منصور عباس.. كيف أصبح السياسي "الإسلامي" صانع الملوك في إسرائيل؟

في الأول من إبريل/نيسان الماضي، وعند الساعة الثامنة مساء، التي اعتاد الإسرائيليون التسمُّر أثناءها أمام شاشات التلفاز لمشاهدة الأخبار السياسية المهمة، أُعلِن عن خطاب مهم سيُبَثُّ على الهواء مباشرة على جميع القنوات الرئيسية، ولكنه لم يكن خطابا لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على غير العادة. أُذيع الخطاب، وظهر رجل في الأربعينيات من عمره بوجهٍ مُلتحٍ، لم يعرفه كثيرون في إسرائيل حتى وقت قريب. رفرفت حول الرجل أعلام حزبه الخضراء، ذلك اللون النادر في الساحة السياسية الإسرائيلية التي يغلب عليها الأزرق، قبل أن يتحدَّث بعبرية مُتقنة قائلا: "أمد يدي لخلق فرصة للحياة معا في هذه الأرض المقدسة والمباركة لأطفال الديانات الثلاث فيها ولشعبيْها". لم يتحدَّث الرجل ذو السمت الإسلامي عن كل ما فرَّق هذين الشعبين على مدار سبعين عاما، بل تكلَّم بلهجة ودودة تجاه الإسرائيليين، مُشيرا إلى أهمية "الحياة المشتركة" والسلام والتسامح والرغبة في الاندماج في المجتمع الإسرائيلي.

اسمه منصور عباس، سياسي ذو جذور إسلامية، وهو زعيم "القائمة العربية الموحدة" الذي انتزع حزبه في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، المُقامة في مارس/آذار المنصرم، أربعة مقاعد من أصل 120 مقعدا في الكنيست الإسرائيلي. ما إن أُعلنت نتائج الانتخابات، وفشل نتنياهو ومنافسوه معا في حيازة ما يكفي من مقاعد ليُشكِّل أيٌّ منهما حكومة إسرائيلية، حتى سُلِّط الضوء على عباس ومقاعده الأربعة بوصفه "صانع الملوك" المُقبل في الساحة السياسية.

سرعان ما تراجع الحديث عن الحكومة الإسرائيلية إلى الخلفية حين اندلعت الحرب الأخيرة في غزة، ورأى البعض أنها تُعيد المبادرة إلى نتنياهو، وقد تُفضي إلى التفاف سياسي حوله تحت ضغط الصواريخ الفلسطينية، كما ستجعل من إمكانية مشاركة منصور عباس "الإسلامي" في حكومة إسرائيلية أقل بكثير بعد عودة الشروخ العميقة بين العرب واليهود داخل إسرائيل إلى بؤرة الضوء. بيد أن الحرب التي خرج منها نتنياهو بخسارة سياسية كبيرة، سرَّعت للمفارقة من سيناريو التفاف الجميع ضده، وفي غضون أسابيع من نهايتها أُعلن بالفعل عن مشاركة منصور عباس في ائتلاف واسع مع اليمين الإسرائيلي، بهدف تشكيل حكومة تدفع نتنياهو خارج السلطة للمرة الأولى منذ 12 عاما.

منصور عباس

وُلد الفلسطيني منصور عباس عام 1974 بقرية المغار في الجليل (شمال فلسطين المحتلة)، ثمَّ درس طب الأسنان في الجامعة العبرية، ومارس الطب وانخرط في السياسة تدريجيا حتى عُرِف اسمه عام 2007 بوصفه شخصية سياسية محسوبة على الجناح الجنوبي لـ "الحركة الإسلامية" في الداخل المحتل. تأسَّست الحركة الإسلامية على يد الشيخ عبد الله نمر درويش عام 1971، مُستلهِمة مبادئ جماعة الإخوان المسلمين، ثم انقسمت إلى جناحين شمالي وجنوبي بقيادة الشيخ رائد صلاح والشيخ حماد أبو دعابس على الترتيب. وفي حين آثر الجناح الشمالي مقاطعة الانتخابات الإسرائيلية ورفض منح الشرعية لإسرائيل عبرها، رأى الجناح الجنوبي الجدوى السياسية من المشاركة والاشتباك مع الحياة السياسية الإسرائيلية. (1)

في إبريل/نيسان 2019، ترأس عباس القائمة العربية الموحدة، التي خاضت عبرها الحركة الإسلامية الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، فأصبح نائبا في الكنيست الإسرائيلي لأول مرة. وقد شاركت القائمة العربية الموحدة ضمن التحالف الانتخابي العربي المُسمَّى بـ "القائمة المشتركة"، المُكوَّن من أربعة أحزاب عربية؛ إسلامية وشيوعية ويسارية. ونجح ذلك التحالف الرباعي نجاحا غير مسبوق بانتزاعه 15 مقعدا في انتخابات 2019، وبات ثالث أكبر فصيل في الكنيست، بيد أنه تلقَّى ضربة قوية بانشقاق القائمة العربية الموحدة التي تزعمها عباس في فبراير/شباط الماضي، وكان السبب هو خروج بعض نواب التحالف عن الخطوط الحمراء بتبني مواقف مرفوضة مجتمعيا مثل دعم حقوق المثليين، مثلما فعل النائب "أيمن عودة" قائد الجبهة العربية أحد أحزاب التحالف الأربعة. هذا وقرَّر الأخير خوض انتخابات مارس/آذار 2021 بمفرده، ما تسبَّب بتراجع كبير لتحالف القائمة المشتركة إلى ستة مقاعد فحسب.

دخل عباس إلى عش الدبابير اليميني الإسرائيلي أواخر العام الماضي، حين بدأ تفاعل دافئ وغير متوقَّع يتشكَّل بينه وبين نتنياهو. في هذا الوقت، رفض عباس أن يكون ضمن المُصوِّتين على نزع الثقة عن رئيس الوزراء الإسرائيلي المُتَّهم بعدة قضايا فساد، بل إنه تحدَّث للصحافيين عن استعداده للتعامل معه. سرعان ما رد نتنياهو الجميل بمغازلة عباس، وتحدَّث ضمن دعايته الانتخابية عن أهمية العمل معه لحل مشكلات مجتمع فلسطينيي 48 الذين يعانون من موجة جرائم عنف وكذلك يشكون البنية التحتية المتداعية، وخاصة في جنوب إسرائيل. مع حلول ديسمبر/كانون الأول، انضم عباس بحزبه إلى موقف الليكود الرافض لإجراء انتخابات مبكرة، معتبرا أنها "لن تفيد ناخبينا"، وشكَّلت مواقفه صدمة كبيرة لدى المعارضة الإسرائيلية نفسها.

لتبرير تحالفه الهادئ وغير المباشر مع "نتنياهو"، زعم عباس أنه يناور من أجل مصلحة فلسطينيي الداخل وتحقيق إنجازات للناخبين العرب عبر عقد الصفقات السياسية مع حزب الليكود الحاكم. ويقول عباس إن حل أزمات تفشي الجريمة في المجتمع العربي، والحصول على مزيد من الإنفاق الحكومي على التعليم والرعاية الموجهة للعرب، وزيادة تصاريح البناء وتخطيط المدن في البلدات والمدن العربية، وتحسين الوضع القانوني لمخيمات البدو في المناطق النائية في صحراء النقب؛ كل ذلك يكمن في الاشتباك البراغماتي بالسلطة الإسرائيلية التي تمتلك مفاتيح حل تلك الأزمات كافة.

يُشكِّل عرب إسرائيل 20% من سكان دولة الاحتلال البالغ عددهم 9.3 ملايين نسمة، وقد أظهر استطلاع للرأي أجراه معهد الديمقراطية الإسرائيلي في سبتمبر/أيلول 2019 أن 76% من فلسطينيي الداخل يؤيدون انضمام أحزاب عربية إلى الحكومة الإسرائيلية، كما أن هناك مؤشرات على أن السياسيين والناخبين اليهود أصبحوا أكثر انفتاحا على زيادة تمثيل العرب في الحكومة أيضا، إذ أظهر استطلاع نشره المعهد نفسه أن نسبة تأييد الأحزاب العربية للانضمام إلى الحكومة ارتفعت إلى 34% في صفوف اليمين اليهودي في مارس/آذار 2021، مقارنة بـ 10% فقط العام الماضي.

"كنا بحاجة إلى جائحة وانهيار سياسي حتى يتضح بعد 28 عاما من التحريض من قِبَل نتنياهو واليمين أن الجمهور العربي جزء من المجتمع الإسرائيلي"، بهذه الكلمات غازلت رئيسة حزب العمل اليساري "ميراف ميخائيلي" النائب منصور عباس وهي تدعوه إلى الانضمام إلى كتلة الكنيست المناهضة لنتنياهو لتشكيل حكومة من أجل "تغيير الواقع" كما قالت. لم تكن دعوة ميخائيلي غريبة على قادة اليسار في إسرائيل، لكن الغريب الآن هو تبدُّل موقف اليهود المتطرفين الذين لم يكفُّوا عن مهاجمة عباس سابقا ووصفه بالإرهابي. لقد استطاع عباس عبر خطابه أن يُطمئن المتطرفين اليهود إلى درجة أنه بات العربي المفضَّل لديهم بين عشيّة وضحاها، حتى إن الأحزاب اليهودية الأرثوذكسية المُتشدِّدة هتفت تأييدا لخطابه مؤخرا، وبذلك فإن عباس احتفظ بموقعه الرابح في السياسة الإسرائيلية ونجح في القفز برشاقة من سفينة نتنياهو.

وجد اليمين الإسرائيلي، الذي دأب على نعت خصومه من اليسار الإسرائيلي بالخيانة عند تعاونهم مع الأحزاب العربية الإسرائيلية، طوق النجاة في خطاب عباس، وفرصة لشريك جديد من خارج نطاق الأحزاب المتطرفة. وفي وقت اعتاد فيه السياسيون العرب على إبراز هويتهم كونهم فلسطينيين والحديث علنا عن ولائهم لشعبهم وعن أهمية نزع الشرعية عن إسرائيل كونها دولة يهودية، تقدَّم عباس متميزا عن أقرانه من النواب العرب في الكنيست الإسرائيلي بتجاوز التنديدات العاطفية بإسرائيل. ما أثار الدهشة، بطبيعة الحال، هو أن الإسلامي الأبرز من بين السياسيين العرب هو مَن أحدث تلك النقلة في السياسة الإسرائيلية، وليس أي فصيل ليبرالي أو يساري آخر، وهو يقوم بذلك مُستنِدا إلى أرضية الفكر الديني المحافظ المشتركة بينه وبين اليمين الإسرائيلي في بعض الملفات، لكنه يتعامى تعاميا شبه كامل عن جوهر القضية الفلسطينية لتحقيق مكاسب سياسية واجتماعية لشخصه ولناخبيه.

ركَّز عباس على النزعة المحافظة لحزبه في خضم سعيه لاجتذاب الأحزاب الأرثوذكسية المتطرفة، متميزا مرة أخرى عن القائمة العربية المشتركة الساعية للتقاطع اجتماعيا واقتصاديا مع اليسار الإسرائيلي وأفكاره الليبرالية، إلى درجة أن الحاخام الأرثوذكسي المُتشدِّد "حاييم كانييفسكي" لم يتردَّد في إعلان موافقته على تشكيل حكومة مُحتمَلة مع القائمة العربية الموحدة برئاسة عباس، بل ذهب إلى حد القول إن من الأفضل مشاركة العرب داخل الكنيست عن مشاركة أعضاء الكنيست من اليسار الإسرائيلي.

يلعب منصور عباس إذن دور "العربي الصالح" هذه الأيام، ذاك المصطلح الذي يُستخدم في الخطاب الإسرائيلي لوصف العربي المخلص لإسرائيل، وهو دور مُمتع بالنسبة له الآن، ويمنحه وضعا متميزا عن غيره من السياسيين العرب في دولة الاحتلال. يُحجم الرجل عن تحدي المشروع الصهيوني حاليا من أجل كسب اليمين الإسرائيلي والجمهور الإسرائيلي عموما، وهي خطوات تدفعه إلى قلب العملية السياسية الإسرائيلية تشريعيا وتنفيذيا. لكن ما السيناريوهات المتوقَّعة لمسار كهذا في نهاية المطاف، لا سيما والقضية الفلسطينية تستعيد ترابط أضلاعها الثلاثة، الضفة وغزة وعرب 48، على نحو غير مسبوق منذ الانتفاضة الثانية؟ وإلى أي مدى يمكن للعرب أنفسهم أن يتقبَّلوا مسار عباس بعد ما جرى في حرب غزة الأخيرة من تمرُّد عربي على السياسة العنصرية الإسرائيلية؟

يحمل عباس ورقة مهمة مُتمثِّلة بمقاعده الأربعة في الكنيست، لكن بغض النظر عمَّا سيؤول إليه الضجيج الذي يحيط بانضمامه إلى ائتلاف حكومي يميني، يتمثَّل أحد نجاحات عباس في أنه سيُصعِّب على قوى اليمين مستقبلا مهاجمة المنافسين العرب كما اعتادوا. كذلك أحدث عباس تحوُّلا كبيرا في السياسة الداخلية بخلق نموذج جديد من الساسة يسعى جديا للاندماج في المجتمع الإسرائيلي، خاصة بعد أن تخلَّت الدول العربية عن القضية الفلسطينية باتفاقيات التطبيع الأخيرة، ومن ثمَّ بات هنالك قدر من التأييد له في صفوف عرب 48 لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من براثن النظام السياسي الإسرائيلي الذي يملك اليمين معظم مفاصله الآن، مهما كانت المرارة التي ستُصاحِب مواءمة من هذا النوع.

في المقابل، تظل الهوة الجوهرية بين العرب واليهود، التي تأسَّست عليها الدولة الإسرائيلية نفسها، تحول دون تحوُّل القائمة العربية من فصيل تفاوضي يقتات على ثغرات الطيف السياسي الإسرائيلي إلى مشروع سياسي حقيقي، وتبقى المُعضلة الجوهرية التي أنشأت القضية الفلسطينية ابتداء عصية على تجاوزها كما كشفت الحرب الأخيرة. تلك الحقيقة لن يسع عباس تجاهلها في الأخير وإن انتزع ثمارا سياسية للعرب في الداخل، بل إن السرعة والعفوية التي تعود بها القضية الفلسطينية إلى الاشتعال بين الحين والآخر، لتحرق بلهيبها رهانات متسرِّعة على استمرار الوضع القائم الإسرائيلي، قد تُصيبه بسهولة وتُطيح بقائمته ذات المقاعد الأربعة، تماما كما أصابت قطار التطبيع العربي، وأصابت نتنياهو نفسه قبل أيام.

___________________________________________________________________

المصادر:

  1. الحركة الإسلامية داخل الخط الأخضر
المصدر : الجزيرة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة