من يربح باكستان؟.. قصة سباق النفوذ بين بكين وواشنطن

على مساحة جغرافية واسعة في الطرف الغربي من الساحل الباكستاني، يمكن للناظر أن يرى بوضوح أسوارا أمنية وجدرانا مرتفعة تُطوِّق تلك المساحة بينما يواصل عمال بناء العمل فيها على قدم وساق، مضافا إليهم عدد كبير من الحراس المسلحين الذين يقومون بتوفير حماية أمنية مشددة، ويكتمل المشهد المكتظ بأبراج وسياج أمني ومجمعات اكتمل بناؤها لتُضيف المزيد من الحماية على هذه الرقعة الغامضة، أهلا بكم في القاعدة العسكرية البحرية الصينية التي تُنشأ بسرية وتكتُّم في جوادر، مدينة الساحل الجنوبي الغربي الأهم لباكستان.

 

كُشِفَ ما سبق للعالم في منتصف العام الماضي 2020 عن طريق صور الأقمار الصناعية، وكان بمنزلة إشارات أولية على بناء قاعدة بحرية صينية طال انتظارها على ساحل المحيط الهندي، وهي إشارات عزَّزت من تخوفات الدول الغربية المستمرة والمتصاعدة من أن بكين تعمل بصورة مطردة على زرع جذر راسخ لتعزيز نفوذها في المحيط الهندي، وتحديدا على الأراضي الباكستانية، إذ إن قاعدة "جوادر" ذات الموقع الإستراتيجي ستمنح التنين الآسيوي قدرة على مراقبة مضيق هرمز، منطقة عمليات الأسطول الأميركي الثالث المتمركز في البحرين، وكذلك مراقبة القيادة الغربية للبحرية الهندية على ساحل البلاد الغربي، كما ستعمل القاعدة بوصفها ميناء رئيسيا لمبادرة الحزام والطريق الصينية (BRI)، حيث ستصبح "جوادر" محورا اقتصاديا للتجارة والأنشطة الاقتصادية العالمية المتعلقة بقلب المبادرة عام 2030.

 

بيد أن إنشاء الصين لوجود بحري دائم لها على الساحل الباكستاني جاء نتيجة الشراكة الإستراتيجية الوثيقة بينها وبين إسلام أباد، وهي شراكة أتت على إثر العداء المشترك للهند، وكذلك لحيوية باكستان بوصفها ممرا بريا مهما للتجارة والطاقة، وليس ببعيد أيضا صراع النفوذ الحالي والمستقبلي مع واشنطن، الحليف القديم لباكستان، وهو صراع قد يُشكِّل ملامح العالم بأسره في العقد القادم، وربما تصبح العلاقات الصينية الباكستانية جزءا مهما من مُحدِّدات ذلك الصراع في آسيا.

 

في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2020 بـ "لاهور"، ثاني أكبر مدينة باكستانية، وبينما يسعى معظم سكان العالم -قدر المستطاع- لتجنُّب الاعتماد على النقل العام المزدحم بسبب انتشار فيروس كورونا؛ تكدّس ما يقرب من 50 ألف مسافر في قطارات مكيفة الهواء تزيّنها الأعلام الصينية والباكستانية في اليوم الأول لافتتاح أول خط مترو في المدينة والمسمى بمشروع "الخط البرتقالي"، وهو يعتبر أحد أكبر مشاريع النقل الباكستانية على الإطلاق، حيث سينقل ربع مليون مسافر يوميا، وأُنشِئ في إطار مبادرة الحزام والطريق (BRI) بتكلفة 1.6 مليار دولار اقترضتها الحكومة الباكستانية من الصين التي نفّذت شركاتها المشروع.

 

يأتي ذلك المشروع مثالا ناصعا على الانتشار الصيني الاقتصادي المتنامي على الأراضي الباكستانية، فعلى مدى السنوات الخمس الماضية وسّعت بكين بشكل لافت علاقاتها الاقتصادية مع الجار الإسلامي للهند، وكان من أبرز مشاريعها هناك الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، الذي يُعرف اختصارا بـ (CPEC)، وهو أحد أعمدة المبادرة الصينية الطموحة لتشكيل طرق تجارية جديدة عبر وسط وجنوب آسيا وتبلغ تكلفته الإجمالية 64 مليار دولار، إذ أدّت الاستثمارات الصينية في الممر إلى تحسين الطرق والموانئ الباكستانية، وعالجت أزمة الطاقة في البلاد، وذلك مقابل أن يمنح الممر الصين وصولا إلى ميناء جوادر في جنوب البلاد، القريب من مضيق هرمز الحيوي كما ذكرنا سلفا.

مشروع "الخط البرتقالي"

وعلى الرغم من أن ما يُقدَّر بنحو 20% من مشاريع مبادرة الحزام والطريق "تأثرت بشدة" بوباء فيروس "كوفيد-19" المستجد، وأيضا بسبب استهداف طواقم العمل الصينية والمهندسين الصينيين من قِبَل مسلحي البلوشستان ضمن حملتهم على النظام الباكستاني، فإن كلا البلدين أظهرا التزاما متجددا تجاه تنفيذ مشروعات هذا الممر، فوقَّعا على جملة اتفاقات مؤخرا لتنفيذ مشاريع حيوية كان أهمها موافقة أكبر هيئة اقتصادية باكستانية في أغسطس/آب 2020 على تنفيذ أكبر تلك المشروعات تكلفة: مشروع السكك الحديدية المعروف باسم الخط الرئيسي الأول (Mainline-1) الذي تبلغ تكلفته مليارات الدولارات.

 

لكن على الرغم من ارتكاز الشراكة الإستراتيجية الوثيقة بين البلدين على التعاون الاقتصادي الذي بدأ مع توقيع أول اتفاقية رسمية بينهما عام 1963، فإنه استنادا إلى السياسة الكلاسيكية "عدو عدوي صديقي" فقد شكَّل التعاون العسكري ركيزة مهمة بين بكين وإسلام أباد، تعاون يعود إلى إصرار الأخيرة على مغازلة الصين أولا عام 1962 حين أدرك الرئيس الباكستاني وقتها "محمد أيوب خان" أن الولايات المتحدة لم تعد "حليفا موثوقا به" بعد دعمها للهند في الحرب الصينية الهندية في العام المذكور.

 

بدأ هذا التعاون العسكري حين ساعدت بكين إسلام أباد وقتها على بناء المصانع وزوّدتها بأنظمة أسلحة كاملة، ثم انطلقت نحو التعاون في جهود "مكافحة الإرهاب" والتدريبات العسكرية المشتركة، حتى صارت الصين المورد الرئيس للأسلحة والمعدات لباكستان في العقد الماضي، مُحتلّة مركز الولايات المتحدة السابق، مع دعم صيني كامل للبرنامج النووي الباكستاني، وقد ارتفعت حصة الأسلحة الصينية في الجيش الباكستاني من 13% إلى 63%، في حين أن حصة الولايات المتحدة تكاد تكون معدومة في السنوات العشر الماضية.

في السنوات الأخيرة، شجّعت العلاقات المتنامية بين البلدين أيضا عجلة توريد الأسلحة الصينية والتصنيع المشترك للعديد من المعدات العسكرية على الدوران بشكل أسرع، بما في ذلك الطائرات المقاتلة متعددة الأغراض JF-17، ويُعَدُّ برنامج الصواريخ الباكستاني هو محور اهتمام الصين الأول بالآلة العسكرية لإسلام أباد، حيث نجد أن ترسانة الأخيرة للصواريخ بعيدة المدى هي نسخ مباشرة من صواريخ "Nodong" و"Dong-Feng" الباليستية الصينية. ومع مصنع صيني للدبابات في مدينة تاكسيلا بأقصى الشمال الشرقي الباكستاني يقوم أيضا بجانب التصنيع بتحديث دبابات T-59 & T-69 الصينية للقوات الباكستانية؛ تورد الصين للقوات الجوية الباكستانية طائرات AEW&CS، ومدمرات F-22P المعروفة بسفن "ذو الفقار" الحربية للبحرية الباكستانية، وهي مدمرات تعتمد على تصميمات مدمرات 053H3 الصينية، مع تزويد الباكستانيين ببطاريات دفاع جوي وأنظمة رادارات وغيرها، مما جعل الصين في قلب الجيش الباكستاني بكل ما للكلمة من معنى.

 

بعد مرور نحو نصف قرن على آخر خلاف حدودي بينهما، وفي منتصف يونيو/حزيران 2020، وقعت اشتباكات عسكرية هندية صينية في منطقة جبلية حدودية غير محددة في وادي غالوان ذي الأهمية الإستراتيجية أو ما يُعرف بخط السيطرة الفعلية (LAC). إذ كانت العلاقات الصينية الهندية مؤخرا متزايدة التوتر، وقد اتهمت بكين نيودلهي مرارا بإظهار العدوان على الحدود بينهما، مُهدِّدة بالانتقام خلصى بعد إلغاء الهند للمادة 370 من الدستور مُجرِّدة ولاية جامو وكشمير من وضعية الحكم الذاتي الخاصة بها، ومُقسِّمة إياها إلى منطقتين جديدتين ضمن الأراضي الهندية الموحدة، وقد وصمت الصين القرار الهندي بأنه "خطوة غير شرعية لتغيير وضع المنطقة المتنازع عليها".

 

المفارقة، أنه اختلفت دوافع النزاع الأخير آنف الذكر عن الأسباب المعهودة للتوترات العسكرية بين البلدين وآخرها الحرب التي اندلعت في العام 1962، إذ وقف خلف هذا الاشتباك بشكل رئيس المصالح الإستراتيجية الأوسع التي تشمل دولة ثالثة هي باكستان، التي تنازع جنود الهند والصين على بُعد بضع مئات من الكيلومترات من خط السيطرة الذي يفصل أراضيها عن الأراضي التي تُديرها في إقليم "كشمير"، ففي تلك المواجهة الهندية الصينية وما سبقها من مواجهات، كان لباكستان هدفا رئيسيا يتمثَّل ببساطة في ردع الهند قدر الإمكان وتقويض قوتها دون أن تظهر هي على ساحة المعركة، إذ لا تزال باكستان، الساعية بقوة لتطوير قوتها النووية والتحالف مع أعداء نيودلهي، بحاجة إلى تكتيكات تقليدية تُحقِّق آمال الجنرالات الباكستانيين، الذين رأوا على مدى عقود التوترات الصينية الهندية وسيلةً لإجبار الهند على الانخراط في توتر وربما صراعات على جبهتين بدلا من التركيز فقط على جبهتهم، خاصة مع علمهم التام، وعلم القوى الدولية، بفارق القوة العسكري الكبير بين الجارتين والمائل دوما لصالح نيودلهي.

 

لتوضيح ما سبق يمكن الاستشهاد بما قاله الباحث مونيش تورانجبام من أن المثلث الهندي الباكستاني الصيني يُحدَّد من خلال القوة الوطنية النسبية وتصورات التهديد المتبادل، التي تزيد من تعقيدها الآثار الإقليمية للمواجهة المتزايدة بين واشنطن وبكين، حيث تظل باكستان الحليف الأكثر ثباتا للصين من جيران الهند، بينما تظل الهند الدولة الوحيدة في المنطقة الأقرب إلى منافسة النفوذ الصيني المتزايد، ويضيف في تحليله لموقع أصوات جنوب آسيا: "عدم تكافؤ القوة بين الهند وباكستان لصالح الأولى، واختلال توازن القوى المتزايد بين الهند والصين لصالح الأخيرة، اللتين ستستمران في تعزيز المعضلة الأمنية المتأصلة في المثلث، مما يُبرِّر التحالف الصيني الباكستاني القائم من أجل مواجهة صعود الهند الإقليمي".

 

كان رئيس الوزراء الباكستاني "عمران خان" صريحا إلى حدٍّ كبير حين جاء بما يخالف أعراف بلاده الدبلوماسية، التي روَّجت دوما إلى أن الأميركيين شركاء باكستان الأوائل والأهم في تعزيز الرخاء الإقليمي، حينما قال: "نحن محظوظون لأن لدينا صديقا وقف إلى جانبنا في السراء والضراء، لم يقف أيٌّ من أصدقائنا الآخرين إلى جانبنا مثلما دعمتنا الصين سياسيا ودافعت عنا على جميع الجبهات".  وقد جاءت كلماته تلك في أغسطس \آب الماضي، حيث خرج في لقاء تلفزيون محلي يتحدث عن التطورات الأخيرة في المنطقة، وأبرزها التأكيد على أن بلاده لن تنصاع للضغوط التطبيع مع إسرائيل.

ظهر خان إذن غير آبهٍ على ما يبدو باستفزاز حليف بلاده المفضل السابق، مُوضِّحا بجلاء عمق التوترات الأميركية الباكستانية الحالية، وهو توجُّه يعود إلى رجحان كفة العلاقات مع الصين خلال الحرب الهندية الباكستانية عام 1965، تلك الحرب التي أخذت فيها واشنطن الجانب الهندي وضربت بعرض الحائط ما تفرضه اتفاقية الدفاع المشترك بين واشنطن وإسلام أباد الموقعة قبلها بعشر سنوات، عام 1954، ومتجاهلة عضوية باكستان في التحالفات التي أنشأها الأميركيون لمواجهة النفوذ الشيوعي والصيني مثل معاهدة جنوب شرق آسيا ومنظمة المعاهدة المركزية (حلف بغداد)، ثم أتى غزو أفغانستان ليُشكِّل محطة مهمة في ملف العلاقات بين واشنطن وإسلام أباد، فمع بدء هذه الحرب منحت الولايات المتحدة أكبر المساعدات المالية والعسكرية الخارجية لإسلام أباد بوصفها جزءا من الجهد الأوسع لهزيمة طالبان، وسرعان ما أصبحت تلك المساعدات نقطة الخلاف الرئيسية  حول جدوى بقاء الأميركيين في أفغانستان، إذ لم يُلمس أثرا للاموال التي قدمت لباكستان من أجل تحقيق نصرا للأميركيين أو على الأقل وقف لخسارتهم الكبيرة على الأرض الأفغانية.

 

في المحصلة، شكل التقارب الباكستاني الصيني استفزازا كبيرا للأميركيين الذين لم يفوتوا فرصة لإظهار تحفظاتهم على غالبية مظاهر النفوذ الصيني على الأراضي الباكستانية، فتارة تؤكد واشنطن أن الاستثمارات المتعلقة بالممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني، وغيرها، تتيح للشركات الصينية جني معظم الفوائد الاقتصادية مقابل ترك باكستان تقع في "فخ الديون"، وتارة أخرى ترى في كابلات الألياف الضوئية وأجهزة الاتصالات التي تجلبها الصين لباكستان فرصا لكسب بكين سيطرة أكبر على البيانات المحلية الباكستانية، وفرض رقابة أكثر فعالية على الاتصالات ومراقبتها هناك، و"تقويض الحريات" كما تطلق عليه، كما يشغل واشنطن ما يمكن أن تفعله المساعدة الصينية لباكستان من تغيير للتوازن ضد الهند في أي صراع مستقبلي، وتنظر إلى الإمكانات الجيوسياسية التي توفرها باكستان للصين فيما يتعلق بإسقاط القوة العسكرية الصينية إقليميا على تلك المنطقة.

 

على أية حال، بإمكان الأميركيين الاحتفاظ ببصيص أمل بأن النفوذ الصيني المتنامي في باكستان قد يُقيد أو يتراجع في أي وقت، ذلك أن الصين -كما يدرك الباكستانيون أنفسهم- لا تدعم أحدا دون قيد، ويُهدِّد الإفراط في الاعتماد عليها بوصفها شريكا خارجيا السيادة الإقليمية الباكستانية بداهة، بدليل أن بكين في سبتمبر/أيلول 2017 لم تتردد في الانضمام إلى الهند في التوقيع على إعلان "مكافحة الإرهاب" لقمة البريكس، ذلك الإعلان الذي تضمّن إشارات محددة لمجموعات مسلحة مقرها باكستان مثل "عسكر طيبة"، وأيضا عندما استسلمت في إبريل/نيسان عام 2019 لضغط الأمم المتحدة لإدراج شخصيات باكستانية في القوائم الأممية السوداء، وعلى الجانب الباكستاني فإن بكين لا يمكنها الاعتماد على علاقة وثيقة مع إسلام أباد المعروفة بتأرجح أنظمتها شبه العسكرية المزاجية المعهودة، فباكستان التي تريدها الصين ممرا في إستراتيجيتها الكبرى وحليفا أكثر ثباتا لها بموقع جيوسياسي ممتاز جوار الهند؛ باكستان تلك هي بلد متقلب ومتذبذب على صعيد علاقاته الخارجية، ويمكنه في أي لحظة العودة للبيت الأميركي إن قامت واشنطن بتقديم أوراقها كما اعتادت في الماضي، لذا يمكن للصينيين والباكستانيين أن يستمروا في التقارب الدافئ الحالي، لكنه تقارب ليس له صلاحية طويلة المدى على الأرجح، وهو أمر يعلمه القاطنون في بكين وإسلام أباد، وفي نيودلهي أيضا بلا أي شك.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة