دروس الحرب الباردة.. لماذا فشلت الولايات المتحدة في كسر شوكة إيران؟

كتب الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في مُذكِّراته الصادرة بعنوان "أرض الميعاد": "عملنا خلال إدارتي على وضع سيناريوهات نتصوَّر فيها شكل حرب مُحتمَلة مع إيران. كنت أنتهي من هذه النقاشات مُثقلا لإدراكي أنه إذا ما فرضت الحرب نفسها فهذا يعني تبديد كل ما كنت أحاول إنجازه". تمثَّلت إستراتيجية أوباما في التفاوض مع عدد من القوى الدولية من أجل اتفاق عام 2015 الذي نجح في تحجيم البرنامج النووي الإيراني. وبحسب ما جاء في مُذكِّرات جون برِنان، مدير وكالة الاستخبارات المركزية (سي أي إيه) في إدارة أوباما، التي صدرت عام 2020 بعنوان "الباسل"، فقد اعتقد أوباما أن الاتفاق النووي الإيراني كان "مهما؛ ليس فقط للاستقرار الإقليمي، وإنما أيضا لتقوية شوكة المعتدلين الإيرانيين، لا سيما الرئيس الإيراني حسن روحاني ووزير الخارجية جواد ظريف".

 

حاولت الولايات المتحدة برئاسة دونالد ترامب اتخاذ المسار المعاكس عن طريق الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، ومحاولة الضغط على طهران للاستسلام أو الانهيار، وقال وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، عام 2018: "ستُجبَر إيران على الاختيار؛ إما الكفاح من أجل إبقاء اقتصادها على قيد الحياة وإما تبديد ثروات هائلة على نزاعات خارج أراضيها. لن يكون لديها الموارد لتقوم بالأمرين". ومع ذلك، استمرت الوحشية في الداخل الإيراني مع طموحات إيران الإقليمية، وتوسَّع نطاق برنامجها النووي أكثر.

 

يتحتَّم على بايدن اليوم الوقوف أمام إيران التي تخطو خُطى ثابتة نحو امتلاك إمكانية تصنيع السلاح النووي، والمُتورِّطة مباشرة في أسوأ كارثة إنسانية في العالم، وتكسب نفوذا على حساب دول أخرى عن طريق تهديد الاقتصاد العالمي والاستقرار السياسي. لقد فاقم الديكتاتور بشار الأسد، وهو أحد زبائن طهران، أكبر أزمة لاجئين عالمية شهدناها منذ الحرب العالمية الثانية، ما حفَّز الشعبويين في شتى أنحاء أوروبا. كما تسبَّبت الحرب بالوكالة الدائرة في اليمن بين السعودية وحركة الحوثيين -زبون آخر من زبائن طهران- في أزمة إنسانية فظيعة، وأعادت أمراضا تغلَّبت عليها البشرية سابقا وطواها النسيان. بالإضافة إلى ذلك، أثبتت إيران قدرتها على شن هجمات دقيقة بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة ضد منشآت النفط السعودية؛ ما يُشكِّل تهديدا لإمدادات الطاقة العالمية، ويُنذر باندلاع حروب في الشرق الأوسط. واستهدفت الهجمات الإلكترونية الإيرانية المتطورة الانتخابات والتجارة الأميركية بنجاح، كما تستهدف البنية التحتية الحساسة لحلفاء الولايات المتحدة.

رغم التحديات الأمنية المُلِحَّة التي تتسبَّب فيها إيران، فإن الإستراتيجية الأميركية التي يقتصر تركيزها على الطموحات النووية والإقليمية للحكومة الإيرانية، وتغض الطرف عن طموحات الشعب الإيراني في الديمقراطية، تتجاهل دروس انتهاء الحرب الباردة. هل تستطيع الولايات المتحدة استخدام الضغط والدبلوماسية، ليس فقط لوضع حدٍّ للبرنامج النووي الإيراني ونفوذها الإقليمي، وإنما أيضا لاستبدادها محليا؟ هذا هو التحدي الذي يواجهه بايدن. إنه يحتاج إلى إطار عمل إستراتيجي ينظر إلى إيران على حقيقتها.

 

حوَّلت طبيعة الجمهورية الإسلامية بعد ثورة عام 1979 إيران من ملكية مؤيدة لأميركا إلى دولة دينية مُعادية لها، وحاول سبعة رؤساء أميركيون تغيير العلاقات الأميركية-الإيرانية، أو السلوك الإيراني، أو النظام الإيراني بأكمله، لكنهم فشلوا جميعا. وأثبتت الجمهورية الإسلامية طوال تلك الفترة الزمنية أنها بارعة في النجاة، لكنها، على غرار أنظمة ثورية كثيرة، غير قادرة على الإصلاح. كما عانى الخبراء الأميركيون في الشأن الإيراني من الغُربة الدبلوماسية طوال أربعة عقود -مثلا، لدى وزارة الخارجية الأميركية مُتحدِّثون بالألبانية أكثر من المتحدثين بالفارسية- لكن استمرار أيديولوجية إيران الثورية يكشف عن هوية النظام الإيراني.

 

تلعب إيران دورا رئيسيا، وعلى نطاق واسع، في الأمن العالمي والتحديات الإنسانية، بما في ذلك التطرُّف الإسلامي، وتأمين الطاقة، والحرب السيبرانية، والانتشار النووي، والحروب في كلٍّ من سوريا واليمن وأفغانستان. يعود السبب في ذلك إلى مساحة إيران الشاسعة (تبلغ مساحتها 75 ضِعف مساحة إسرائيل، وأربعة أمثال مساحة ألمانيا)، وإلى موقعها الجغرافي الإستراتيجي، وإلى كونها غنية بالموارد الطبيعية، وإلى حماسة الشعب الأيديولوجية، بالإضافة إلى رعايتها للميليشيات الأجنبية. ولطالما استمر قادة إيران في مناهضة الولايات المتحدة، وجعلوا ذلك أولوية على حساب رفاهية الشعب وأمنه. وظهر ذلك جليا مؤخرا عندما حظر المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي لقاحات فيروس كورونا المُصنَّعة في الولايات المتحدة، على الرغم من أن إيران واحدة من الدول التي ضربتها الجائحة بعنف.

يعتبر خامنئي (81 عاما) واحدا من أطول الاستبداديين حكما في العالم حتى اللحظة، إذ لم يغادر خامنئي إيران منذ وراثته السلطة عن آية الله روح الله الخميني في 1989، كما ساعدته رعايته الحثيثة لقوات الحرس الثوري الإيراني -أقوى مؤسسة إيرانية- في سحق المعارضة وإضعاف المنافسين المحتملين، بما في ذلك أربعة رؤساء إيرانيون سابقون. ورغم مظاهر التنافس بين مراكز القوى الإيرانية، فإن خامنئي لديه أيضا سلطة فعَّالة على "مجلس صيانة الدستور"، و"مجلس خبراء القيادة"، و"مجمع تشخيص مصلحة النظام"، وهي جميعها مؤسسات إشرافية صوريا، لكنها في الحقيقة تُثبِّت سلطة خامنئي.

 

أشار "جون لويس جاديس"، المؤرخ في جامعة ييل، في كتابه الكلاسيكي "إستراتيجيات الاحتواء"، إلى أن الاحتواء الأميركي الناجح للاتحاد السوفيتي -الذي أرسى قواعده جورج كِنان، أبرز مَن دبَّروا السياسة الأميركية أثناء الحرب الباردة- كان مبنيا على ثلاثة محاور مهمة: تحصين حلفاء أميركا وشركائها (بما فيهم إيران عام 1946)، وتفتيت الحركة الشيوعية العالمية، وتوظيف الترغيب والترهيب في محاولة "تعديل السلوك السوفيتي". لم تكن هذه الأهداف تتعارض مع بعضها بعضا، لكنها كانت أجزاء من إستراتيجية يُعزِّز بعضها بعضا.

 

كان أمام إدارة ترامب أربع سنوات لإثبات صحة النظرية البديلة، التي تقول إن زيادة الضغط الأميركي دون دبلوماسية يمكنها أن تكسر شوكة النظام الإيراني. ومع أن ترامب عرَّض إيران لإذلال وحرمان اقتصادي هائلين -بما في ذلك اغتيال قاسم سليماني وهو أعلى قائد عسكري إيراني في يناير/كانون الثاني 2020- فإن النظام الإيراني وحَّد صفوفه، وتضاعف البرنامج النووي 12 مرة، ولم يمس النفوذ الإيراني إقليميا أي أذى رغم تقليص النفقات. باختصار، فالسياسة الوحيدة التي حقَّقت أي تأثير يُذكر على سلوك إيران كانت خليطا من ضغط دولي كبير ودبلوماسية أميركية غير متهاونة.

أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) أن قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني وقائد الميليشيا العراقية أبو مهدي المهندس قُتلا في 03 يناير 2020 إثر غارة جوية أمريكية على مطار بغداد الدولي

يُعَدُّ إحياء الاتفاق النووي أهم تحدٍّ الآن أمام إدارة بايدن. ويجب ألّا يكون ذلك صعبا نظريا، إذ تريد واشنطن أن تتراجع إيران عن خطوات تقدُّمها النووي، كما أن إيران لن تستطيع مداواة انهيارها الاقتصادي بدون إعادة إحياء كلية أو جزئية للاتفاق. ورغم انسداد الطريق أمام إحياء الاتفاق حتى الآن بسبب السياسات الداخلية لكلٍّ من واشنطن وطهران، وانعدام الثقة الكبير بين الطرفين، والخلافات التكتيكية، فإن هذه العقبات يجب التغلُّب عليها في نهاية المطاف.

 

من جهة أخرى، سيتمثَّل تحدٍّ أكبر في نية إدارة بايدن المعلنة "إطالة مدة الاتفاق النووي وتعزيزه، إذ تريد تمديد موعد انتهائه إلى ما بعد عام 2023، حيث تنتهي صلاحية بعض بنود الاتفاق، كما تريد توسعة نطاق الاتفاق ليشمل مسائل غير نووية لكنها تبعث على القلق مثل نشر إيران للصواريخ عالية الدقة إلى وكلائها الإقليميين. ويعتقد منتقدو نهج بايدن أن إدارته يجب أن تحاول تقوية الاتفاق قبل العودة إليه، وليس بعد العودة؛ مُستفيدة في ذلك من العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب. وبصرف النظر عن الترتيب، فأي محاولات أميركية لتحصين الاتفاق ستلقى معارضة شرسة على طول الخط من إيران، أما الضغط على إيران، الذي يجب أن تتراجع عنه إدارة بايدن لإحياء الاتفاق النووي، فقد تحتاج إلى ممارسته مرة أخرى من أجل تحسين الاتفاق النووي.

 

وبالنسبة لهؤلاء المستشارين الذين يُفضِّلون العودة السريعة إلى الاتفاق النووي، فالحسابات بسيطة: هل يجب على بايدن أن يبدأ فترته الرئاسية بأزمة تصعيد مُحتمَلة مع إيران في خضم الجائحة، أم أن عليه تأجيل هذه الاحتمالية؟ من جانبهم، يستشهد منتقدو بايدن، ومعظمهم من الجمهوريين، بقول هنري كيسنجر: "إن الضغوط الناجمة عن التنافس تجذب المرء نحو تصديق بأن تأجيل مسألة ما يعني تجنُّب مشكلاتها، بيد أنه غالبا ما يكون استجلابا لكارثة".

الرئيس الأميركي "جو بايدن"

 

ما من منطقة في العالم تُهدِّد الاستقرار العالمي بقدر الشرق الأوسط، وما من دولة في الشرق الأوسط استفادت الاستفادة الأكبر من عدم الاستقرار الإقليمي بقدر إيران. ويُعزى نفوذ إيران المتوسِّع في أربع دول عربية تُمزِّقها النزاعات -سوريا والعراق ولبنان واليمن- إلى الفراغ في السلطة الذي خلقه غزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003، والانتفاضات العربية في 2011، وعقود من الحوكمة الفاشلة. وتساعد هذه الفوضى العربية طموح إيران، ويفاقم هذا الطموح الإيراني بدوره من الفوضى العربية.

 

تنطوي سياسة إيران الإقليمية على ثلاثة محاور: مناهضة الولايات المتحدة، ومناهضة إسرائيل، ومناهضة السعودية. سعت طهران لتحقيق هذه الغايات عن طريق إنشاء شبكة من المليشيات الأجنبية -على غرار حزب الله اللبناني- يُقدَّر قوامها بما بين 50 إلى 200 ألف مقاتل. وباعتبارها الدولة الدينية الوحيدة في الشرق الأوسط، فقد استطاعت إيران استغلال التطرُّف الإسلامي -الشيعي، وأحيانا السُّني- بفاعلية أكثر من كل أقرانها. وبالفعل، رغم أن العداء الإيراني-السعودي يُعَدُّ غالبا حربا طائفية بين شيعة إيران وسُنَّة السعودية، فإن الميزة النوعية المهمة التي تتمتَّع بها طهران، على عكس الرياض، هي أن كل المتطرفين الشيعة مستعدون -افتراضيا- للقتال في صفوفها، بينما يريد -افتراضيا- كل المتطرفين السنة، بما فيهم تنظيما الدولة الإسلامية والقاعدة، الإطاحة بالحكومة السعودية.

 

قد تكون الانفراجة الإيرانية-السعودية مُحتمَلة، أما إسرائيل فأوضحت طهران أنها لن تعترف بالاتفاق أبدا. فقد قدَّمت طهران مئات الملايين من الدولارات إلى حركتَيْ الجهاد الإسلامي وحماس في فلسطين، كما استطاعت، بواسطة حزب الله، جمع أكثر من 100 ألف قذيفة وصاروخ في لبنان، مُوجَّهة جميعها ضد إسرائيل، كما أنها تبني على قدم وساق قواعد عسكرية في سوريا لفتح جبهة أخرى ضد الدولة اليهودية. وانتقمت إسرائيل بدورها عبر تنفيذ ما يصل إلى 6 عمليات اغتيال لعلماء نوويين داخل إيران، وأكثر من 200 تفجير في مناطق تمركز الإيرانيين في سوريا، بالإضافة إلى هجمات سيبرانية مُدمِّرة خرَّبت البنية التحتية الإيرانية ومنشآتها النووية. وقال لي وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف ذات مرة مستشهدا بمَثَل فارسي: "في الحرب والقتال لا توزَّع الحلوى".

ورغم أنه لا يمكن محو النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، فإنه يمكن كشفه ومُجابهته واحتواؤه بفاعلية. فقد أثبت الاتفاق النووي أنه يمكن تحقيق خليط من الضغط العالمي والدبلوماسية الأميركية المتواصلة -المُتمثِّلة في تحجيم برنامج إيران النووي وليس القضاء عليه- في إطار السعي نحو نتيجة مُرضية لجميع الأطراف. كما يجب استخدام مقادير الخلطة نفسها من أجل تحجيم نفوذ إيران، بدلا من القضاء عليه كليا. ولا يتطلَّب ذلك أن يقبل العرب ظاهريا الانتهاكات الإيرانية لسيادة دولهم، ولكن سيتحتَّم على العرب السعي لوضع حدود قابلة للتنفيذ لتحجيم أشكال معينة من سوء السلوك الذي تنتهجه طهران، بدلا من المطالبة الساذجة بـ "طرد" إيران من العالم العربي، على غرار ما طالب به عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي الأسبق في 2018.

 

كانت خطة العمل الشاملة المشتركة، المعروفة بالاتفاق النووي اختصارا أو "JCPOA"، وثيقة قوامها 159 صفحة شديدة التفصيل، شرحت بحرص ودقة كيف سيُحجَّم برنامج إيران النووي ويخضَع لمزيد من الشفافية. وبالمثل، ينبغي لحلفاء الولايات المتحدة الإقليميين تقديم وصفة متماسكة مشابهة لكيفية تحجيم دعم إيران وكلاءها الإقليميين، وانتهاكاتها لسيادة دولهم. وعلى غرار التحفيزات الإيجابية التي قدَّمتها خطة العمل الشاملة المشتركة لإيران من أجل التنازل، فعلى دول الخليج العربي الاستعداد للحديث ليس فقط عن مخاوفهم ومطالبهم، بل أيضا عن سبل التعاون المشترك مع إيران. ويُعَدُّ التغيُّر المناخي بداية منطقية لهذا التعاون، نظرا لما قد يتسبَّب به قريبا من رفع حرارة مناطق في كلٍّ من إيران والعالم العربي إلى درجة انتفاء صلاحيتها للحياة.

 

ساعدت المخاوف المشتركة بشأن إيران، وانسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، ساعدت إدارة ترامب في هندسة تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، بما فيها الإمارات والبحرين. ومع ذلك سيكون أقوى دفاع ضد الزحف الإيراني في المنطقة هو بناء دول عربية وهويات قومية متماسكة، تماما مثلما لعبت قومية المنتسبين للاتحاد السوفيتي دورا محوريا في مُجابهة الأيديولوجية الشيوعية.

 

ورُغم أن حزب الله اللبناني، وعناصر من قوات الحشد الشعبي العراقية، يعملون بكفاءة امتدادا للحرس الثوري الإيراني، فإن طهران لم يَعُد بإمكانها ضمان استمرار دعمها شعبيا بين الشيعة العرب. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2019 هاجم متظاهرون القنصلية الإيرانية في النجف وكربلاء وأضرموا فيها النيران، كما تظاهر الشيعة اللبنانيون ضد حزب الله في مدينة النبطية الواقعة جنوب لبنان. وتُظهِر استطلاعات الرأي أن أكثر من نصف الشيعة العرب الآن لديهم نظرة "سلبية" تجاه إيران. ويرى قلة من الشيعة العرب، رُغم المظالم التي يعانونها في بلادهم، أن الدولة الدينية في إيران نموذج يُحتذى به.

 

فشلت محاولات واشنطن حتى الآن في تحفيز تغيير سياسي في طهران. كما لم تُوفَّق جهود تقوية شوكة الإصلاحيين داخل النظام الإيراني في وجه المنافسين المتشددين، فالإصلاحيون يفتقرون إلى الإرادة، والمتشددون لديهم التسليح الجيد. ولم تُحرِز الولايات المتحدة تقدُّما ملحوظا في محاولاتها لتحفيز المدنيين الإيرانيين العُزَّل والمتشرذمين الذين لا قيادة لهم للانتفاض في وجه قيادة إيرانية منظمة وقمعية وقوية التسليح. وقد أظهرت الجمهورية الإسلامية مرارا استعدادها لخنق شبكة الإنترنت وقتل آلاف المواطنين في الظلام، على غرار ما فعلته في نوفمبر/تشرين الثاني 2019. لا يتطلَّب التغيير في الدول الاستبدادية ضغطا شعبيا فحسب، بل أيضا انقسامات في صفوف النخبة. فعندما يعتقد النظام كله بجهازه الأمني أنه يواجه خيارين؛ "إما قاتل وإما مقتول" -على غرار سوريا- فإنه لا يجد غضاضة في الشروع بتنفيذ الخيار الأول.

 

يخشى معارضو الجمهورية الإسلامية، داخل إيران وفي المنطقة، من أن تقوِّي إعادة إحياء الاتفاق النووي النظام الإيراني. لكن التاريخ أثبت أن المعارضة السياسية لا يُؤجِّجها الفقر المدقع، إنما -بحسب ما يُعرَف بنظرية منحنى جيه- يؤدي تحسُّن الظروف الاقتصادية في المجتمع إلى رفع سقف التوقُّعات التي لا يمكن مواكبتها وإشباعها. ولهذا السبب، فمن المُحتمل أن يتسبَّب التحسُّن الاقتصادي قصير المدى، الذي قد ينتج عن رفع العقوبات الأميركية، في خلخلة النظام الإيراني على المدى المتوسط والبعيد، وليس تثبيت أركانه كما يعتقد البعض. كلما استوعب الإيرانيون أن قيادتهم، لا واشنطن، هي مَن يحول بينهم وبين مستقبل أفضل، انقلبت أيديولوجية البلاد الأقوى -القومية الإيرانية- لتكون مضادة للنظام نفسه لا أداة في خدمته.

 

تُمثِّل إدارة بايدن فرصة وتحديا في آنٍ واحد للقيادة في طهران. فقد تُساعد إعادة إحياء الاتفاق النووي على قلب دفة الاقتصاد الإيراني المُتراجِع، لكن قد يُصعِّب ذلك مواصلة الجمهورية الإسلامية إلقاءها اللوم على الولايات المتحدة في إخفاقاتها التي لا تُعَدُّ ولا تُحصى. وقد قالت لي "كايلي مور-غيلبرت"، الأكاديمية الأسترالية التي أطلقت إيران سراحها مؤخرا: "تنفَّس كثيرون داخل السجن الصعداء حينما خسر ترامب الانتخابات. أما الحرس الثوري فأُصيب بالإحباط لا شك".

لا يقف التاريخ في صف الجمهورية الإسلامية، مثلها مثل الديكتاتوريات كافة التي تفتقر إلى آليات التجديد الديمقراطية وتستخدم القمع الهائل أداةً أساسية للتحكُّم في المعارضة. وبينما تُحاول معظم الاقتصادات الحديثة تحقيق فهم أفضل لكيفية تعزيز الابتكار التكنولوجي، ومحاربة التغيُّر المناخي، وتعزيز التنوُّع؛ يبيع قادة إيران الدينيون المسنون النفط للإبقاء على أيديولوجية ثورية غير متسامحة، بل وتصديرها. ويعترف المسؤولون الإيرانيون أنفسهم بأن هجرة ذوي الكفاءات تُكلِّف الدولة 150 مليار دولار سنويا، وهو أكبر بكثير من عائد الدولة من النفط. وفي نهاية المطاف، سيكون لهذا الاعتلال الاقتصادي والسياسي والاجتماعي عواقب يجب على السياسة الأميركية أن تُخطِّط لتسهيلها لا عرقلتها.

 

بعد أربعة عقود على تأسيس الجمهورية الإسلامية، يكمن الأمل الوحيد في مجتمع فتيٍّ ومُتَّقدٍ ومُتعلِّم، توَّاق للعيش كما شعب كوريا الجنوبية، لا الشمالية، يزدهر ويعيش في سلام مع العالم. قد يستغرق الأمر سنوات لبناء نفق للعبور من دولة إيران الدينية إلى إيران الديمقراطية، لكن اكتمال هذا البناء هو الأمر الوحيد المهم لإحداث تحوُّل في الشرق الأوسط.

—————————————————————

هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

صراع دولي على القارة السمراء، أموال تضخ، وانقلابات تُعد، واستقطابات تتشكل بقلب أفريقيا، والهدف؟ وضع قدم في جغرافيا مليئة بالثروات.. هنا، توغل التنين الصيني، ليعيد تشكيل الخريطة، ويكسر الهيمنة الأميركية!

16/4/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة