آبي أحمد.. كيف سقط المشروع القومي في إثيوبيا؟

في صبيحة اليوم التالي لانتخابات الرئاسة الأميركية عام 2020، وبينما استمر عدُّ أوراق الاقتراع في عدد من الولايات غير المحسومة؛ استيقظ إثيوبيون كُثُر في الولايات المتحدة على أنباء سياسية محزنة أتتهم من بلادهم، بعدما أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي "آبي أحمد" هجوما عسكريا على تيغراي، الإقليم الواقع في أقصى شمال إثيوبيا. في الأشهر السِّت التالية، تفاقمت التوترات الموجودة بالفعل قبل تولي آبي أحمد الحُكم، الذي علَّق عليه الكثيرون آمالهم في معالجتها. الآن، تسير الأوضاع السياسية في إثيوبيا في طريق ذي عواقب وخيمة على المدنيين في منطقة القرن الأفريقي، وذي آثار كارثية بالنسبة للإثيوبيين في الشتات.

نشر آبي أحمد عبر فيسبوك منشورا بعد دقائق معدودات من قطع خدمات الهاتف المحمول والإنترنت في معظم أرجاء تيغراي قال فيه إنّه أمر بنشر القوات الفيدرالية في الإقليم أثناء الساعات الأولى من صباح 4 نوفمبر/تشرين الثاني لمواجهة العدوان المستمر الذي يشنه الحزب السياسي المتمرد في الإقليم، "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي". وقد اتهم آبي الجبهة بشن هجمات بعينها على أحد معسكرات الدفاع الفيدرالي، بالإضافة إلى اتهامات أخرى مُبهمة مثل تجاوز "الخط الأحمر الأخير"، وإجبار حكومته على الاستمرار في "سياسة الصبر القصوى". ووصف رئيس الوزراء العمل العسكري بأنه عملية موجَّهة غرضها الوحيد الإطاحة بحفنة منشقين من السلطة. ورغم التعنيف الصريح الذي وجَّهه آبي أحمد في منشوره للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، فإن المنشور تضمَّن أيضا الإشارة إلى مداواة الأمة الإثيوبية والتقدُّم بشعبها إلى الأمام بـ "روح هادئة".

ظهرت صورة أخرى أكثر إثارة للقلق بعد أشهر من إطلاق آبي أحمد وعده الأول بـ "حماية البلاد والإقليم" عن طريق إبعاد الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، إذ تُشير إفادات الشهود، وتقارير من منظمات حقوق الإنسان والحكومة الأميركية، وصور الأقمار الصناعية من مناطق القتال، إلى حملة عنف أوسع بكثير ضد مدنيي تيغراي ومستشفياتها ومدارسها ودور العبادة فيها. وقد أدان وزير الخارجية الأميركي "أنطوني بلينكن" ما سمَّاه "أعمال التطهير العِرقي"، داعيا إلى صلاحيات غير مقيدة لدخول المساعدات الإنسانية إلى تيغراي، وإجراء تحقيق مستقل في انتهاكات حقوق الإنسان المزعومة. هذا وأنكرت وزارة الخارجية الإثيوبية هذه الاتهامات واصفة إياها بأنها "زائفة ولا أساس لها من الصحة"، في حين اعترف آبي أحمد لاحقا بـ "ارتكاب فظائع في إقليم تيغراي"، وبأن قوات إريتريا، الجارة الملاصقة لإثيوبيا، ألحقت "الدمار" بسكان الإقليم.

حدَّثني رجل تيغراني من العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في مكالمة عبر تطبيق "سيغنال"، شريطة عدم الكشف عن هويته خوفا من التهديد الأمني، قائلا إن عنف مسلحي الدولتين لا يقتصر على المواقع الإستراتيجية فحسب، وأضاف أن العنف انتشر في معظم أنحاء الإقليم، مستشهدا بالمصانع والمنازل ودور العبادة المقدسة التي رآها مدمرة في قريته "أكسوم" قائلا: "نحن مضطرون إلى السير على جثث كثيرة إذا ما نزلنا إلى الشارع، حتى الحيوانات لا تُقتل بهذا الشكل".

بالإضافة إلى روايات الناس عن الانتهاكات الإنسانية وحزنهم على أحبائهم، فإن عشرات ممن تحدَّثت إليهم في الأسابيع الأخيرة عبَّروا عن ألم آخر يعتصرهم في صمت: الخيانة التي يشعرون بها جراء خسارتهم للرؤى المشرقة التي حلموا بها لمستقبل بلدهم. حينما تقلَّد آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018، بدت أديس أبابا غارقة في حالة هوس بآبي أحمد سُمِّيَت "آبي مانيا". في تلك السنة، اكتست سيارات الأجرة كلها تقريبا بملصقات تحمل اسم آبي أحمد أو صورته، كما انتشرت قمصان له أيضا بأشكال وألوان متنوعة. وفي غضون أشهر قليلة من تولّي ذاك الإصلاحي الشاب المفعم بالنشاط، أطلق سراح السجناء من السياسيين والصحافيين، وأنهى حالة الطوارئ التي فرضها النظام السابق، وصاغ آبي رؤيته التي أطلق عليها اسم "مِدِمِر" أو "التآزر"، في وصفه لإثيوبيا التي يأمل أن يقود الشعب للوصول إليها.

في أغسطس/آب من ذلك العام، غُطِّيَت زيارة آبي أحمد إلى الولايات المتحدة إعلاميا، بما في ذلك العاصمة واشنطن، موطن أكبر جالية إثيوبية في العالم، وتحدَّث الرجل في ذلك اليوم أمام آلاف المحتشدين في مركز والتر واشنطن للمؤتمرات قائلا: "اليوم، إذا قرَّرتم جميعا سلوك مسار الالتئام، فإننا سنكتب قصة جديدة معا كوننا إثيوبيين.. إذا أردتم أن تكونوا فخر جيلكم، فعليكم اختيار أن يكون الأورومو والأمهرة والوُلايتا والغُراجي والسيلتي جميعا إثيوبيين متساوين.. ما يحتاج إليه الإثيوبيون هو الاتحاد". كان الشعب الإثيوبي على أهبة الاستعداد لقائد مثل آبي أحمد بعد عقود من الصراع السياسي، لا سيما بين أقاليم الدولة المختلفة.

وقد استجابت الجالية الإثيوبية لخطط أحمد من أجل إثيوبيا بتفاؤل غامر. وتستعيد "إيدن كاسَّا"، سيدة تيغرانية تعيش في العاصمة واشنطن منذ سنوات مراهقتها، هذه الاستجابة المتفائلة بوضوح، حيث قالت لي في نهاية يناير/كانون الثاني بعد عودتها من تيغراي: "أتذكَّر عندما انتُخب آبي أحمد وألقى علينا خطابه الرائع، ابتلع الجميع الطُّعم".

يُشكِّل التيغرانيون 6% من السكان في إثيوبيا الذين يفوق تعدادهم 112 مليون نسمة، بيد أنهم أثَّروا تأثيرا ملحوظا في قطاعات كبرى حكومية وخاصة، بما فيها الحكومة الفيدرالية، لمدة ثلاثين عاما تقريبا، إذ وصلت "الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية" إلى الحكم عام 1991 بوصفها حكومة مؤقتة بعد الإطاحة بالديكتاتورية العسكرية الوحشية المعروفة باسم "الدِرغ" (الحكومة العسكرية لإثيوبيا الاشتراكية آنذاك)، وتولَّى تيغرانيون في السنوات التالية لسقوط الدِرغ قيادة "الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية". وقد وسَّع رئيس الوزراء السابق "مِلِس زيناوي"، الذي شغل أعلى منصب وطني حتى وفاته عام 2012، من سلطات الحكومة المركزية، وفعل ذلك أحيانا بحملات قمع عنيفة للمتظاهرين والصحافيين. أما خليفته "هايلي مريام ديسالين"، فأعلن رسميا عن "الخطة الشاملة الكاملة لتنمية أديس أبابا"، التي سعت إلى توسيع العاصمة عبر الاستيلاء على أرض تابعة لمنتمين لعِرقية الأورومو، ومن ثمَّ تهجير سكانها الأصليين. ولذا ساهمت التظاهرات المناهضة للحكومة ردا على الخطة المُزمعة في استقالة ديسالين عام 2018.

حلَّ آبي أحمد محل ديسالين عن طريق نداءاته العاطفية والحماسية إلى جموع الإثيوبيين ومخاطبة رغبتهم في السلام والعدالة والازدهار. وينتمي أحمد إلى عِرقية الأورومو، وعُيِّن في المنصب بواسطة حزب الأورومو الديمقراطي، وهو حزب سياسي آخر ضمن تحالف "الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية" الحاكم، الذي فاز مع حلفائه بمقاعد البرلمان كاملة في انتخابات عام 2015. وقد مَثَّل صعود آبي أحمد إلى قمة هرم السياسة الوطنية صفحة جديدة في تاريخ الجماعة العِرقية التي طالما هُمِّشَت تاريخيا، رغم أنها أكبر جماعة عِرقية في إثيوبيا. ولذا، في وقت تعيين آبي أحمد في المنصب، لم يكن التيغرانيون وحدهم المتحمسين لدعوات أحمد للشعب الإثيوبي إلى الاحتفاء بتنوُّعه وقيمه المشتركة. وكان تشبيه كاسَّا لآبي أحمد بـ "أوباما إثيوبيا" في محله؛ إذ أصبح أحمد بالنسبة إلى كثير من الإثيوبيين في الداخل، وبين الجاليات في الخارج، رمزا لذلك المجتمع السلمي المُتخيَّل والمتعدد الأعراق، الذي لم يبدُ أنه قريب المنال في الحقبة التي سبقت آبي أحمد وتأكيده تنوُّع الجماعات الثقافية في البلاد.

آبي أحمد

بالإضافة إلى الحماسة التي نشرها أحمد بين الإثيوبيين، جذب نهجه السياسي القائم على التوافق والمصالحة اهتماما من خارج البلاد وبين الجاليات الإثيوبية، فقد حصل عام 2019 على جائزة نوبل للسلام عن مبادرته لرأب الصدع مع الرئيس الإريتري "أسياس أفوِرقي"، وهما البلدان اللذان طالما اتسمت علاقتهما بالعداء، حيث خاضت الدولتان حربا ضارية لمدة ثلاثين عاما بعد ضم الإمبراطور هيلا سِلاسي إريتريا إلى إثيوبيا عام 1962. وظلَّت الحدود الإريترية -المتاخمة لتيغراي- مسرحا للتوترات، حتى بعد حصول إريتريا على استقلالها. وإلى جانب الانتفاضات الأحدث للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي ضد الحكومة الفيدرالية الإثيوبية، فإنها هاجمت إريتريا مرارا أثناء العقود الماضية، ومن ضمن أسباب هجماتها تلك إصرار أفوِرقي المتواصل على الخدمة العسكرية الإلزامية لكل المواطنين الإريتريين. ومع الأخذ في الاعتبار عمق هذا العداء، فقد بدا اتفاق السلام بعيد المنال قبل آبي أحمد والمودة التي أظهرها لأفوِرقي، الذي ظل رئيسا لبلاده ثلاثة عقود متتالية منذ استقلالها.

أكَّد جميع مَن تحدَّثت معهم في إثيوبيا صحة التقارير التي أفادت بأن الجنود الإريتريين شاركوا مع قوات الدفاع الوطني الإثيوبية في السيطرة على تيغراي، حتى قبل إعلان ذلك من قِبَل رئيس الوزراء في نهاية مارس/آذار. ويكشف وجود جنود إريتريين في أكسوم ومقلّي والعدوة وغيرها من مدن تيغراي عن وجه آخر مُقلِق لفوز أحمد بجائزة نوبل، إذ يتساءل حاليا كثيرون من أفراد الجاليتين الإثيوبية والإريترية بقلق حول طبيعة الانفراجة بين أحمد وأفورقي عام 2018 وما إن كانت في الحقيقة مدبَّرة، جزئيا على الأقل، بهدف تنسيق الهجوم نهاية 2020 على عدوهم المشترك، الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وبالتبعية بقية إقليم تيغراي، بما في ذلك اللاجئون الإريتريون الفارون من نظام أفورقي القمعي قبل اندلاع النزاع الحالي.

تبدو الآن النشوة التي تخلَّلت الشهور الأولى لأحمد في المنصب، حينما استنكر القائد المُعيَّن حديثا العنف العِرقي المستفحل في البلاد، مجرد ذكرى بعيدة، في الوقت الذي تستنكر فيه علنا شخصيات إثيوبية شهيرة، لا سيما من التيغرانيين، عنف إدارته، أو يتبرعون بمبالغ كبيرة لمعالجة الكارثة الإنسانية التي تسبَّبت فيها. وقد أعلن "برهان كيداني مريام"، نائب رئيس البعثة الإثيوبية إلى الولايات المتحدة، استقالته من منصبه قبل بضعة أسابيع، وكتب قائلا: "من المفارقات أن رئيس الوزراء الذي وصل إلى المنصب مُتعهِّدا بالوحدة هو نفسه الذي فاقم مُتعمِّدا الكراهية بين الجماعات المختلفة، إذ حاولت الحكومة، عن طريق استخدام مسلحي الأمهرة لمهاجمة تيغراي، ترسيخ العداء بين الأمهرة والتيغرانيين. وحاول رئيس الوزراء عمدا زيادة العداء بين عامة الشعب من التيغرانيين والإريتريين، وذلك عبر إقحام إريتريا في هذه الحرب، والسماح لجيشها بارتكاب أعمال وحشية وتدمير تيغراي تدميرا غاشما".

إن العدوان الجاري على تيغراي ليس سوى عدوان جديد -رغم أنه يُعَدُّ الأشهر حتى الآن- ضمن سلسلة من الهجمات المدفوعة إثنيا في شتى أنحاء البلاد، التي ما انفكت تُبدِّد وهم الجمهورية الموحَّدة. وبحسب التقارير، فحينما اندلعت التظاهرات عقب مقتل المغني والناشط الأورومي "هاشالو هونديسا" العام الماضي، اعتُقل الآلاف من الأورومو وقُتل مئات آخرون منهم. وظهرت تقارير في نوفمبر/تشرين الثاني، قبل أيام من بدء الهجوم الذي أعلنه آبي أحمد على تيغراي، تُفيد بوقوع مذبحة في ولاية أوروميا استهدفت عشرات الأشخاص من المنتمين إلى الأمهرة، ثاني أكبر جماعة عِرقية في البلاد. وقد أعلنت إثيوبيا في إبريل/نيسان الماضي حالة الطوارئ في أمهرة عقب اندلاع العنف العِرقي في الأجزاء الجنوبية من الإقليم، حيث يعيش الكثير من شعب الأورومو. كما تردَّدت تقارير تُفيد بأن الجماعات المتمردة قتلت مدنيين أمهريين في مناطق أخرى متفرقة من البلاد.

كما كتب "أيانتو أيانا"، طالب الدكتوراه الأورومي، في أغسطس/آب الماضي: "الآن، ومع ظهور وجه آخر لآبي أحمد، فقد تلاشى بصيص الأمل الذي منحه ما كان يفترض أنه تحوُّل انتقالي نحو الديمقراطية التشاركية، بعد أن أومض لوهلة". ومثله مثل أيانا، لا يثق "أبتِوْ" في إمكانية حماية الحكومة الإثيوبية لمواطنيها، ويقول، مع ذلك، إن الإثيوبيين داخل البلاد وخارجها بوسعهم الالتفاف حول هدف قاتم، وهو تأكيد روايات بعضهم بعضا عن مأساة أعمال العنف التي تُنكر الحكومة ارتكابها، يقول أبتِوْ: "إن كنت إثيوبيًّا، فذلك يعني أنك تعلو على أي جماعة سياسية. ولو لم أشعر بالمرارة والألم لما يحدث في تيغراي لمجرد أنني من الأورومو، فهذا يعني أنني شخص زائف، وأنني لست إثيوبيًّا. فهذا غير منطقي سياسيا ولا حتى أخلاقيا".

يُشير اتساع وشدة الهجمات التي تُنفِّذها قوات الدفاع الوطني الإثيوبية والجيش الإريتري على تيغراي إلى تجاوزها أي منطق قد يُفسِّرها باعتبارها مجرد تحرُّك سياسي يهدف لتخويف حزب معارض. كما أنها ضربت عرض الحائط بحدود الروابط الوطنية والإقليمية. وقد شهدت مواقع التواصل الاجتماعي صراعا حول السردية الإثيوبية الرسمية، ما يعكس الهُوَّة بين الإثيوبيين في الشتات. أما رئيس الوزراء فحاز دعما مُتحمِّسا من بعض الإثيوبيين الذين إما يُنكِرون الفظائع التي تُرتَكب في تيغراي وإما يجادلون بأن مدنيي الإقليم يستحقون العنف بسبب الوحشية التي طالما أدارت بها الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي السياسة الإثيوبية في الماضي. ويوثِّق هؤلاء الداعمون التظاهرات التي يحتشد فيها الإثيوبيون وبعض الإريتريين للتنديد بالجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وإعلان ولائهم للحكومة الوطنية. من جهة أخرى، يُفنِّد ويدحض آخرون التقارير التي تتحدَّث عن العنف الذي يستهدف الأمهرة. فعلى تطبيق "كلَب هاوس"، سمح النهج المتساهل مع بروتوكول أمان المستخدم بفتح نقاشات حول استخدام كلمة "الإبادة"، كما انتشرت الغرف التي تناقش، على سبيل المثال، "لماذا يجب أن يُباد الأمهرة؟".

يُعبِّر تيغرانيون كُثُر، حينما يستطيعون التواصل مع مَن هم خارج الإقليم، عن شعورهم بتخلي أصدقائهم عنهم في شتى أنحاء البلاد، ويقول "جِبريكيرستوس جِبريسِلاسي"، الذي يُدير موقعا إلكترونيا لتأريخ الحرب من منزله في أمستردام، إن الكثير ممن عرفهم لسنوات التزموا الصمت تماما وهُم يرونه مع تيغرانيين آخرين يُعبِّرون علنا عن أساهم وحزنهم عبر الإنترنت، فيما يرسل آخرون إليه رسائل يُعبِّرون فيها عن ابتهاجهم للإطاحة بالجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، يقول جبريسِلاسي: "إنهم يضعون الملح على جروحنا، وهو أمر مؤلم بشدة". وفي بعض أنحاء الولايات المتحدة، أخبرني متظاهرون تيغرانيون، ممن ينتمون إلى كنيسة التوحيد الأرثوذكسية الإثيوبية، أنهم يفكرون في الانفصال عن طائفتهم، مُعلِّلين موقفهم بعدم الارتياح الذي يشعرون به عندما يشاهدون تأييد رجال الدين علنا لعدوان الحكومة.

كما أعرب "إسكندر نِجاش"، الرئيس الإريتري الأميركي للجنة الأميركية للاجئين والمهاجرين، عن قلقه مما يُشكِّله النزاع في تيغراي من عواقب باقية الأثر على المواطنين العادين، بغض النظر عمَّا سيحدث مع الحكومة أو بعد الانتخابات الوطنية المرتقَبة في يونيو/حزيران. (تجدر الإشارة إلى أنه لم تُجرَ أي انتخابات وطنية منذ صعود آبي أحمد للسلطة، إذ أُلغيت انتخابات العام الماضي على خلفية جائحة كورونا، لكن في سبتمبر/أيلول الماضي تحدَّى المجلس الإقليمي في تيغراي التحذيرات الفيدرالية وأجرى انتخاباته، التي فازت فيها الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بجميع المقاعد المتنافس عليها). يقول نِجاش، الذي نشأ في إثيوبيا: "أعتقد أن قبول حمّام الدم هذا جارٍ على قدم وساق، لقد تبلَّدت مشاعرنا"، كما عبَّر لي عن خوفه من عدم وجود نهاية في الأفق لهذه الأزمة.

يصعب بالنسبة لكثيرين تصوُّر طريق لالتئام الشروخ العميقة التي طالما اتسمت بها الأمة الإثيوبية، التي يبدو أن تجاهلها الآن بات أصعب. ويكمُن لُب الكثير من الصراعات الاجتماعية الداخلية في الرغبة المُلِحَّة للاعتراف بها ابتداء: فعلى مدار تاريخ إثيوبيا، شهدت كثير من الجماعات العِرقية مآسي وكوارث، واتُّهِموا بعد ذلك بأن آلامهم ليست حقيقية، أو أنهم اجترَّوها على أنفسهم. على سبيل المثال لا الحصر، أحد الأشياء التي تقع عليها عيون زوَّار إثيوبيا حين يقتربون من مقر الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا هو تمثال شاهق لهيلا سِلاسي. تغيب إذن أي مصالحات أو مراجعات مُجدية أمام العنف الذي شكَّل إثيوبيا الحديثة، ومع الفظائع التي وقعت مؤخرا، فإن هذه الصدمات القومية الجديدة قد لا تشهد مصالحة ومراجعة صادقة هي الأخرى، وكما صاغها لي نِجاش: "أعتقد أن الأمر سيتطلَّب رحلة بحث عميقة في قضية الهوية وما يعنيه أن تكون إثيوبيًّا".

—————————————————————————————————

هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أطلق رئيس وزراء إثيوبيا أبي أحمد وعدا مثيرا ببناء قوات بحرية لبلده الذي لا يملك أي سواحل على البحر، غير أن هذه الجهود سرعان ما دخلت في حقبة من الجمود، وهو ما أثار تساؤلات حول مدى تحقيق هذا الوعد؟

3/6/2021

يُدرك المتابع لأزمة سد النهضة بين كلٍّ من السودان ومصر وإثيوبيا أنها ليست وليدةَ السنوات القليلة الماضية، لكنّ أحدا لم يكن يدري على وجه الدقة متى زُرعت بذور هذه الأزمة.. إليكم القصة من البداية.

10/7/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة