"عودة دولة "هتلر".. هل يسيطر النازيون الجدد على ألمانيا بالكامل؟

ليس من المُعتاد أن يتلقَّى السياسيون الألمان تهديدات حادة وكثيفة بالقتل، لكن هذا هو ما حدث مع والتر لوبك، عضو حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم والمسؤول الإداري عن منطقة كاسل الواقعة في ولاية هيسن في وسط ألمانيا، بعد أن قرَّر السياسي الألماني أن يدافع علنا عن سياسة اللاجئين الخاصة بالمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل خلال جولات خاصة في البلدات الصغيرة بمنطقته حرص خلالها على التأكيد أن الترحيب بالمحتاجين واللاجئين يقع في صميم القيم الألمانية والمسيحية، وأن مَن يرفضون هذه القيم "هم مَن عليهم أن يغادروا البلاد وليس اللاجئين أو الأجانب" حدَّ تعبيره، وكما كان مُتوقَّعا انتشرت تصريحات "لوبك" انتشارا فيروسيا على الإنترنت مُثيرة جدلا كبيرا خاصة في صفوف أنصار اليمين المتطرف، وسرعان ما بدأت مئات الرسائل المُحمَّلة بالتهديدات تتدفَّق على بريد "لوبك" الإلكتروني، ووُضِع اسمه على قوائم المستهدفين من قِبَل النازيين الجدد على الإنترنت، ونُشِر عنوانه التفصيلي على مدوَّنات ومواقع اليمين المتطرف.

 

وفي 2 يونيو/حزيران 2019 وقع ما يخشاه الجميع وقتها، وقُتِل "لوبك" برصاصة مباشرة في رأسه (1) أثناء وقوفه في شُرفة منزله في أول عملية اغتيال سياسي يُنفِّذها اليمين المتطرف في ألمانيا منذ عهد النازية، وعلى الرغم من الصدمة التي أثارها الحادث فإن تفاصيل الجريمة التي كُشِفَ عنها لاحقا لم تكن مفاجئة لأحد تقريبا، فقد كان لدى ستيفان إرنست، المتهمِ الأولِ في الجريمة، تاريخ طويل من العنف العنصري وعلاقات وثيقة مع جماعات اليمين المتطرف، وسبق اتهامه بطعن مهاجر حتى الموت عام 1992، وأمضى لاحقا بعض الوقت في السجن إثر اتهامه بمحاولة تفجير إحدى المنشآت، وكان يمتلك خمسة أسلحة على الأقل، منها مدفع رشاش، ومسدس عيار 38، وهو السلاح الذي استخدمه في قتل "لوبك"، وعلى الرغم من أن "المكتب الاتحادي لحماية الدستور"، وهو جهاز الاستخبارات الألماني الداخلي، احتفظ على الدوام بمعلومات دقيقة حول "إرنست"، فإنه سقط من نظم المراقبة الاستخباراتية للمكتب، سهوا أو عمدا، بسبب التركيز المبالغ فيه للجهاز على حيّز "الإسلاميين المتشددين".

ستيفان إرنست، المتهم الأول في جريمة قتل والتر لوبك (رويترز)

وعلى الرغم من أن مقتل "لوبك" وضع ألمانيا أمام لحظة فارقة وجدت نفسها فيها مُجبَرة على الاعتراف بمدى جدية التهديد الذي يُشكِّله اليمين المتطرف في البلاد بدلا من التقليل الدائم منه، فإن "لوبك" لم يكن أول سياسي ألماني يتعرَّض للعنف بسبب مواقفه من اللاجئين، ففي عام 2015 تعرَّضت رئيسة بلدية كولونيا "هنرييت ريكر" للطعن في الحلق من قِبَل عاطل عن العمل أراد أن يُبدي احتجاجه على سياسة قبول اللاجئين في البلاد، ولاحقا عام 2017 نجا (2) أندرياس هولشتاين عمدة مدينة آلتينا في ولاية شمال الراين – ويستفاليا من محاولة للطعن بسبب سياسة اللاجئين أيضا، ما يُسلِّط الضوء على مزاج شديد التطرُّف والخطورة يجتاح ألمانيا مؤخرا، وغالبا ما يُعزى لسياسات "ميركل" المنفتحة تجاه اللاجئين منذ عام 2015.

 

تُوضِّح الإحصاءات (3) أن أعداد الهجمات العنيفة ضد المهاجرين والأقليات العِرقية في ألمانيا تضاعفت من 774 هجوما عام 2014 إلى 1467 هجوما عام 2015، وعلى الرغم من تراجع عدد الهجمات عام 2018 تراجعا محدودا إلى 1200 هجوم، فإن التقديرات تُشير إلى أن هذه الهجمات أصبحت أكثر عنفا وفتكا. فعلى سبيل المثال شهدت ألمانيا في سبتمبر/أيلول 2019 محاكمة ثمانية أشخاص اتُّهِموا بتأسيس خلية نازية جديدة زُعِم تخطيطها لشنِّ هجمات على المهاجرين والسياسيين والصحفيين في دريسدن عاصمة ولاية ساكسونيا. وفي الشهر نفسه حاول مسلح اقتحام كنيس يهودي في مدينة هاله، وعلى الرغم من فشله في دخول المبنى فإنه قتل رجلين على الأقل أثناء محاولته اقتحامه. وأخيرا جاءت واقعة قيام متطرف ألماني يُدعى "توباياس راتين" بقتل 11 كرديا بالرصاص في مقهى في هاناو، قبل أن يعود لمنزله ويقتل نفسه ووالدته تاركا منشورا عنصريا من 24 صفحة يُعدِّد فيه الأعراق التي ينبغي إبادتُها في ألمانيا من وجهة نظره.

على الرغم من كل ذلك فإن الربط بين نشوء العنف اليميني في ألمانيا وبين تدفُّق اللاجئين خلال الأعوام الأخيرة يفتقر إلى الكثير من الدقة، ويتجاهل ذلك الربط (4) ببساطة الكثير من الحقائق الواضحة التي يحب الكثير من السياسيين الألمان وبعض وسائل الإعلام غض الطرف عنها، فمنذ نهاية الثمانينيات وحتى اليوم شهدت ألمانيا موجاتٍ متتاليةً متفاوتةَ الشدة من العنف اليميني الذي تجاهلته أجهزة الأمن سواء غفلة أو عمدا في كثير من الأحيان، وتورَّط فيه بعض أعضاء تلك الأجهزة في أحيان أخرى، وكما تُشير التحقيقات التي أجرتها صحيفتا "دي زيت" و"دير تاغ شبيغل" المحليتان فإن المتطرفين اليمينيين والنازيين الجدد ارتكبوا ما لا يقل عن 169 جريمة قتل مباشرة منذ عام 1990، ما يُسلِّط الضوء على أشباح النازية الكامنة في المجتمع الألماني، ويضع برلين في مواجهة حقيقة أنها ربما لم تستطع بعد التخلُّص من آثار ماضيها المظلم، وأن إجراءات تنمية الشعور بالذنب الجماعي مثل النصب التذكارية العامة لضحايا الهولوكوست والرحلات المدرسية لمعسكرات الاعتقال تفشل باستمرار في مواجهة بقايا العنصرية المتأصلة وكراهية الأجانب، مهما زعم السياسيون الألمان عكس ذلك.

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية مال العنف المسلح في ألمانيا للارتباط بالدرجة الأولى مع اليسار، وعلى وجه التحديد جماعة الجيش الأحمر أو "بادر – ماينهوف"، أبرز وأنشط الجماعات اليسارية المسلحة في ألمانيا الغربية التي شنَّت هجماتها ضد الدولة الألمانية منذ مطلع السبعينيات وحتى منتصف التسعينيات تقريبا. وعلى الرغم من أن العنف اليميني ظهر في هذه الفترة على شكل موجات، فإن قوات الأمن المشغولة بمحاربة اليساريين مالت كثيرا للتقليل من شأن خطورة ذلك التطرُّف وتأثيره.

 

أثار توحيد ألمانيا عام 1989 موجة جديدة ومختلفة (5) من العنف اليميني، فقد انهار نظام الحرب الباردة المألوف بالنسبة للألمان، وبدأت حقبة زمنية جديدة شابها قدر كبير من عدم اليقين، فمع انهيار اقتصاد ألمانيا الشرقية ووصول معدلات البطالة إلى مستوى غير مسبوق، وتفشي انعدام الأمن وتفاقم أزمة الحدود المفتوحة مما أدَّى إلى تدفُّق هائل للمهاجرين، أبدى العديد من الألمان الشرقيين تململا مبكرا من النظام الدستوري للجمهورية الاتحادية، ومع نقل عاصمة البلاد من مدينة بون المتواضعة نسبيا إلى مدينة برلين الضخمة، وهيمنة القيم الاجتماعية الحداثية والمفاهيم الاقتصادية الغربية على المجتمع الألماني، تفاقم الإحساس بالتهديد لدى الألمان الشرقيين بوجه خاص، ودفعهم ذلك إلى تطوير إحساس متبادل بالتضامن القائم على "الهوية الألمانية" في مواجهة كل ما هو "دخيل" أو أجنبي، شعور أدَّى في النهاية إلى تغذية المنظمات النازية الكامنة والأحزاب اليمينية الناشئة ومجموعات "حليقي الرؤوس" المناهضة للمهاجرين، وأسفر ذلك كله عن موجة جديدة من الهجمات العنصرية وكراهية الأجانب استهدفت في المقام الأول المهاجرين الأتراك الذين تدفَّقوا للعمل في ألمانيا الموحَّدة عقب سقوط جدار برلين.

مجموعات "حليقو الرؤوس" المناهضة للمهاجرين (رويترز)

وقعت واحدة من أسوأ الفظائع في ذلك التوقيت عام 1992 حين تجمَّع حشد من اليمينيين المتطرفين في روستوك، مدينة صغيرة على ساحل البلطيق، أمام مبنى سكني يُقيم به عمال فيتناميون، وعلى مدار أيام متواصلة قصف المتطرفون الغوغاء المبنى بالحجارة وقنابل المولوتوف مع هتافات عنصرية على شاكلة "ألمانيا للألمان" و"اطردوا الأجانب"، ما أدَّى إلى اشتعال النار في المبنى بطبيعة الحال، وعلى الرغم من اعتقال مئات الأشخاص آنذاك فإنه لم يُدَن منهم إلا عدد قليل وبتهم ارتكاب أعمال عنف ضد قوات الشرطة وليس ضد سكان المبنى.

 

كانت اعتداءات روستوك هي قمة الموجة التسعينية من الهجمات العنصرية وكراهية الأجانب في ألمانيا، موجة بدأت في التراجع بفعل الانتعاش الملحوظ للاقتصاد الألماني أعقاب الوحدة بشكل تلاشت معه دعوات اليأس الثقافي والتشدد الأيديولوجي وخفت بريقها، وهو ما دفع الجماعاتِ اليمينيةَ والنازيةَ إلى الانزواء تحت الأرض، على الرغم من أن بعض هذه الجماعات، مثل الفَرع الألماني لجماعة "كومبات 18" اليمينية المتطرفة التي تأسست في بريطانيا في التسعينيات، واصلت ارتكابَ بعضِ أعمال العنف المناهضة للأجانب مستغلة شبكاتها الكبيرة من الأعضاء الذين كان معظمهم معروفين بالاسم لدى أجهزة إنفاذ القانون في البلاد، ومنهم "ستيفان إرنست" المتهم في واقعة اغتيال السياسي "والتر لوبك" سابقة الذكر.

 

مع مطلع الألفينيات عاد العنف اليميني للواجهة مجددا بشكل أكثر تنظيما مع ظهور قضية "قتلى الكباب" (6)، ولم تكن هناك العديد من القواسم المشتركة الجامعة بين الضحايا بخلاف كونِهم جميعا من أصول مهاجرة (أتراك على الأغلب) ويديرون متاجر أو مؤسسات متواضعة، وكانت البداية مطلع عام 2001 مع واقعة مقتل "أنور شيمشك"، وهو شاب تركي ألماني يبلغ من العمر 38 عاما ويدير شركة لاستيراد الزهور في مدينة نورمبرغ الجنوبية، بأيدي مُسلَّحَيْن أطلقا عليه النار داخل شاحنته ليلقى حتفه في مستشفى بعد يومين.

صورة لإحدى الصحف الألمانية التي تتكلم عن قتلى الكباب (مواقع التواصل)

لاحقا، وكما يُشير تحقيق (7) صحيفة الغارديان الذي تتبَّع تفاصيل القضية، قُتِل آخر يُدعى "عبد الرحيم أوزودوغرو" في المدينة ذاتها في يونيو/حزيران، وبعد ذلك بأسبوعين قُتِل "سليمان تاشكوبرو" في هامبورغ بثلاث طلقات في متجره لبيع الخضراوات، وبعدها بشهرين، أغسطس/آب 2001، أُردي بائع الخضراوات "هابيل كيلينج" قتيلا بعد إصابته بطلقتين في متجره في ميونيخ، وكان القتلة كما كشفت التحقيقات لاحقا يُفضِّلون طريقة بعينها للقتل، حيث كانت الرصاصات تُطلَق من مسافة قريبة من الشخص المُستهدَف، وفي جميع الجرائم تقريبا استُخدم مسدس كاتم للصوت من طراز "CZ 83" (النسخة المدنية من الطراز العسكري "CZ82")، ما دفع الشرطة إلى الاعتقاد في البداية أن الجرائم كانت من عمل عصابات المافيا التركية التي تتقاتل على مناطق النفوذ.

 

هدأت الجرائم نسبيا خلال الأعوام التالية، ولكنها عادت مرة أخرى بالنمط نفسه عام 2004، وكانت البداية مع "محمد تورغوت" الذي قُتِل بالرصاص في محل كباب في مدينة روستوك على ساحل البلطيق. وفي العام ذاته فُجِّرَت قنبلة في منطقة كيوبستراس بمدينة كولون التي يقطنها المهاجرون الأتراك، ما تسبَّب في جرح 22 شخصا، وفي يونيو/حزيران 2005 أُطلق الرصاص على "إسماعيل ياشار"، 50 عاما، في محل الكباب الخاص به في مدينة نورمبرغ، وفي العام التالي قُتِل صانع أقفال يوناني – ألماني يبلغ من العمر 41 عاما ويُدعى ثيودوروس بولجاريدس في محل عمله في ميونيخ، ليصبح أول ضحية لا تحمل أصولا تركية. وفي عام 2006 قُتِل بائع بأحد الأكشاك يُدعى محمد كوباشيك، 39 عاما، في مدينة دورتموند في ألمانيا الغربية، وبعد ذلك بيومين فحسب قُتِل خالد يوزجات، 21 عاما، في مقهى للإنترنت كان يديره في مدينة كاسيل بوسط ألمانيا.

 

وقعت حوادث القتل تلك في 7 مدن مختلفة في جميع أنحاء ألمانيا من شرقها إلى غربها، وعادة ما كان يفصل بينها فترات طويلة وصلت إلى سنوات في بعض الأحيان، وقد جعل كل ذلك الربط بين مرتكبيها صعبا لدرجة أن السلطات الألمانية لم تقتنع بأن تلك الجرائم متصلة ببعضها إلا عام 2006، وكان على أجهزة الأمن الانتظارُ خمسة أعوام أخرى، وتحديدا حتى عام 2011 لكشف مزيد من التفاصيل حول القضايا الغامضة، بعدما حصلت مجموعة من الصحف الألمانية على أقراص رقمية حوت مقطع فيديو مثيرا للاهتمام عبارة عن حلقة مُنتِجَت من مسلسل الكارتون الشهير "النمر الوردي"، وأظهرت الحلقة النمر وهو يتجوَّل في الشوارع أمام ملصقات مكتوب عليها عبارات "قفوا مع شعبكم"، قبل أن يقوم بتفجير محل للبقالة ليُقطع الفيديو فجأة وتحلَّ محلَّه لَقَطاتٌ إخبارية لمحل هُجِم عليه بطريقة مماثلة في مدينة كولونيا عام 2001.

جماعة الاشتراكيين الوطنيين السرية (مواقع التواصل)

عاد المقطع بعد ذلك ليُظهِر النمر الوردي وهو مُستلقٍ على أريكته يشاهد تقارير إخبارية حقيقية حول جرائم القتل الغامضة التي امتدت على مدار أكثر من عقد، قبل أن يظهر شعار على الشاشة يُشير إلى كون هذه الأفعال ارتُكِبت بواسطة جماعة أطلقت على نفسها "جماعة الاشتراكيين الوطنيين السرية". وبينما كانت الصحافة والشرطة في حيرة من أمرهم لجمع أي معلومات ممكنة حول الجماعة الجديدة وهويتها، فإن هذه الحيرة تبدَّدت أخيرا في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه حين طاردت الشرطة رجلين حاولا السطو على أحد البنوك في ولاية تورنغن في وسط ألمانيا، وأثناء محاولة القبض عليهما حاصرت الشرطة الشاحنة اللي استقلَّها الرجلان بدراجتَيْهما النارية، لتكتشف مخزونا ضخما من الأسلحة والذخائر داخل الشاحنة، لكن المفاجأة أن الرجلين لم يستسلما للشرطة ولم يحاولا الهرب، ولكنها قاما بقتل نفسيهما وإشعال النار في الشاحنة في مشهد سينمائي بامتياز.

 

سرعان ما تُعُرِّفَ على جثتَيْ الرجلين وهما "أوي موندلوس" و"أوي بوهندهارت"، وكلاهما من أقدم أعضاء اليمين الألماني المتطرف، وقد فرَّا بصحبة صديقة ثالثة لهما تُدعى "بيت تشابي" من الشرطة قبل 13 عاما ليسكنوا جميعا في شقة ببلدة تسفيكاو في ولاية سكسونيا، قبل أن تقوم تشابي بحرق الشقة بأكملها بعد علمها بمقتل رفيقَيْها. وعندما فتَّشت الشرطة لاحقا بقايا الشقة المحروقة وجدت قصاصات جرائد نجت من النيران حول قضايا مقتل الضحايا الأتراك، ونسخا من شرائط فيديو النمر الوردي، ومسدسًا من طراز "CZ 83".

 

وعلى الرغم من هذا التدفُّق الكبير في المعلومات حول القضية فإن الكثير من الأسئلة الجوهرية حول "جرائم الكباب" كما سُمِّيت ظلَّت بلا إجابة، وعلى رأسها الكيفية التي استطاع بها ثلاثة أشخاص فقط اكتساب المعرفة والقدرة اللازمة لتنفيذ هذا العدد من الجرائم في عدة ولايات مختلفة بما يشمل المعرفة المفصلة بالضحايا وروتينِهم اليومي وطرقِ الهرب من مسارح الجريمة المختلفة والقدرات اللوجستية الكبيرة التي تشمل الأسلحة وبطاقات الهوية المزورة، وجميعُها مؤشراتٌ تُثبت أن جماعة الاشتراكيين الوطنيين السرية لم تكن لتعمل بهذا الشكل الاحترافي بدون شبكة دعم واسعة من المتعاطفين ذوي النفوذ، وكان مفتاح الحل لهذه الألغاز جميعا هو "أندرياس تيم"، عميل وكالة الاستخبارات الألمانية الذي كان حاضرا داخل مقهى الإنترنت المملوك لخالد يوزجات حين تعرَّض للقتل على يد المتطرفين عام 2006.

وفقا لما أوردته الغارديان فإن "تيم" ادَّعى خلال شهادته عام 2013 أنه لم يسمع الرصاصات الصامتة التي أودت بحياة يوزجات، كما لم يلاحظ رذاذ الدم على الحائط وراء مكتب دفع الحساب أثناء مغادرته، مؤكدا أن وجوده في موقع الجريمة في وقت الحادث كان محض مصادفة، في تتابع لمفارقات كان من الصعب تصديقها خاصة وهي آتية على لسان عميل استخباراتي لا ألماني عادي، لكن الأهم من ذلك أن المعلومات التي توفَّرت لاحقا حول شخصية "تيم" نفسه جعلت من الصعب تصديقَ روايتِه حول وجوده بالمصادفة، وأشارت إلى اتجاه معاكس تماما مفاده أن "تيم" ربما كان مُتورِّطا في الجريمة أو متواطئا فيها على أقل تقدير.

 

أوضح شهود الادّعاء أثناء وصفهم لشخصية "تيم" أنه يحمل ميولا نازية لا يمكن إخفاؤها، لدرجة أنه عُرِف في صغره بـ "أدولف الصغير" نسبة إلى "أدولف هتلر"، وبخلاف ذلك فإن المكتبة الشخصية لتيم حوت أدبيات نازية وكتيبات خاصة حول طريقة عمل أسلحة مختلفة، وعلى الرغم من الإشارات الواضحة فإن الادّعاء الألماني فشل في إدانة "تيم" بالتورُّط في الجريمة، واكتفى بقبول استقالته من وكالة الاستخبارات وابتعاده عن الواجهة.

 

سلَّط الدور الغامض لـ "أندرياس تيم"، وربما غيرِه من وكلاء جهاز الاستخبارات وأجهزة الأمن الألمانية في جرائم "الكباب"، الضوء على الطريقة التي غذَّت بها (8) الأجهزة الأمنية العنف اليميني في البلاد، ويبدو أن الأمر بدأ في وقت مبكر من الثمانينيات، حين وظَّف وكلاءُ الاستخبارات مخبرين مأجورين متورطين بالفعل في الأوساط اليمينية المتطرفة بهدف جمع المعلومات، لكن على النقيض من الطريقة التقليدية لتجنيد الوكلاء فإن هؤلاء المخبرين اليمنيين لم يكونوا مجرد وشاة نقلوا معلومات عن زملائهم مقابل المال، لكنهم كانوا مصادر مُدرَّبة ببذخ وكفاءة جُنِّدوا وطُوِّرت قدراتهم على فترات زمنية طويلة، وتلقَّوا وعدا بالحماية القانونية، وأُمِدُّوا بأموال استخدموها لرفع شأنهم في قلب الحركة اليمينية.

أندرياس تيم أثناء إدلاءه بشهادته (غيتي إيميجز)

ولتبرير ذلك ادَّعت وكالة الاستخبارات الألمانية أنه عن طريق توزيع الأموال على المخبرين فإنها ستتمكَّن من صناعة خريطة واضحة للعنف اليميني في ألمانيا، لكنَّ هذا المال الذي أغدقته أجهزة الأمن على متطرفي اليمين أدَّى فعليا إلى تغذية جماعاتهم، ووفَّر لهم مستوى غير مسبوق من التمويل، لدرجة أن أحد هؤلاء المتطرفين "تينو براندت" تفاخر علنا على شاشات التلفاز الألماني بأن الدولة أعطته 200 ألف مارك في أوائل التسعينيات استخدمها لطباعة المنشورات وتنظيم الفعاليات.

 

كان أحد النازيين الجدد المعروفين، "رالف مارشنر"، واحدا من المخبرين المأجورين الذين عملوا لدى جهاز المخابرات الألمانية بين عامَيْ 2000-2002، وكان على علاقة وثيقة مع خلية الاشتراكيين الوطنيين السرية، والغريب أنه عندما حاولت لجنة حكومية الحصول على ملف مارشنر فإن المدّعي العام في ساكسونيا أخبرها أن الملف "تعرَّض للتلف"، ولاحقا رفض القاضي المُكلَّف بالتحقيق في قضية الاشتراكيين الوطنيين محاولات استكشاف دور "مارشنر" في القضية واصفا إياه بأنه "غير ذي صلة"، فيما وُصِف بأنه محاولة مُتعمَّدة لتفادي الكشف عن الارتباطات المُريبة بين جماعة الاشتراكيين الوطنيين وبين أجهزة الأمن، وهي ارتباطات لم تكف عن إثارة الجدل في ألمانيا طوال السنوات الماضية مع مواصلة تلك الأجهزة سياستها المتقاعسة في احتواء المتطرفين اليمينيين، تقاعس وصل إلى أن وزارة الداخلية الألمانية تلقَّت استجوابا برلمانيا من حزب اليسار في نهاية عام 2016 حول وجود أكثر من 600 مذكرة اعتقال لم تُنفَّذ بحق أعضاء في منظمات النازيين الجدد.

 

في هذا السياق هناك طُرفة شائعة (9) في الداخل الألماني نصّها: "قوات الأمن الألمانية عمياء في عينها اليمنى"، في إشارة ساخرة إلى لا مبالاة أجهزة الدولة بشأن تهديدات التطرُّف اليميني، ولا يقتصر ذلك فقط على اعتناق بعض أفراد أجهزة الأمن للمعتقدات اليمينية المتطرفة مثل التجانس العنصري وتورُّطهم في تسهيل أعمال العنف اليميني، لكن تلك اللا مبالاة أو التعمُّد يشملان أيضا تورُّطَ نظام العدالة الألماني في غضِّ الطرف عن هذه الجرائم ومنع تقديم الأدلة التي تُثبت تورُّط المسؤولين الألمان في تسهيل هذا النوع من العنف المسلح.

متظاهرون يساريون يشاركون في مسيرة ضد النازيين الجدد (رويترز)

ونتيجة لهذه الثقافة المؤسسية التي تُرسِّخ لإفلات المتطرفين اليمينيين من العقاب، ظلَّت الأفكار اليمينية المتطرفة وأيديولوجيا النازيين الجدد تتسلَّل ببطء لقلب الأجهزة الأمنية والعسكرية في ألمانيا، وللدقة لطالما اعتُبِر جهاز الاستخبارات الألماني ذا ميول يمينية طبيعية منذ أسّسه الأميركيون أعقاب الحرب العالمية الثانية، حيث اضطر الجهاز للترحيب بالنازيين والأعضاء السابقين في الشرطة الألمانية السرية "الجستابو" ضمن صفوفه، وكانت مهمة الجهاز الأساسية هي التجسُّس على أعضاء الحزب الشيوعي الألماني، وكانت هذه الميول النازية غير الخفية هي السبب في انشقاق "أوتو جون"، أول رئيس للجهاز، وهربه إلى ألمانيا الشرقية عام 1954، ليَخلفه في رئاسة الجهاز "هوبرت شروبرز" العضو السابق في وحدات "إس إس وافن" شبه العسكرية الشهيرة التابعة للحزب النازي، حيث حُظِر في عهده الحزب الشيوعي الألماني، ومع تواتر التقارير حول الميول النازية الكامنة في قلب جهاز الاستخبارات الألماني، فإن عددا من الأحزاب السياسية الكبرى في البلاد مثل حزب الخضر وحزب اليسار سبق أن طالب بإلغاء وكالة الاستخبارات الداخلية في البلاد.

 

لكن هذا الحضور الجلي للنازية الجديدة في ألمانيا لم يقف عند جهاز الاستخبارات فحسب، وإنما تغلغلت هذه الأفكار على الأرجح في جميع مفاصل (10) الجيش الألماني الجديد المعروف باسم "بوندسفير"، فعلى الرغم من أن نبذ الإرث النازي وتجريمه كان أحد المتطلبات الأساسية لإعادة بناء الجيش الألماني، فإن القيادة السياسية في ألمانيا الغربية لم تجد بُدًّا من الاستعانة ببعض خبرات قيادات العصر النازي. ونتيجة لذلك، ومع اقتراب عقد الخمسينيات من نهايته، كان البوندسفير قد استقطب نحو 12 ألفا من ضباط الجيش النازي ونحو 3000 من وحدات "إس إس وافن".

 

وعلى الرغم من ذلك فإن هذه الميول النازية داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية ظلَّت تحت السيطرة إلى حدٍّ كبير حتى لحظة هدم جدار برلين أواخر الثمانينيات، وانضمام الألمان الشرقيين إلى ألمانيا الموحَّدة ليُمثِّلوا خُمس سكان البلاد، وعلى الرغم من العداء الشديد بين الشيوعيين القادمين من ألمانيا الشرقية وبين النازيين، فإن أزمة الهوية التي خلقها عالم ما بعد الحرب الباردة، وسخط العديد من الألمان الشرقيين على القيم الحداثية الغربية، تسبَّب في جنوح الكثير من الألمان الشرقيين نحو التطرُّف اليميني.

متظاهرون مناهضون للنازية يمشون مع لافتات تظهر صوراً للمهاجرين الذين قتلوا على يد مجموعة من النازيين الجدد ، خلال مظاهرة في ميونيخ 2011 (رويترز)
بالتزامن مع ذلك، أثَّر (11) إلغاء الخدمة العسكرية الإلزامية والاتجاه للاعتماد على قوة عسكرية محترفة على التمثيل المتوازن لمختلف الشرائح في المجتمع الألماني داخل الأجهزة العسكرية، وفتح المجال أمام المتحمسين من اليمينيين والشرائح الأكثر فقرا الساعية للحصول على المزايا المادية للخدمة العسكرية لزيادة وجودهم داخل الجيش، ونتيجة لذلك زادت نسبة الملتحقين بالجيش من سكان ألمانيا الشرقية إلى الثلث تقريبا، وبدأت "المعضلة النازية" تفرض نفسها شيئا فشيئا على ألمانيا، ليس في الجيش والأجهزة الأمنية فحسب، ولكن في المجتمع بأسره.

بدأت آثار هذا التوجُّه اليميني في المجتمع الألماني في لفت الأنظار منذ عام 2014، تزامنا مع موجة اليمين المتطرف التي اجتاحت أوروبا كلها بوصفها رد فعل على الأزمة الاقتصادية في منطقة اليورو، وعلى أزمة اللاجئين السوريين وتوافدهم على أوروبا، خاصة مع قرار المستشارة الألمانية ميركل فتح الأبواب لاستقبال مئات الآلاف من اللاجئين الفارّين من الصراع الدموي على الأراضي السورية.

 

وقتها بدأت الصراعات العسكرية التي اجتاحت الشرق الأوسط في فرض نفسها داخل مجتمعات المهاجرين في ألمانيا هذه المرة في صورة صراعات ثقافية، وكان المثال الأبرز على ذلك اشتباكاتِ الشوارع التي وقعت في مدينة هامبورغ في أكتوبر/تشرين الأول عام 2014 بين مؤيدي "الجماعات الجهادية" وبين مناصري الأكراد واليزيديين الذين كانوا يُنظِّمون تظاهرة خاصة تضامنا مع بلدة كوباني السورية المحاصرة، مشهد التقطه "لوتز باخمان"، صاحب شركة دعاية وإعلان تقوم بأعمال الدعاية لصالح الملاهي الليلية في دريسدن بولاية ساكسونيا، ليُدشِّن مجموعة على فيسبوك باسم "الأوروبيون المسالمون ضد أسلمة الغرب"، دعا فيها للنزول للشوارع لتوصيل رسالة للسياسيين احتجاجا على ما وصفها بسياسات "الأسلمة والأبوية والصوابية السياسية وإهانة الوطنيين ووصفهم بالنازية لكونهم يدافعون عن بلادهم"، مُشبِّها دعوته بصرخة الاحتجاج التاريخية للمتظاهرين في ألمانيا الشرقية في الأسابيع التي سبقت انهيارَ الشيوعية وسقوطَ جدار برلين.

أنصار حركة الأوروبيون المسالمون ضد أسلمة الغرب (pegida) يحملون ملصق يصور المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مع نص مكتوب عليه "نحن قادمون يا أمي!" خلال مظاهرة في ألمانيا 2016 (رويترز)

تحوَّلت (12) المجموعة سريعا -في غضون أيام- إلى حركة سياسية عرَّفت نفسها باسم "بيغيدا" أو "وطنيون أوروبيون ضد أسلمة الغرب"، وخلال أيام قليلة إضافية نجحت "بيغيدا" في اكتساب زخم كبير، ونظَّمت مظاهرات أسبوعية في دريسدن، وألهمت تحرُّكات مماثلة في العديد من المدن والولايات الشرقية مثل لايبزيغ وكاسل، وحتى في بعض المناطق الغربية مثل فورتسبورغ وبون وفرانكفورت، وبحلول شهر ديسمبر/كانون الأول كانت مظاهرات "بيغيدا" تستقطب أكثر من 20 ألف مشارك، وبدا أن الحركة اكتسبت زخما لا يمكن وقفُه، وأنها في طريقها لتدشين تحوُّل سياسي كبير.

 

لكن في خلال ثلاثة أسابيع فقط تلاشى زخم "بيغيدا" فجأة بفعل مظاهرات مضادة أكبر حجما بكثير نظَّمتها الجماعات اليسارية والخضر والديمقراطيون الاجتماعيون ومنظمات المهاجرين والكنائس، وبحلول منتصف فبراير/شباط 2015 تضاءل حجم تظاهرات "بيغيدا" إلى بضع مئات فقط، لدرجة دفعت البعضَ إلى الاعتقاد (13) بأنها كانت مجرد ظاهرة ثقافية مؤقتة ولَّدها الوضع الفريد لولاية ساكسونيا التي تحمل إرثا تاريخيا من العداء للمهاجرين والأجانب.

 

لكن هذا الاعتقاد سرعان ما تلاشى بفعل الصعود السياسي الكبير لحزب البديل من أجل ألمانيا (AFD)، وهو حزب سياسي يميني متطرف يتبنَّى أجندة حمائية معادية للمهاجرين ومناهضة للاتحاد الأوروبي تأسَّس في برلين مطلع عام 2013 بوصفه رد فعل على الأزمة الاقتصادية في منطقة اليورو، لكنه لم ينجح في تجاوز عتبة 5% من الأصوات المطلوبة في انتخابات عام تأسيسه نفسه، غير أنه نجح في الحصول على 7 مقاعد في الانتخابات الأوروبية في العام التالي، كما نجح في تحقيق انتصارات ملحوظة في انتخابات الولايات خلال الأعوام التالية، ليُؤمِّن لنفسه تمثيلا في 14 برلمانا من أصل 16 برلمانا للولايات الألمانية، قبل أن يتوّج البديل موجة صعوده في الانتخابات الفيدرالية التي جرت عام 2017 حاصدا 94 مقعدا في البرلمان الألماني "البوندستاج"، ليصبح بموجبها الحزب المتطرف ثالث أكبر الأحزاب تمثيلا فيه.

 

كان حزب البديل هو أول حزب شعبوي يميني يحصد نجاحا انتخابيا في ألمانيا منذ الحرب العالمية الثانية، ومَثَّل نجاحه أول خرق سياسي للإجماع الليبرالي الألماني بعد الحرب، لذا فإن صعود الحزب أصاب السياسة الألمانية بهزة كبيرة خاصة مع الارتباط الأيديولوجي الذي يجمعه مع مؤيدي أيديولوجية "النازية الجديدة" على الرغم من إنكار الحزب لهذه الروابط، فضلا عن كون صعود الحزب قد منح قُبلة الحياة السياسية لهذه الأفكار بعد أن ظن الجميع أنها قد تلاشت بفعل آثار الانتعاش الاقتصادي خلال العقد الأول من الألفية.

 

عَبَّرَ نجاح حزب البديل -في جوهره- عن صعود ثقافة فكرية جديدة في ألمانيا لم تَعُد راضية عن السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحزب الديمقراطي المسيحي تحت قيادة أنجيلا ميركل، خاصة فيما يتعلّق بمواقف الحزب من المهاجرين والإسلام، ولكن الجديد أن الموجة اليمينية الجديدة التي صاحبت صعود الحزب لم تَعُد محصورة في المناطق الشرقية المعادية تقليديا للمهاجرين -على الرغم من أنها حاضرة بوضوح أكثر في هذه المناطق- أو مرتبطة بالطبقات الأدنى في السلم الاقتصادي، لكنها تبدو أكثر ارتباطا بطبقة برجوازية جديدة مُتعلِّمة محافظة ودوائر يمينية راديكالية بعضها من المؤيدين السابقين للحزب الديمقراطي المسيحي نفسه.

 

لكن أهم ما يجعل (14) هذه البيئة مختلفة عن الدوائر المحافظة التقليدية في الماضي هو أنها تضم مجموعات فكرية مختلفة لم يَبدُ حتى وقت قريب أن هناك الكثير من القواسم المشتركة بينها، على رأس هؤلاء مفكرو اليمين المتطرف التقليديون في ألمانيا الغربية أمثال كارل هاينز ويبمان وهيمو شويلك وأولريتش شتشاتشت وغوتز كوبيتشيك الذين كانوا يضغطون منذ سبعينيات القرن الماضي من أجل قومية يمينية متعصبة ومنع تحوُّل ألمانيا إلى مجتمع متعدد الثقافات، وحازوا حضورا ملحوظا خلال فترة حكم المستشار هيلموت كول في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، على الرغم من أن تأثيرهم السياسي ظلَّ محدودا مع بقائهم على هامش السياسة الألمانية.

ثيلو سارازين، عضو الاشتراكي الديمقراطي في ألمانيا (رويترز)

لكن هذا الوضع تغيَّر مؤخرا بعد أن انضم لهؤلاء مجموعة أخرى من الممثلين البارزين للطبقة الفكرية السائدة في ألمانيا الغربية من المفكرين الذين كانوا مُقرَّبين سابقا من دوائر السلطة ولكنهم خسروا نفوذهم في الإعلام والسياسة والثقافة بحكم التغيرات الاجتماعية والسياسة متعددة الثقافات وصعود الأقليات، ومن أبرز هؤلاء هانز جورج مابين، الرئيس السابق لكلٍّ من المكتب القومي لحماية الدستور ووكالة الأمن الداخلي الألمانية، وكذا ثيلو سارازين، عضو الاشتراكي الديمقراطي في ألمانيا، وغيرُهم.

 

ينضم إلى هؤلاء مجموعة أخرى يكتمل بها ثالوث النخبة اليمينية الجديدة في ألمانيا اليوم، وهم الألمان الشرقيون الذين كانوا مُهمَّشين في جمهورية ألمانيا الشرقية سابقا ممّن تولوا مواقع قيادية في المجتمع المدني خلال الفترة الانتقالية وخابت آمالهم بسبب الطرق التي تم بها توحيد شطرَيْ ألمانيا وبفعل هيمنة الثقافة الغربية، ويرى هؤلاء أن صعود الأفكار اليمينية اليوم هو امتداد بشكل ما لثورة الألمان الشرقيين عام 1989، وعلى الرغم من أن هذه المجموعات لم يربط بينها في وقت سابق أي شبكات سياسية، فإنها تشترك جميعا اليوم في رفضها لأفكار التعدد الثقافي وقبول الآخر، ومبالغتها في التحذير من خطر المهاجرين والمحاولات المزعومة لـ "أسلمة" ألمانيا.

 

وعلى الرغم من أن هذه المجموعات المتباينة لا تزال تحمل قدرا كبيرا من التباين والاختلاف فيما بينها، وأن أغلبها يرفض العنف ضد الأقليات والمهاجرين بوصفه وسيلة لترويج أفكارها، فإن توفُّر البيئة الأيديولوجية والسياسية التي تُغذِّي صعود قوى اليمين المتطرف العنيفة ومجموعات النازية الجديدة بشكل جماعي أصبحت اليوم الخطر الأكبر الذي يُهدِّد مستقبل ألمانيا بوصفها دولة ليبرالية تعدُّدية، وهو خطر يبدو أن معظم صُنَّاع القرار في ألمانيا لا يزالون يُهوِّنون من حجمه، عمدا أو تقليلا منه، ويتناسَون أن ألمانيا المزدهرة والمستقرة سياسيا اليوم كانت قبل ثلاثة عقود فقط تعيش في خضم أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة، وأنه على الرغم من التغييرات المذهلة التي شهدتها البلاد منذ مطلع التسعينيات وحتى اليوم، فإن أشباحَ توتُّرات الماضي وخطوط الصدع التي خلقتها لا تزال أصواتها تتردَّد في جنبات السياسة والمجتمع في ألمانيا حتى يومنا هذا، أشباحا إن استمرت برلين في تجاهلها فإنها ستواصل النمو وتُعيد إنتاج مبادئ النازية في ثوب جديد أكثر حداثة، ولحُسن الحظ، فإن الكثيرين لا يزالون يذكرون الثمن الذي دفع العالم للتخلُّص من النازيين الأوائل قبل زهاء 6 عقود من الزمان.

————————————————————————————–

المصادر

  1. A Political Murder and Far-Right Terrorism:(1) Germany’s New Hateful Reality
  2. سياسي ألماني يتعرض للطعن لدوافع سياسية
  3. In Germany, Right-Wing Violence Is a Problem No One Wants to See
  4. Germany Has a Neo-Nazi Terrorism Epidemic
  5. Germany’s New Politics of Cultural Despair
  6. 10 MURDERS, 3 NAZIS, AND GERMANY’S MOMENT OF RECKONING
  7. The neo-Nazi murder trial revealing Germany’s darkest secrets
  8. Germany | Implications of right-wing extremism in security forces
  9. A Political Murder and Far-Right Terrorism: Germany’s New Hateful Reality
  10. لغز فرانكو.. شبح النازية الكامن في ثكنات الألمان
  11. ”Citizen in Uniform:” Democratic Germany and the Changing Bundeswehr
  12. Where Did Germany’s Islamophobes Come From?
  13. Among the Hate Poets: The (Surprisingly Recent) Historical Roots of Germany’s Pegida Movement
  14. Germany’s New Ultranationalist Intelligentsia
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

قد لا ترحل أنجيلا ميركل إلا عام 2021، بيد أنها ستبدأ في حزم بعض أمتعتها وأفكارها بينما تعلو أصوات أخرى في المشهد السياسي الألماني والأوروبي بعمومه، فهل انتهى زمن ميركل؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة