موسم الزحف إلى أفريقيا.. مَن يفوز بالمنافسة العالمية على الكعكة السمراء؟

تحتدم المنافسة بين القوى العظمى العالمية في القارة الأفريقية، وتتجلّى هذه المنافسة أوضح ما يكون في الأنشطة العسكرية والاقتصادية لكلٍّ من روسيا والصين بالإضافة إلى النفوذ الفرنسي قديم العهد بالقارة. فما مظاهر تنافس القوى العظمى في القارة السمراء الآن؟ وماذا يعني ذلك بالنسبة إلى الولايات المتحدة؟ وكيف يمكنها الفوز في هذا الصراع المحتدم؟ هذا ما يناقشه تقرير نشرته مجلة "فورين أفيرز" أعدَّه كلٌّ من ماركوس هيكس، اللواء المتقاعد بالقوات الجوية الأميركية الذي عمل قائدا لوحدة العمليات الخاصة الأميركية في أفريقيا بين عامَيْ 2017-2019، وكايل آتويل ودان كوليني، الضابطين الحاليين في الجيش الأميركي.

 

سحبت الولايات المتحدة، تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب، الجنود والموارد من أفريقيا ضمن تحوُّل أوسع في سياسة الأمن القومي من مكافحة الإرهاب إلى منافسة القوى العظمى، وفيما استخدمت إدارة ترامب كلمة "معايرة" وصفا مخففا لتحوُّلها بعيدا عن أفريقيا الذي بدأ عام 2018 تقريبا، فإن الوصف الأدق لهذا التحوُّل هو "الانسحاب"، حيث أعادت إدارة ترامب تقليص جهود مكافحة الجهاديين في الكاميرون والنيجر ونيجيريا، وخفَّضت الوجود العسكري الأميركي في عدد من أكثر مناطق القارة السمراء تقلُّبا، كما سحبت الإدارة خلال الأشهر الأخيرة من عمرها جميع الجنود الأميركيين من الصومال تقريبا.

يعكس التحوُّل في الإستراتيجية الأميركية تجاه أفريقيا افتراضا -يُجمع عليه الكثيرون في واشنطن- هو أن مكافحة الإرهاب والأولويات الأميركية قديمة العهد في أفريقيا تنخفض أهميتها، في وقت تحتدم فيه المنافسة بين الولايات المتحدة والصين وقوى أخرى مهمة، لكن هذا الافتراض أبعد ما يكون عن الصواب، فلا يمكن اعتبار أفريقيا اليوم تشتيتا عن تنافس القوى العظمى بقدر ما هي إحدى أهم الساحات التي من المُرجَّح أن تشهد هذا التنافس. كما سيزيد تنافس القوى العظمى من حاجة الولايات المتحدة إلى محاربة الإرهابيين وتأمين الديمقراطية والتجارة الحرة في أفريقيا، لكن يجب تحقيق ذلك مع إيلاء اهتمام خاص لتحجيم النفوذ الضار لكلٍّ من روسيا والصين.

 

تحتاج إدارة الرئيس جو بايدن إلى إستراتيجية جديدة للسعي نحو هذه الغايات جميعا، وجعلها مستديمة، وبتكلفة معقولة. وطالما كان للولايات المتحدة سياسة مستقرة في أفريقيا، وأجرت عمليات يومية من خلال سفرائها، لتُكيِّف نهجها تجاه كل دولة من الدول الأربعة والخمسين في القارة على حِدَة، أما القضايا الحالية الأكثر إلحاحا -مثل الإرهاب، وتغير المناخ، والجوائح، والهجرة غير الشرعية- فإنها تُعالَج بصورة أفضل من خلال المنسقين الإقليميين الذين تتجاوز سلطتهم الحدود المحلية. يجب على الولايات المتحدة من أجل حماية مصالحها في القارة السمراء، وتحجيم نفوذ خصومها، أن تبدأ في التفكير على المستوى الإقليمي بدلا من المستوى المحلي.

 

يُعتبر تطوير مثل هذه السياسة أمرا مُلِحًّا، وباعتبارنا ضباطا حاليين وسابقين، أحدنا ترأس قيادة العمليات الأميركية الخاصة لأفريقيا بين عامَيْ 2017-2019، فإننا نعتقد أن الولايات المتحدة يجب أن تعتبر نفسها شريكا مهما للدول الأفريقية في عصر تنافس القوى العظمى، وفي حال فشلت أميركا في تحقيق ذلك، فسوف تُخاطِر بتعريض مصالحها في القارة للخطر، وبشكل أكثر أهمية، ربما يكون أمنها الداخلي مُعرَّضا للخطر أيضا.

 

ما يحدث حاليا هو "زحف جديد نحو أفريقيا" في القرن الحادي والعشرين، شئنا ذلك أم أبينا. تُسرِّع روسيا والصين، خصوصا، نشاطَيْهما الاقتصادي والعسكري في القارة في الوقت الذي تنسحب فيه الولايات المتحدة منها، حيث ترى كلتا الدولتين فرصا لبناء علاقات اقتصادية، وتأمين الوصول إلى الموارد الطبيعية والسوق المتنامية باطّراد، وتشكيل تحالفات سياسية، وتعزيز نماذج حكمهم غير الليبرالية.

 

وسَّعت روسيا وجودها في أفريقيا بصورة كبيرة خلال السنوات القليلة الماضية، إذ أبرمت صفقات عسكرية مع 19 دولة على الأقل منذ عام 2014، وأصبحت أكبر مزود للسلاح في القارة، وقد أعلنت موسكو، بعد أيام قليلة من إفصاح الولايات المتحدة عن خططها للانسحاب من الصومال في ديسمبر/كانون الأول عام 2020، أنها توصَّلت إلى اتفاق لتدشين قاعدة بحرية جديدة في بورتسودان. وتقوم حاليا شركات المرتزقة الروسية، بما فيها "فاغنر غروب"، التي قاتلت في معارك نارية ضد القوات الأميركية الخاصة في سوريا عام 2018، بعمليات في أنحاء القارة، من ليبيا وحتى موزمبيق مرورا بجمهورية أفريقيا الوسطى.

من جانبها، تسعى الصين بدورها لترسيخ نفوذها في أفريقيا، إذْ دشَّنت قاعدتها العسكرية الأولى بالخارج في جيبوتي عام 2017، وتُنفق أموالا طائلة على مشروعات البنية التحتية لتأمين الوصول إلى الموارد، وشراء الدعم والأصوات في المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة. ويُروِّج القادة الصينيون لنظامهم السلطوي البيروقراطي بوصفه نموذجا للقادة الأفارقة في مساعيهم لتطوير اقتصاداتهم دون السماح بإصلاحات ديمقراطية، فيما تزيد ممارسات الإقراض الصينية الجذابة، وسياستها القائمة على عدم التدخُّل بشأن حقوق الإنسان والفساد، وتحرير السوق، تزيد من نفوذ بكين على الحكومات الأفريقية الفقيرة.

 

يُحوِّل هذا النشاط الروسي والصيني أفريقيا إلى مسرح تنافس مع الولايات المتحدة، تماما مثلما فعل السوفييت والأميركيون عندما جعلوا القارة ساحة تناحر إبان الحرب الباردة، حيث قدَّمت دول الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والصين وإيران وكوريا الشمالية، في النصف الثاني من القرن العشرين، الدعم العسكري للحكومات والمتمردين في أنحاء القارة الأفريقية، وتورَّطت في حروب بالوكالة، حتى إنها أرسلت جنودها إلى القتال في بعض الأحيان، على سبيل المثال، أرسلت روسيا وكوبا عشرات الآلاف من الجنود للقتال في حرب أوغادين بين إثيوبيا والصومال، وفي الحرب الأهلية الأنغولية.

 

ربما تُفضِّل الولايات المتحدة تجنُّب التورُّط في الحروب الأفريقية بالوكالة خلال عصر تنافس القوى العظمى الجديد، لكنها يجب أن تكون مستعدة لمثل هذه النزاعات. وبالفعل، فإن ليبيا أصبحت مسرحا للحرب بالوكالة بين روسيا وتركيا ودول أخرى تدعم مختلف الأطراف في حرب أهلية تحوَّلت إلى حرب بالوكالة. وقد لعبت الولايات المتحدة دورا هامشيا في هذا النزاع، لكن ذلك لم يمنع روسيا من استهداف طائرة أميركية بدون طيار كانت تُحلِّق فوق ليبيا وإسقاطها عام 2019.

لا يمكن للولايات المتحدة الانسحاب ببساطة من أفريقيا، لأن ذلك سيُهدِّد مصالحها، فلا تزال الجماعات المتمردة الجهادية السلفية والفوضى السياسية والسلطوية تُهدِّد الشركات الأميركية ومصالحها التجارية، بالإضافة إلى تهديد أمن شركاء الولايات المتحدة. وعلى غرار ما فعلته جماعة طالبان الأفغانية في التسعينيات، فإن الجماعات المتمردة في أفريقيا تُحفِّزها غالبا المخاوف المحلية والإقليمية، فيما تجتذب هذه الجماعات مجنديها من سكان القارة الذين تتزايد أعدادهم بسرعة، ويكونون عُرضة للتطرُّف، على نحو خاص، بسبب الفقر المستمر، والتدهور البيئي، وسوء الإدارة والحكم.

 

بخلاف ذلك، يمتلك الكثير من قادة هذه الجماعات صِلات بالقاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، كما أنهم يصطفون على نحو متزايد وراء القضايا السلفية الجهادية العابرة للحدود. وبتوجيهات القيادة العليا لتنظيم القاعدة، ارتكبت أفرع القاعدة في الساحل الأفريقي هجمات ضد أهداف غربية رفيعة المستوى في الجزائر وبوركينا فاسو ومالي والنيجر في السنوات الأخيرة، كما هاجمت "حركة الشباب" الصومالية المتمردة أهدافا غربية في كينيا والصومال، حتى إنها خطَّطت لخطف طائرة تجارية للتحليق بها نحو مبنى في الولايات المتحدة، حسبما كشفته وزارة العدل الأميركية في لائحة اتهام صدرت مؤخرا. علاوة على ذلك، فإن الجماعات السلفية الجهادية تخلق عدم استقرار سياسي، الذي يتسبَّب بدوره في تدهور الحكم، وتثبيط النشاط الاقتصادي، ويسمح بازدهار الجريمة العابرة للحدود، ويُطلِق العنان لتدفُّق اللاجئين، ويجذب الأزمات الصحية مثل جائحة الإيبولا في غرب أفريقيا بين عامَيْ 2014-2016. وفي العالم المترابط الذي نحياه فإن ما يحدث في أفريقيا لا يظل حبيسَ أفريقيا.

 

ولسوء الحظ، فإن الولايات المتحدة والدول الأفريقية لديهما مصالح مشتركة في مكافحة الجماعات السلفية الجهادية. ويمكن للولايات المتحدة، عن طريق تقديم دعم مستديم وفعّال في مكافحة الإرهاب، أن تصبح الشريك المختار بالنسبة للدول الأفريقية، وتُشجِّعها على تنمية اقتصاداتها وأنظمتها السياسية بما يتماشى مع المعايير الغربية. وفي هذا المضمار، يتوقَّف نجاح واشنطن في معترك المنافسة الأفريقي على قدرتها على تزويد الحكومات الأفريقية بإستراتيجية شاملة لمكافحة التمرُّد، من شأنها معالجة أسباب الإرهاب الجذرية، ووضع الأُسس السياسية والاقتصادية والتنموية للاستقرار والازدهار في المستقبل.

قوات الأمن الصومالية تتجمع أمام مبنى حكومي تعرض للهجوم من قبل مسلحين من جماعة الشباب الإسلامية في مقديشو، الصومال 2015

 

يعتمد النهج الأميركي تجاه أفريقيا على قيام السفراء بدور صُنَّاع القرار، إذْ تُعطي المكاتب الإقليمية التابعة لوزارة الخارجية الأميركية للسفراء درجات متفاوتة من الدعم والتوجيه، لكن رؤساء البعثات يُنسِّقون بصورة وثيقة مع الحكومات المُضيفة لهم. يسمح هذا النهج بتولّي المحترفين في العمل الدبلوماسي دور القيادة، وهي فائدة جلية عند التعامل مع قضايا أو أزمات معينة لإحدى الدول. لكن من المؤسف أن السفراء لا يملكون فريق الموظفين أو الحوافز التي تجعلهم يتجاوزون حدود الدول المضيفة لهم لتكوين صِلات مع مؤسسات إقليمية أو لمعالجة مشكلات عابرة للحدود مثل جماعات التمرد السلفية الجهادية.

 

لا تنحصر الجماعات التابعة للقاعدة أو "داعش" في أفريقيا داخل حدود دولة واحدة بعينها، على سبيل المثال، تتحرَّك جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، و"تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى"، وهما اثنتين من أقوى الجماعات الجهادية في منطقة الساحل، بحُرية في أرجاء المنطقة لشنِّ الهجمات، وهو ما تفعله أيضا جماعة "بوكو حرام" و"تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا" في أرجاء أربع دول في منطقة بحيرة تشاد، بينما تتحرَّك "الشباب" إلى أبعد من الحدود الصومالية إلى داخل كينيا وأوغندا. يُغذِّي النمو السكاني، والتدهور البيئي، والتوترات بين البدو الرُّحَّل والسكان المقيمين نزاعات يمكن لهذه الجماعات استغلالها، وبالتالي فإن أي إستراتيجية أميركية للتغلُّب على الجماعات الجهادية المتمردة، ومعالجة الأسباب الجذرية لعدم الاستقرار الذي يقويها، يجب أن تكون ذات طبيعة عابرة للحدود.

 

كما يجب على الولايات المتحدة معالجة مسائل التنسيق المشترك بين الدول، الذي يسمح للمتمردين بالهرب من الضغط العسكري بسهولة عن طريق عبور الحدود الدولية. وبدلا من سعي الجماعات المتمردة إلى ملجأ آمن في طبيعة جغرافية صعبة أو قاسية، فإنها ببساطة تستغل مشكلات التنسيق المشترك بين الدول للتجوُّل بحُرية في مناطق الحدود، وفي الغالب يفعلون ذلك على طول الحدود بين الدول التي بينها علاقات دبلوماسية أو عسكرية متوترة، فمثلا تنشط "بوكو حرام" على الحدود بين الكاميرون ونيجيريا، مُستغِلَّةً النزاع التاريخي بين البلدين.

جماعة بوكو حرام

لا يفشل النهج الأميركي تجاه أفريقيا، المعتمد على التعامل مع كل دولة على حِدَة، لا يفشل فقط في معالجة مشكلات التنسيق، لكن يمكن أيضا أن يتسبَّب في تعميقها. فمثلا يوافق الكونغرس على الأنشطة العسكرية مستندا إلى تقييمه للدول الشريكة كلٌّ على حِدَة، وليس استنادا إلى ديناميات التهديد الإقليمية، ونتيجة لذلك، قد يوافق المُشرِّعون على برنامج لتدريب وتسليح قوة شريكة في دولة ما لمعالجة تهديد إقليمي، فيما يُشدِّدون القيود على استخدام المعدات الأميركية وعلى أنشطة المستشارين الأميركيين لتكون محصورة داخل حدود تلك الدولة. مثل هذا التضارب لا يعوق جهود مكافحة التمرد فحسب، لكن أيضا يُغذِّي وجهة النظر التي تقول إن الجيش الأميركي شريك غير موثوق.

 

يدعو منتقدو النهج الحالي، الذي يتعامل مع كل دولة على حِدَة، إلى إستراتيجية قارّية شاملة. وبالفعل فإن كلًّا من إدارتَيْ أوباما وترامب أصدرتا إستراتيجيات للربط على مستوى القارة، لكن لم ينتج عن أيٍّ منهما أهداف أو وسائل محددة. ونتيجة لذلك فإن الحكومة على اختلاف مستوياتها كان لها مطلق الحرية في تفسير الإستراتيجيات كيفما اتفق، فيما استمر نهج التعامل مع كل دولة على حِدَة في الممارسة العملية. كانت ملفات أوباما وترامب مفيدة بقدر ما، حيث قدَّمت إطارات عمل واسعة حول الانخراط في أفريقيا، لكن الحقيقة أن احتياجات القارة متنوعة ومعقدة للغاية، حتى إنه لا يمكن معالجتها بإستراتيجية واحدة، إلا إذا كانت إستراتيجية للتعامل على مستوى سطحي جدا.

 

لا تحتاج الولايات المتحدة إلى إستراتيجية قارّية شاملة، وإنما تحتاج إلى إستراتيجية مُفصَّلة خصيصا لمناطق بعينها، وفيما يبدو، فقد بدأت الدول الأفريقية تقوم على هذا النهج بنفسها. على سبيل المثال، قامت خمس دول أفريقية بتدشين المجموعة الخماسية لمنطقة الساحل (5G)، من أجل تنسيق الأنشطة العسكرية، وتسهيل العمليات المشتركة العابرة للحدود، والتماس المساعدات من الداعمين الدوليين في جهودها للتعامل مع الأنشطة الجهادية للجماعات التابعة لتنظيم القاعدة و"داعش" في المنطقة، وبالمثل فإن "قوة المهام المشتركة متعددة الجنسيات" في حوض بحيرة تشاد تُنسِّق الأنشطة العسكرية بين الكاميرون وتشاد والنيجر ونيجيريا لمواجهة "بوكو حرام". وعلى المنوال نفسه، تُنسِّق "بعثة الاتحاد الأفريقي" في الصومال الجهود بين بوروندي وإثيوبيا وكينيا وأوغندا ودول أخرى لمحاربة "حركة الشباب".

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في اجتماع مع المجموعة الخماسية لمنطقة الساحل (5G)

بدورها، انتهجت فرنسا نهجا مشابها تجاه انعدام الأمن في غرب أفريقيا والساحل، ففي عام 2014 دشَّنت باريس "العملية برخان"، بقوام بلغ خمسة آلاف جندي تقريبا، تتركَّز مهمتهم في مهام ضبط الأمن في أنحاء بوركينا فاسو، وتشاد، ومالي، وموريتانيا، والنيجر، على الرغم من أن الإخفاقات الإدارية في هذه الدول، والإساءات التي ارتكبتها القوات الأمنية التابعة لها، قوَّضت فاعلية العملية الفرنسية، هذا ناهيك باعتماد باريس المفرط على تكتيكات مكافحة الإرهاب على حساب جهود مكافحة التمرد المرتكزة على السكان المحليين.

 

يجب على الولايات المتحدة بلورة إستراتيجيات إقليمية مشابهة فيما يخص الساحل الأفريقي، ومنطقة بحيرة تشاد، والقرن الأفريقي، وجنوب شرق أفريقيا، على أن تكون لكل إستراتيجية أهداف واضحة ومحددة، حتى لو استغرقت الجداول الزمنية لتلك الإستراتيجيات سنوات طويلة لتحقيق أهدافها. ويجب أن تعتمد هذه الإستراتيجيات في معظمها على أساليب غير عسكرية، تهدف لتحسين طريقة الحكم والأمن، وبالتالي معالجة الأسباب الجذرية للتطرُّف. فمثلا، يجب على الولايات المتحدة إعادة إحياء "الوكالة الأميركية للتنمية الدولية"، إلى جانب مبادرات التنمية والحوكمة الأخرى، من أجل وضع نفسها في موضع أفضل باعتبارها الشريك المختار للأمم الأفريقية.

 

كما يجب على واشنطن أيضا أن تقوم بالاستثمارات العسكرية الضرورية، وخصوصا في تقديم الاستشارات والتدريب والإمداد بالمعدات، بالإضافة إلى دعمها التكتيكي والميداني لجيوش الدول الشريكة، كما يجب أن يُنسَّق الدعم العسكري وغير العسكري، على السواء، على مستوى إقليمي، وأن يواجه هذا الدعم التهديدات الإقليمية. علاوة على ذلك يجب أن تكون تلك الإستراتيجيات مدعومة من الكونغرس ومُوضَّحة بالكامل للشعب الأميركي، وبذلك يطمئن العامة وتحصل الخطط على دعم الحزبين.

جنود في تدريبات فلينتلوك التي ترعاها الولايات المتحدة ببوركينا فاسو

ستحتاج الولايات المتحدة، لتطبيق إستراتيجياتها الإقليمية، إلى مسؤولين إقليميين نافذين لديهم صلاحيات تنسيق الأنشطة داخل المناطق الواقعة تحت مسؤوليتهم. وفي الأوقات السابقة، غالبا ما كان يُستعان بالمنسقين أو المبعوثين الإقليميين لتنسيق الاستجابات للمسائل العابرة للحدود، لكنهم كانوا عادة ما يستجيبون لوزير الخارجية وليس الرئيس. ونتيجة لذلك، سُلبت سلطتهم في فرض التعاون من قِبَل الجيش الأميركي أو من بعض السفارات الأميركية، ونحن نرى أن المسؤولين عن الإستراتيجيات الإقليمية في أفريقيا، بصرف النظر عن دقة مُسَمَّاهم الوظيفي أو عن كونهم مدنيين أو عسكريين، يجب أن يحظوا بدعم الرئيس حتى يتمكَّنوا من تنسيق مختلف أدوات "القوة الأميركية" الموجودة تحت تصرُّفهم بفاعلية.

 

إن عودة تنافس القوى العظمى لا يعني أن الولايات المتحدة يمكنها صرف انتباهها بعيدا عن أفريقيا، لكن العكس هو الصحيح؛ فالنشاط الروسي والصيني المتزايد في القارة السمراء يستلزم انخراطا أميركيا أعمق. ستحتاج الولايات المتحدة، من أجل تعزيز الاستقرار والحوكمة الرشيدة والانفتاح الاقتصادي في أفريقيا، في الوقت نفسه الذي تواجه فيه النفوذ غير الليبرالي للقوى المتنافسة، إلى إستراتيجية إقليمية قادرة على معالجة التهديدات العابرة للحدود. أي شيء أقل من ذلك سيُرجِّح كفة خصوم الولايات المتحدة في القارة السمراء، حيث تتزايد الفرص والمخاطر في العقود المقبلة.

——————————————————————————————–

هذا المقال مترجم عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

في حين أن إثيوبيا كانت تشتكي قبل عقد من سطوة النفوذ التي مكّنت القاهرة من إعاقة تنفيذ أي مشروعات يمكن أن تُهدِّد حصة مصر من المياه، يبدو الوضع معكوسا اليوم حيث تتوافد رؤوس الأموال وعروض مؤسسات التمويل

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة