لم يكن فيكتور كراسنوف، ابن مدينة ستافروبول بالجنوب الروسي، قد حطَّ رحاله في الدنيا بعد، لكن شأنه كان شأن جميع أطفال جيله الناشئين بكنف روسيا السوفيتية، يُمجِّد "كراسنوف" رائد الفضاء التاريخي، ويُعادي كل ما هو ديني، ويتداول المقولة ذائعة الصيت المنسوبة إلى جاجارين: "لقد صعدت إلى الفضاء ولم أرَ الله هناك"، بوصفها إحدى المقولات الدعائية التأسيسية للشيوعية السوفيتية "الملحدة". لذلك، لم يكن كراسنوف يتصوَّر على الأرجح، في أعتى كوابيسه، قدوم يوم يُحاكَم فيه بقلب روسيا نتيجة نقاش على الإنترنت وصف خلاله الإنجيل بأنه "مجموعة من قصص وأساطير يهودية ليست إلا محض هراء"، من وجهة نظره.

في مارس/آذار من عام 2016، اقتُحم منزل كراسنوف من قِبَل الشرطة الروسية، قبل أن يُخضِعه قاضٍ اتحادي لكشف عقلي للتأكُّد من أهليته للمحاكمة بتهمة "إهانة مشاعر المؤمنين"، تهمة هي الأغرب ربما في تاريخ روسيا منذ الحقبة السوفيتية، ولم يكن كراسنوف أو غيره يتوقَّعون جدية حكومتهم في تطبيقها، حتى حين أُعلِن عنها رسميا منتصف عام 2013.

في ذلك التوقيت أقرَّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قانونا مثيرا للجدل يُجرِّم إهانة مشاعر المتدينين بالبلاد، وينص على عقوبة السجن لمدة تصل إلى سنة إذا صدر الفعل "المُهين" خارج أماكن العبادة، وتصل إلى ثلاث سنوات إذا صدر داخل أحد هذه الأماكن. لم تُثر قضية كراسنوف الكثير من الجدل آنذاك، ولكن موسكو كانت عازمة على المُضي قُدما في طريقها، ففي أغسطس/آب من العام نفسه لم يأخذ مُدوِّن الفيديو رسلان سوكولوفسكي، البالغ من العمر 22 عاما، وابن مدينة يكاترينبورغ رابع أكبر المدن الروسية، بدوره تهديدات تلفاز بلاده بجدية، والنتيجة كانت وضعه تحت الإقامة الجبرية لمدة 11 شهرا قبل أن يُحكم عليه بالسجن لمدة عامين وثلاثة أشهر، ورغم تقديمه التماسا لتخفيف الحكم، فقد رفض القضاء الفيدرالي الروسي قبوله.

رسلان سوكولوفسكي

كان العالم آنذاك يعيش في خضم ثورة افتراضية أحدثتها لعبة بوكيمون جو الشهيرة، حين بثَّ التلفاز الروسي تحذيرا بتعرُّض أي شخص سيُطارِد المخلوقات الافتراضية داخل دُور العبادة للعقاب وفق قانون "إهانة مشاعر المؤمنين". وفي مقطع فيديو حظي بأكثر من مليون ونصف مشاهدة، شارك سوكولوفسكي رحلته لاصطياد المخلوقات الكرتونية الملونة داخل كاتدرائية المدينة بجوار المذبح بينما يستعد قس الكاتدرائية لإقامة الصلاة، مُرفقا إياه بتعليق ساخر يقول فيه: "اصطدت جميع البوكيمونات، لكني لم أصطد أندرها وهو بوكيمون يسوع، مهلا، فهذا البوكيمون لا وجود له من الأصل".

تُمثِّل هذه القضايا، وأمثالها الكثير، تحوُّلا مذهلا في تاريخ روسيا القريب، فخلال أول عقدين من حُكم الحقبة السوفيتية، قُتل أكثر من مئتي ألف رجل دين، في حين تعرَّض ملايين المسيحيين الآخرين للاضطهاد بسبب إيمانهم، واستمر هذا التمييز المناهض للدين حتى قبيل السقوط السوفيتي مطلع التسعينيات. ولكن الأمور لم تكن كذلك في روسيا ما قبل الحقبة السوفيتية، وبالتحديد في روسيا القيصرية، حيث كانت الكنيسة حاضرة بقوة في المشهدين الاجتماعي والسياسي. ويبدو أن موسكو اليوم ترتد إلى ماضيها القديم نسبيا، متجاوزة جذورها السوفيتية القريبة في بعض الأمور. والغريب أن الارتداد يأتي على يد فلاديمير بوتين، مَنْ كان حتى وقت ليس ببعيد أحد أبرز رجال الاستخبارات الروسية، والموصوف اليوم في موسكو بـ "الـقيصر"، حيث بدا أن الجميع تواطؤوا على تجاهل التناقض الواضح في إطلاق مثل هذا اللقب على رجل موسكو القوي، المسؤول عن إدارة قواعد اللعبة في الكرملين إلى اليوم.

خلال العهود القيصرية في روسيا، كان يُنظر لحاكم البلاد بصفته مختارا من الله لقيادة الأمة الروسية المُكلَّفة بتمثُّل القيم المُستقاة بالدرجة الأولى من مبادئ الأرثوذكسية الروسية. ومع نهاية حقبة الاضطهاد الديني بسقوط الاتحاد السوفيتي مطلع التسعينيات، بدأت الكنيسة الأرثوذكسية في العمل من أجل استعادة دورها الديني. في البداية، كان الفضاء مفتوحا للتنافس على الأتباع والتأثير في المجال الديني الروسي، حيث تدفَّقت فيضانات من المبشرين الغربيين، بما في ذلك الإنجيليون والكاثوليك، مُستغلِّين "فراغا روحيا" رافق سقوط الاتحاد السوفيتي اللا ديني، ما تسبَّب في خوف الكنيسة الروسية من ضياع فرصتها في إعادة بناء النفوذ الروحي لها، ومن تحوُّلها إلى مجرد واحدة من هيئات دينية عديدة في روسيا الجديدة.

دفعت تلك المخاوف الكنيسة إلى الارتماء في كنف الدولة، ونجحت عام 1997 في دفع الحكومة إلى إصدار قانون يُقيِّد حرية الممارسة الدينية للأديان "الأجنبية" الأصل، ما وضع الكنيسة الأرثوذكسية في مقعد القائد الديني من جديد. وعزَّزت الكنيسة هذه الوضعية تعزيزا ملحوظا مع صعود بوتين للسلطة مرة ثانية عام 2012، حيث جاء قانون الإرهاب، الصادر منتصف عام 2016، ليُعزِّز من سلطة الكنيسة عبر حظر أي نشاط تبشيري خارج نطاق المؤسسات الرسمية. وقبل ذلك، في وقت مبكر من رئاسة بوتين، أصدر مجلس الدوما قانونا عادت بموجبه جميع ممتلكات الكنيسة المستولَى عليها خلال الحقبة السوفيتية، ما حوَّل الأخيرة إلى أحد أبرز مُلّاك الأراضي بروسيا، كما وجَّه بوتين شركات الطاقة المملوكة للدولة للمساهمة بالأموال لإعادة بناء آلاف الكنائس المدمرة تحت حكم السوفييت، حيث أُعيد بناء نحو 25 ألف كنيسة منذ أوائل التسعينيات، شُيِّد معظمها خلال حكم بوتين. إضافة إلى ذلك، مُنِحَت الكنيسة دورا في الحياة العامة والتعليم الديني بالمدارس، كما مُنِحَت الحق في مراجعة أي تشريع منظور أمام مجلس الدوما.

لا يمكن اعتبار بوتين شخصا متدينا، كما أنه لم يكن يوما شيوعيا ملحدا بالمعنى الحرفي، وهو يرى أن ما خسرته روسيا حقيقة بسقوط الاتحاد السوفيتي هما النفوذ والقوة وليست الشيوعية بعينها، وبالنسبة له فإن المسيحية الأرثوذكسية هي الوجه الآخر للشيوعية اللينينية، حيث يلعب كلٌّ منهما دورا وظيفيا في خدمة الدولة. وتتمحور هذه الوظيفة في نهاية المطاف حول ترسيخ السيطرة الثقافية، وتغذية هوية وطنية فريدة. ففي النهاية، لا يهم أن تكون روسيا قيصرية أو سوفيتية، متدينة أو ملحدة، المهم أن تكون قوية موحدة، ودائما تحت السيطرة.

لا يختلف الروس اليوم كثيرا عن رئيسهم في نظرتهم للمسيحية، ففي حين يُعرِّف الغالبية العظمى من الروس أنفسهم، بنسبة تصل إلى 90% في بعض التقديرات، على أنهم "مسيحيون أرثوذكس"، فإن ثلث النسبة تقريبا يُعرِّفون أنفسهم في الوقت ذاته على أنهم ملحدون أيضا، ما يجعل نظرة الروس للمسيحية يغلب عليها حس انتماء وطني أكثر من انتماء روحي أو ديني.

يتشارك بوتين والكنيسة إذن النظر للمسيحية الأرثوذكسية بوصفها وسيلة لترسيخ سيطرة كلٍّ منهما على فضائه، الفضاء الرمزي الروحي في حالة الكنيسة، والفضاء السياسي في حالة بوتين، لذا فقد تشاركا أيضا العداء تجاه جميع صور التبشير الديني غير المُقنَّنة والرسمية، التي مَثَّلت تهديدا للهيمنة الرمزية للكنيسة على حياة المسيحيين الروس الاجتماعية، ولقبضة الدولة السياسية والأمنية من ناحية أخرى.

كانت هذه هي ملامح صفقة بوتين الجديدة: خسرت روسيا كثيرا بسقوط الاتحاد السوفيتي، وعلى رأس ما خسرته عدم امتلاكها أيديولوجيا قوية تُوحِّد مواطنيها في الداخل وتُبشِّر بها في الخارج، وأتى الحل في توليفة تجمع بين القومية الروسية والمسيحية الأرثوذكسية، تحت رعاية كلٍّ من الدولة والكنيسة. فمن ناحية، تستعيد الكنيسة دورها الرمزي المفقود إبان حكم السوفييت، وعلى الجانب الآخر تُوفِّر التوليفة الجديدة لبوتين أيديولوجيا قوية مُوحِّدة، وفي الوقت نفسه قابلة للإخضاع والسيطرة، وبدا أنها كانت صفقة ذكية ورابحة للطرفين.

وفَّرت الصفقة الجديدة مُبرِّرا أيديولوجيا صلبا لبوتين يقمع به المعارضة والجماعات الدينية الأخرى ذات الآراء السياسية المخالفة، وساعدت في توطيد نفوذه المهتز بفعل الاعتراض الشعبي المرافق لصعوده الثاني للسلطة عام 2012، بيد أن حُلَّة المبشر الجديدة التي يرتديها بوتين لم تكن مُوجَّهة للروس في الداخل فقط، ولكنها أثبتت فاعليتها بوصفها الركن الأبرز في خطته الكبرى لاستعادة نفوذ روسيا وتأثيرها في محيطها الإقليمي السابق. محيط يسيطر عليه اليوم الغرب، وخاصة أوروبا، خصم بوتين اللدود دوما، ومَن يرى القيصر أن عليها أن تدفع اليوم ثمن "غطرستها" من باب طالما افتخرت به بوصفها حاملة مشاعل الليبرالية والتنوير. وإذا كانت أوروبا تعتقد أن حروبها حول الدين انتهت في عام 1648، فإن المواجهة الحالية مع روسيا تُوضِّح أن هذا ليس هو الحال بكل تأكيد.

"تُعطينا أوروبا الكثير من المال، لكنها تطلب مقابله الكثير جدا. تُطالبنا بأن نهمل أرواحنا، وأن ننأى بأنفسنا عن الله، وهذا غير مقبول بالتأكيد".

(أسقف الكنيسة الأرثوذكسية الموالية لروسيا في مولدوفا – دولة أوروبية وإحدى الجمهوريات السوفيتية السابقة)

في قلب العاصمة باريس ترتفع اليوم القبة الرئيسة الذهبية لكاتدرائية روسية أرثوذكسية جديدة على ضفاف نهر السين، تشق حيًّا رئيسا يعج بالمباني الحكومية والسفارات الدولية. (رويترز)

نحن الآن في نهاية عام 2014، والتوتر على أشده بين أوروبا وروسيا بفعل إقدام الأخيرة على ضم شبه جزيرة القرم بالقوة العسكرية، ولكن الوضع في نيس، إلى الجنوب على ساحل المتوسط، يختلف كثيرا عن الوضع في إحدى عواصم الاتحاد الرئيسة "باريس"، حيث القادة المحليون من اليمينيين المحبون لبوتين، مَن أثنى بعضهم علنيا على خطوته "الجريئة" بضم القرم، مجتمعين صحبة السفير الروسي والكهنة الأرثوذكس في مهرجان في أحد أفخم فنادق المدينة الفرنسية، حدث يجمع في سلاسة غير معتادة بين الروح الباريسية الغربية والروح الروسية الشرقية، بينما يحتفل الجميع بعودة كاتدرائية نيس رسميا للحظيرة البطريركية الروسية بموسكو، بعد سنوات طويلة من التجاذبات.

على مدار هذه السنوات، ظلَّت الجمعية الأرثوذكسية الفرنسية تابعة للبطريرك المسكوني في القسطنطينية "إسطنبول"، الخصم الديني التاريخي لبطريركية موسكو، وأحد أهم الملاذات للكثير من خصوم بوتين الدينيين. وبعد معركة قانونية طويلة، استعادت موسكو أخيرا السيطرة على كاتدرائية القديس نيوقولاس، ونَصَّبت الكهنة الخاصين بها، غير مُبالية باعتراضات أتباع الكاتدرائية المحليين، وشرعت على الفور في حشد المؤمنين وراء مشاريع مختلفة لتدفئة علاقات فرنسا الباردة بروسيا، لكن نفوذ كهنة بوتين في فرنسا لا يبدو اليوم محصورا في نيس البعيدة وحدها.

في قلب العاصمة باريس، ترتفع اليوم القبة الرئيسة الذهبية لكاتدرائية روسية أرثوذكسية جديدة على ضفاف نهر السين، تشق حيًّا رئيسا يعج بالمباني الحكومية والسفارات الدولية. حصلت موسكو أخيرا على هذا الموقع بعد سنوات من ضغوط الكرملين، وبعد منافسة حامية مع دول أخرى على رأسها كندا والمملكة العربية السعودية في 2008. وسرعان ما رصدت موسكو مبلغا هائلا يوازي 100 مليون يورو لإنشاء "المركز الروحي الثقافي" في قلب باريس، وهو مجمع ضخم مُكوَّن من أربعة مبانٍ منفصلة، يشمل كنيسة ومدرسة وقاعة مؤتمرات ومركزا ثقافيا تديره السفارة الروسية، ويبدو استعراضا ضخما لروسيا بوصفها قوة دينية وثقافية في قلب قلعة التنوير والعلمانية الغربية، كما أنه يرتبط شخصيا بالرئيس الروسي، لدرجة أن وزير الثقافة السابق في فرنسا، فريدريك ميتران، اقترح ساخرا أن يُطلق عليه "مركز سانت فلاديمير"، أو "القديس فلاديمير".

يحب بوتين "القديس" وصف معركته مع الغرب على أنها "حرب روحية وثقافية"، وليست مجرد معركة سياسية أو عسكرية، حرب يُقدِّم فيها الرئيس الروسي بلاده بوصفها "نموذجا حضاريا يمكن أن يحشد أولئك المتضررين من تآكل القيم التقليدية حول العالم". في أعقاب الأزمة المالية العالمية، اجتاحت الانتفاضات الشعبية جميع أنحاء أوروبا، ولكن بوتين استشعر على ما يبدو أن هناك انتفاضة أكبر على وشك إغراق القارة العجوز، وأنها لن تكون هذه المرة مجرد أزمة مالية عابرة مهما كبرت. وقد لاحظت ورقة مهمة أعدَّها مركز الاتصالات الإستراتيجية في عام 2013، وهي مؤسسة بحثية مؤيدة للكرملين، أن قطاعات كبيرة من الجماهير الغربية "تحتقر اليوم تلك القيم السائدة في الغرب مثل النسوية وحركات حقوق المثليين، وبشكل أعم الاتجاه الليبرالي الذي تدفع النخب الغربية الحديثة مجتمعاتها إليه". ومع وجود الجماهير التقليدية المؤيدة للانتفاضة الثقافية المنتظرة كان الرئيس الروسي ينتظر الفرصة ليرتدي ثوبه الجديد، ثوب رسمته له الورقة الإستراتيجية التي خطَّها مستشاروه تماما: آن الأوان لتصبح روسيا، وبوتين على وجه التحديد، "القائد الجديد لعالم المحافظين".

لم ينتظر بوتين طويلا، وسرعان ما تحوَّلت لهجة خطابه دراميا منذ عام 2013. في ذلك العام ظهر التحوُّل الخطابي في أكثر من مناسبة بعبارات شديدة المباشرة، مثل "كم من الدول الأوروبية الأطلسية اليوم ترفض جذورها، بما في ذلك القيم المسيحية المُشكِّلة لأساس الحضارة الغربية. إنهم يُنكرون المبادئ الأخلاقية وجميع الهويات التقليدية، على الصعيد الوطني والثقافي والديني وحتى الجنسي"، مؤكِّدا أن الغرب يتجه بسرعة إلى "ظلام فوضوي، وتسوده اليوم حالة أقرب إلى البدائية".

وظَّفت موسكو جميع أدوات قوتها الناعمة، بدءا من علاقتها مع الكنيسة الأرثوذكسية، وصولا إلى وسائل الإعلام المُموَّلة من قلب الكرملين مثل روسيا اليوم وسبوتنيك، في تصدير صورتها الجديدة بوصفها راعية لعالم المحافظين المتدينين، عبر نشر عقيدة مضادة للمثلية الجنسية وإقرار قانون يحظر المثلية في الداخل الروسي عام 2013، وعبر التصدي لأي محاولات لوضع الحقوق الفردية فوق حقوق الأسرة أو المجتمع أو الأمة الروسية. وتساعد الكنيسة الأرثوذكسية الروسية مشروع روسيا الجديد باعتبارها حليفا طبيعيا لجميع الساعين من أجل عالم "أكثر أمنا وأقل ليبرالية، بعيدا عن اندفاع العولمة والتعددية الثقافية وفورة حقوق المرأة والمثليين". بينما تعمل وسائل الإعلام على توصيل صوت بوتين إلى الجماعات المحافظة والقومية في الخارج، مع رسالة مفادها وقوفه معهم ضد نشطاء المثلية وقوى "الاضمحلال الأخلاقي" كما يطلقون عليها. ومن ناحية أخرى فإنها تواصل بث الدعاية المناهضة للقيم التحررية في أوروبا، الموصوفة اليوم في الإعلام الروسي باسم غيروبا (Gayropa)، أو "أوروبا المثلية"، باعتبارها نوعا من الوصم الأخلاقي المُذكِّر دائما بانحراف القيم الأوروبية.

يبدو أن توجُّه روسيا الجديد آتى أُكله بأسرع مما كان يظن بوتين نفسه، وبفضل التحالف الوثيق بين الكنيسة الأرثوذكسية الروسية والكرملين أثبت الدين فاعلية قوية للغاية في الأراضي السوفيتية السابقة مثل مولدوفا، حيث قام كبار الكهنة الموالون للكنيسة في موسكو بحملة منظمة لمنع اندماج بلادهم مع الغرب، وفي الوقت نفسه قاد الكهنة في جمهورية الجبل الأسود جهودا مكثفة لعرقلة خطط بلادهم للانضمام إلى الناتو، لتمر الأشهر تلو الأشهر، وتبقى مولدوفا حليفة لروسيا كما هي، وتظل جمهورية الجبل الأسود بعيدة عن الناتو.

لكن طموحات بوتين تتجاوز على ما يبدو استعادة بعض النفوذ في الأراضي السوفيتية نفسها للانتقام من أوروبا بأكملها، وفي خلفية ذلك مشهد مرير لا ينساه بوتين أبدا لتنكيس العلم السوفيتي فوق الكرملين ليحل محله العلم الروسي. كانت أوروبا وأميركا في نظره على الأغلب المسؤولتين عن ذلك، ورغم أن روسيا اليوم ليست بقوة تسمح لها بانتقام قوي فإن أوروبا اليوم ليست قوية وموحدة أيضا، بينما نجد الولايات المتحدة هي الأخرى في إحدى أكثر لحظاتها انشغالا بهمومها الداخلية.

جاءت إستراتيجية الانتقام الروسية من بنات أفكار رئيس الأركان الروسي، ونائب وزير الدفاع الحالي، فاليري غراسيموف، الذي يرى أن الكرملين يعيش اليوم في خضم عالم معقد يحوي قوى وتحالفات سياسية واقتصادية وعسكرية تفوق قدرات موسكو في الوقت الراهن. ولكن بالنسبة لغراسيموف، ووفق ما نشره في مقاله الشهير بمجلة سوسيال إندستريال كوريه، المهتمة بالإستراتيجية العسكرية الروسية، تحت عنوان "قيمة العلم في التنبؤ"، فإن روسيا اليوم لا تحتاج إلى مضاهاة القوة العسكرية لأوروبا والولايات المتحدة لتكون قادرة على تحقيق أهدافها الجيوسياسية.

في وقت شغلت فيه روسيا العالم بمناوشاتها في شرق أوروبا فإنها فاجأت الجميع بتدخلها في سوريا، متسببة في أكبر موجة تدفق لاجئين إلى القارة العجوز

كان الربيع العربي نموذجا رئيسا بنى غراسيموف عليه أفكاره لتُعرف اليوم في الأوساط السياسية باسم "عقيدة غراسيموف". ففي عالم اليوم، وما بين عشية وضحاها، يمكن لدولة هادئة ومستقرة أن تتحوَّل إلى ساحة لصراع عالمي يزلزلها رأسا على عقب، ثم يُحوِّلها إلى كومة من الركام، ومن شأن هذا النوع من الصراعات أن يصبح وسيلة لتحقيق أغراض سياسية، حتى بالنسبة لقوى ليس لها علاقة بجوهر الصراع نفسه. وللمفارقة، فإن هذه الصراعات لا تحتاج إلى الكثير من الاستثمار العسكري، بقدر ما تحتاج إلى المزج بين القوة الاستخباراتية والتكنولوجية والاقتصادية والدبلوماسية والمعلوماتية، وتوظيف الأصول المحايدة، كقوات حفظ السلام مثلا، في مزيج لا تُمثِّل القوة العسكرية أكثر من خُمسه، مزيج يعرف بـ "مزيج غراسيموف 1:4″، وهو وصفة جربتها روسيا في أوكرانيا ثم في سوريا وربما في ليبيا، ورغم كل ما يقال عن أهداف روسيا من التدخُّل في هذه الصراعات فإنه يبقى أمر واحد يجمعها كلها وهو أن جميعها موجهة إلى أوروبا.

في وقت شغلت فيه روسيا العالم بمناوشاتها في شرق أوروبا فإنها فاجأت الجميع بتدخُّلها في سوريا عام 2015، مُتسبِّبة في أكبر موجة تدفُّق لاجئين إلى القارة العجوز، وهي ترغب الآن في التحكُّم في صُنبور اللاجئين عبر اكتساب موطئ قدم لها في ليبيا، الدولة الأفريقية حاملة مفاتيح تدفق اللاجئين عبر المتوسط. وفي وقت تحتدم فيه الصراعات الداخلية الأوروبية حول قضايا الأمن والهوية، بفعل الأزمات الاقتصادية، وتدفقات اللاجئين و"الإرهاب"، فإن "قائد عالم المحافظين" انتقل إلى المرحلة التالية من خطته، وبدأ يُحرِّك بيادقه الكامنة في قلب أوروبا نفسها.

على الرغم من تصنيف العالم اليوم لأوروبا والولايات المتحدة باعتبارهما على جانب واحد من الرقعة السياسية، تبدو الصورة مختلفة بعض الشيء حال قرَّرنا تجاوز السطح السياسي لنظرة اجتماعية أكثر عمقا. فهناك تاريخ طويل من الارتياب تجاه الولايات المتحدة مُتأصِّل في اللا وعي الأوروبي، حيث لا يشعر الأوروبيون في قرارة أنفسهم بالكثير من الرضا عن عالم انتقلت القيادة فيه إلى الشاطئ الآخر من الأطلسي. لذا كان من الطبيعي أن تعرف أوروبا على مدار تاريخها إرثا من الوله بروسيا والكراهية لأميركا ألقى بظلاله على تيارات تقبع اليوم في أقصى يمين الجانب السياسي لها. وقد وعت روسيا هذه الحقائق منذ البداية، وهندست خطتها في ربط هذه التيارات بشبكة عالمية أشبه بشبكتها الشيوعية العالمية القديمة، أو ما يُعرف بـ "الكومنترن". 
بوتين ومارين لوبين (رويترز)

ركَّزت روسيا خطواتها في البداية على فرنسا، وتحكَّمت موسكو في اثنين من ثلاثة من أبرز المرشحين لشغل قصر الإليزيه إبان الانتخابات الرئاسية الفرنسية الماضية، أولهما مارين لوبين، الناقدة الشرسة للهجرة والعولمة، الحاصلة في عام 2014 على قرض من بنك روسي بقيمة تسعة ملايين يورو في مقابل ترويج حزبها، الجبهة الوطنية، لروسيا باعتبارها حليفا طبيعيا لأوروبا، وثانيهما هو فرانسوا فيون الفائز وقتها بترشيح يمين الوسط، ومَن لم يجد غضاضة في الإعلان عن ولعه بالرئيس الروسي، لدرجة دفعت ألان جوبيه، منافس فيون وقتها، للقول إنه لأول مرة في تاريخ الانتخابات الفرنسية فإن "الرئيس الروسي يختار مرشحه".

بخلاف النزعة التقليدية في معاداة الأميركانية "Anti – Americanism"، هناك العديد من الأسباب المُفسِّرة لاحتضان بوتين في فرنسا، ولعل أحد أبرزها هو هيمنة التوجُّه "الجريميادي" التشاؤمي، توجُّه طالما ميَّز الثقافة الفرنسية الحافلة بانتقاد أمراض المجتمع والتنبؤات حول سقوطه الوشيك. يتركَّز الكثير من القلق في فرنسا اليوم على فكرة "النزوح الكبير"، والخوف من تحوُّل فرنسا إلى بلد مسلم، وما يُعرف بـ "الخطر الديموغرافي" في ظل الحديث عن انخفاض نسبة المواليد بين الفرنسيين الأصليين، ويجادل رموز اليمين الفرنسيون أن البلاد في طريقها إلى تبديد تقاليدها الثورية وتراثها الثقافي دون أن ترفع إصبعها لإنقاذ نفسها، وهو ما يُطلِق عليه الصحافي الفرنسي وأحد رواد الإسلاموفوبيا في البلاد، إريك زمور، اسم "الانتحار الفرنسي".

ولكن ظاهرة الوله ببوتين وروسيا في أوروبا لا تقف عند حدود فرنسا وحدها، بل تمتد إلى سائر أوروبا من الشرق إلى الغرب، بداية من رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، عرَّاب محبي بوتين في أوروبا، وحزب جوبيك النازي المجري أيضا، والمتهم هو الآخر بتلقي الأموال الروسية، مرورا بحزب الحرية في الجارة النمسا، وصولا إلى ألمانيا ذاتها، قلب الاتحاد الأوروبي، حيث الحزب الوطني الألماني المتطرف وزعيمه أودو فواغيت، مَن لا يُخفي ولهه ببوتين بأي شكل، في حين يتهم مستشارة بلاده أنغيلا ميركل بـ "الخيانة" بسبب قيامها بفتح حدود البلاد أمام المهاجرين القادمين من الشرق الأوسط، وانتهاء ببريطانيا نفسها، حيث يبرز نجم نايجل فاراج، مؤسس حزب الاستقلال والزعيم الشعبوي المقرَّب شخصيا من بوتين، ومَن يشتهر عنه قول: "لا تلكز الدب الروسي بالعصا، لأنك إن فعلت فإنه سيرد عليك".

أنصار لحزب رودينا "الوطن الأم" الروسي (رويترز)

تتشاطر موسكو مع الجماعات اليمينية المتطرفة في أوروبا، وجميع أنحاء العالم، اعتقادا راسخا بأنه، بغض النظر عن الأيديولوجيا، يجب خلع النخب التقليدية بسبب دعمها للعولمة والمؤسسات العابرة للوطنية مثل الناتو والاتحاد الأوروبي. وفي عام 2015، وفي محاولة لتوحيد الجماعات اليمينية المتطرفة والمتشابكة أحيانا، ووضع روسيا في صدارة الحركة الآخذة في التوسُّع ضد النخب الليبرالية، نظَّم حزب رودينا "الوطن الأم" الروسي المقرب من بوتين اجتماعا لشخصيات قومية من أوروبا ودول وأماكن أخرى، في غرفة اجتماعات ضيقة في فندق هوليداي إن في سانت بطرسبرغ، حينها قال فيودور بيريوكوف، زعيم الحزب، إنها المرة الأولى لتجمُّع الناشطين في "طليعة عالمية جديدة للتغلُّب على الزواج من الجنس نفسه، والإسلاميين المتطرفين، وممولي نيويورك". ورغم تأكيد بيريوكوف أن الكرملين لم يدعم مبادرته فإنه لم يُعارِضها أيضا.

جذبت ظاهرة الوله الأوروبي ببوتين اهتمام الكثير من الباحثين، ومن ضمن هؤلاء برز كلٌّ من بيبا نوريس من كلية كينيدي بجامعة هارفارد، ورونالد إنغليهارت بجامعة ميشيغان، ليجريا بحثا، جمع بين قواعد الإحصاء والعلوم الاجتماعية، وجدا فيه أن الشعبويين اليمينيين تغذّوا إلى حدٍّ كبير على عزلة الناخبين البيض الأكبر سِنًّا ممن يشعرون بالغضب إزاء تآكل القيم التقليدية، ليشعر هؤلاء اليوم بأنهم غرباء عن القيم السائدة في بلادهم، ما ولَّد لديهم ضعفا في إيمانهم بالديمقراطية، وتوقا إلى "رجل قوي" أو "ALFA" يمكنه أن يُجنِّبهم الكارثة. كان لافتا للنظر أن هذه العزلة، وهذا الوله بالرجل القوي، فُرِضَ بقوة على الضفة الأخرى من الأطلسي، حين انتخبت الولايات المتحدة دونالد ترامب رئيسا نهاية عام 2016، في وقت لم يكن يُخفي فيه إعجابه بفلاديمير بوتين.

قبل أكثر من ثلاثة عقود، وبالتحديد في مارس/آذار عام 1983، كان الرئيس الأميركي رونالد ريغان يُلقي خطابا في مكان لم يبدُ مألوفا لسابقيه من الرؤساء الأميركيين، وجاء صعود ريغان للسلطة وقتها مدفوعا بأصوات المحافظين الدينيين، وأتباع الكنيسة الإنجيلية، مَن توافدوا للتصويت بشكل مُنظَّم للمرة الأولى في تاريخ الانتخابات الأميركية. وكان 3.5 مليون صوت من أنصار الجمعية الوطنية الإنجيلية كفيلة بتمهيد طريق ريغان للبيت الأبيض، لذا كانت الجمعية ذاتها المكان الأجدر لريغان ليُعلِن منه حربه المقدسة.

رونالد ريغان وزوجته في الكنيسة (رويترز)

كان ريغان بحاجة إلى الدعم الأخلاقي من أجل خوض حربه الباردة ضد روسيا، وكانت هتافات "إلى الأمام يا جنود المسيح"، المترددة أصداؤها بين وقفات ريغان أثناء خطابه الشهير في الجمعية الإنجيلية، هي كل ما يحتاج إليه، وفي هذا التوقيت أعلن ريغان أن روسيا الشيوعية تُمثِّل "محور الشر في العالم الحديث"، وكان ذلك إيذانا ببدء الحرب الباردة. ولم يكن ريغان ليتصوَّر في أكثر أحلامه شططا أنه بعد مرور ثلاثة عقود، ومع مجيء رئيس جمهوري جديد للبيت الأبيض، فإن روسيا سوف تتحوَّل إلى نموذج يتغنَّى به أنصاره السابقون من المحافظين، فلم تعد روسيا ذلك الكيان الشيوعي الملحد ذا الخطر واسع النطاق على القيم المحافظة الأميركية، ولكنها تحوَّلت اليوم إلى النموذج المنشود لاستعادة تلك القيم.

تحوَّل الإنجيليون الذين دعموا يوما حرب ريغان ضد موسكو إلى جوقة احتفاء للرئيس الروسي في قلب الولايات المتحدة، وعلى رأس هؤلاء بريان فيشر، المتحدث باسم جمعية العائلة الأميركية الإنجيلية، قائلا إن قانون تجريم المثلية في روسيا هو "نوع من السياسية التي ندعمها"، كما دعم المركز الأميركي للقانون والعدالة، وهو مجموعة قانونية إنجيلية بارزة، بعض تدابير بوتين المناهضة للمثليين جنسيا، وسافر بريان براون، المؤسس المشارك للمنظمة الوطنية للزواج، لروسيا للإدلاء بشهادته حول التشريع المناهض للمثليين واصفا بوتين بأنه "أسد المسيحية"، وبلغ الأمر أن فرانكلين جراهام، نجل القس الشهير بيلي جراها أحد أبرز داعمي ريغان، أثنى على بوتين في مقال له عام 2014، كما شنَّ هجوما حادًّا على أوباما وقتها واصفا إياه بأنه "من داعمي الإلحاد"..

وعلى العكس من أوروبا حيث تُمثِّل الهجرة والإسلاموفوبيا أبرز دعائم شبكة اليمين الموالية للرئيس الروسي، فإن القيم العائلية ونبذ المثلية تلعب الدور الرئيس على الجانب الآخر من الأطلسي. ففي الولايات المتحدة تدعم روسيا مجموعة أميركية غامضة تُسمى المجلس العالمي للعائلات، وهي منظمة لعبت دورا اجتماعيا كبيرا في أميركا منذ تأسيسها عام 1997، ولكن نشاطها تعاظم تعاظما ملحوظا منذ عام 2014.

"بريان براون" الرئيس الحالي لمنظمة "المجلس العالمي للعائلات" (مواقع التواصل)

يقع مقر المنظمة في مدينة روكفورد بولاية إلينوي، وتدّعي أن غايتها "المساعدة في تأمين أُسس المجتمع"، والدفاع عن "الأسرة الطبيعية المبنية على الزواج بين رجل وامرأة"، وأحد رموز المجلس والرئيس الحالي للمنظمة هو بريان براون نفسه الذي سبق أن أشرنا إليه، أحد أبرز وجوه اليمين المتطرف في أميركا، وفي فبراير/شباط الماضي لعامنا الحالي كان براون يهبط في موسكو في إحدى جولات الاتصال العابر للأطلسي بين روسيا واليمين الديني الأميركي.

ولكن الروابط بين المنظمة وموسكو لا تعود فقط لتلك الزيارة الأخيرة. في واقع الأمر، فإن المجلس العالمي للعائلات هو نتاج أميركي روسي مشترك، وهو من بنات أفكار أناتولي أنتونوف وفيكتور ميدكوف، أستاذَيْ علم الاجتماع بجامعة لومونوسوف الحكومية بالعاصمة الروسية، إضافة إلى الأميركي ألان كارلسون، الرئيس الفخري الحالي للمجلس. وكان العالمان الروسيان يبحثان عن وسيلة لدرء شتاء ديموغرافي لاح في الأفق بفعل التشريعات التقدُّمية، من تحديد النسل لحقوق المثليين، حين تعثرا في أفكار كارلسون. وفي شقة تعود ملكيتها لأحد الروس الأرثوذكس الصوفيين، وُضِعت الخطوط العريضة لمنظمة تُعيد المجد لليمين المسيحي العالمي.

في الوقت الذي كان الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما يستهل ولايته الثانية كانت موسكو تُمرِّر قانونها الخاص بتجريم المثلية. وعلى الرغم من الإدانة واسعة النطاق للقانون من أقصى أوروبا إلى أقصى أميركا فإن اليمين الديني الأميركي سارع إلى تأييد الكرملين. وفي خضم الخلاف المحتدم بين الولايات المتحدة وروسيا عام 2014 بسبب أوكرانيا، أعلن المجلس العائلي خطط إقامة مؤتمره السنوي في موسكو، ما دفع الولايات المتحدة إلى وضع اثنين من أكبر الداعمين للمجلس في موسكو، وهما النائبة السابقة يلينا ميزولينا ورئيس سكك حديد روسيا السابق فلاديمير ياكونين، على قائمة العقوبات الأميركية.

يدرك ستيف بانون، كبير مستشاري الرئيس الأميركي السابق ترامب ومنظّر أفكار اليمين البديل، جيدا طموحات بوتين الإمبريالية، وميوله الكلبتوقراطية

بعد ذلك بعام واحد فقط، كان المجلس يعقد اجتماعه السنوي في سولت ليك سيتي، بعد أشهر فقط من قرار محكمة التشريعات الأميركية أوبيرجيفيل تقنين الزواج المثلي في جميع أنحاء الولايات المتحدة، وبدا أن لعبة موسكو في أميركا لم تُزهر سياسيًّا بقدر نجاحها في أوروبا، لكن القدر كان يخبئ صعودا مفاجئا لتيار اليمين البديل الأميركي على كتف إحباطات الرجل الأبيض الأميركي أيضا، وقبل أن يُفيق العالم من صدمته كان دونالد ترامب قد وضع قدمه في البيت الأبيض.

لا يحظى بوتين داخل أروقة اليمين البديل الحاكم اليوم في الولايات المتحدة بالقدر ذاته من التبجيل الذي يحظى به بين صفوف اليمين المتطرف في أوروبا. يدرك ستيف بانون، كبير مستشاري الرئيس الأميركي السابق ترامب ومُنظِّر أفكار اليمين البديل، جيدا طموحات بوتين الإمبريالية، وميوله الكلبتوقراطية، غير أن هذا التشكُّك لم يُقوِّض تعاطفه مع مشروع بوتين. ويشاطر بانون رؤية بوتين حول عالم ينزلق بمأساوية إلى أزمات متعددة دينية ورأسمالية، ويدعو الأميركيين على الدوام إلى الكفاح لحماية معتقداتهم ضد "تلك الهمجية الجديدة التي بدأت، وسوف تقضي تماما على كل ما ورثناه على مدار القرون الماضية".

لا يمكن إغفال ذلك الجدل الدائر حول دور روسيا في تهيئة المناخ لصعود اليمين البديل للبيت الأبيض، بداية من الحديث حول دور الاختراق الروسي لقواعد بيانات الحزب الديمقراطي، وتسريب وثائقه لوسائل الإعلام، مرورا بحملات شائعات بثَّتها وسائل الإعلام الروسية ضد هيلاري كلينتون، وصولا إلى احتفائها المتزايد بترامب خلال الأشهر الأولى من رئاسته، وهي قضية تُثير جدلا كبيرا في الرأي العام وداخل أروقة الحكم الأميركية من وقتها وحتى يومنا هذا. وفي حين أنه لا يمكن لمحلل رصين ادعاء أن روسيا هي التي أوصلت ترامب إلى البيت الأبيض، فإنه سيكون من العبث أيضا تجاهل التاريخ الطويل للجهود الروسية للتلاعب بالرأي العام الغربي، وهو دور لم يكن يوما مقتصرا على دعم التيارات والأشخاص المقربين من موسكو.

تحكي مجلة نيويوركر القصة التاريخية كاملة في تحقيق مُطوَّل نشرته حول هذا الدور، فمع انتصاف فترة حكم ريغان الأولى، أصدر يوري أندروبوف رئيس الاستخبارات السوفيتية (KGB) أوامره ببدء اتخاذ "التدابير النشطة" لمنع إعادة انتخاب ريغان، مَن صنَّفته موسكو آنذاك باعتباره تهديدا عالي المستوى لوجودها نفسه. ورُفِعَ شعار "ريغان يعني الحرب"، وبدأ وكلاء موسكو في تشويه صورته كونه مرشحا بوصفه "خادما فاسدا للمجمع العسكري الصناعي". ولكن النتيجة كانت فشلا ذريعا، حيث أمَّن ريغان الفوز الأكبر في تاريخ انتخابات الولايات المتحدة الرئاسية بواقع 49 من إجمالي 50 ولاية.

في أوروبا كان الرئيس الأستوني توماس هندريك إلفيس هدفا للقرصنة الروسية في عام 2007، كانت أستونيا حينها متورطة في صراع مع روسيا (رويترز)

لم يكن ريغان هو الحالة الوحيدة المُستهدفَة، فقد استخدمت روسيا الشائعات ضد واشنطن بكثافة إبان الحرب الباردة، وأشاعت موسكو أن الحكومة الأميركية مُتورِّطة في اغتيال مارتن لوثر كينغ في الثمانينيات، كما نشرت شائعات بأن المخابرات الأميركية خلَّقت فيروس الإيدز في فورت ديتريك بولاية ميريلاند. وفي عام 1996، كانت روسيا قد أضافت الحرب الإلكترونية إلى ترسانتها، حين نجحت في تنفيذ أول اختراق موجَّه للشبكة العسكرية الأميركية، وسرقة عشرات الآلاف من الملفات، بما في ذلك تصاميم أجهزة عسكرية وخرائط لمنشآت وتشكيلات القوات. وفي عام 2008، حقَّق الروس أكبر إنجازاتهم الإلكترونية حين نجحوا في اختراق شبكة سرية أميركية لم تكن حتى متصلة بالإنترنت، بعد أن نشر الجواسيس الروس أقراص تخزين مُحمَّلة بالفيروسات في أكشاك البيع بالقُرب من مقر الناتو في كابول، وراهنوا بذكاء بالغ على خطأ بشري نادر الحدوث، وأن أحد العاملين في المقر سيشتري واحدا ويُدخله في جهاز حاسوب آمن.

في أوروبا كان الرئيس الأستوني توماس هندريك إلفيس هدفا للقرصنة الروسية في عام 2007، كانت أستونيا حينها مُتورِّطة في صراع مع روسيا حول خطط لنقل تمثال لجندي سوفيتي يعود للحرب العالمية الثانية من وسط العاصمة تالين، وحذَّرت موسكو من أن نقل التمثال ستكون له عواقب وخيمة على الأستونيين. أما في جورجيا، وتزامنا مع الحرب عام 2008، اخترق قراصنة روس أربعة وخمسين موقعا على شبكة الإنترنت يخدمون الحكومة والإعلام والبنوك، وسرقوا المعلومات العسكرية وشلَّوا الإنترنت في البلاد، وفي حين عجز الضباط الجورجيون عن التواصل مع قواتهم فإن المواطنين في جورجيا لم تكن لديهم أي وسيلة لمعرفة ما يحدث حقا.

وإبان الانتخابات الفرنسية الماضية (2017) كانت المديرية العامة للأمن الخارجي، وكالة التجسُّس الفرنسية الرئيسة، قلقة من أن القراصنة الروس يعملون على مساعدة مارين لوبان للوصول إلى الإليزيه، في وقت شنَّت فيه وسائل الإعلام الروسية حملة ضخمة ضد مرشح اليسار وقتها إيمانويل ماكرون، واصفة إياه بأنه مجرد "أداة للبنوك الأميركية ولديه ميول مثلية"، لكن الحملة فشلت لتخسر لوبان ويربح ماكرون بالفعل، في سيناريو إخفاق شبيه بسيناريو ريغان. أما في ألمانيا، فإن برونو كاهل رئيس وكالة المخابرات لم يُخفِ قلقه من أن القراصنة الروس يحاولون أيضا تشكيل المشهد السياسي الألماني ضد المستشارة أنجيلا ميركل.

لا يمكننا أن نقرأ نزعات بوتين الدينية ونشاط إمبراطوريته الإعلامية وقراصنته الإلكترونيين بوصفها أمورا منعزلة عن بعضها بعضا، ففي النهاية فإن أيًّا من هذه الأمور لا يجاوز دوره الوظيفي في خطة بوتين الشاملة، مَن يبدو سعيدا اليوم بما حقَّقه خلال الأعوام الأخيرة، الذي لا يتجاوز فقط قدراته وقدرات بلاده، ولكنه ربما تجاوز أحلامه أيضا.

في صبيحة ليلة تنصيب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة، كانت صحيفة موسكوفسكي كومسوموليتس الروسية تحتفي بالأمر على طريقتها الخاصة، فأعادت الصحيفة التذكير بمشهد اقتحام مؤيدي لينين لقصر الشتاء عام 1917، حيث اعتقلوا الوزراء الرأسماليين وأطاحوا بالنظام السياسي، وقالت رغم أن أحدا لم يُخطِّط في واشنطن لاقتحام الكونغرس أو البيت الأبيض، وشنق أعضاء بارزين في النظام القديم في يوم 20 يناير/كانون الثاني الماضي، فإن "شعور الغرب الليبرالي يومها لم يختلف عن شعور البرجوازية الروسية قبل مئة عام".

يحب الروس البروباغاندا، وبالتأكيد فإن بوتين يستفيد بشدة من ذعر يكسو ملامح غرب ليبرالي يخشى اليوم تقويض أُسس نظامه، وهو يستمتع أيضا بعشرات المقالات في الصحف الغربية المرموقة المُحذِّرة من خططه لتدمير العالم الغربي. ولكن بوتين يعي أنه إنْ كان هناك شيء يمكن أن يُدمِّر العالم الغربي اليوم فسيكون التدمير الذاتي، أو أن يُدمِّر نفسه بنفسه.

لم تكن اختراقات روسيا السبب في وصول ترامب إلى السلطة في أميركا أو تشكيك ملايين الأميركيين في نتائج الانتخابات التي دفعته خارجها، كما أن ملايين موسكو وحدها لم تكن كافية لدفع لوبان إلى الإليزيه، بينما كان الاستياء الأبيض من آثار العولمة، والانقسام الذي تُسبِّبه منظومة القيم الليبرالية، وذعر الغربيين من فقدان السيطرة على بلادهم لصالح جحافل المهاجرين، والتردي الاقتصادي للطبقات الوسطى، هي عوامل أكثر أهمية بكثير، وكل ما يفعله بوتين وأدواته بمهارة هو المزيد من زعزعة الثقة في نظام يهتز بالأساس، لدرجة إيمانه بأن رجلا واحدا أصبح اليوم قادرا على تدميره، دون أن يُطلِق رصاصة واحدة.

بالنسبة لبوتين فإن كل ما يفعله هو إعادة الخطة المُجرَّبة سلفا، فعندما رأى بيسمارك في القرن التاسع عشر أن الاحتجاجات يمكن أن تُمثِّل تحديا لحكمه حوَّل انتباه الجميع إلى المثليين والمثليات. لم يكن بوتين يوما مهتما بالحياة الجنسية للروس، فضلا عن الأوروبيين، ولكنه ربما يشعر اليوم بالكثير من المتعة مراقبا هذا التخبُّط الغربي في القيم قبل السياسات، أما عن رونالد ريغان فربما يكون من حُسن طالعه أن الأقدار غيَّبته عن الدنيا، قبل أن يكون مضطرا لمتابعة التفاصيل الدرامية لعالمه الذي يُدمِّر نفسه اليوم في أتون حرب افتراضية في أفضل الأحوال.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

استطاعت روسيا التقدم في حملتها العسكرية بالأراضي السورية؛ وقلب الموازين لصالحها وصالح حليفها النظام السوري، لكن هذا التقدم يعكس حالة من “تهجين” الدولة الروسية، فكيف تسيّر روسيا عملياتها في سوريا؟

15/9/2017
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة