نحو تصفية القطاع الخاص بالكامل.. ماذا تكشف قضية جاك ما عن سياسات شي جين بينغ؟

لا تعتبر قضية "جاك ما" هي الأولى من نوعها في الصين، ويفترض أن يكون الأمر معروفا بحلول اللحظة. لكن ما الذي يقبع تحت هذا النزوع لتحطيم قطاع الأعمال الخاص في الصين؟ هل هو محض سلوك تأديبي تلوّح به الدولة ضدّ كل مَن ينتقدها أم أنها سياسة عامة لتصفية هذا القطاع بالكامل؟ هذا ما سنعرفه وأكثر في المادة التالية من الأتلانتيك.

 

في 11 مارس/آذار 2007، تناول شي جين بينغ، الذي كان في وقتها المسؤول الأعلى للحزب الشيوعي في مقاطعة تشجيانغ قرب شنغهاي، العشاء مع السفير الأميركي لدى الصين، وكانت الوجبة جزءا من فعالية تواصلية أقامتها السفارة مع المسؤولين الصينيين الصاعدين. اشتهر شي البالغ عمره 53 عاما آنذاك بأنه ثالث ثلاثة مسؤولين في السباق لخلافة جينتاو، زعيم الصين المعروف بقسمات وجهه المتغضّنة.

 

أُعجب السفير "كلارك تي. ساندي رانت"، زميل الرئيس جورج دبليو بوش في الجامعة، بشخصية شي. وفي برقية روى فيها تفاصيل العشاء، وصف رانت المناقشة بـ "الصريحة الوديّة". ومثلما دأب مع الأميركيين، أشاد شي بأفلام هوليوود، وأثنى لرئيس الحزب من مقاطعة كانت معقلا لروّاد الأعمال على قانون جديد من شأنه حماية المستثمرين في القطاع الخاص في الصين. ظهر شي بوصفه نجما صاعدا واثقا من نفسه ومنافحا عن قطاع الأعمال الخاصة.

 

بعد أكثر من عقد من الزمان، شنّ شي الذي يشغل الآن منصب رئيس الحزب الشيوعي الصيني حملة انتقاد ضد الشركات الخاصة في الصين. وبالإضافة إلى اللوائح والتنظيمات المشددة التي تحكم الشركات وتفرض عليها أن يكون لها لجان من الحزب الشيوعي، يستهدف شي أيضا رواد الأعمال أنفسهم مجموعات وفرادى.

شي جين بينغ

وفي سبتمبر/أيلول، أشرف شي بنفسه على عقوبة بالسجن لمدة 18 عاما، في أطول عقوبة على جريمة سياسية منذ السبعينيات، ضد مدير عقارات انتقده في بريد إلكتروني خاص، وفقا لاثنين من أعضاء الحزب الشيوعي على معرفة بتفاصيل القضية ووفقا لمصدر مقرب من عائلة المدير التنفيذي، وجميعهم اشترطوا السّرية مخافة ما لا تُحمد عقباه. في الشهر التالي، تُشير جميع الدلائل إلى أن شي ألغى شخصيا ما كان يمكن أن يكون أكبر طرح عام أوّلي في العالم، وهو طرح الشركة المالية "Ant Group". ثم في نوفمبر/تشرين الثاني قُبض على رجل أعمال خاص كان يدير مجموعة زراعية عملاقة، والسبب فيما يبدو نزاع بين شركته وبين مزرعة مملوكة للدولة، على الرغم من أن شخصا مقربا منه اشترط السرية أثناء مناقشة القضية قال: "لقد كان في السجن لأنه تحدث عن الإصلاح السياسي".

 

أخيرا، حتى ظهوره الفاتر مؤخرا، لم يُشاهَد جاك ما مؤسس كلٍّ من "Ant Group" وعملاق التجارة الإلكترونية "Alibaba" علنا منذ شهور بعد أن انتقد طريقة تعامل الحزب مع الإصلاح المالي.

 

لعب القطاع الخاص في الصين دورا هائلا في طريقه إلى الصعود، ولكن كما كتب مايكل شومان هذا الشهر في "الأتلانتيك"، منذ أن تولى شي زمام السلطة في الصين، أولا رئيسا للحزب في عام 2012 ثم رئيسا في عام 2013، مضى إلى عكس الكثير من مسار التحرر الاقتصادي الذي شهدته البلاد خلال العقود الأخيرة.

 

يُستخدم التسلسل الرقمي (90/80/70/60) لتحديد مساهمة القطاع الخاص في هذا النهوض. وكقاعدة عامة تقريبية، تُنتج الشركات الخاصة 60% من إجمالي الناتج المحلي للصين، وتُولِّد 70% من ابتكاراتها، وتُشكِّل 80% من العمالة الحضرية، وتخلق 90% من الوظائف الجديدة في البلاد. إذن، لماذا يعبث شي بالأوزّة التي تبيض ذهبا؟ الإجابة في كلمة واحدة: السيطرة.

 

على الرغم من حديثه مع الأميركيين في عام 2007، يخشى شي مثل كُثر آخرين في الحزب منذ فترة طويلة أن يكون القطاع الخاص مركزا منفصلا للسلطة في الصين. ساهمت البرجوازية في سقوط الطبقة الأرستقراطية في أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ويخشى شي من أن الشركات الخاصة في الصين يمكن أن تلعب دورا مماثلا. لقد طلب مؤخرا من رواد الأعمال الاقتداء بـ "زانغ تشانغ"، وهو رجل أعمال من أوائل القرن العشرين حقّق مبالغ كبيرة من المال ليس من خلال الابتكار ولكن عن طريق الخضوع لإملاءات الحكومة الصينية.

زانغ تشانغ

في التسعينيات وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كانت الأعمال الخاصة خفيفة على قلب الحزب. في 1 يوليو/تموز 2001 ألقى أحد أسلاف شي وهو جيانغ تسه مين خطابا تاريخيا رحّب بالمواطنين الصينيين البارزين، بمَن فيهم رواد الأعمال في صفوف الحزب. على الرغم من أن جيانغ غلّف إعلانه بنبرة رسمية معتادة، فإن ذلك الإطناب لم يحجب جسامة التغيير. كان مؤسس الصين الشيوعي ماو تسي تونغ قد نهب ممتلكات خاصة من الطبقة الرأسمالية في البلاد وجعل علية قومها سفلتها. لاحقا، أعاد دنغ شياو بينغ بعض الممتلكات، ومنح رواد الأعمال خطوة من خلال الاعتراف بأن بعض الناس سوف يصبحون "أثرياء" من خلال الإصلاحات الاقتصادية. وهنا كان جيانغ يدعوهم للدخول على الأقل في هوامش السلطة السياسية.

 

أعطت التطورات الأخرى في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين أملا إضافيا بأن الحزب على استعداد لتحمُّل قطب محلي آخر للسلطة. في الاجتماعات الحكومية، مثل تلك التي عقدها المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني وهو هيئة استشارية، أصبح رواد الأعمال يرفعون أصواتهم بازدياد. وراء الأبواب المغلقة، دعوا الحزب إلى تجربة الديمقراطية من خلال السماح للأعضاء بالاختيار بين المرشحين للمناصب العليا.

 

في المجتمع، بدأ رجال الأعمال في التبرع بالمال للجمعيات الخيرية التي تديرها الحكومة، وعندما سرق المسؤولون الفاسدون تلك الأموال أسسوا مشاريعهم الخاصة. ذهبت الأموال الخاصة إلى وسائل الإعلام الخادعة مثل مجلة التشهير والفضائح "Caijing"، واستخدم بان شيي، رئيس إمبراطورية العقارات "SOHU"، تطبيقَ "Weibo"، وهو النسخة الصينية من تويتر، للفت الانتباه إلى تلوث الهواء أو تعميم اختصار "AQI" أو (مؤشر جودة الهواء) بمفرده.

"بان شيي" رئيس إمبراطورية العقارات "SOHU"

بدأ رجال وسيدات الأعمال في تنظيم الجمعيات المدنية. خاض رجال الأعمال في مجالات كانت تقليديا من المحرمات. وعيّنت إحدى المؤسسات البحثية المُموّلة من القطاع الخاص الفيلسوف السياسي يو كيبينج المعروف بكتابه الصادر عام 2009 "الديمقراطية شيء جيد". لقد شاهدت هذه التطورات التاريخية أثناء تغطيتي من الصين لصحيفة "واشنطن بوست" من عام 1996 إلى عام 2003، ووصفُها بأنها انفجار في العقلية المدنية سيكون قليلا في حقها.

 

بدأ التحول ضد رواد الأعمال في عهد سلف شي "هو". في الماضي، كانت الشركات الخاصة صغيرة، من قبيل متجر معكرونة في الزاوية أو رجل مع شاحنة توصيل محلية. ولكن بحلول أوائل العقد الأول من القرن الحالي، بدؤوا في التنافس مع الاحتكارات الضخمة المملوكة للدولة. تحوَّل متجر "Li Beiqi" للمعكرونة إلى سلسلة قومية تُسمى "Mr. Lee"، بينما أسس سائق الشاحنة لي ميسونغ شركة توصيل، وتُقدِّر فوربس صافي ثروته بـ 6.2 مليارات دولار. وردَّت الشركات المملوكة للدولة بالضغط على الحكومة من أجل سياسات من شأنها أن تساعدهم هم وليس رواد الأعمال.

 

ثم جاءت الأزمة المالية العالمية عام 2008 لتؤكد صحة الاعتقاد القائل إن الاقتصاد الذي تقوده الدولة في الصين مُتفوِّق على الاقتصادات التي يقودها القطاع الخاص في الغرب.

 

وعزّزت الصعوبات التي تواجهها البلدان الرأسمالية وخاصة الولايات المتحدة الحجة القائلة إن التطور السلمي إلى مجتمع واقتصاد أكثر انفتاحا مع أقطاب مستقلة للسلطة السياسية سيكون وصفة كارثية للحزب والصين. وصُوِّرَ رواد الأعمال الذين رُحِّب بهم قبل سنوات قليلة فحسب بوصفهم طابورا خامسا. وكان لا بد من إعادة تأكيد السيطرة عليهم وعلى رؤوس أموالهم، وعندما تولّى شي السلطة سرّع وتيرة هذه الحملة.

 

ومع ذلك، حتى بالنظر من خلال هذا المعيار الكئيب، فإن قيام شي بحبس المدير التنفيذي للعقارات، رين تشاي تشيانغ، ومناوراته ضد جاك ما إنمّا يكشفانِ عن الطبيعة الشخصية للغاية لحملته، ويسلّط الضوء على مهمته بزيادة نفوذ الحزب على جميع جوانب الحياة.

رين تشاي تشيانغ

معروفا باسم "المدفع الكبير"، اشتهر رين بصراحته. لقد تحدّث ضد آراء شي من قبل، وعبّر عن تناقض مع رسالة شي في عام 2016 بأن وسائل الإعلام التي تُديرها الدولة في الصين يجب أن تكون موالية للحزب وتخدمه. وتساءل رين: "منذ متى تحولت حكومة الشعب إلى حكومة الحزب؟"، في تغريدة إلى 37 مليون متابع على "Weibo"، ورد الحزب بوضع رين قيد التحقيق.

 

فحص المدققون حساباته في محاولة لتوجيه الاتهام إليه بالفساد، وهو تكتيك قديم، لكنهم لم يجدوا شيئا يُبرِّر الملاحقة القضائية. ناشده أصدقاؤه بالتوقف عن التعليق على السياسة. نجح الأمر لفترة من الوقت، فدخل في مجال الأعمال الخشبية وعرض فنه في معرض بكين في ديسمبر/كانون الأول 2019، ونشرت "جلوبال تايمز"، وهي صحيفة مملوكة للجنة المركزية للحزب، خبرا موجزا عن العرض.

 

ثم انتشر فيروس كورونا في ووهان بالصين، وغطّت جهات حكومية الأخبار. في فبراير/شباط، ألقى شي خطابا ادّعى فيه أن تعامل الحزب مع الوباء أظهر تفوُّق نظامه الشيوعي. بعد فترة وجيزة، كتب رين في مقال قصير أنه أثناء مشاهدة الخطاب "لم يرَ إمبراطورا واقفا هناك يختال بـ "ملابسه الجديدة"، ولكن رأى مهرجا عاريا أصرّ على الاستمرار في لعب دور الإمبراطور".

أرسل رين القطعة عبر البريد الإلكتروني إلى 11 صديقا وسرّبها أحدهم، ثم أُلقي القبض على رين وابنه والمحاسب الذي عمل معه. وفي السجن، وفقا لخمسة مصادر مطلعة على قضية المدير التنفيذي، قيل لرين إنه ما لم يعترف بالجرائم التي كان سيُتّهم بها فإنه سيُحكم على ابنه بالسجن مدى الحياة. واتُّهم رين لاحقا بالفساد، وعلى الرغم من تبرئته بالفعل في تحقيق عام 2016 فإنه أقرَّ بالذنب. وفي 22 سبتمبر/أيلول حكمت عليه محكمة صينية بالسجن 18 عاما. لم يطعن رين في الحكم، ومع ذلك لم يحافظ الحزب على جانبه من الصفقة حتى اللحظة، إذ لا يزال ابن رين في السجن.

 

لم تُوجَّه أي تهم إلى جاك ما بارتكاب أي جرائم، لكن التعامل مع قضيته يحمل بصمات شي أيضا. مع استعداد "Ant Group" للاكتتاب العام، ألقى جاك ما خطابا ينتقد حملة شي للسيطرة على رأس المال المغامر، مدعيا أنها كانت تخنق الابتكار. وبدعم من البنوك المملوكة للدولة والمؤسسات المالية الأخرى التي كانت تخشى "Ant" تحرّك شي لتأجيل طرح السوق لأول مرة.

ثم ظهر فريق من لجنة التفتيش التأديبية المخيفة التابعة للحزب في مقر الشركة في هانغتشو. وأشار تقرير إخباري إلى أن جامعة هوبان، وهي كلية إدارة أعمال شارك في تأسيسها جاك ما، قد تُغلق جزءا من سياسة الحزب نحو إعادة بسط السيطرة الكاملة للدولة على التعليم. وفي محاولة يائسة لحفظ ماء وجه الحزب تقول التقارير إن جاك ما قدّم لمشرّعي الدولة قطعة من "Ant Group" عن طيب خاطر، لكن الأمر يعكس اتجاها وطنيا تلتهم فيه الشركات المملوكة للدولة الشركات الخاصة، حيث استثمرت الشركات المملوكة للدولة في عام 2019 أكثر من 20 مليار دولار في القطاع الخاص، وهو أكثر بمرتين من مبلغ عام 2012. ثم اختفى جاك ما، وغاب عن ظهور تلفزيوني كان مزمعا من بين أحداث أخرى، وعاود الظهور الأسبوع الماضي فقط للتحدث إلى مجموعة من المعلمين خلال حدث عبر الإنترنت.

 

يعتقد خبراء مثل ديكستر روبرتس، مؤلف كتاب "أسطورة الرأسمالية الصينية"، أن العواقب الاقتصادية لتحرُّك شي للحد من الأعمال الخاصة قد تكون وخيمة، إذ يتوقع نموا أبطأ من ذي قبل وابتكارا ضعيفا ومنافسة أقل، وهي كلها عوامل تساهم في الركود الاقتصادي. وقد حدث فعلا أن أثّرت العودة المفاجئة للاعتماد على الشركات المملوكة للدولة على الإنتاجية، فقد تضاعف حجم رأس المال المطلوب لتوليد وحدة واحدة من النمو الاقتصادي تقريبا منذ أن تولى شي مقاليد السلطة.

 

هذا الهجوم على رواد المشاريع يُعيد الصين إلى الوراء سياسيا أيضا. يبدو أن شي قد اعتنق المنطق اللينيني جوهريا دون تغيير عن أيام ماو، ويقوم هذا المنطق على إرخاء القبضة في أوقات الأزمات مما يسمح بمزيد من المشاريع الحرة والمزيد من الحرية، لكن الحزب يفعل ذلك دائما على مضض ثم ما يلبث أن يعود إلى الشكل السابق.

——————————————————————————————–

هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يضعنا قرار ترمب بوقف عمليّات تطبيق “تيك توك” في الولايات المتحدة منذ عدة أيام أمام السؤال: كيف يمكن لمقاطع مرئية لأولاد يتمايلون على أنغام الهيب هوب أن تُشكِّل تهديدا مخيفا لأي شيء؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة