شعار قسم ميدان

دبلوماسية النيل المصرية.. كيف نجحت القاهرة في اختراق الدرع الإثيوبي؟

تكشفُ صفحة الزيارات الخارجية على موقع الهيئة العامة للاستعلامات، التابع للرئاسة المصرية، عن زيارات مُكثَّفة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وحكومته إلى دول أفريقيا خلال آخر عامين، إلى جانب نشاط مُتصاعد في الأشهر الأخيرة انحصر تحديدا في منطقة حوض النيل والقرن الأفريقي. وتُراهِن القاهرة على تحرُّكاتها تلك لنسج تحالفات جديدة مع الدول المحيطة بإثيوبيا بالأساس، بهدف الضغط عليها، من أجل إبرام معاهدة نهائية تُقلِّل الأضرار المتوقَّعة لسد النهضة. ورغم ذلك، ليس سد النهضة سوى وجه واحد وبارز من أوجه عدة للتنافس المُحتدم الآن بين القاهرة وأديس أبابا، لا سيما منذ تولّى آبي أحمد رئاسة وزراء إثيوبيا عام 2018. فقد مضى الرجل في انتهاج سياسات ارتكزت على بناء مظلة حلفاء إقليميين له، والعودة لأدوار القيادة التي تمتَّعت بها إثيوبيا في الماضي، وأصبحت "السيطرة على النيل" جزءا أساسيا من رؤيته القيادية تلك.

كانت أبرز المواقف التي عكست تضاؤل تأثير مصر في أفريقيا هي الزيارة التي بدأها السيسي خلال سنوات حكمه الأولى عام 2016 إلى رواندا، وفوجئ حينها بأن أحدا لم يكن في استقباله سوى وزير الداخلية الرواندي، ما اعتُبر استقبالا مُهينا ومخالفا للبروتوكولات. بعدها بعام، وصل السيسي إلى أديس أبابا لحضور القمة الأفريقية، وخلال التقاط الصورة التذكارية للزعماء، ظهر الرئيس المصري واقفا في الصفوف الخلفية أقصى اليمين، على عكس الحال مع الرئيس الراحل حسني مبارك، رغم تجاهله المستمر للقارة. كانت لحظة صعود السيسي عبر انقلاب عسكري استهجنته القارة وتبعه تجميد عضوية مصر في الاتحاد الأفريقي، في وقت تمتَّعت فيه أديس أبابا بدور مركزي في الاتحاد، لحظة فارقة أتاحت لإثيوبيا تعزيز نفوذها في وادي النيل وشرق أفريقيا. ولكن ما إن عادت المياه إلى مجاريها بين القاهرة والاتحاد الأفريقي، وبدأ النظام المصري -متأخرا- الانتباه لمسألة السد، حتى شرعت القاهرة في محاولة استعادة نفوذها المتضائل منذ عقود.

بدأ آبي أحمد أول زيارة رسمية له إلى إسرائيل، تفاعلا مع وعود قديمة أطلقها رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي السابق، بنيامين نتنياهو

تعكس محاولات الحضور المصري السوداني المُكثَّف في أفريقيا غضبا شعبيا في كلا البلدين تجاه الطبقة الحاكمة فيما يتعلَّق بأزمة سد النهضة. فعقب الملء الأول العام الماضي، حجز السد نحو 4.9 مليارات متر مكعب من المياه، إلى جانب الخطط الحالية بتخزين نحو 13.5 مليار متر مكعب حال مضت إثيوبيا في تنفيذ الملء الثاني، وهو ما يعني أن القاهرة والخرطوم باتتا أمام خيارات صفرية إزاء التعامل مع أزمة السد. ويُضاعف من الأزمة أن المفاوضات التي دامت عشر سنوات لم تُفضِ فعليا إلى جديد؛ فالتغيير السياسي الذي شهدته إثيوبيا عقب استقالة رئيس الحكومة "هيلا مريام ديسالين"، إثر التظاهرات التي اجتاحت إثيوبيا عام 2018، أفرز وصول شخصية شابة أكثر جرأة من سابقيه، وهو آبي أحمد. وقد كسر آبي بصعوده احتكار قومية بعينها لمقاليد الحكم، ووعد بإنهاء عقود من الاستبداد السياسي في الداخل، لكن طموحاته الخارجية بأن تصبح أديس أبابا على عرش شرق أفريقيا عبر تصدير الكهرباء والتنمية للبلاد الفقيرة المُظلمة من حولها يُمثِّل الآن تهديدا لدولتَيْ النيل الأكبر الواقعتين عند مصب النهر.

اتَّبع آبي أحمد منذ وصوله إلى السُّلطة إستراتيجية بناء قلعة دبلوماسية تُحاصر مصر شمالا وجنوبا، ليُفقدها أي نفوذ سياسي تستند إليه. فقد بدأ أول زيارة رسمية له إلى إسرائيل، تفاعلا مع وعود قديمة أطلقها رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي السابق، بنيامين نتنياهو، بمساعدة إثيوبيا على الاستفادة من مواردها المائية في تطوير الزراعة، وتزويدها بالتكنولوجيا الإسرائيلية. وأُضيف إلى ذلك التقارب أعباء أخرى جديدة فاقمت الغضب المصري المكتوم، إثر قيام ارتباط عسكري بين إثيوبيا وإسرائيل، من خلال شراء أديس أبابا أحدث نظام دفاع جوي إسرائيلي هو "سبايدر إم أر" (Spyder MR)، الذي يمكنه إسقاط الطائرات المقاتلة على مسافة 50 كم. وتثق إثيوبيا حاليا بأن أحدث الطائرات المقاتلة التي تمتلكها مصر -وأبرزها الرافال الفرنسية- ليس بوسعها ضرب السد، وهي معطيات دفعت رئيس الوزراء الإثيوبي للتمسُّك بموقفه في الملء الثاني.

إلى جانب السياسات الإصلاحية الداخلية التي شرع فيها آبي خلاله عامه الأول -قبل أن ينقلب عليها مؤخرا ويشن حملة قمعية غير مسبوقة في إقليم تيغراي- تحوَّل رئيس الوزراء إلى بطل خارج بلاده أيضا عبر حضوره اللافت في محيطه الإقليمي، إذ شرع في إنهاء سنوات الخصومة وحالة الحرب الممتدة منذ نحو عقدين مع إريتريا التي طالما دعمت القاهرة في أزمة سد النهضة، فأنهت انحيازها ذلك رسميا بزيارة قادها رئيسها أسياس أفورقي إلى موقع بناء السد في أكتوبر/تشرين الأول 2020، في تحوُّل هدم سنوات من الرهان المصري على أسمرة بوصفها ورقة ضغط سياسية أو عسكرية ضد إثيوبيا.

النجاح الإثيوبي في اختراق المحيط الإقليمي ساعدته الخلفية الديمقراطية والتصالحية التي روَّجها آبي أحمد لنفسه عبر وساطته لإنهاء الأزمات، لا سيما في قلعة أخرى من قلاع النفوذ المصري التاريخي وهي السودان. فحين سقط البشير في انتفاضة سودانية عام 2018، تحرَّك آبي سريعا لإبرام اتفاق بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، على عكس التحرُّكات التي اتخذها السيسي آنذاك لعرقلة انتقال السُّلطة إلى المدنيين في السودان وساهمت في تأجيج غضب الثوار. مجددا، كانت إثيوبيا الوسيط الدولي الأكثر حظا وتماسكا، ووسَّعت جهودها ونفوذها بما أفضى إلى تمرير الاتفاقية التي طرحتها وانتهت بتوقيع الوثيقة الدستورية لتقاسم السُّلطة بين قادة المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير. يُضاف إلى ذلك العلاقة الوثيقة التي جمعت آبي بعدئذ مع عبد الله حمدوك رئيس الوزراء السوداني الجديد.

بدت خطورة تلك العلاقة على القاهرة واضحة، خاصة في الموقف الذي اتخذه السودان في مارس/آذار 2020، بتحفُّظه على بيان الجامعة العربية بشأن سد النهضة، وهو ما اعتبرته مصر تحرُّكا علنيا ضد مصالحها. ومع تحوُّل موقف الخرطوم ضد القاهرة، فقدت الأخيرة ورقتها الأهم للتعاطي مع الأزمة. في المقابل قطعت إثيوبيا الطريق أمام القاهرة بإغراءات اقتصادية وتحالفات سياسية مع الدول المجاورة لها، التي انحازت لأديس أبابا أو اكتفت بالوقوف على الحياد، لعلها تنال نصيبا من المكاسب المرتقبة جراء السد. فالطاقة التي سيُنتجها السد بقدرة نحو 6450 ميجاوات يمكنها أن تلبي احتياجات تلك الدول، وفي مقدمتها كينيا ورواندا وجيبوتي والسودان.

جعلت تلك التطورات أزمة السد ملفا مُلِحًّا أكثر من ذي قبل في القاهرة، وبينما بدأ التصدُّع في بنيان أديس أبابا الإقليمي مع اندلاع الصراع في إقليم تيغراي، أصبح النظام المصري أكثر استقرارا في الداخل، وبدأت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المصرية في التحرُّك سريعا لانتهاز الفرصة وإصلاح ما أمكن إصلاحه في ملف النيل بعد أخطاء عديدة متتالية على مدار العقد المنصرم.

السيسي وحمدوك

بحلول عام 2020، كانت القاهرة بلا حلفاء لها في أفريقيا قادرين على الضغط على إثيوبيا، وإجبارها على توقيع اتفاق مُلزِم حول تشغيل السد. لكن محاولة اغتيال فاشلة استهدفت رئيس الوزراء السوداني حمدوك قبل موعد الملء الأول لسد النهضة بثلاثة أشهر، في مارس/آذار من العام نفسه، كانت بمنزلة الثغرة التي تسلَّلت منها القاهرة إلى السودان، عبر زيارة لافتة قام بها اللواء عباس كامل، مدير المخابرات العامة المصرية، بعد يوم واحد فحسب. وقد قدَّم الوزير المصري خلال الزيارة عرضا حصريا بالتعاون الأمني في التحقيق في الحادث، وهو عرض سرعان ما قبله حمدوك على خلفية تفاقم الخلافات بينه وبين المجلس العسكري بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان. بعد يومين، جلس حمدوك في القاهرة إلى جوار السيسي، وبدا أن الرجلين يُغيِّران من حساباتهما؛ فالأول بدأ يُنحِّي ورقة أديس أبابا مُستفيدا من دعم القاهرة، بينما شرع الثاني في تحسين العلاقة مع الحكومة السودانية -التي باتت أمرا واقعا- بدلا من الرهان على المجلس العسكري وحده.

لم تنقطع زيارات حمدوك إلى إثيوبيا حتى ذلك الوقت، لكنه بدا محاصرا من الداخل، خاصة بعد طلبه مظلة أممية من مجلس الأمن تحمي السلام في السودان، لتكون فيما بدا ضمانا لعدم وقوع انقلاب عسكري عليه. وفي الوقت نفسه، اختار البرهان مصر والإمارات لزيارتهما في أول جولة خارجية له، وبعد نحو شهر من لقاء القاهرة، تكرَّرت زيارة مدير المخابرات المصرية إلى السودان، في ظل صمت رسمي من الجانبين عن أهداف الزيارة. لكن تسريبات مصرية مُتعمَّدة نطق بها مُقرَّبون من السلطة، أكَّدت أن القاهرة نجحت في تحييد حمدوك بعد أن كان داعما لوجهة النظر الإثيوبية فيما يخص السد، والدفع به ليكون وسيطا إيجابيا مُتفهِّما للمصالح المصرية.

سرعان ما أثبتت تلك التسريبات صحتها مع تغيُّر الموقف الرسمي السوداني على لسان حمدوك الذي أعلن تمسُّك بلاده بالمرجعية الأميركية لإكمال مفاوضات سد النهضة، وهو تحوُّل عُدَّ انقلابا في الموقف الرسمي السوداني تجاه الأزمة، حيث كانت الخرطوم قد أعلنت سلفا انحيازها إلى إثيوبيا ورفضت التوقيع على المسودة التي اقترحتها وزارة الخزانة الأميركية. وقد مَثَّل فقدان إثيوبيا ورقة السودان ضربة كبيرة لأديس أبابا، قبل أن يتفاقم التوتر بين البلدين على خلفية نزاع حدودي على أرض الفشقة السودانية، وهو ملف آخر زاد حِدَّة الاستقطاب بينهما. وبينما انشغلت أديس أبابا في الصراع الداخلي بإقليم تيغراي والمناوشات مع السودان، تحرَّكت مصر على قدم وساق في محيط إثيوبيا لاختراق المظلة التي دشَّنها آبي أحمد سريعا، واستعادة نفوذ أهملته القاهرة منذ عقود.

تخشى مصر في الصراع الحالي أن تتأثَّر حصتها من مياه النيل، مع ما قد ينجم عن ذلك من آثار كارثية على الزراعة في مصر، وهي تسعى إلى توقيع اتفاق مُلزِم لإثيوبيا بشأن إدارة السد. ورغم أن الخلاف بين الدول الثلاث وصل إلى ذروته، فإن مصر لم تخطُ فعليا خطوات على الأرض تُشير إلى اتجاهها نحو الحل العسكري الذي يواجه هو الآخر عقبات تكتيكية وسياسية. ويشي النشاط الدبلوماسي الأخير غير المسبوق بتوجُّهات القاهرة الحقيقية للتعاطي مع أزمة السد، إذ تنأى السياسة المصرية حتى اللحظة عن الضربة العسكرية ما لم تستنفد أوراقها كاملة وتستعيد ما فقدته جراء تجاهلها للمنطقة كذلك. في الوقت نفسه، تعاني إثيوبيا نفسها جراء أزماتها الداخلية، ما يجعلها عُرضة للضغط أكثر من أي وقت مضى من أجل اتفاق مُلزِم، ويُعزِّز ذلك الخيار الضغوط الأميركية من إدارة الرئيس جو بايدن للوصول إلى حل دبلوماسي، خاصة بعد الدور المصري في وقف حرب غزة.

تفادت القاهرة إذن طرح الحل العسكري الصعب حتى الآن، لكنها لم تتراجع عن فكرة تدويل القضية داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن إلى جانب إشراك الجامعة العربية. إلى جانب ذلك، تكشف سجلات الدبلوماسية المصرية خلال الأشهر الستة الأخيرة عن تحرُّكات مكوكية في أفريقيا، فقد عقد الرئيس المصري لقاءات مع قيادات السودان وجنوب السودان وجيبوتي والسنغال، وفي الفترة نفسها زار سامح شكري، وزير الخارجية المصري، كينيا وتونس وجزر القمر وجنوب أفريقيا والكونغو الديمقراطية رئيسة الاتحاد الأفريقي حاليا. يُضاف إلى ذلك تحرُّكات لافتة من اللواء عباس كامل، مدير المخابرات، إلى جنوب السودان وتشاد. وفي خطوة قوية، عزَّزت مصر علاقاتها العسكرية مع السودان وأوغندا وبوروندي وكينيا، وتُوِّجت جهودها بتوقيع أربع اتفاقيات عسكرية واستخباراتية، قادها الفريق محمد حجازي، رئيس أركان الجيش المصري.

تحدَّث مسؤول في الخارجية المصرية، وصفه موقع "المونيتور" برفيع المستوى، قائلا إن القاهرة أجرت اتصالات مع جيبوتي والصومال وإريتريا وبوروندي والسودان، في محاولة للضغط على إثيوبيا دبلوماسيا وسياسيا، ودفع آبي أحمد نحو التفاوض. وتكمن خطورة تلك التحرُّكات بالنسبة إلى إثيوبيا، ليس في تأثيرها المحتمل على قدرتها على الحفاظ على موقفها المُتشدِّد في قضية السد على المدى الطويل، ولكن أيضا فيما يُمثِّله الزخم والزحف المصري في تلك المنطقة من تهديد لمشروع إثيوبيا الإقليمي كُله، إذ تُعوِّل أديس أبابا على منطقة القرن الأفريقي للوصول إلى موانئ البحر الأحمر عبر جيبوتي وإريتريا، وهي دول لا ترغب إثيوبيا أن تجمعها صداقات وطيدة مع مصر تُتيح لها تعقيد التجارة الإثيوبية.

بدا الصعود المصري في القرن الأفريقي وحوض النيل لافتا أثناء الأشهر الأخيرة، وتُوِّج بزيارة هي الأولى من نوعها للسيسي إلى جيبوتي. ورغم أن جيبوتي دولة صغيرة، فإنها تمتلك موقعا محوريا قُرب مضيق باب المندب على طرق التجارة الرئيسية بين الشرق والغرب، وتُعوِّل عليها إثيوبيا باستمرار لتجاوز موقعها كونها دولة حبيسة. لا تقتصر تحرُّكات مصر على مسألة السد بالطبع، ولكنها تشمل أبعادا اقتصادية، مثل نشاط شركات المقاولات المصرية التي ستشارك في بناء مشروعات ضخمة في الدول الأفريقية، منها سد جيوليوس في تنزانيا، وسد "واو" في السودان الذي أنشأته شركة "المقاولون العرب" عام 2018، بتكلفة جاوزت المليار دولار، وقدَّمت فيه القاهرة منحة قدرها 26.6 مليون دولار.

بينما تعود الموازين لتميل إلى القاهرة بعد عقد مما بدا أنها مظلة إقليمية إثيوبية عصية على الاختراق، يبدو أن المنطقة ستسقط في ظلال التنافس المصري الإثيوبي لوقت طويل. أما سد النهضة، على أهميته الحيوية للأمن المصري، فليس وحده الورقة الإستراتيجية العالقة بين القاهرة وأديس أبابا، بل هو الصفحة الأولى والأبرز فحسب لتنافس جيوسياسي من الواضح أنه سوف يستمر طويلا.

المصدر : الجزيرة