من الانتفاضة الأولى إلى سيف القدس.. لماذا تدعم إيران حركة حماس؟

عادة ما يبدأ المشهد كما يلي: يخرج أحد قادة حركة حماس في مؤتمر جماهيري، أو لقاء تلفزيوني، ليخصّ إيران بالشكر ضمن قائمة من الدول التي يتجه لها بالعرفان. وما إن تُذكر إيران حتى يترافق معها الكثير من الجدل حول طبيعة العلاقة بين الطرفين، إذ يعتبر البعض حماس حليفا سنيا مُتفرِّدا للدولة الشيعية في وقت تشتد فيه الصراعات الطائفية في الإقليم على وقع مساعي التحرر الشعبي، وصراعات الهيمنة والنفوذ الدولية والإقليمية، بما يزيد من تعقيد المشهد، ويُثير التساؤلات بخصوص طبيعة العلاقة، والكيفية التي تديرها بها حماس في ظل كل هذه المتغيرات والتحديات.

ولكن لفهم العلاقات بين حماس وطهران فهما أفضل ربما يحسن بنا العودة إلى جذور العلاقات الفلسطينية الإيرانية التي بدأت في نهاية القرن التاسع عشر؛ حينما فتحت إيران مُمثلية لها في فلسطين لرعاية شؤون تجارها هناك، حيث استمر حضورها إلى حين قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي عام 1948، حيث نشأت علاقة مميزة بين الطرفين، استنادا إلى الإستراتيجية الإسرائيلية المعروفة باسم "شد الأطراف"، التي تقضي بالتحالف مع الدول المحيطة بالعالم العربي، مثل إيران وتركيا وإثيوبيا، بهدف محاصرته من أطرافه.

محمد رضا بهلوي

وبالفعل، ترسَّخ تحالف ناشئ بين إسرائيل وشاه إيران "محمد رضا بهلوي"؛ الذي زوَّدها بالنفط واستورد منها العديد من البضائع، ورعى تعاونا أمنيا بين جهاز أمن الدولة الإيراني "السافاك" وبين الموساد الإسرائيلي بهدف ملاحقة المعارضة الإيرانية، كما دعم مسار التسوية المصرية – الإسرائيلية، ووصف الكفاح الفلسطيني المُسلَّح بأنه عمل "إرهابي"، وحارب جميع مظاهر التعاطف مع فلسطين، بالتوازي مع محاربته لمعارضيه الإيرانيين. ولكن بمجرد انهيار نظام الشاه، وقيام نظام الثورة الإسلامية عام 1979، تبنَّى "آية الله الخميني" موقفا معاكسا من إسرائيل، يرى أن الصهيونية عدو لإيران والإسلام، وغدّة سرطانية ينبغي استئصالها.

على المستوى السياسي، كان لقادة الثورة الإيرانية مآرب أخرى للتحالف مع الثورة الفلسطينية، فمن شأن ذلك إكسابهم شعبية في العالم العربي والإسلامي الذي يَعتَبِر فلسطين قضيته الأولى، ومنح الثورة الإسلامية أداة فعّالة لبسط نفوذها الناعم، وبالفعل بمجرد إسقاط الشاه سحبت إيران اعترافها بإسرائيل وطردت بعثتها الدبلوماسية، واستبدلت بمكاتب التمثيل الدبلوماسي الإسرائيلي مكاتب لسفارة فلسطين، وقدَّمت الدعم السياسي والمالي للثورة الفلسطينية وممثلتها منظمة التحرير.

لكن العلاقة بين طهران ومنظمة التحرير سرعان ما تراجعت لأسباب على رأسها الخلاف الأيديولوجي، إذ برزت علمانية المنظمة عائقا أمام مساعي إيران لأسلمة الثورة الفلسطينية، حيث كانت العوامل الأيديولوجية شديدة الأهمية في تحديد سياسات الثورة الإيرانية في سنواتها الأولى، إضافة إلى اتضاح ميل المنظمة إلى العراق إبان حرب الخليج الأولى بفعل الضغط الذي مارسته القوى القومية داخل المنظمة.

توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993

وعلى الرغم من ذلك صمدت العلاقة بين الطرفين إلى حين توقيع اتفاقية السلام الفلسطينية الإسرائيلية عام 1993، المعروفة باسم اتفاقية أوسلو، التي أطلقت رصاصة الرحمة على التحالف الهش، إثر اتهام طهران للمنظمة بالتخلي عن المقاومة والتفريط في حقوق الفلسطينيين. وبالتوازي وجدت إيران حليفا جديدا أقرب لها أيديولوجيًّا على الساحة الفلسطينية، وهو حركة الجهاد الإسلامي، التي انشقت عن جماعة الإخوان المسلمين عام 1980، ورأت في الثورة الإيرانية نموذجا مُلهِما، لكن حجمها ونشاطها لم يسمحا لها بلعب دور الحليف القوي الذي تطمح له طهران.

ظهر هذا البديل المُحتمَل إلى السطح بعدما أعلن الإخوان المسلمون في فلسطين عن إنشاء حركة المقاومة الإسلامية، حماس، عام 1987، التي سرعان ما سطع نجمها بفعل ريادتها للانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اندلعت في نهاية ذلك العام نفسه. وبعد ثلاثة أعوام من تأسيسها، بدأت العلاقة بين حماس وإيران في التشكُّل عام 1990، حيث زارت وفود من الحركة إيران، وفُتح مكتب تمثيل دبلوماسي للحركة هناك عام 1992، بما مَثَّل اعترافا إيرانيا بالدور المركزي الذي تلعبه حماس في فلسطين.

كان إبعاد إسرائيل المئات من قيادات حماس إلى جنوب لبنان عام 1992 محطة مهمة في العلاقات بين الحركة الفلسطينية وحزب الله اللبناني حليف طهران في لبنان والحرس الثوري الإيراني. وحينما أُفرج عن قائد حماس ومؤسسها الشيخ أحمد ياسين عام 1998 فإنه زار طهران والتقى كلًّا من المرشد الأعلى للثورة آية الله خامنئي، والرئيس الإيراني في حينها محمد خاتمي. وبعد توثُّق العلاقة، قدَّمت طهران الدعم السياسي والمالي، وتكنولوجيا التصنيع العسكري، إضافة إلى التدريب العسكري لمقاتلي الحركة.

ازدادت أهمية حماس ومركزيتها في نظر إيران عقب فوزها في الانتخابات التشريعية عام 2006، إذ انتقلت من كونها حركة مقاومة وفصيلا سياسيا معارضا إلى حكومة الفلسطينيين، ما دعا طهران إلى مضاعفة دعمها لها، فتعهَّدت بتقديم 50 مليون دولار شهريا لهذه الحكومة، وفي المقابل كان للمقاطعة الدولية والإقليمية لحكومة حماس دور أساسي في دفع الحركة باتجاه توثيق علاقتها مع إيران.

واستمر ربيع العلاقة بين الطرفين حتى جاء الربيع العربي ووصلت رياحه إلى سوريا، مقر إقامة قيادة حماس، وعاصمة الحليف الإقليمي الأهم للقيادة الإيرانية، فمع تقدُّم مسار الثورة السورية، وشروع نظام الأسد في قصف معارضيه بالبراميل المتفجرة بدعم من طهران، وجدت حماس نفسها أمام الاختبار الأخلاقي الأهم في تاريخها، اختبار وضع علاقتها الإستراتيجية مع طهران أمام تحدٍّ غير مسبوق.

حينما بدأ الربيع العربي في تونس ثم مصر، كانت إيران مسرورة بما وصفته أنه "ثورة إسلامية" في تلك الدول، لكن بمجرد وصول هذا الربيع إلى سوريا، سرعان ما اعتبرته طهران "مؤامرة دولية على المقاومة". لكن حركة حماس، بموروثها السنيّ والشعبيّ، لم تقبل الرواية الإيرانية أو السورية الرسمية، بل إنها استبقت رياح الربيع العربي بنصح القيادة السورية بإجراء إصلاحات استباقية، غير أن تلك النصيحة لم تجد آذانا مُصغية لها.

في بداية الثورة حاولت حماس الالتزام بسياستها التقليدية بعدم التدخُّل في السياسة الداخلية للدول، لكن هذا الموقف لم يكن مقبولا من كلا الطرفين؛ الشعب والنظام، فانتقلت إلى حالة الحياد الإيجابي بمحاولة الوساطة بين الطرفين إبان أحداث درعا، مستفيدة من علاقاتها الجيدة مع كلٍّ منهما، لكن النظام طلب من الحركة التوقُّف عن مساعيها، وأعقب ذلك بطلب بيان يوضِّح موقفها من الأحداث، وبالفعل أصدرت الحركة بيانا لم يُرضِ النظام، الذي كان يرغب في توظيف قضية المقاومة ودعمه لفصائلها في صراعه مع الثورة.

في إطار هذه الجهود النظامية، سعت "الجبهة الشعبية – القيادة العامة"، وهي فصيل فلسطيني مقرب من النظام السوري، إلى تشكيل قوة فصائلية لحفظ الأمن في المخيمات، وهو ما رفضته حماس ورأت فيه محاولة لتوريط الفصائل في المعركة السورية، لكن النظام لم يكل؛ فدعا إلى لقاء علني بين الفصائل والرئيس السوري، ليصدر بعده بيان دعم له، لقاء تملَّصت منه الحركة التي قرَّرت مغادرة دمشق، بعد أن تأكَّدت أن الحفاظ على مجرد الحياد أصبح أمرا غير ممكن ما دامت قيادتها مقيمة على الأراضي السورية.

لكن الحركة لم تكتفِ بصون سياسة عدم التدخُّل بعد مغادرتها دمشق، بل ظهر انحيازها إلى الشعب السوري، إذ أفصح رئيس الحركة في قطاع غزة آنذاك "إسماعيل هنية" عن دعمه للثورة السورية في خطاب من منبر الأزهر، كما حمل رئيس المكتب السياسي للحركة آنذاك خالد مشعل علم الثورة السورية، وصرَّح في كلمة له في مؤتمر القدس من طهران عام 2012 بأن حركته "مع الشعوب جميعا في سعيها الدؤوب والمشروع للحرية والإصلاح والعدالة والديمقراطية ومحاربة الفساد والاستبداد"، كما قاتل بعض أبناء الحركة ضمن فصائل الثورة السورية، في الشمال السوري وفي مخيم اليرموك الذي شكَّلوا فيه فصيل "أكناف بيت المقدس".

مَثَّل خروج حماس من سوريا ومواقفها المؤيدة للثورة لاحقا صدمة لإيران، التي خفضت دعمها للحركة، وشنَّ إعلامها وإعلام حلفائها هجوما على حماس وصل إلى اتهامها بالخيانة، وبدا أن العلاقة بين الطرفين ذاهبة باتجاه القطيعة، لكن صمود الحركة في وجه العدوان الإسرائيلي على القطاع عام 2012 دفع إيران إلى استئناف الدعم العسكري للحركة، مع محاولة التمييز في التعامل بين الجناح العسكري في قطاع غزة وبين قيادة الحركة السياسية، وبالفعل فقد ظهر بعض التباين في الخطاب والمواقف بين الطرفين، إذ كان تقدير العسكريين لأهمية الدعم العسكري الإيراني يدفعهم إلى التعبير عن التقارب مع إيران، في حين كانت حساسية القيادة السياسية المقيمة في الخارج أكبر تجاه أي تعبيرات من هذا النوع؛ بفعل كثرة اختلاطها مع القوى الشعبية الإسلامية التي تعاني من السياسات الإيرانية الإقليمية.

وفي خلفية المشهد، لا يمكن إغفال دور كلٍّ من مصر ودول الخليج، وعلى رأسها السعودية، التي لم تألُ جهدا لإبعاد حماس عن إيران، وذلك بتشجيعها على الخروج من سوريا، وعلى إجراء المصالحة الفلسطينية بهدف ضمها إلى اصطفاف سياسي سنّي في مواجهة إيران الشيعية، وهو ما حصل في اتفاق القاهرة عام 2011 واتفاق الدوحة عام 2012. لكن هذه الدول لم توفِّر بديلا سياسيا ولا ماليا ولا عسكريا يُغني حماس عن علاقتها بإيران، بل كانت تدفعها باتجاه قبول حل الدولتين وقيادة عباس للنظام السياسي الفلسطيني، ولم يقتصر الأمر على ذلك، فبالتزامن مع الانقلاب العسكري على حكم الإخوان في مصر منتصف عام 2013، بدأت هذه القوى في ممارسة ضغوط غير مسبوقة على الحركة، وهو ما أضعف جدوى المراهنة على "المعسكر السنّي" لتحقيق هدف نشوء الحركة، وهو مقاومة الاحتلال إلى حين زواله عن فلسطين كاملة.

بالتزامن مع ذلك، تولّى دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة، وانسحبت واشنطن من الاتفاق النووي مع إيران، واعتمد سياسة "الضغط الأقصى" عليها، ليُضيف أسبابا إضافية للتقارب مجددا بين حماس وإيران. وبناء على هذه الاعتبارات، عادت العلاقة بين الطرفين للتحسُّن تدريجيا، في نهاية ولاية رئيس المكتب السياسي السابق للحركة خالد مشعل عام 2017، وتعزَّز هذا الاتجاه مع انتقال الأمر إلى إسماعيل هنية القادم من قطاع غزة، الذي تعده طهران أقرب إليها من مشعل.

ظهرت معالم هذا التقارب في كثرة زيارات الحركة إلى طهران، وبروز التصريحات بخصوص "وحدة الجبهات"، بمعنى أن قوى المقاومة ستخوض الحرب معا في حال اعتدت إسرائيل على أيٍّ منها، وزيادة التعبيرات العلنية عن التحالف بين الطرفين، التي أثار بعضها جدلا واسعا وردود فعل في الرأي العام العربي في محطات عديدة، من أبرزها وصف هنية قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإسلامي قاسم سليماني عقب مقتله في ضربة أميركية مطلع عام 2020 بأنه "شهيد القدس".

وفي المعركة الأخيرة بين حماس وإسرائيل، التي سمّتها حماس "سيف القدس"، ظهرت مشاركة رمزية عبر الحدود اللبنانية، تمثَّلت في إطلاق ثلاث رشقات من صواريخ بدائية الصنع، وهو أمر لم يكن ليحصل دون موافقة حزب الله الذي يسيطر تماما على جنوب لبنان، وتكمن أهميته في توجيهه إنذارا لإسرائيل بأن الأمور قد تتدحرج إلى مواجهة على جبهتها الشمالية إذا استمرت حربها مع قطاع غزة، لكن حجم هذه المشاركة جاء دون التوقُّعات التي كانت تتحدث عن "تلازم جبهات المقاومة"، مما يُثير التساؤل بشأن حدود الحقيقة والدعاية في هذه المقولات، وحدود الاتفاق والاختلاف بين أطراف "محور المقاومة".

تلتقي مصلحة كلٍّ من إيران وحركة حماس في مواجهة النفوذ الصهيوني في المنطقة، كما يجمع بينهما رفض الولايات المتحدة لكلٍّ منهما، فقد سيطر التوتر والعداوة على علاقات الولايات المتحدة بإيران منذ قيام الثورة على نظام الشاه عام 1979، وما تلاها من أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية. كما صنَّفت الولايات المتحدة حركة حماس حركةً إرهابيةً بفعل عملها المقاوِم للاحتلال الإسرائيلي.

ونتيجة لذلك، ترى إيران في دعمها لحماس وسيلة لتعزيز نفوذها الإقليمي، وتبرير سياساتها التوسعية المعروفة باسم "تصدير الثورة"، وهي تحتاج إلى حليف سني يزيد من قدرتها على العمل في محيطها العربي والإسلامي، ويكسر صبغة التعصب الطائفي في سياساتها الإقليمية، ويضمن لها موضع قدم صلب في القضية الفلسطينية لما تحمله من أهمية سياسية تكمن في القدرة على مناكفة واشنطن وتل أبيب. ولا يمكن تجاهل أيضا البُعد الأمني في نظرة طهران لقضية فلسطين، حيث إن خلق خط دفاع مُتقدِّم مع الاحتلال يعفي إيران من خوض حروب مباشرة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة.

أما على الصعيد الداخلي، يستخدم النظام الإيرانيّ القضية الفلسطينية لتعزيز شرعيته الداخلية، ويُشكِّل دعم المقاومة مادة للتنافس والمزايدة السياسية بين المحافظين والإصلاحيين في سياق التنافس على السلطة والموارد المحلية. وعلى الجهة المقابلة تسعى حماس من خلال توثيق هذه العلاقة إلى تشكيل جبهة عمل سياسي وعسكري لإضعاف هيمنة إسرائيل ونفوذها الإقليمي، ولتعزيز الشرعية السياسية للحركة ومشروعها المقاوم، وتوفير الدعم المالي والعسكري كالتدريب والسلاح وتقنيات التصنيع العسكري.

ومن أجل ضبط وتيرة العلاقة وإبعاد نفسها عن الانجراف نحو مشروع طهران الطائفي والتوسُّعي، تضع حماس محددات صلبة لعلاقتها من إيران، إذ تسعى لإبقائها في حدود التعاون العسكري والسياسي المكرَّس لمواجهة الاحتلال؛ فلا علاقة ذات بُعد ثقافي، كالتبادل التعليمي مثلا، ولا قبول للتشيُّع، ولا إسناد أو تأييد لسياسات إيران في المنطقة العربية، بل إن حماس احتفظت لنفسها -عمليا- بالحق في معارضة سياسات طهران الإقليمية كما حدث سلفا في الملف السوري.

يُشكِّل توجُّه إدارة بايدن لإعادة العمل بالاتفاق النووي مع إيران تحديا مستجدا لعلاقة الطرفين، إذ يسهم في تقوية التيار الإصلاحي فيها، الذي يتبنَّى سياسة أقل عداءً لإسرائيل، بل يميل إلى "القبول بما يقبل به الفلسطينيون"، وهي مقولة تُشكِّل مدخلا للتراجع عن السياسة التاريخية المعلنة للثورة الإيرانية بأن إسرائيل دولة غاصبة لا حق لها في الوجود، وقد ظهر تأثير هذا التوجُّه عقب توقيع الاتفاق النووي عام 2015، حينما بدأت القيادة الإيرانية توثق علاقتها بالسلطة الفلسطينية بعد فتور طويل الأمد معها، وذلك على حساب علاقتها مع حركة حماس.

ومن التحديات المهمة أيضا تباين أولويات الطرفين، ففي حين تتفق مصلحتهما في إضعاف إسرائيل واستنزافها، فإنها قد تختلف بشأن أولوية الجبهات، حيث تحرص إيران على تفادي أي حرب على أراضيها، بل تُفضِّل أن تكون المواجهات مع خصومها على أرض أخرى، سواء كانت غزة أم لبنان أم سوريا أم العراق أم اليمن. ويحمل هذا التوجُّه خطر انجرار غزة إلى مواجهة مع الاحتلال، دون قرار من حركة حماس، وهو ما قد تسعى إيران إليه في حال ازدياد شعورها بالتهديد.

ويزيد تأثير هذا التحدي بفعل الصعوبة التي تواجهها الحركة في الحفاظ على توازن علاقاتها الإقليمية من خلال بناء علاقات عابرة للانقسامات السياسية في المنطقة والعالم، وذلك بسبب ميل العديد من الدول العربية إلى التقارب مع إسرائيل وتطبيع العلاقة معها، ومحدودية سقف الدعم السياسي والمالي لدى بعض الدول الأخرى، وهو ما يجعل الحركة مضطرة للاعتماد على إيران.

كما يُشكِّل توظيف البُعد الطائفي في السياسات الإقليمية لإيران تحديا مهما للعلاقة، بسبب ما يخلقه من أجواء شعبية غير متفهمة لوجود علاقة بين حركة مقاومة سنية ودولة شيعية ذات أجندة طائفية، خاصة في ظل اعتزاز حماس بهويتها السنية، ورفضها محاولات نشر التشيُّع في فلسطين، وهو ما سبَّب احتكاكا بين الطرفين حينما برز دعم إيران لحركة "الصابرين" التي انشقت عن حركة الجهاد الإسلامي وأقامت "حسينية" في غزة، فكان رد حماس قاسيا؛ إذ حلَّت التنظيم وصادرت أسلحته واعتقلت أفراده، انطلاقا من قناعتها بأن خلق انقسام طائفي في فلسطين لن يخدم إلا مشروع الاحتلال.

وعلى صعيد موازٍ فإن جهود السعودية لتوظيف الانقسام الطائفي كدعامة للنفوذ الإقليمي، وتصدير نفسها كزعيم للمعسكر السني في مواجهة الشيعة، يخلق مناخات تزيد من صعوبة إدارة العلاقة بين حماس وإيران، فقد أسهمت هذه الجهود، جنبا إلى جنب مع سياسات إيران الطائفية، في انتشار نظرية في الوسط العربي والإسلامي مفادها أن العدو الأول هو إيران وليس إسرائيل، ناهيك بالجهود التي تبذلها المملكة وحلفاؤها لعزل حماس عن إيران، ولكن دون أن تُقدِّم لها بديلا يحافظ على هويتها المقاوِمة للاحتلال.

______________________________________________________________

المصادر:

  1. أمين مصطفى، إيران وفلسطين بين عهدين، المركز العربي للأبحاث والتوثيق.
  2.  رائد شنيور، التقارب بين إيران وحماس: بين الضرورة والخيار، رسالة ماجستير، جامعة بيرزيت، صفحة 33-35.
  3.  رائد شنيور، التقارب بين إيران وحماس: بين الضرورة والخيار، رسالة ماجستير، جامعة بيرزيت.
  4.  وداد غازي، الموقف الإيراني من الأحزاب الفلسطينية (حركة حماس نموذجا)، مجلة المستنصرية للدراسات العربية والدولية.
المصدر : الجزيرة