انتقام لوكاشينكو.. بيلاروسيا تفتح نار الهجرة بوجه أوروبا

Belarusian President Alexander Lukashenko attends a meeting of the Collective Security Council of the Collective Security Treaty Organization (CSTO) in Dushanbe, Tajikistan September 16, 2021. REUTERS/Didor Sadulloev

مقدمة الترجمة:

أعدت الباحثة إليزابيث براو، الزميلة الزائرة في معهد المشروع الأميركي لأبحاث السياسات العامة (أمريكان إنتربرايز)، تحليلا نشرته مجلة "ديفنس وان"، ألقت فيه الضوء على النهج العدواني الذي يتبعه الرئيس البيلاروسي "ألكسندر لوكاشينكو"، الذي فتح مطارات بلاده أمام المهاجرين من الشرق الأوسط، ثم فتح أمامهم حدود بلاده مع دول أوروبا ليغرقها بالمهاجرين، تنفيذا لتهديد أطلقه من قبل.

 

نص الترجمة:

في البداية، دبَّرت بيلاروسيا عبور بضع مئات من المهاجرين نحو حدود ليتوانيا، ثم سرعان ما ارتفع العدد إلى بضعة آلاف. بعدئذ، أدخلت بيلاروسيا المزيد من المهاجرين إلى "مينسك" (عاصمة البلاد) ودفعتهم نحو لاتفيا وبولندا، ومن هناك شقّ آلاف منهم طريقهم نحو ألمانيا. على الأرجح أن كل ذلك مجرد بداية، فقد قام الرئيس البيلاروسي "ألكسندر لوكاشينكو" بزيادة عدد رحلات الطيران من مدن الشرق الأوسط إلى مينسك زيادة ضخمة. هكذا إذن يمكنك زعزعة استقرار دولة ما، بل وقارة بأكملها.

 

لا يخفى على أحد ما تفعله بيلاروسيا، ففي مايو/أيار، بعدما ندَّدت ليتوانيا وبقية دول الاتحاد الأوروبي تنديدا صريحا باختطاف صحافي بيلاروسي معارض (أجبرت مينسك طائرته على الهبوط في أراضيها كي تعتقله)، تعهد لوكاشينكو بـ"إغراق الاتحاد الأوروبي بالمهاجرين والمخدِّرات". وبعد ذلك بفترة وجيزة، بدأ العراقيون وغيرهم بعبور الحدود نحو ليتوانيا بأعداد تقدَّر بالعشرات، ثم بالمئات والآلاف، ومن ثَم تقدموا بطلبات لجوء في دولة البلطيق الصغيرة (سبق أن دخل 46 مهاجرا دون أوراق رسمية إلى ليتوانيا عام 2019 قادمين من بيلاروسيا). ثمَّ بدأ المهاجرون عبور الحدود البيلاروسية مع لاتفيا وبولندا أيضا، حتى سجَّل أكتوبر/تشرين الأول وحده حالات تسلُّل عبر الحدود تقدر بـ15 ألف حالة.

 

انتقام لوكاشينكو

Belarusian President Alexander Lukashenko speaks during a news conference following talks with his Russian counterpart Vladimir Putin at the Kremlin in Moscow, Russia September 9, 2021. REUTERS/Shamil Zhumatovألكسندر لوكاشينكو

لقد أعدَّت مينسك كل هذه الخطة، فهي من أصدرت تأشيرات سياحية لهؤلاء الآلاف من المهاجرين، مع أنه لم يضع أحد في اعتباره السفر من أجل السياحة في بيلاروسيا أصلا، كما أنها دبرت زيادة عدد رحلات الطيران التابعة لشركات مثل الخطوط الجوية العراقية، التي لم ترسل عمليا رحلات إلى مينسك في السابق، هذا ويُنتظر أن يزيد معدل هذه "الرحلات السياحية" زيادة حادة في الفترة المقبلة. ويتضمن الجدول الشتوي الصادر عن مطار مينسك حديثا رقما مذهلا من رحلات الطيران القادمة من مطارات الشرق الأوسط يبلغ 55 رحلة طيران أسبوعيا. وقد بيَّتت الحكومة البيلاروسية نيتها -بالفعل- جلب المهاجرين إلى البلاد عن طريق السماح لهم بالصعود على متن الطائرات بدون تأشيرات، على أن تُصدِرها لهم عند الوصول، بل وبدأت مؤخرا في إصدار تأشيرات جماعية.

 

حالما يصل المهاجرون المحتملون إلى بيلاروسيا، تساعدهم الحكومة في السفر إلى حدود ليتوانيا ولاتفيا وبولندا، وهي خطة عبقرية أجبرت بواسطتها مينسك الدولَ الثلاث بالفعل على توجيه موارد ضخمة من أجل ضبط الحدود معها، إذ تبني ليتوانيا حاليا سياجا حدوديا، وستبني بولندا جدارا على حدودها، علاوة على تعزيز الدول الثلاث قوات حرس حدودها كما فعلت بولندا التي وضعت 10 آلاف جندي على حدودها.

 

هنا تزداد لعبة لوكاشينكو الشريرة مكرا، إذ يعلم الحاكم البيلاروسي أن الهجرة مسألة خلافية بشدة بين دول الاتحاد الأوروبي، وداخل كل دولة من الدول الأعضاء. فقد أحدثت إستراتيجية بولندا لصد المهاجرين مرة أخرى إلى بيلاروسيا صدعا في علاقتها مع بلجيكا التي تضم مقر الاتحاد الأوروبي؛ ما زاد من سوء علاقتهما المتوترة بالفعل. وكان لوكاشينكو على علم بأن المهاجرين الذين اقتادهم نظامه نحو دخول لاتفيا وليتوانيا وبولندا لن يبقوا هناك على الأرجح، ففي سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول، سجلت الشرطة الألمانية وصول 7300 مهاجر إلى ألمانيا عن طريق بولندا وبيلاروسيا. وبدوره، تسبَّب هذا التدفُّق من المهاجرين في سفر نشطاء اليمين المتطرف الألمان إلى الحدود محاولين منع المهاجرين من الدخول.

 

العدوان الرمادي

من السهل توقع الحلقة المقبلة من هذا المسلسل القبيح الذي أرساه ديكتاتور عازم على زعزعة استقرار البلدان التي تجرَّأت على تحدي شرعية حكمه، سيصل المزيد والمزيد من المهاجرين إلى بيلاروسيا هذا الشتاء، وستنقلهم السلطات البيلاروسية إلى الحدود مع لاتفيا وليتوانيا وبولندا، والتي ستبذل سلطاتها جهدا كبيرا لصدهم عن الدخول. ولأن بيلاروسيا ترفض استقبال المهاجرين من جديد، فسيُترَكون لمواجهة مصيرهم في درجات حرارة منخفضة؛ ما سيسبِّب انقساما مسموما بين دول الاتحاد الأوروبي.

 

سيحاول المهاجرون ممن استطاعوا عبور الحدود الوصولَ إلى ألمانيا، وسيؤدي ذلك على الأرجح إلى تعزيز اليمين المتطرف لوجوده على الحدود، ليستجلب بدوره نشطاء اليسار المتطرف أيضا إلى المنطقة. وقد تؤدي أزمة اللاجئين تلك التي افتعلتها بيلاروسيا، ليس إلى مناوشات بين اليمين المتطرف واليسار المتطرف فحسب، بل إلى انهيار العلاقات بين بولندا والاتحاد الأوروبي، والامتعاض في لاتفيا وليتوانيا بسبب الدعم الأوروبي الهزيل. هذا ويشهد الموقف على الحدود البولندية-البيلاروسية مواجهات قد تشعل تصعيدا أخطر، بل وربما تتسبب في اندلاع حرب عن طريق الخطأ. فقد أطلقت القوات البيلاروسية رصاصا فارغا صوب القوات البولندية، بيد أن الجنود المستهدفين قد لا يتمكنون دوما من تمييز نوع الرصاص الذي يواجههم، لا سيما إذا كانت الطلقات صادرة عن قوات معادية.

 

ما دام لوكاشينكو يستخدم البشر سلاحا لخدمة مصالحه بهذه القسوة، فإنه سينجح في خطته بإلحاق الضرر بالاتحاد الأوروبي، ولكن لأن جنديا واحدا لم يعبر حدود الاتحاد الأوروبي أو الناتو، لا يملك أي منهما إستراتيجية لتقليص حدة هجمة عدوانية من هذا النوع، ناهيك بمعاقبة مدبِّريها. حين بدأتُ إعداد كتابي "ورطة المُدافِع" قبل عامين، لم يكن واضحا أن صنوف العدوان الرمادي (Gray-zone Aggression) ستتسارع بهذه الوتيرة التي شهدناها، أما الآن فقد صار العدوان الرمادي حاضرا بقوة. وواقعيا، فإن تبني لوكاشينكو لهذا النوع من العدوان بهذه الوقاحة يمهِّد الطريقَ أمام أنظمة أخرى لاستحداث وسائل خبيثة من إبداعها كي تجد سبيلا لإلحاق الضرر بالغرب.

VYDENIAI, LITHUANIA - JULY 29: Migrants detention centre in old school, there about 150 of them are staying, mostly from Ivory Coast, Cameroon, Somalia, Eritrea and Senegal on July 29, 2021 in Vydeniai, Lithuania. More than 3000 migrants have been intercepted for illegally crossing the Lithuanian border from Belarus. The Lithuanian government has accused the President of Belarus, Alexander Lukashenko, of illegally allowing refugees from the Middle East trying to reach Europe to pass through its borders. (Photo by Paulius Peleckis/Getty Images)مركز احتجاز المهاجرين في المدرسة القديمة معظمهم من ساحل العاج والكاميرون والصومال وإريتريا والسنغال

لذلك، على البلدان أن تتعلم من مواقف لاتفيا وليتوانيا وبولندا. إن العبرة الأوضح هُنا هي أنه حتى التعاون الإداري طويل الأمد لا يثمر فوائد تُذكر. فعندما قرر لوكاشينكو استخدام المهاجرين سلاحا بوجه أوروبا، ذهبت سُدى عقودٌ من التعاون المتميز بين حرس حدود لاتفيا وليتوانيا وبولندا من جهة، ونظيرهم البيلاروسي من جهة بين ليلة وضحاها. وبينما يتوجب على البلدان الغربية الاستمرار في تعزيز النظام الدولي القائم على القانون، فإن العدوان الرمادي الذي شنَّه لوكاشينكو برهن على أن هذه القوانين نفسها قد لا تعني شيئا. وعلى الرغم من أن تهريب البشر مُجرَّم قانونا، لكن ماذا بيدك أن تفعل حينما يكون نظام ما متورطا فيه؟ يمكنك مثلا تخيل العواقب المحتملة على الولايات المتحدة إذا ما قررت دولة في أميركا اللاتينية استخدام الهجرة سلاحا بوجهها.

 

علاوة على ذلك، علينا أن نتعلم من تجربة الدول الثلاث أهمية إشراك الشعب في التأهُّب للمواجهة، ما يعني فتح نقاش جماهيري حول هشاشة المجتمع الحديث، ليس بوجه تهريب الأشخاص الموجَّه للنيل من الحكومات فحسب، بل وكذلك بوجه شتى صنوف العدوان الرمادي، بدءا من الهجمات السيبرانية وحتى دبلوماسية الرهائن. ويعني ذلك أيضا وضع طرق يشارك عبرها المواطنون في تأمين بلدانهم بما يتوافق مع توجه حكوماتهم، وإقناع الجماهير التي يزداد تشاؤمها بمرور الوقت بأن الديمقراطية الحرة تستحق الدفاع عنها.

 

قد لا يكون سهلا حشدُ جماهير لم يُطلب منها أكثر من دفع الضرائب كي تصُد تهديدات خارجية، بيد أن أي شعب لا يحتاج سوى أن ينظر إلى الحياة اليومية في بيلاروسيا أو الصين أو روسيا؛ كي يستنتج أن نمط الحياة في بلده يستحق الحماية.

————————————————————————————-

هذا المقال مترجم عن Defense One ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

ترجمة: هدير عبد العظيم.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

U.S. 3-66 battalion commander Lieutenant Colonel Paul Godson, U.S. ambassador to Lithuania, Robert Gilchrist, Lithuanian President Gitanas Nauseda, Lithuanian Defense minister Arvydas Anusauskas and Lithuanian Chief of Defense Lieutenant-General Valdemaras Rupsys react during ribbon-cutting ceremony at the opening of the U.S. army camp Herkus, in Pabrade, Lithuania, August 30, 2021. REUTERS/Janis Laizans

تهدف العاصمة الليتوانية من وراء إنشاء قاعدة “هِركوش” إلى إغراء واشنطن لتحويل الانتشار الدوري لقواتها العسكرية كي يصبح إقامة دائمة، ومن ثم صد القوات الروسية التي تنتشر وتتدرب في بيلاروسيا بصورة دورية.

Published On 8/11/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة