صراع آخر في القدس.. ما قصة الدير الذي انتزعته إثيوبيا من مصر؟

داخل أسوار البلدة القديمة لمدينة القدس المُحتلة، وفي قلب الحي المسيحي المُسمَّى بـ "حارة النصارى"، وعلى بُعد عشرات الأمتار من المسجد الأقصى؛ تقف كنيسة القيامة، واحدة من أقدس الكنائس المسيحية، التي تحتوي على القبر المقدس، المكان الذي دُفن فيه يسوع وفق المعتقد المسيحي. على مقربة من ذلك المبنى العتيق من الجهة الشرقية، يلاصق سطح الكنيسة ديرا تمتلكه الكنيسة القبطية الأرثوذكسية المصرية، له أهمية خاصة عند الأقباط، كونه طريق الحجاج الأقباط المباشر للوصول إلى كنيسة القيامة.

 

تزامنا مع احتفالات عيد القيامة قبل أيام، اقتحم رهبان إثيوبيون "دير السلطان" المملوك للكنيسة المصرية، ونصبوا خيمة بداخله رفعوا عليها عَلَم بلادهم؛ ما أثار غضب الرهبان المصريين الذين تجمَّعوا لإزالة الخيمة والعَلَم في حضور شرطة إسرائيلية لم تُحرِّك ساكنا. يمتلك الأقباط حُكما قضائيا بملكية الدير لهم، لكن الحكومة الإسرائيلية ترفض تنفيذ الحكم منذ نحو نصف قرن؛ ما يعني أن الدير المصري يُدار فعليا من جانب الرهبان الإثيوبيين، حتى إنه بات يظهر بالفعل باسم "البطريركية الإثيوبية" على تطبيق خرائط غوغل بدلا من دير السلطان. فما قصة الخلاف القديم والمُتجدِّد بين الأقباط والأحباش على دير السلطان التاريخي، المستوحى اسمه -للمفارقة- من شخصية إسلامية، ولا يحمل اسم أحد القديسين المسيحيين كما هو الحال في معظم الأديرة الماثلة؟

 

تؤكِّد الكنيسة المصرية امتلاكها نحو 23 وثيقة تُثبت ملكيتها للدير الأثري الموجود في القدس المحتلة منذ عام 1680 ميلاديا. وبحسب بيان رسمي للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، يرجع تاريخ "دير السلطان" إلى عهد خامس خلفاء بني أمية، عبد الملك بن مروان، حين وهبه للأقباط في القرن الثامن الميلادي. وقد عاد الدير للأقباط في عهد صلاح الدين الأيوبي، بعد أن استولى عليه الصليبيُّون إبَّان هجماتهم على المشرق، فتسمَّى الدير بدير السلطان، ليصبح بذلك الدير الوحيد الذي لا يحمل اسم أحد القديسين كما هي العادة في الأديرة القبطية.

 

يقع دير السلطان على مساحة 1800 متر مربع، وهو متصل من الغرب بمباني كنيسة القيامة، ومن الشمال بدير "مار أنطونيوس"، حيث مقر البطريركية المصرية. ويكتسب الدير أهمية جغرافية عند الأقباط كونه الرابط الوحيد بين المقر وكنيسة القيامة، ويتكوَّن من عدة مبانٍ متناثرة، يحيط بها سور يصل ارتفاعه إلى 4.5 أمتار، وله ثلاثة أبواب أحدها للأقباط فقط. وقد بدأت أزمة ملكية الدير بين الأقباط والأحباش منذ القرن السابع عشر، وبحسب الرواية المصرية، حلَّ الأحباش ضيوفا على دير السلطان في بعض غرف الدير بصفة مؤقتة، بعدما فقدت الكنيسة الإثيوبية أديرتها عام 1654، نتيجة لعدم قدرتها على دفع الضرائب المستحقة لكنيستَيْ الروم والأرمن، ويستند الأقباط إلى تلك الحقيقة في إثبات ملكيتهم لدير السلطان، إذ إن الدير كان ليؤول إلى الأرمن في تلك الفترة لو كان مملوكا للأحباش بالفعل.

 

بحسب دراسة وثائقية للصراع التاريخي بين الأقباط والإثيوبيين على الدير، أجراها "أنتوني سوريال عبد"، أستاذ التاريخ في جامعة أسيوط المصرية، فإن الأزمة التاريخية بين الكنيستين بدأت عام 1820. فبعد نحو قرنين من مكوث الأحباش ضيوفا على الكنيسة القبطية، قرَّرت الكنيسة القيام بأعمال ترميم في دير السلطان؛ مما استدعى إخلاء الدير من قاطنيه كافة. ومن ثمَّ أثار ذلك خوف الرهبان الإثيوبيين من أن يُطردوا من الدير، فاندلع نزاع الملكية بين الطرفين. بيد أن الأقباط سمحوا للأحباش بالعودة ضيوفا مجددا، لكنهم كانوا قد بدؤوا في التحرُّك للتصادم مع الكنيسة المصرية للاستيلاء على الدير. (1)

دير السلطان

تقول الرواية الإثيوبية، المنشورة على موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية، إن الكنيسة المصرية بدأت في مضايقة الأحباش منذ القرن الثامن عشر للاستيلاء على دير السلطان، واستغلَّت فرصة الفقر الذي شهدته إثيوبيا، وانقطاع الدعم المالي للرهبان، ليُجبِر الأقباط كاهن الدير الإثيوبي في القدس على تسليم المفاتيح لهم. وحين ضرب الطاعون جميع قاطني الدير عدا اثنين عام 1838، أحرق بعدها الأقباط والأرمن مكتبة الدير، ففُقِدَت جميع الوثائق والمخطوطات القيمة التي تُثبت أحقية الكنيسة الإثيوبية في الدير الوحيد لها وفق الرواية الإثيوبية.

 

في المقابل، تؤكِّد الكنيسة المصرية أنه لا وجود لمثل هذه الوثائق، وتُدلِّل على ذلك بأن السلطات الحكومية نفسها في القدس لا علم لديها بها، فلو كانت موجودة لأشارت السلطات إلى ملكية الإثيوبيين مثلما أشارت إلى ملكية الأقباط وفق تلك الرواية. كما يُشير الأقباط إلى أن الرهبان الأحباش طلبوا ترميم الدير في مطلع القرن العشرين، ولم يتم لهم ذلك دون موافقة الكنيسة القبطية صاحبة الشأن والتصرُّف في دير السلطان، ولذا تقدَّمت الكنيسة وحدها حينئذ بطلب إلى السلطة العثمانية لإجراء الترميم.

في عام 1850، أقدم الأحباش للمرة الأولى على خطف مفتاح الدير والكنيسة الملحقة به، قبل أن يطلوا إحدى الغرف التى أقاموا فيها؛ ما استدعى من الكنيسة المصرية تحرُّكا انتهى بإرسال محافظ القدس خطابا إلى الأحباش يؤكِّد فيه أن أعمالهم لن يُعتَدَّ بها مستقبلا قرينة لإثبات حقهم في دير السلطان. وفي الوقت نفسه، أصدرت الدولة العثمانية صاحبة السيادة على تلك الأراضي حُجَّة رسمية أيَّدت ملكية الأقباط للدير، ومنحتهم حق الاحتفاظ بالمفتاح الخاص به. غير أن التغيرات السياسية التي تلت سقوط الدولة العثمانية، ووقوع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، ثم إعلان الدولة الإسرائيلية على تلك الأراضي واحتلالها للقدس عام 1967؛ فاقمت مخاوف الأقباط الذين فقدوا السيطرة فعليا على الدير.

 

بعد وقوع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، تواصل الرهبان الأحباش مع القنصل والأسقف الإنجليزيَّين، وأقنعوا المتصرِّف الأردني على المقدسات المقدسية بأحقيتهم في الدير. ثم استمر التواصل مع ظهور الاحتلال الإسرائيلي بدءا من عام 1948، بالتزامن مع ذروة الصدام بين مصر وإسرائيل الذي سيمتد إلى نحو ثلاثة عقود. وفي عام 1961، سلَّمت الحكومة الأردنية الدير للأحباش بالقوة الجبرية في خضم تنافر المصالح المصرية والأردنية أثناء الحقبة الناصرية في مصر، لا سيما بعد أن انحاز الأردن للسعودية ضد مصر في حرب اليمن آنذاك. ولم يكن أمام الكنيسة المصرية في مواجهة تلك التداعيات السياسية سوى إرسال وفد كنسي رفيع لمقابلة ملك الأردن، وعرض وثائق الملكية عليه، ليتم وقف القرار الأردني بعدئذ، وتأكيد أحقية الأقباط في الدير.

لم يدم الحال لصالح الأقباط كثيرا، إذ اندلعت حرب الأيام الستة عام 1967، ووقعت القدس كاملة تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ ذلك الحين، وعلى خلفية الصراع العربي-الإسرائيلي والدور المركزي لمصر فيه حينها؛ طردت سلطات الاحتلال الرهبان الأقباط من الدير، وسلَّمته للرهبان الأحباش بعد تغيير المفاتيح الخاصة به. ومن ثمَّ أصدر بابا الكنيسة المصرية، الذي وقف عاجزا الآن أمام التعديات المدعومة إسرائيليا، قرارا يحظر سفر الأقباط إلى القدس، وتلا ذلك رفع الكنيسة القبطية دعوى قضائية أمام المحكمة العليا الإسرائيلية عام 1971، بوجه الحكومة ووزيرَيْ الشرطة والأديان الإسرائيليَّين، وبوجه المطران الحبشي أيضا؛ مطالبة بإعادة تمكينها من الدير، وقدَّمت مع الدعوى الوثائق الرسمية.

 

من جهة أخرى، لم يُقدِّم الأحباش الوثائق التي تُثبت ملكيتهم للدير مُحتجّين بفقدانهم لها، ولذا لم تستمر القضية كثيرا في المحاكم، إذ قضت أعلى سلطة قضائية في إسرائيل بمنح الكنيسة القبطية حق استلام الدير بمشتملاته كاملة. لكن الحكومة الإسرائيلية رفضت التنفيذ، مُعتبِرة أن القضية لها أبعاد سياسية. قضت المحكمة إذن برد الدير إلى مُلَّاكه الأصليين، وفرضت غرامة مالية على كلٍّ من وزير الشرطة الإسرائيلي والأسقف الإثيوبي تُقدَّر بنحو ألف ليرة إسرائيلية (عُملة إسرائيل القديمة) لكلٍّ منهما، ورغم صراحة الحكم ووضوحه، فإن الحكومة الإسرائيلية أصدرت قرارا بإيقاف تنفيذ الحكم القضائي مؤقتا، الذي كان يُفترض تنفيذه في غضون شهر من إعلانه، وهي تُواصِل الامتناع عن تنفيذه منذ قرابة أربعة عقود.

 

تُدار كنيسة دير السلطان اليوم من قِبَل الكنيسة الإثيوبية، وبحسب صحيفة المصري اليوم، رفعت الكنيسة المصرية حتى الآن أكثر من مئة دعوى قضائية أمام المحكمة العليا الإسرائيلية ضد الحكومة الإسرائيلية، وقد كسبتها جميعا وأثبتت حقها في الدير ولكن دون أفق لتنفيذ تلك الأحكام في ظل الاحتلال. ولذا، ردَّت الكنيسة القبطية مرة أخرى بتجديد حظر سفر الأقباط إلى القدس حتى يعود الدير لسيطرتها، وهي أزمة تستمر حتى اليوم بتكرار المشادات بين الطرفين، وآخرها الأحداث التي جرت في عيد القيامة الأخير.

على مدار الأعوام الخمسة الماضية، شهد الدير صدامات عدة؛ منها مرة احتج فيها الأقباط على إدخال الأحباش معدات إصلاح دون علم الكنيسة القبطية أو موافقة كتابية منها، فتدخَّلت السفارة المصرية وطلبت من الحكومة الإسرائيلية تأجيل الإصلاحات. وفي عام 2018، اعتدت قوات الاحتلال الإسرائيلي بالضرب على عدد من الرهبان الأقباط أثناء وقفة سلمية نظَّمها الرهبان احتجاجا على محاولات إسرائيل إدخال معدات الترميم بالقوة، لكن الخارجية المصرية لم ترد على الحادث هذه المرة إلا باستنكار مُقتضَب، قبل أن تُفرج قوات الاحتلال الإسرائيلي عن الرهبان في الأخير.

 

ما من حل يلوح في الأفق حتى اللحظة لحسم أزمة دير السلطان. وبينما تُواصِل إسرائيل امتناعها عن إعادة الدير إلى سيطرة الكنيسة المصرية الأرثوذكسية، رُغم انتفاء الصراع المباشر بين القاهرة وتل أبيب منذ السبعينيات، فإن العلاقات بين إسرائيل وإثيوبيا ما انفكَّت تتعزَّز على الأصعدة كافة في السنوات الأخيرة، ومن ثمَّ يظهر الانحياز الإسرئيلي لاستمرار سيطرة الأحباش على الدير. تقف مصر إذن دون سند يُعضِّد موقفها على الأرض اليوم سوى وثائق ملكيتها التاريخية لدير السلطان، وهي تُمسك بها في وجه دولة أبعد ما تكون عن فهم لغة الحقوق التاريخية للأراضي والمقدّسات، كما تشي سنوات وسنوات من السياسات الإسرائيلية التي تجري آخر فصولها في حي الشيخ جرَّاح على بُعد نحو كيلومترين فقط من دير السلطان.

—————————————————————–

المصادر

  1. مشكلة دير السلطان في القدس دراسة وثائقية:
  2. أطلس معالم القدس القديمة ص 24.
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أطلق رئيس وزراء إثيوبيا أبي أحمد وعدا مثيرا ببناء قوات بحرية لبلده الذي لا يملك أي سواحل على البحر، غير أن هذه الجهود سرعان ما دخلت في حقبة من الجمود، وهو ما أثار تساؤلات حول مدى تحقيق هذا الوعد؟

3/6/2021

في الوقت الذي تستعد إثيوبيا لتشغيل السد، وصل الخلاف الدولي حول النهر إلى لحظة حاسمة، فقصة النزاع لا يمكن فصلها عن “اللعبة العظيمة” الجارية، وهنا يطرح السؤال: ما الدور الذي تلعبه الإمارات والسعودية؟

15/6/2020

يُدرك المتابع لأزمة سد النهضة بين كلٍّ من السودان ومصر وإثيوبيا أنها ليست وليدةَ السنوات القليلة الماضية، لكنّ أحدا لم يكن يدري على وجه الدقة متى زُرعت بذور هذه الأزمة.. إليكم القصة من البداية.

8/4/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة