المصالحة المصرية التركية.. هل نشهد لقاء قريبا بين السيسي وأردوغان؟

في مايو/أيار عام 2013، وعلى متن طائرة عسكرية انطلقت من مطار ألماظة العسكري -شرق القاهرة- أقلَّت 11 مسؤولا من قيادات الجيش المصري إلى تركيا، كان ثمة رجل وحيد رتَّب له الأتراك لقاء مُنفرِدا مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مهمة خاصة أوفدته بها الرئاسة المصرية، ضمن مساعي توسيع العلاقات العسكرية بين البلدين. بعد شهرين من ذلك اللقاء، لم يتوقَّع الأتراك أن الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع المصري الذي كُلِّف بتلك المهمة، سيقود عملية خلع الرئيس محمد مرسي، ثم الاستعانة بالأموال الخليجية لضرب الخطط التركية في المنطقة. أمام تلك الضربة المفاجئة، ثارت أنقرة وحاولت دفع مجلس الأمن دون جدوى إلى فرض عقوبات على السيسي، لترد مصر بطرد السفير التركي من أراضيها، ومن ثمَّ بدأت صفحة التوتر السياسي الأشد بين البلدين منذ تأسيس جمهوريتَيْهما.

ولكن بعد ثماني سنوات من اللقاء الذي لم يتكرَّر حتى الآن، تغيَّرت حِدَّة الخطاب السياسي بين البلدين، ومعها تبدَّلت أدوات كل طرف للتعاطي مع الآخر، خاصة مع استمرار المصالح الاقتصادية التي حافظ عليها التمثيل الدبلوماسي المنخفض بينهما. فقد أرسلت تركيا مؤخرا وفدا دبلوماسيا رفيع المستوى لإعادة العلاقات إلى مجاريها واستكمال الترتيبات القديمة لتوفيق مسارَيْ البلدين إستراتيجيًّا، لا سيما في شرق المتوسط، وهي المهمة التي سبق وناقشها أردوغان مع السيسي في اللقاء الغابر، لكن الأخير وقتها كانت له ترتيبات أخرى، وقناعات ربما لم تهتز حتى اللحظة. بيد أن الوقت قد حان، فيما يبدو، لكي تفرض حاجة البلدين إلى الشراكة في ملفات عدة نفسها، وأن تتراجع المركزية التي حظيت بها التفضيلات والرؤى الشخصية على مدار العقد المنصرم.

وصلت حِدَّة الخلافات بين أنقرة والقاهرة إلى الذروة عقب توقيع الأخيرة اتفاقا لترسيم الحدود البحرية مع اليونان في أغسطس/آب من العام الماضي، وهو الاتفاق الذي أثار حفيظة تركيا واعتبرته باطلا كونه يشمل مناطق تعتبرها ضمن نطاق جرفها القاري. كان تَردِّي العلاقات تفاقم بالفعل بعد توقيع تركيا اتفاقية ترسيم للحدود البحرية مع الحكومة الليبية في طرابلس عام 2019. بيد أن الأحداث اللاحقة حملت مفاجأة لتركيا؛ إذ نشرت الجريدة الرسمية المصرية نص اتفاق تعيين الحدود البحرية مع اليونان، وتبيَّن أن الاتفاق لم ينتهك الجرف القاري التركي على غير ما ظنَّت أنقرة، كما اتضح أن ما أُبرِم بين البلدين لم يكن أكثر من تعيين جزئي للحدود ليس إلا، مع إضافة بند يسمح بتعديل الاتفاق مستقبلا إذا دخلت إحدى الدولتين الموقِّعتين في مفاوضات مع طرف مجاور لترسيم الحدود، وهي إشارة تلقَّتها تركيا بإيجابية، وتشي إلى أنها لم تغِب كُليًّا عن أذهان صانعي الاتفاق المصريين، فسارعت إلى فتح باب جديد للتفاوض مع الحكومة المصرية.

أمام تلك المكاسب المتوقَّعة من سيناريو التقارب مع مصر، غيَّرت تركيا خلال الأشهر الستة الماضية لهجة التصعيد المتواصلة على مدار سبع سنوات هي مدة بقاء السيسي في الحكم. وبدأ تعاطٍ تركي جديد من أجل التقارب مع مصر بُغية تحقيق أهداف إستراتيجية تسعى تركيا لتحصيلها في عدة ملفات إقليمية، وترى أن مفاتحها حاليا في يد القاهرة. وقد تحدَّث صحفيون أتراك مؤيدون للحكومة التركية إلى "ميدان" حول رؤيتهم عن مدى واقعية المقاربة الأخيرة، واعتبروا أن مسار التهدئة الحالي لا يمكن وصفه إلا بالتقارب الحَذِر بين نظامين متنافسين في المنطقة. ومن ثمَّ من المبكر الحديث عن إمكانية تحوُّله إلى علاقة دافئة، فيقول أحدهم، شريطة عدم الكشف عن هويته: "لا تزال تركيا تريد الكثير من مصر، لكن أغلب تلك المطالب لا يمكن فعليا الحصول عليها، لأنها تضر تحالفات نظام السيسي الحاكم".

يؤيد الطرح السابق الاستجابة المصرية الحَذِرة للمبادرة التركية، رغم أن أنقرة أبدت استعدادها لتنفيذ بعض مطالب القاهرة، وأبرزها فرض قيود على قنوات التلفزيون المصرية المعارضة الموجودة على أراضيها، وإجبارها على تخفيف حِدَّة الانتقادات الموجَّهة إلى السيسي. لكن القاهرة كان عليها أن تُقدِّم بوادر حُسن النية الخاصة بها أيضا، مثل كبح الدعاية الداخلية المضادة لتركيا، وإطلاق بعض المبادرات الدبلوماسية مثل الاتصال الذي جرى بين وزيرَيْ خارجية البلدين، ورسالة الشكر التي وجَّهها رئيس الوزراء المصري إلى أردوغان. يبدو الطريق مفتوحا إذن أمام إزالة الأشواك على الطريق بين البلدين من أجل شراكة دبلوماسية في الملفات الجوهرية لكليهما مثل ليبيا وشرق المتوسط، في وقت خفتت فيه التوقُّعات التي انتشرت خلال العامين الماضيين حول احتمالية اصطدام عسكري بين الطرفين ولو بصورة غير مباشرة.

خلال الزيارة الأخيرة للوفد التركي إلى القاهرة، ناقش الأتراك مع المصريين المفاوضات بشأن تقسيم الحدود البحرية، وهي قضية إستراتيجية لأنقرة التي تمتد سواحلها بطول 1200 كم قاطعة المساحة الأكبر في شرق المتوسط، لكن حدودها البحرية مُقيَّدة بفعل عشرات الجُزُر الواقعة تحت السيادة اليونانية. بالإضافة إلى ذلك، تمنح اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 الحق لجميع الدول، سواء كانت ذات رصيف قاري أو صاحبة جُزُر، في امتلاك 12 ميلا بحريا (نحو 22 كم) ضمن سيادتها، إضافة إلى منطقة اقتصادية خالصة عُمقها 200 ميل بحري (30.4 كم)، ولأن مساحة البحر المتوسط ضيقة لا تصل إلى 200 ميل بحري بين الدول وبعضها، لذا اعتُمِد خط المنتصف مقياسا لحساب الجرف القاري.

تخضع بنود اتفاقية قانون البحار لتفسيرات عديدة، وقد خاضت العديد من الدول حروبا دبلوماسية لم تنتهِ إلى الآن لتعزيز مكاسبهم المائية في إطارها، فيما رفضها البعض كلية كما تفعل تركيا. فبينما تُصِرُّ أنقرة على أن يكون البر هو مقياس الحساب الرئيس للجرف القاري وليس الجُزُر التابعة له، تتبنَّى اليونان ومعها قبرص وإسرائيل الرواية الأخرى باعتماد الجُزُر معيارا لذلك. ويتمحور الخلاف التركي-اليوناني في شرق المتوسط حول جزيرة "كاستيلوريزو" التي تبعد 500 كم عن اليونان ونحو كيلومترين فقط عن الشواطئ التركية؛ ما يحرم تركيا الاستفادة من منطقتها الخالصة وفقا للقانون الدولي. ولذا رفضت الأخيرة التوقيع على اتفاقية الأمم المتحدة، مُتكبِّدة عقوبات من الاتحاد الأوروبي جرّاء أنشطة التنقيب التي تُجريها فيما تعتبره منطقتها الخالصة، ويعتبرها الاتحاد تابعة لليونان وفق قانون البحار.

في حال أقنعت تركيا مصر بتوقيع اتفاق بحري منحاز للرؤية التركية، على الأقل فيما يتعلَّق بكوستيلوريزو، تكون بذلك قد وجَّهت ضربة كبرى لخصومها في شرق المتوسط، وخلقت وضعا إقليميا ضاغطا على اليونان لتقديم التنازلات في ملف تلك الجزيرة، لا سيما أنها قدَّمت تنازلات شبيهة بالفعل أثناء ترسيم الحدود مع إيطاليا. سيضمن اتفاق كهذا لتركيا الفكاك من حبسها المائي وعُزلتها الإقليمية معا، كما أنه قد يُعرقِل مشروع خط أنابيب الغاز الإسرائيلي "إيست ميد" المنافس للمشروع التركي "ممر الغاز الجنوبي" لنقل 31 مليار متر مكعب من غاز أذربيجان إلى أوروبا، وهو مشروع يتحدَّى طموحات تركيا في التحوُّل إلى مركز طاقة إقليمي. أما مصر، فلن يضيرها نظريا سباق الأنابيب نظرا لاعتمادها على تصدير الغاز المُسال، لكنها تستفيد بصورة غير مباشرة من عرقلة المشروع الإسرائيلي بطبيعة الحال.

بالحديث عن الاقتصاد، ظلَّت المصالح الاقتصادية بمنأى عن الصراع بين البلدين طيلة السنوات الثمانية الماضية، إذ تجاهل النظام المصري مطالب برلمانية بإلغاء اتفاقية التجارة الحرة الموقَّعة مع تركيا، التي وصلت فعليا إلى إعفاء البضاعة التركية من الرسوم الجمركية في يناير/كانون الثاني العام الماضي. ويحتج منتقدو الاتفاقية في مصر بأنها تنحاز تماما لمصلحة المُصدِّرين الأتراك على حساب الصناعة المصرية. هذا وتقترب قيمة التبادل التجاري بين البلدين من 5 مليارات دولار سنويا مُرشَّحة للزيادة، كما أن مصر مُرشَّحة إلى جانب ليبيا لتكون مركزا لوجستيا للصادرات التركية نحو أفريقيا، ضمن مخططات أنقرة لنقل منتجاتها إلى 53 دولة أفريقية يبلغ مجموع عدد سكانها نحو مليار نسمة، وهي خطة تصُب من جهة في جهود مصر للتوسُّع جنوبا في أفريقيا، لكنها قد تُشعِل تنافسا تجاريا معها إن قرَّرت مصر الاتجاه نحو تصدير منتجاتها إلى القارة هي الأخرى.

ورغم ذلك، ثمة أسباب عديدة تعوق التقاء النظامين المصري والتركي حاليا لتشكيل شراكة إستراتيجية رُغم المجالات الحيوية التي تُحفِّز التقاءهما. أولها بالطبع الاختلافات الأيديولوجية المُتمثِّلة في دعم تركيا للإسلام السياسي، واستضافتها قيادات جماعة الإخوان المسلمين على أراضيها، مقابل القمع التام لهذا التيار في مصر. وهنالك أيضا عداء شخصي واضح يجمع السيسي وأردوغان بعد سنوات من التراشق الإعلامي بين العاصمتين. ومن ثمَّ فإن الوصول إلى معادلة يربح فيها الطرفان عبر المباحثات الأخيرة يبدو أمرا صعبا؛ فملف شرق المتوسط الذي يأتي على رأس أولويات تباحث تركيا مع مصر، أبدت الأخيرة فيه "شروطا صعبة" لم تقبلها أنقرة حتى الآن. وبحسب ما نشره موقع "العربية" السعودي نقلا عن مصادر مصرية، تمسَّكت القاهرة بدخول قبرص واليونان أي مفاوضات مع تركيا بشأن ترسيم الحدود البحرية، في إشارة إلى أنها لا تريد الدخول في صراع مع تلك الدول التي تجمعها بها علاقات جيدة، وهي علاقات ستتوتَّر بالطبع حال إبرام اتفاق مصري-تركي قد يقتطع مساحات بحرية من اليونان على الأقل.

بخلاف ذلك، من شأن توقيع مصر اتفاقا بحريا مع تركيا أن يُوسِّع المنطقة الاقتصادية الخالصة لتركيا، ويدعم خططها في التحوُّل إلى مركز إقليمي لتجارة الغاز؛ ما يعني تنافسا شرسا على المدى البعيد بين دولتين لديهما الهدف نفسه. وقد بدأت المنافسة بالفعل مُذ أعلنت مصر اكتفاءها الذاتي من الغاز منتصف عام 2019، بيد أن المشكلة الأخرى التي تُواجِه مصر هي أن مشروع "إيست ميد" الإسرائيلي المُقرَّر دخوله الخدمة عام 2025 يُهدِّد أيضا طموحات القاهرة ومساعيها. بل لعل سلسلة المصالحات الجارية بين تركيا وجيرانها تُفضي إلى تقارب تركي إسرائيلي في ملف الطاقة من شأنه أن يُهدِّد مصر أكثر من دخول تركيا مُنفرِدة على خط المنافسة، وقد عرض وزير الطاقة الإسرائيلي بالفعل عرضا بهذا الشأن تتجاهله أنقرة حتى اللحظة. ومن ثمَّ ستُفضِّل مصر في الأخير التعاطي بإيجابية مع تركيا بدلا من خسارتها لصالح تل أبيب.

بالانتقال إلى ليبيا؛ جرت تفاهمات بعيدة نسبيا عن الأضواء بين البلدين، وساهمت في الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في مدينة سرت -وسط ليبيا- عقب الهزيمة التي لحقت بقوات حفتر على يد حكومة الوفاق التي دعمتها أنقرة. ومن هُنا، من المتوقَّع أن تطورات المرحلة الانتقالية في ليبيا قد تفتح أُفقا للتنسيق بين الطرفين، لكنها ستحمل كذلك بذور حرب باردة بينهما داخل الساحة الليبية بسبب ملفات عدة على رأسها ملف إعادة الإعمار، إذ يُعَدُّ ذلك الملف أولوية للحكومة المصرية في السنوات الأخيرة، وتطمح عبره مصر إلى إرسال مليونَيْ عامل ونحو 500 شركة، وهي طموحات ستصطدم برغبة أنقرة في الحصول على نصيب من هذه الكعكة.

يكمن الهدف الإستراتيجي بعيد المدى لهذا التقارب من وجهة نظر أنقرة في السعي لتعويض ما خسرته من نفوذ سياسي داخل بُلدان العالم العربي المركزية، وترسيخ شرعية تحرُّكاتها العسكرية لا سيما في شرق المتوسط. أما ليبيا، فيقول المُتحدِّث باسم الرئيس التركي إن التقارب مع مصر يساعد على إنهاء الحرب الدائرة في ليبيا، وإن تركيا تريد ببساطة إخراج المرتزقة جميعا بالتوازي مع إقصاء حفتر، مع إبقاء وجودها العسكري الرسمي. وقد كان البند الأخير ضمن رسائل حملها صراحة الوفد التركي إلى القاهرة، وأكَّدها وزير الخارجية التركي من برلين، ورفضتها مصر بشدة على اعتبار أن الحضور العسكري التركي غير مرغوب فيه في بلد يُعَدُّ مجال نفوذ مصري مباشر. مرة أخرى، تفتح المصالحة آفاق التنسيق والتفاوض والتفاهم، لكنها تتقيَّد بالتنافس في الملفات عينها التي يتطلَّع البَلدان إلى التأثير فيها.

أخيرا، لا يسع مصر أن تتجاهل مؤشرات التودُّد التركي، الذي يُعزِّز من صورتها باعتبارها قد فرضت أمرا واقعا أُجبرت أنقرة على التعاطي معه في نهاية المطاف. يُضاف إلى ذلك أن متانة العلاقات المصرية-الخليجية قد بدأت تتأثر جرّاء اختلافات تتعلَّق بوتيرة التطبيع الخليجي مع إسرائيل، وهو ما يجعل القاهرة مستفيدة من الانفتاح على الأطراف كافة، وحيازة أكبر عدد ممكن من قنوات الاتصال الدبلوماسية والأوراق الإقليمية. تحمل المصالحة المحدودة أيضا مكاسب عديدة للقاهرة، منها رفع الحظر الذي فرضته تركيا على مشاركتها في نشاطات مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والضغط على حكومة طرابلس لإعادة فتح السفارة المصرية، والوصول إلى صيغة مُرْضية في ملف الإعمار، وبالطبع الضغوط التي ستُمارسها تركيا على المعارضة المصرية الموجودة في إسطنبول. وفي المقابل، من المتوقَّع قريبا أن تُطالِب أنقرة الحكومة المصرية بوضع قيود على أنشطة حركة المعارض التركي "فتح الله كولن" في مصر. لدى كلا البلدين إذن ما يكفي من الدوافع للدخول في مقامرة التقارب الجريئة، لكنّهما يُدركان جيدا أن الطريق الواصل بينهما لا يزال مليئا بالأشواك، وأن مشهد مصافحة السيسي وأردوغان لا يزال بعيدا رغم تراكم إشارات التقارب يوما بعد يوم.

المصدر : الجزيرة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة