لعبة الضحية.. هكذا تتلاعب إسرائيل بالمشاعر والعقول لتبرير جرائمها

مرت نحو إحدى عشرة سنة منذ الغارة الإسرائيلية على أسطول "مافي مرمرة" في البحر الأبيض المتوسط، الذي تكوَّن من ثلاث سفن حملت على متنها نشطاء حقوقيين (1) من دول متفرقة، هدفوا لتوصيل الإمدادات للفلسطينيين، وتحقيق انتصار رمزي عن طريق الوصول لأكبر سجن مفتوح في العالم "قطاع غزة"، لكن السفن حُوصرت من قِبَل جيش الاحتلال الإسرائيلي في المياه الدولية، قبل أن يُهاجمها، في أثناء ذلك، قُتل تسعة من نشطاء حقوق الإنسان، وأُصيب آخرون بجروح خطيرة، أحدهم فقد حياته بعد فترة قصيرة.

السفينة مافي مرمرة (رويترز)

المُثير للانتباه في هذه الحادثة كان غضب إسرائيل من الانتقادات الدولية، التي كانت في الأصل هينة جدا بالنظر إلى حجم العنف الذي ارتكبته ضد النشطاء السلميين، في أثناء ذلك كان الإسرائيليون يُصوِّرون الهجوم العسكري الدموي ضد هؤلاء المدنيين على أنه "عمل مشروع للدفاع عن النفس"، بل ووصفت بعض الصحف الإسرائيلية -مثل يديعوت أحرونوت- الحادث بأنه "كمين لقوات الكوماندوز الإسرائيلية"، وقيل إن هؤلاء النشطاء جهاديون جاؤوا لكي يقاتلوا ويُقتلوا (2). لكن هل تعرف أن ما حدث لم يكن فريدا من نوعه أو غير مسبوق؟ في الواقع، فإن إسرائيل دولة بارعة للغاية في لعب دور الضحية، وهي تفعل ذلك في كل مرة، لصرف الانتباه عن جرائمها.

تُعَدُّ "عقدة الضحية" أو "عقلية الضحية" سمة شخصية لهؤلاء الذين يعتقدون أنهم دائما ضحايا الأفعال الضارة من قِبَل الآخرين، حتى عندما يُعلَموا بالأدلة التي تُشير إلى عكس ذلك (3). يستمد دور الضحية في إسرائيل الكثير من مضمونه من الذاكرة الجمعية اليهودية، وخاصة المحرقة النازية أو الهولوكوست. لكن عقلية الضحية ليست فقط مجرد اضطراب شخصية، بل إنّ لها جوانب اجتماعية وسياسية وقانونية (4) بدأ الاعتراف بها منذ عقود، وأُدخلت المعايير المتعلقة بعلم الضحايا (victimology)، الذي يدرس الآثار النفسية للجريمة والعلاقة بين الضحايا والجاني (5)، إلى الساحات الدولية لدراسات الصراعات السياسية.

يستخدم الاحتلال الإسرائيلي بطاقة الضحية ببراعة في كل مرة يتعرَّض فيها للانتقاد، دور الضحية نفسه له العديد من التكتيكات المتعددة التي تُستخدم بما يتناسب مع الموقف، وهناك العديد من الطرق التي تخدم بها عقلية الضحية أمّة أو جماعة من الناس، والمجموعات المتورطة في افتعال النزاعات تحديدا (6)، حيث توفر عقلية الضحية تدفُّقا لا ينقطع للتفسيرات المتعلقة بالصراع بينهم وبين العدو، لن يتساءل طفل إسرائيلي عن سبب قتالهم للفلسطينيين على سبيل المثال، لأنه يعي أنّه ضحية لعدوان غاشم من العرب المتطفلين الذين يرفضون الرحيل من "أرض آبائه".

حين قتل النشطاء على متن سفينة "مافي مرمرة" 2010، وُصفوا في الصحف العبرية بأنهم "إرهابيون" رغم أنهم لم يحملوا سلاحا قط، في المقابل كانت إسرائيل فقط تدافع عن نفسها

على جانب آخر، يُقدِّم شعور الضحية مُبرِّرا أخلاقيا لأعمال العنف التي يُنظر إليها على أنها "تمنع المزيد من الإيذاء"، كما يساهم في ترسيخ تمايز وتفوق الجماعة من خلال تصوير المنافسين على أنهم حقيرون أو عنيفون، مع جعل جماعتنا نحن مثالية وخالية من العيوب، كما أنّ عقلية الضحية تقوي التضامن الجماعي من خلال تأكيد الأخطار المحتملة التي تُهدِّد بقاء المجموعة، الذي يُعزِّز بدوره حب الوطن والانتماء إليه.

وأخيرا، تساعد الضحية الجماعية المجموعة على كسب الدعم الدولي الذي يُعَدُّ أهم الأهداف في حالة الاحتلال الإسرائيلي، كما حدث في عام 2010 حين قتل النشطاء على متن سفينة "مافي مرمرة"، حيث وُصفوا في الصحف العبرية بأنهم "جهاديون" و"إرهابيون" رغم أنهم لم يحملوا سلاحا قط، في المقابل كانت إسرائيل فقط تدافع عن نفسها، رغم أن الحقيقة أنها قتلتهم عُزّلا أمام سمع وبصر الجميع.

لكن على الرغم من كل ذلك، غالبا ما تتجاهل الأدبيات السياسية الأخطار الممكنة لعقلية الضحية (7)، تُحذِّر دايان إينس، الفيلسوفة الأميركية، من أنّ عقلية الضحية "قادرة على ارتكاب أي درجة من العنف لا يُأبه لها أبدا" (8)(9)، وبسبب ذلك فإنها تدعو إلى التدقيق في وضع الضحية، وتجادل بأننا نادرا ما نُشكِّك في السلطة الأخلاقية التي نمنحها للمجموعات التي تستخدم دور الضحية، وتلك مشكلة كبيرة.

في الواقع، رغم أن جوهر رؤية هرتزل والصهيونية كان تخليص اليهود من عقلية الضحية والسلبية، فإنها أعطت هذه الروايات زخما أكبر باسم الذاكرة الجمعية، ووُظِّفت لإضفاء الشرعية وتبرير حروب إسرائيل وسياساتها ضد العرب، والفلسطينيين بوجه خاص، وكذلك لحشد الدعم من المجتمع الدولي.

أصبحت الإشارة إلى ضحايا محرقة الهولوكوست أداة استطرادية للشرعية السياسية، تُستخدم على وجه التحديد لتبرير العمليات العسكرية وقمع الفلسطينيين

في هذا السياق كان الهولوكوست مُكوِّنا رئيسيا. الرسالة عموما كانت أن استعارة "l’olam lo od" (لن تتكرر أبدا) تنطبق أيضا على الفلسطينيين. بمعنى أوضح، لن يُسمح للمحرقة أن تحدث مرة أخرى على يد الوثنيين أو الألمان، أو الفلسطينيين هذه المرة، وبالتالي أصبحت الإشارة إلى ضحايا المحرقة أداة استطرادية للشرعية السياسية، تُستخدم على وجه التحديد لتبرير العمليات العسكرية وقمع الفلسطينيين وقتلهم عن حق إسرائيل في "الأمن" بشروطها الخاصة (10).

من تلك الوجهة، فإن الإيذاء السابق يمكن أن يُولِّد شعورا بالاستحقاق (11)، ويُستخدم للتهرُّب من اللوم بعد ارتكاب أي مخالفات (12). وبهذا الشكل، لا تكون هوية الضحية لمجموعة ما مجرد نتيجة غير مرغوب فيها لماضٍ مفجع فحسب، بل تتحوَّل إلى حالة مفيدة يمكنهم من خلالها تحقيق تطلُّعات أوسع في المستقبل.

"لا يمكن أن يكون الهولوكوست بوصلة أخلاقية عالمية فحسب، بل هو أيضا تأكيد على كون اليهود ضحية، وبالتالي إثبات لـ "دولة يهودية قوية"".

(عماد موسى، باحث متخصص في علم النفس الاجتماعي والسياسي للصراع)

تتغلغل هوية الضحية اليوم في كل أطراف الحياة الإسرائيلية، وبالأخص في الفنون والإعلام؛ لأنها تحمل رمزية ثقافية وترويجية. تأمَّل، على سبيل المثال، الشعارات الإسرائيلية اليهودية: "لن يسقط الموساد مرة أخرى أبدا"، الذي يعتنق في باطنه دين الضحية، وهو أمر ينطبق حتى على الأناشيد الوطنية.

وللمفارقة، فإن كلا النشيدين الفلسطيني والإسرائيلي يدور حول "البعث من جديد"، ولكن يُعبَّر عن ذلك بطريقة مختلفة. لا يزال النشيد الوطني الإسرائيلي، "hatikvah" (الأمل)، يتحدث عن اليهودي "المظلوم" الذي "يبحث عن الأمل" من الإيذاء (13)، وهو عبارة عن نص سردي يُعيد إحياء الصدمة المرتبطة بالذاكرة الجماعية مرارا وتكرارا، وبالتالي يستمر في ترسيخ التزام المجموعة بخطابها الأساسي، ألا وهو خطاب الضحية (14).

من المعروف أن روايات شبيهة استُخدمت في الدعايات الحربية (15)، قبل الإبادة الجماعية في رواندا على سبيل المثال، وإبان الحرب العالمية الأولى، في تلك النقطة دعنا نتأمل أحد مقاطع الفيديو المنتشرة على تويتر، حيث يُستخدم تصوُّر الضحية "بشكل إستراتيجي" من أجل الحصول على الدعم الدولي، ليس مرة واحدة أو مرتين، بل يمكنك أن تجد على منصات التواصل الاجتماعي أطنانا من القصص المصنوعة جيدا لتلعب الدور نفسه.

حينما شاركت عضوة الكنيست إيليت شاكيد منشورا على حسابها بمنصة فيسبوك (16) يقول إن الأمهات الفلسطينيات يجب أن يتبعن أبناءهن إلى الموت وإلا سيُربّين المزيد من "الثعابين الصغيرة"، كان الإسرائيليون يتجمعون على قمم التلال في بلدة سديروت الحدودية يهتفون وهم يحملون الفشار والمشروبات في أيديهم، ويلتقطون صورا ذاتية بينما يشاهدون الجيش وهو يُلقي القنابل على غزة في الخلفية، مما أسفر عن مقتل أمهات وأطفالهن. من أجل تبرير هذا النوع من الأعمال الشائنة، رسخت الصحف الإسرائيلية رسالة أنه لا يوجد مدنيون أبرياء في غزة (17).

تُدرك إسرائيل أهمية اكتساب تعاطف الدول مع موقفها، لذا فإنها كرَّست جهودها لإنشاء حسابات موثَّقة مثل "Stand with us" لهذا الأمر، لكن المنصات الاجتماعية ليست مكانا لإسرائيل ومؤيديها وحدهم، فما حدث في مايو/أيار 2021 من تسجيل اعتداءات الاحتلال على الفلسطينيين وتوثيقه على الإنترنت أحدث خرقا كبيرا في رواية الضحية الإسرائيلية، بل إن توظيف معاداة السامية ورقة لإرهاب جميع منتقدي إسرائيل صار اليوم محل انتقاد كبير.

حقَّق فيديو المستوطن السارق "يعقوب" انتشارا واسعا عبر الإنترنت، وبعدها انتشر مقطع فيديو لإسرائيليين يرقصون بجوار المسجد الأقصى إثر حرق أشجار من قِبَل قوات الاحتلال، وفي هذه الأثناء لم تُسعف عقلية الضحية الاحتلال في مواجهة آثار المواد الإعلامية التي تدفَّقت عبر الإنترنت من كل مكان وانتشرت بسرعة هائلة، ساعتها لم يكن لإسرائيل بُدٌّ من استخدام خطتها البديلة التي استخدمتها مرارا، وهي تكميم أفواه الإعلاميين والناشطين بالقبض عليهم، وآخرهم مراسلة الجزيرة جيفارا البديري، والناشطة المقدسية منى الكرد.

وفي رسائل بريد إلكتروني موجَّهة من 14 محطة تلفزيونية وصحفا ومحطات إذاعية ومواقع إخبارية في إسرائيل، اطلعت عليها رويترز (18)، قال إعلاميو الاحتلال إن التهديدات وخطاب الكراهية عالميا قد تصاعدا في الأسابيع الأخيرة، لا سيما خلال الصراع الذي استمر 11 يوما مع "المسلحين الفلسطينيين"، بحد تعبيرهم، وعليه فقد طالبوا وسائل التواصل الاجتماعي بمحو كل المحتوى الذي يحث على الكراهية. في تلك الأثناء، انتفض وزير الدفاع الإسرائيلي، بيني غانتس، ليطلب من فيسبوك وتيك توك إزالة المنشورات التي قال إنها قد تشجع على العنف، من مواقعهما. وذكر أن "هذه إجراءات من شأنها أن تمنع مباشرةً أعمال العنف التي تُحرَّك عن قصد عبر وسائل التواصل الاجتماعي من قِبَل العناصر المتطرفة التي تسعى إلى إلحاق الضرر ببلدنا"، مضيفا: "نحن في لحظة طوارئ اجتماعية، ونتوقع مساعدتكم" (19).

أما الدكتور غابرييل ويمان من جامعة حيفا في الأراضي المحتلة (20) فقال إن ما حدث في مايو/أيار 2021 على الإنترنت وحتى الآن "ليس حربا متساوية"، وقال لبي بي سي: "من الجانب الإسرائيلي ترى تدفُّقا مضادا، يجب أن أقول إنه أقل قوة، وغير منظَّم على الإطلاق، وإذا سألتني، أقل إقناعا"، مضيفا: "ربما لأنه في إسرائيل لم يعتقد أحد أن تيك توك ستكون منصة قوية أو مهمة".

من الواضح أن إسرائيل نفسها فوجئت بالثورة التي اجتاحت مواقع التواصل ضد أعمالها الوحشية والعنيفة، لكن ذلك لم يعنِ أن بطاقة "الضحية" غابت تماما، حيث ظل نتنياهو يُكرِّر حجته الواهية الخاصة بـ "الدفاع عن النفس" (21) لاستعطاف المجتمع الدولي، لكن بطاقة الضحية هذه المرة كان لها آثار عكسية، فبدلا من أن تُعزِّز التضامن بين الإسرائيليين، فإنها أثارت المزيد من الذعر بين صفوفهم، لاحظ على سبيل المثال هذا الفتى الإسرائيلي الذي يُعبِّر عن خوفه على سلامته الشخصية مُحذِّرا مَن يريد القدوم لإسرائيل من أنّ هذه النيران المستعرة هي ما تنتظره!

يمكن أن تكون هوية الضحية -إذن- سيفا ذا حدين، فمن ناحية، تكون أداة مهمة للنخب للدفاع عن النفس وتلقي الدعم الدولي وتعزيز تضامن المجتمع. ولكن أثناء الحرب يُشكِّل الاشتباك العسكري خطرا على الأمن المستقبلي للمجتمع، فيصبح استخدام ادعاءات الضحايا أمرا خطيرا، قد لا يؤدي فقط إلى شل الروح المعنوية للقوات المتحاربة والمواطنين، ولكنه أيضا يُعزِّز الحالة الذهنية للخصم.

تمتلك إسرائيل سجلا إجراميا مثاليا لضحية مزعومة قادرة على ارتكاب أشد أنواع العنف إلى الدرجة التي جلبت لها انتقادات دولية ثلاثة أضعاف تلك التي حصلت عليها أي دولة أخرى في الأمم المتحدة عام 2020 (22). ورغم ذلك، يواصل المؤيدون لإسرائيل إدانة أي انتقادات دولية للعنف الذي تمارسه سلطات الاحتلال، بحجة أنهم يدافعون عن أنفسهم. قديما انطلت تلك اللعبة على العالم لفترة طويلة، لكن نجاحها يصبح موضع شك حين يراك العالم كل يوم تقتل الناس وتعتقلهم وتسرق منازلهم، على الهواء مباشرة في كل المنافذ الإعلامية، وعلى صفحات الإنترنت، لذا، فمن المؤكَّد أنّ محاولة إسكات الفلسطينيين في العصر الرقمي ستكون مثل محاولة الدب صعود الشجرة، لأنه حتما في النهاية سيقع على أنفه.

________________________________________________________

المصادر:

  1. Israeli attack on Gaza flotilla sparks international outrage
  2. Flotilla raid: Turkish jihadis bent on violence attacked troops, Israel claims
  3. Clinical Psychology
  4. International Law of Victims
  5. What is Victimology and Why Is It Important in Forensic Psychology
  6. A sense of self-perceived collective victimhood in intractable conflicts
  7. The Empire of Trauma: An Inquiry into the Condition of Victimhood
  8. The Violence of Victimhood
  9. VICTIMHOOD AS A DRIVING FORCE IN THE INTRACTABILITY OF THE ISRAELI-PALESTINIAN CONFLICT
  10. The Politics of Victimhood and its Internal Exegetes: Terror Victims in Israel
  11. Victim entitlement to behave selfishly.
  12. To escape blame, don’t be a hero—Be a victim.
  13. Israel on the Couch: The Psychology of the Peace Process, by Ofer Grosbard
  14. Sociopsychological Foundations of Intractable Conflicts
  15.  The Science of Social Influence: Advances and Future Progress (Frontiers of Social Psychology), Anthony R. Pratkanis,2009
  16. ‘Mothers of all Palestinians should also be killed,’ says Israeli politician
  17. Victim blaming as an Israeli tool to whitewash crimes
  18. Israeli media urges Facebook, Twitter to act on incitement against reporters
  19. TikTok: How Israeli-Palestinian conflict plays out on social media
  20. المصدر السابق
  21. Transcript: Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu on "Face the Nation," May 16, 2021
  22. Israel most condemned by UN in 2020 – three times other nations
المصدر : الجزيرة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة