كل شيء يتداعى.. هل انهارت دولة الطوائف والقروض في لبنان؟

تبدو صورة بيروت اليوم بعد مرور 9 أشهر على انفجار المرفأ المؤلم أشبه بلحظة خروجها من ركام الحرب الأهلية عقب اتفاق الطائف، وكأن النخب السياسية التي تقاسمت لبنان بعد الحرب أبت إلا أن تُسلِّم البلاد مثلما تسلَّمتها قبل ثلاثين عاما؛ خرابا عميما. فمنذ بدايات احتجاجات أكتوبر/تشرين الأول 2019 والمؤشرات القادمة من لبنان سلبية وتدعو للتشاؤم؛ العملة المحلية في تراجع، والمصارف لا تستطيع الوفاء بالتزاماتها للمودعين، والطلب على الدولار يزداد، فضلا عن ارتفاع جنوني للأسعار، ولا يبدو أن النخب السياسية والمالية المُتصدِّرة للمشهد في لبنان لديها ما تُقدِّمه لحل تلك الأزمات المتوالية، هذا كله يأتي في ظل ارتفاع حِدَّة الخلافات السياسية والطائفية في لبنان منذ اندلاع الثورة السورية، ما يجعل مشاهد الركام المصاحبة للانفجار أشبه بصورة مجازية مُعبِّرة عن مجمل الوضع العام في البلاد.

 

على مدار قرابة عام ونصف، وتحديدا منذ احتجاجات أكتوبر/تشرين الأول 2019، لم ينقطع الحديث عن لبنان، ولم تكف الأخبار الواردة عنه عن تصدُّر المشهد الإعلامي، فالبلد الصغير الذي لم يهدأ طوال تاريخه ظلَّ دائما انعكاسا وتكثيفا لأزمات المشرق العربي. لكن الاحتجاجات والاضطرابات في لبنان اليوم تبدو مختلفة عن كل ما عايشته البلاد على مدار العقود الثلاثة الماضية، فلبنان بات يقف فعليا على حافة الإفلاس، في وقت تبدو فيه النخب عاجزة عن مجرد الاتفاق على تشكيل حكومة فضلا عن السماح لتلك الحكومة بالتعامل مع التحديات الهائلة. أما من الخارج، تبدو البلاد أشبه بكرة من النار يتقاذفها الجميع ولا أحد يريد أن يُبقيها بين يديه، وحتى المساعدات الخارجية التي أبقت بيروت واقفة -نظريا- على قدميها قد جفَّت، حيث يربط المانحون أي مساعدات جديدة بقدرة النخب المتشرذمة في البلاد على الاتفاق على مسار سياسي، في الوقت الذي يطرح فيه عموم اللبنانيين تساؤلات جدية حول مستقبلهم، وحول مدى فاعلية وجدوى النظام الطائفي الذي تُحكم بموجبه البلاد منذ أكثر من ثلاثة عقود.

 

الملك فهد و المجلس النيابي اللبناني بـ "اتفاق الطائف"

"اضطررنا لشراء السِّلْم الأهلي بالمال".

(رفيق الحريري، رئيس الوزراء اللبناني الأسبق)

بعد خمسة عشر عاما من الاحتراب الأهلي، وقَّعت الأطراف المتنازعة في لبنان على ما عُرف بوثيقة الوفاق الوطني اللبناني أو اتفاق الطائف عام 1989، وهي الوثيقة التي أُعلن بموجبها نهاية الحرب وإعادة ترسيم الصلاحيات السياسية وتوزيعها بين المارونية المسيحية وقوى التشيُّع السياسي والمسلمين السنة في لبنان. كان اتفاق الطائف في مُجمله بنودا سياسية إجرائية تتحدَّث عن تقسيم المناصب السيادية بين الطوائف المختلفة؛ رئيس جمهورية ماروني، ورئيس وزراء سُني، ورئيس مجلس نيابي شيعي، في ظل دولة برلمانية تجعل رئيس الوزراء السُّني مسؤولا أمام البرلمان الموُزَّع طائفيًّا وليس أمام الرئيس الماروني في قصر بعبدا، لكن في عمق الاتفاق، كانت هناك ترتيبات سياسية واقتصادية أوسع، شملت اتفاقا ضمنيا على محاصصة وتقاسم الثروة والموارد بين مختلف الطوائف في لبنان، تماما كما اقتُسمت المناصب السياسية (1).

 

تعود أصول هذه المحاصصة وجذورها إلى عقود طويلة قبل زمان الحرب الأهلية. في كتابه "تاريخ لبنان الحديث: من الإمارة إلى اتفاق الطائف" (2) يشرح المؤرخ فواز طرابلسي جذور تأسيس إمارة جبل لبنان مطلع العهد العثماني، مُشيرا إلى امتلاك السلطنة العثمانية نظاما فريدا في الاجتماع السياسي التقليدي ما قبل الحديث، عُرف تاريخيًّا بنظام المِلل؛ وهو نظام للتعايش بين الديانات المختلفة، وكانت منطقة جبل لبنان إحدى المناطق المهمة التي طُبِّق فيها نظام الملل العثماني، خاصة بعد الصراعات المختلفة التي شهدها جبل لبنان وشماله بين الدروز القيسية واليمنية والمارونيين في الشمال اللبناني.

كان أحد أُسس النظام اللبناني-العثماني هو تحويل الطوائف إلى "كانتونات ضريبية" بحيث يتحوَّل قادة تلك الطوائف إلى ما يشبه "المُلتزمين الصغار" في مناطقهم، حيث يكون زعيم الطائفة هو مَن يتحكَّم في جمع الضرائب والتصرُّف بها وتمثيل النظام العثماني العام داخل نطاقه، مع حصّة مُتَّفق عليها تُسلَّم للأمير الشهابي (نسبة لعائلة آل شهاب، إحدى العائلات التاريخية العريقة في لبنان حتى اليوم) المُعيَّن من قِبل السُّلطان العثماني.

 

بطبيعة الحال، استخدم زعامات الطوائف هذه الموارد من أجل تشكيل بطاناتهم الخاصة ودوائر الولاء الخاصة بهم، ورفع وجهاء مُعيَّنين موالين لهم بشكل خاص، وتوظيف البعض ومساعدة آخرين وبناء كنائس ومساجد وإصلاح طرقات، وغيرها من الأمور التي تزيد شعبيتهم بين طوائفهم. ونتيجة لذلك، تشكَّلت دينامية اعتماد بين الإمارة مُمثَّلة في الأمير الشهابي والزعيم الطائفي المحلي الماروني أو الدرزي الذي يحصل على موقعه في النظام العام بفضل نفوذه المحلي، ولكنه يظل -في الوقت نفسه- محتاجا إلى تلك السُّلطة الإدارية للحفاظ على نفوذه وتقديم خدمات عامة تُرسِّخ هذا النفوذ. بعبارة أخرى، أصبح موقع الزعيم الطائفي من الأمير الشهابي يُشبه موقع الأمير الشهابي من الباب العالي العثماني، ولكن على مستوى أصغر.

 

بحسب الباحث اللبناني عامر محسن (3)، يُعَدُّ إدراك تلك الجذور التاريخية أمرا مُهما لفهم طبيعة السلطة في الجمهورية اللبنانية الثانية التي تأسَّست بعد اتفاق الطائف. ففي تلك الحقبة، أصبح النظام الاقتصادي اللبناني معتمدا على أساس واحد رئيسي وهو رؤوس الأموال المتدفقة إلى مصارفه عبر القنوات الخارجية مثل تحويلات المغتربين، والاستثمار الأجنبي المباشر، والاقتراض من الخارج، وهي الروافد التي موَّلت مشاريع إعادة الإعمار التي أعقبت الحرب مباشرة، وتحوَّلت بعد ذلك إلى سياسة اقتصادية وحيدة وراسخة للنخب السياسية الحاكمة بقيادة رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري وتيار المستقبل استمرت لثلاثة عقود حتى الآن.

رئيس الوزراء الراحل "رفيق الحريري"

هنا تظهر أهمية ما أشرنا إليه سلفا حول نظام الالتزام العثماني في لبنان، حيث جاء تعامل النخب السياسية الطائفية مع أموال القروض معاكسا تماما لتعامل أسلافهم من الزعماء الطائفيين إبان العهد العثماني، فبينما كان زعماء الطوائف القدامى أشبه بجُباة ضرائب من الناس لصالح الوالي العثماني الشهابي، يُحصِّلون الأموال من مناطقهم لصالح السَّلطنة العثمانية، كان زعماء الطوائف الحاليون يتسلَّمون -بصورة مباشرة أو غير مباشرة- أموال القروض من الخارج منذ نهاية الحرب، ويُوظِّفونها في إعادة إعمار مدنهم وأحيائهم المدمرة بعد الحرب، وقبل ذلك في دعم نفوذهم الخاص وشرعيتهم وترسيخ مواقعهم السياسية في النظام الجديد.

 

بعبارة أوضح، تعاملت النخب اللبنانية مع القروض بوصفها مَوْردا ريعيا، يُوزَّع ويُقسَّم بين زعماء الطوائف في شكل مُحاصصة طائفية-اقتصادية لتدعيم وتقوية المحاصصة السياسية الناتجة عن اتفاق الطائف، الأمر الذي انعكس على مناحي الحياة كافة بلبنان، بدءا من عملية إعادة الإعمار نفسها التي لم تُحقِّق النتائج المرجوة منها أبدا، فلم تُنفق الحكومات اللبنانية المتعاقبة في مشاريع الإعمار منذ الطائف إلا نسبة تقل عن 7% (15.12 مليار) من إجمالي إنفاقها، الذي بلغ نحو 216 مليار دولار خلال الفترة ما بين (1993-2017)، في الوقت الذي كانت فيه "خدمة" الدَّيْن العام (الفوائد) تستنزف أكثر من ثلث الإنفاق، مقابل ذهاب ربع الإنفاق فقط إلى الدعم النقدي والتحويلات.

 

مِثلُ زعماء الطوائف القدامى، استخدمت القيادات الطائفية الحالية أموال القروض لتشكيل شبكة ولاءات شخصية، فضلا عن تملُّكها الشخصي للعديد من الأصول والمشاريع داخل لبنان، وخاصة المصارف، مَكَّنتها من خلق شبكات فساد واحتكارات مهمة وظَّفتها لتدعيم نفوذها داخل الطائفة وتدعيم نفوذ طائفتها داخل البلاد، ما ضخَّم الثروات الريعية والعمل غير المنتج، ونشر ثقافة سياسية زبائنية، وألغى العملية الإنتاجية إلغاءً شبه كامل، كما عقَّد -في الوقت نفسه- إمكانية تنفيذ سياسات اقتصادية جديدة من شأنها تقليل حجم الإنفاق والاقتراض. على سبيل المثال، تسبَّب الإهمال في تجديد البنية التحتية لقطاع الكهرباء بخسائر تعادل 40% من إجمالي الدَّيْن العام، أي ما يقارب 37 مليار دولار أميركي، في ظل تقاعس الحكومة عن استغلال أموال القروض في إصلاح شبكة الكهرباء المتهالكة لسنوات عديدة. (4)

لقطة شاشة تظهر الصفحة الرئيسية لموقع وزارة الطاقة والمياه اللبنانية بعد اختراقها واستبدالها بصفحة احتجاج مكتوبة باللغة العربية تقول "الكهرباء مقطوعة" في 17 أبريل/نيسان 2012. المجموعة تطلق على نفسها اسم "ارفع صوتك".

ورغم ذلك، يبقى مَكمَن الاختلاف الجذري بين نظام الالتزام العثماني الطائفي القديم ونظام المحاصصة الريعية الحالي هو أن أموال القروض التي ينفقها زعماء الطوائف بلا حساب تأتي باسم لبنان دولة وشعبا، أي إن عُمُوم اللبنانيين مُلزمون بسداد تلك القروض في نهاية المطاف، ويُعَدُّ هذا هو جوهر الجمهورية اللبنانية الثانية التي نشأت عقب الحرب، وهذا -تحديدا- سبب أزمتها التي تبدو بلا مخرج، فسياسة التوسُّع في الاقتراض من الخارج ليست مجرد سياسة مالية، بل هي مُكوِّن عضوي للبنان ما بعد الحرب، يُجمل الباحث عامر محسن ذلك كله قائلا: "لبنان هو بلد «المال الوهمي» بامتياز، «الجمهورية الثانية» بعد الحرب قامت على إنفاق مالٍ لا تملكه حتى تدفع كُلفة توظيفٍ وتوسُّعٍ في الإنفاق وعقودٍ وفساد. هذا «العجز» المستمر تُغطِّيه الخزينة عبر اجتذاب قروض، والدائنون تُغريهم معدلات فائدة مرتفعة وتضخُّم أرصدتهم المستمر على الدفاتر، ولكن لو عدنا إلى البديهيات فإن الدولة تعرف أنها لن تتمكَّن يوما من رد كل هذه الديون المتراكمة، والأرصدة التي تنتفخ في المصارف لا قيمة لها حتى تُسدَّد. هكذا يكبر الهرم ويكبر، ولكنّه في النهاية سينهار حين يصبح أثقل بكثير من الأرض التي تحمله". (5)

 

في ضوء هذا النظام المختل، لم يكن مستبعدا أن تتفجر الأزمات في جسد الاقتصاد اللبناني المنهك مرة بعد مرة، وفي كل مرة كان على ملوك الطوائف التدخُّل لاحتواء الأزمة وتسكينها قبل أن تبتلع البلاد بأسرها. واحدة من الإستراتيجيات الأساسية التي اعتمدتها النخب اللبنانية، حتى لا تُفجِّر الديون والقروض المجتمع اللبناني، هي دعم سعر العملة المحلية (الليرة) أمام الدولار، ووضع العملة المحلية في مستويات معقولة لتشكيل نظام سعري في متناول عموم اللبنانيين للحفاظ على الاستقرار السياسي في بلد يستورد كل شيء تقريبا، ساعد على ذلك بالطبع تدفُّق القروض وتحويلات المغتربين التي ساعدت على تَوفُّر كميات كبيرة من الدولار الأميركي في خزينة البنك المركزي اللبناني.

 

لكن في العام 2011 حدث ما كان يخشاه الجميع في لبنان، حيث بدأت القنوات الخارجية بالجفاف واحدة تلو الأخرى، ووصل العجز في ميزان المدفوعات مستويات لم يبلغها حتى في سنوات الحرب الأهلية، وذلك بسبب تقلُّص مصادر تدفُّق الأموال الخارجية، نتيجة الانخفاض الهائل في صادرات السلع والخدمات، وتقلُّص الاستثمار الأجنبي، وخصوصا الخليجي منه، وتوقُّف القروض الدولية التي كان لبنان يتلقاها في السابق.

هنا -تحديدا- كانت بداية انفجار النظام السياسي اللبناني من داخله. فعلى عكس دول أخرى تحمل ديونا كبيرة مثل اليابان، التي يحمل القطاع الخاص والعام فيها قروضا ضخمة، ولكنها تملك اقتصادا مُنتِجا متينا ينمو بوتيرة نمو الدَّيْن أو بأسرع منه، ولديها موارد ضريبية كبيرة متوقَّعة في المستقبل يمكن الاعتماد عليها لخدمة الدَّيْن أو إدارته، فإن الوضع في لبنان مختلف تماما، حيث ينوء اقتصاده أصلا تحت خدمة الدَّيْن، فيما يبقى النمو معدوما تقريبا. باختصار، أصبح نمو الدَّيْن أكبر من نمو الاقتصاد اللبناني بأسره. (5)

 

كقطع الدومينو بدأت أركان النظام اللبناني في التداعي واحدة تلو الأخرى، وكان انخفاض التصنيف الائتماني للديون السيادية اللبنانية يعني إيقاف صنبور الاقتراض، وفي بلد مثل لبنان فإن توقُّف القروض يعني -أولا- انهيار العملة المحلية، و-ثانيا- تفكيك الأساس الاقتصادي للمحاصصة الطائفية. وبالتبعية، أدَّى انهيار العملة المحلية إلى ارتفاع الأسعار، خاصة للسلع الأساسية التي يستوردها لبنان كلها تقريبا، فيما عنى تضخُّم الدَّيْن وتجاوزه حجم اقتصاد البلاد أن لبنان بات واقعا تحت رحمة الدَّيْن العام والدائنين وما يستتبع ذلك من سياسات التقشف والضرائب الباهظة وخطط بيع القطاع العام الصحي والخدمي والمصرفي وغيره، فضلا عن تحوُّل كل الضرائب التي تقتطعها الدولة من المواطنين للإنفاق على بند الدَّيْن وحده، دون تقديم أي خدمات للمواطنين في المقابل.

 

في الوقت الذي بدا فيه أن النظام اللبناني قد دخل في حالة من الشلل والعجز عن الحركة، اندلعت احتجاجات أكتوبر/تشرين الأول 2019 بعد أن بلغت أزمة النظام ذروتها. الجدير بالتحليل في الاحتجاجات اللبنانية هي الشرائح والفئات الاجتماعية المشاركة فيها والمناطق التي تأتي منها التظاهرات، كبيروت وطرابلس والمُدن اللبنانية الكبرى، وليس فقط من مناطق الثقل الطائفي مثل الضاحية الجنوبية وشمال لبنان.

تُعَدُّ هذه الشرائح على وجه الخصوص أحد المخرجات والنواتج غير المقصودة للنظام الاقتصادي والاجتماعي في لبنان. فعلى مدار سنوات، أسهمت سياسات مثل تثبيت العملة المحلية مقابل الدولار والاقتصاد المُدوْلر والليرة القوية التي أرادها القطاع المصرفي اللبناني، وفتح البلد للاستثمارات والقروض، واستيراد كل شيء من الخارج، والتعليم الأجنبي؛ في خلق طبقة وسطى حديثة تعيش في المدن الرئيسية لا تستفيد من النظام الطائفي ولا ترغب فيه، برجوازية صغيرة بنَت نفسها بنفسها، تتكوَّن في المقام الأول من فئات مدينية علمانية ذات ثقافة غربية وتعليم جيد في المجمل، خارج الانتماءات الطائفية التقليدية في لبنان، فئات تكره التدخُّل الإيراني بقدر ما تكره النفوذ السعودي، وقد كانت تلك الطبقة هي الوقود الرئيسي للاحتجاجات الممتدة في لبنان منذ عام 2019.

 

تشعر تلك الشرائح الواسعة داخل لبنان أن البساط بات يُسحَب من تحت أقدامها، وأن لبنان الذي عرفوه طيلة ثلاثة عقود بعد الحرب بدأ يتغيَّر ضد مصلحتهم، فالعملة المحلية التي مكَّنتهم من الحفاظ على جودة معينة للحياة من تعليم وعلاج وأمن وخدمات ورفاه باتت في تراجع، في حين تحوَّلت حياتهم منذ سنوات إلى سلسلة من الأزمات الضاغطة والمتلاحقة: نقص في الوقود، ارتفاع في الأسعار، شركات تُغلق أبوابها وتسريح جماعي للموظفين، فاتورة الكهرباء الخاصة تتضاعف ولا يقدر الكثيرون على تحمُّلها، بنية تحتية تتهالك يوميا ولا أحد يستطيع تجديدها.

 

في هذا السياق تُشير دراسات إلى أن "العديد من سكان الطبقة الوسطى في لبنان أصبحوا في عداد الفقراء، ويُقدِّر البنك الدولي أن زهاء 50% من اللبنانيين يعيشون حاليا تحت خط الفقر، فيما الآلاف بالفعل يتضوَّرون جوعا. وقد أضحت الملابس وبعض المواد الغذائية والوقود ترفا بالنسبة للكثيرين مع هبوط القدرة الشرائية إلى النصف على أساس سنوي، ومع وصول التضخُّم إلى 90% في يونيو/حزيران 2020، وكل هذا يُجسِّد تهاويًا ملحميًّا ستكون له مضاعفات على أجيال عدة. (6)

صاحب كل هذا تشديد غير مسبوق في القبضة الأمنية داخل البلد الذي اشتهر منذ الأربعينيات بحرية التعبير والصحافة والتنظيم، حيث كانت بيروت ملاذا دائما للسياسيين المعارضين الهاربين من بطش أنظمتهم، يتجلَّى هذا التضييق الأمني في استهداف الأجهزة الأمنية والقضاء بشكل منهجي وأكثر عدوانية للنشطاء والمعارضين واللاجئين خلال السنوات الماضية، وبروز خطاب يميني سُلطوي من طرفَيْ التسوية الرئاسية الحاكمة بين التيار الوطني الحر وحزب الله، حيث أُوقف واستُدعي للتحقيق 60 شخصا على الأقل منذ 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019، على خلفية منشورات لهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

طوال تاريخه، لم يكن لبنان بلدا مشهورا بالاستقرار والهدوء، هو دائما ذلك البلد الصغير الصاخب الذي يتنافس عليه العديد من اللاعبين الإقليميين والدوليين، فرغم أن العقود الثلاثة السابقة منذ انتهاء الحرب الأهلية لم تخلُ من تجاذبات واستقطابات وحروب خارجية، فإنها كانت بالنسبة إلى لبنان أشبه باستراحة هادئة وسط تاريخ طويل من الاضطرابات والصراعات الدموية (7)، أحد مهندسي هذه الهدنة كان رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري الذي صرَّح يوما عن طبيعتها قائلا: "اضطررنا لشراء السِّلْم الأهلي بالمال"، لكن يبدو أن الزعيم السُّني الراحل وغيره من الزعماء والنخب الحاكمة في لبنان اليوم لم يضعوا في أذهانهم تصوُّرا عن مستقبل البلد والسِّلْم الأهلي في لبنان في حال جفت مصادر هذا المال.

—————————————————————————————-

المصادر

  1. من اتفاق الطائف للحراك الشعبي.. هل اقترب الاقتصاد اللبناني من الانهيار التام؟ سليمان كريمة، موقع ميدان
  2. تاريخ لبنان الحديث: من الإمارة إلى الطائف، فواز طرابلسي، رياض الريس للكتب والنشر
  3.  الكيان وأبناؤه، عامر محسن، جريدة الأخبار اللبنانية
  4. في وداع الجمهورية الثانية، عامر محسن، جريدة الأخبار اللبنانية
  5.  الدَّيْن العام ونهاية العالم: عن البدايات الجديدة، عامر محسن، جريدة الأخبار اللبنانية
  6.  ليس بلدا للفقراء: كيف فاقم دَيْنُ لبنان عدم المساواة، نسرين سلطي، مركز كارنيجي للشرق الأوسط
  7.  كل شيء يتداعى، مهى يحيى، مركز كارنيجي للشرق الأوسط
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

دخل عامل “فيروس كورونا” على خطِّ الأزمات اللبنانية وأخذ يزاحم أولويات الحكومة و”اقتصادياتها”، فهل بات لبنان أمام مسار معقَّد ومفصلي بتاريخه، يواجه فيه تحولات غير مكتملة وتحديات غير مضمونة النتائج؟

11/4/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة