حلم "ديغولي" قديم.. هل ينجح ماكرون في إعادة فرنسا إلى الشرق الأوسط؟

French President Emmanuel Macron gestures as he meets with Tajik President Emomali Rahmon (not seen) at the Elysee Palace in Paris, France, October 13, 2021. REUTERS/Gonzalo Fuentes TPX IMAGES OF THE DAY

"قال لي: طلبت لقاءك لكي أعبر لك عن تقديري ومحبتي، لمعرفة ماذا يمكننا أن نعمل معا حتى نساعد لبنان اليوم. قلت له: أنا أستطيع أن أضع صوتي بين يديك، ننظم حفلات برعاية وزارة الثقافة الفرنسية لجمع الأموال ومساعدة الضحايا"

– المطربة اللبنانية "ماجدة الرومي" متحدثة عن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.(1)

عاش لبنان صدمة بعد انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس/آب 2020، فلم يكن الانفجار مجرد حدث مؤلم ضمن أحداث أخرى كثيرة عرفتها البلاد، بل جاء حلقة ختامية لمسلسل طويل من النكبات ذاقت عبرها البلاد ويلات الغلاء والفقر والنفايات وانقطاع الكهرباء. وقد اتجهت أصابع الاتهام وعبارات الغضب الشعبي إلى الطبقة الحاكمة التي يتهمها اللبنانيون بالفساد والتربح من الأزمات، لذا بحث الجميع عن مخلص يمنحهم أملا في الخروج من نفق الأزمات التي لا تنتهي.

 

في هذه الأجواء، حطت طائرة الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" فوق أرض لبنان، إذ جاء ممثل الإليزيه حاملا البشارة بأن باريس ستتدخل لمساعدة بيروت، وسعدت شريحة من اللبنانيين بهذه الزيارة، وأملت في تغير الوضع، وفي المقابل، رأت فرنسا فرصة لها عبر بوابة لبنان تعيدها مرة أخرى إلى لعب دور "ديغولي" في الشرق الأوسط لطالما حلمت به ولم تنله في ظل الهيمنة الأميركية.

French President Emmanuel Macron visits the devastated site of the explosion at the port of Beirut, Lebanon August 6, 2020. Thibault Camus/Pool via REUTERS TPX IMAGES OF THE DAYالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يزور الموقع المدمر للانفجار في ميناء بيروت

لم تبدأ علاقة فرنسا بمنطقة الشرق الأوسط بعد الزيارتين الأخيرتين التي أقدم عليهما إيمانويل ماكرون إلى لبنان ثم العراق، بل تعود العلاقة إلى سنوات طويلة خلت، توِّجت في وقت سابق بالاحتلال الفرنسي لعدد من دول المنطقة إثر انهيار الدولة العثمانية المريضة بداية القرن العشرين، بيد أن هذا التمدد سيعرف تراجعا ملحوظا أثناء الحرب الباردة، التي تلتها سيطرة أميركية شبه شاملة على المنطقة، لا سيما بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 حين غزت أميركا أفغانستان ثم العراق في "حربها المقدسة على الإرهاب". وبين الحرب الباردة والحرب الأميركية على أفغانستان والعراق، حاولت باريس إيجاد موضع قدم لها في المنطقة، سواء كان ذلك في إطار دعم الجهود الغربية للحد من المد الشيوعي القادم من الشرق، أو في إطار مساندة الولايات المتحدة في حربها على الإرهاب.(2)

 

رأت فرنسا في عهد الرئيس الأسبق "فاليري جيسكار ديستان" أن العراق هو البوابة التي ستمنحها عمقا في الشرق الأوسط، ولذا حاولت تطوير تعاون سياسي وعسكري وعلمي مع بغداد. وغير بعيد عن العراق، في إيران هذه المرة، استضافت فرنسا "آية الله الخميني" المعارض لحكم الشاه قبيل اكتمال الثورة الإيرانية، حاملة شعار "احترام حرية الشعب الإيراني". وقد راهنت عدد من الدوائر الفرنسية على بناء علاقات متينة مع النظام الجديد لكي تحل باريس محل الأميركيين والبريطانيين أصحاب العلاقات القوية مع نظام الشاه المخلوع، وبالإضافة إلى ذلك حضرت فرنسا ديستان بوصفها طرفا فاعلا في الملفين السوري واللبناني.(3)

 

لم تؤت رهانات باريس أُكلها، ودخلت السياسة الفرنسية بعد ديستان في حقبة من الجمود، خاصة أواخر عهد "جاك شيراك" الذي رفض الغزو الأميركي للعراق، ومن ثَم هُمِّشَت فرنسا في ذروة التوغُّل الأميركي بالمنطقة. لكن سياسة الإليزيه استعادت حيويتها نسبيا بصعود "نيكولا ساركوزي" الذي حاول الابتعاد عن المواقف التقليدية لفرنسا، وفضل التقارب مع الأميركيين(4). وطرح الرئيس الفرنسي الجديد آنذاك مشروع "الاتحاد من أجل المتوسط" الذي تبناه الاتحاد الأوروبي لإنعاش العلاقات بين أوروبا ودول منطقة الشرق الأوسط، وعلى رأسها قطر ومصر وسوريا. وقد رغب ساركوزي بإعادة تعريف العلاقات مع سوريا تحديدا بعد سنوات من القطيعة بين باريس ودمشق، مرسلا مبعوثين فرنسيين للقاء الرئيس بشار الأسد، وعاملا بدأب من أجل إخراج النظام السوري من قائمة "محور الشر" الأميركية، لا سيما أن الإليزيه قد رأى أنه لا يمكن حل مشكلات لبنان مع استبعاد سوريا ذات اليد الطولى في البلاد.(5)

 

مع وصول رياح الربيع العربي، بدا أن باريس ليست مستعدة للأحداث الجديدة والتاريخية التي غيَّرت وجه المنطقة، إذ دعمت في أول الأمر حق الشعوب العربية في الثورات على الأنظمة الديكتاتورية، وعملت على إسقاط نظامي الأسد والقذافي لعلمها باستعداد الرجلين إدخال بلديهما في حروب دموية للحفاظ على السلطة، إلا أن هذه المواقف "الداعمة" للحَراك سرعان ما تغيرت ببراغماتية شديدة حين دعمت فرنسا الجنرال "خليفة حفتر"، واستقبلت في الإليزيه المشير "عبد الفتاح السيسي"، الذي وصل لتوِّه إلى حكم مصر بعد انقلاب عسكري، طمعا في إبرام صفقات عسكرية معه تملأ خزينة باريس.(6)

French President Francois Hollande (R) accompanies Egyptian President Abdel Fattah al-Sisi as he leaves the Elysee Palace in Paris, November 26, 2014. REUTERS/Philippe Wojazer (FRANCE - Tags: POLITICS)الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند (إلى اليمين) يرافق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أثناء مغادرته قصر الإليزيه في باريس

إيمانويل ماكرون وحلم "ديغولي"

مع وصوله إلى رئاسة فرنسا، بدأ إيمانويل ماكرون مساعيه الحثيثة لتجاوز حقبة "فرانسوا أولاند" التي لم تنجح دبلوماسيا على مستوى الشرق الأوسط، وحاول الرئيس الفرنسي الجديد طرح عدد من المبادرات المتعلقة بالسياسة الخارجية حيال العديد من الملفات المعقدة، مثل العلاقات الروسية-الأميركية، والوضع في الشرق الأوسط، وليبيا بالتحديد. وحاول ماكرون أيضا العمل على تعزيز الحضور في عدد من المجالات الدبلوماسية المهمة، مثل عضوية بلاده في مجلس الأمن، وقوتها النووية وقدراتها العسكرية؛ بهدف استعادة مكانتها الضائعة في الشرق الأوسط. لقد أرادت باريس دورا أكبر في التدخلات العسكرية خارج حدودها، ورغم عدم تمكنها أحيانا من حيازة الدعم الأوروبي، فإنها أصرت في بعض القضايا على المضي وحيدة نحو أهدافها، كما جرى في مالي.(7)

 

أراد الرئيس الفرنسي إعادة رسم صورة مختلفة لدبلوماسية بلاده، ففي سوريا مثلا حرص على أن يظهر بمظهر الطرف المحايد والنزيه بين المعسكرين؛ "الشرقي" الذي تقوده روسيا والصين، و"الغربي" الذي تدافع الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا عن مصالحه، كما حرص على الإبقاء على علاقات جيدة مع الأطراف الأخرى مثل إيران والسعودية، وإبرام تسوية يشارك فيها الجميع، بما في ذلك تركيا(8). ولكن هذه النوايا الدبلوماسية لم تكن كافية دوما، إذ فشل الرجل في التنسيق مع إيطاليا حول الوضع في ليبيا، ما أشعل أزمة دبلوماسية مع روما، وعرَّض ماكرون لحملة من التشكيك في جدية التزامه بعلاقاته مع شركائه الأوروبيين فيما يخص المصالح الأوروبية المشتركة.(9)

 

بيد أن هذه الاختلافات مع الجيران وعدم اتباع السياسات الأميركية في الشرق الأوسط، لا تخيف ماكرون حتى الآن على الأقل. فقد عبَّر الرئيس الفرنسي غير مرة عن رغبته في تقمص دور أسلافه "شارل ديغول" و"فرانسوا ميتِران" اللذين تركا بصمة كبيرة في الشؤون الخارجية الفرنسية. ولتحقيق ذلك، قرر البدء بالشرق الأوسط لعدة أسباب: أولها العلاقة التاريخية لبعض بلدان المنطقة بفرنسا، وثانيها اهتمام الرأي العام الفرنسي بما يحدث في العالم العربي والإسلامي، على اعتبار أن المنطقة تشهد "حربا على الإرهاب"، ذلك "البعبع" الذي يؤرق المواطنين الفرنسيين بعد تفجيرات عديدة عرفتها البلاد السنوات الأخيرة.(10)

 

الكثير من الثورات.. القليل من المهاجرين

لم يكن تكريم الرئيس الفرنسي للمطربة اللبنانية فيروز، ولا عناقه وبكاؤه في حضرة ماجدة الرومي، ولا مصافحته للشعب اللبناني "الذي يحتاج من يحنو عليه"، هو السبب الرئيس الذي جعله يحط رحاله في الشرق الأوسط، بل إنّ ساكن الإليزيه كان يستعد في الواقع لخوض امتحان الانتخابات الرئاسية الصعب بعد أشهر قليلة، ويعلم يقينا أن تحقيق المكاسب الخارجية قد يدعم حظوظه في البقاء رئيسا للبلاد لولاية ثانية.

عناق وبكاء ماكرون في حضرة ماجدة الروميعناق وبكاء ماكرون في حضرة ماجدة الرومي

بدأ ماكرون حملته الانتخابية غير الرسمية وسط حشود غفيرة، لكنها لم تكن حشودا من الفرنسيين، بل من اللبنانيين الذي رأوا فيه منقذا لهم من الطبقة السياسية المحلية. ويرى ماكرون أن كسب النقاط الانتخابية لا يأتي بالضرورة من داخل فرنسا، بل قد يأتي من خارجها أيضا إذا ما تمكن من إقناع الجميع بأن كل خطوة داخلية أو خارجية يقوم بها تصب في صالح المواطن الفرنسي، مقتفيا بذلك -بالطبع- آثار مؤسس الجمهورية الخامسة شارل ديغول الذي أدّت أدواره الدبلوماسية والخارجية دورا مفتاحيا في شرعيته داخل فرنسا.

 

يؤثر العالم العربي على وجه الخصوص تأثيرا كبيرا في الداخل الفرنسي، لا سيما أن هناك حوالي 6 ملايين مهاجر (أو ابن مهاجر) من أصول عربية داخل فرنسا، كما يعيش حوالي 1.2 مليون مواطن فرنسي في دول عربية. ففي مجال التعليم مثلا، تُعَد الدول العربية الأولى في ترتيب الدول التي ترسل مواطنيها من أجل الدراسة في فرنسا، كما تنشط المدارس التابعة للبعثات الفرنسية في عدد من الدول العربية، لتشكِّل مركز "ثقل" فرنكوفونيا قويا، خاصة في شمال أفريقيا.(11)

 

يحضر الاقتصاد أيضا في التحرُّكات الفرنسية، حيث تهدف فرنسا إلى إرساء علاقات اقتصادية قوية مع دول الشرق الأوسط. ويعلم الرئيس الفرنسي أن العراق الذي زاره في شهر أغسطس/آب، وليبيا كذلك، يمتلكان ثروات طبيعية مهمة، وتمتلك شركة "توتال" الفرنسية 22% من التحالف الذي يدير حقل "حلفايا" النفطي بالعراق، وهي تحوز نسبة 18% في إحدى المناطق النفطية بإقليم كردستان العراق، كما تملك الشركة استثمارات مهمة في ليبيا.(12)

epa09433429 Iraqi President Barham Salih (L) welcomes the French President Emmanuel Macron (R) at the Iraqi presidential palace in Baghdad, Iraq, 28 August 2021. Macron arrived in Baghdad on 27 August on an official visit during which he will attend a summit of Middle East leaders. EPA-EFE/AHMED JALIL

ترغب فرنسا عموما بزيادة حِصّتها من ثروات الشرق الأوسط، دون الدخول في مجازفات غير محسوبة، وهذا ما يؤكده ماكرون نفسه، فقد أبدى براغماتية واضحة أثناء زيارته لبنان، وتفادى الدخول في مشكلات مع حزب الله اللبناني، معتبرا أن الحل السياسي للبلاد سيأتي من تعاون الأطراف كافة، وهو ما فسره مراقبون بأن ماكرون يحاول تجنب سياسة الضغط الأميركية على حزب حسن نصر الله عبر التعقب والعقوبات، وهي سياسة لم تنجح كثيرا في حل المشكلة اللبنانية.(13)

 

ثاني النقاط التي تحرص باريس على كسبها من تحركاتها في الشرق الأوسط هي كبح "تسونامي اللاجئين"، الذين ترى فيهم تهديدا لأمن أوروبا واقتصادها. وقد أصبح ملف اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين أولوية لباريس، لا سيما مع انعكاساته الداخلية، وليس هنالك أدل على ذلك من قرار فرنسا تخفيض التأشيرات الصادرة للمغاربة والجزائريين إلى 50%، وللتوانسة إلى 30%، بعد فشلها في التوصُّل إلى اتفاق مع الدول المغاربية الثلاث بخصوص استرجاع المهاجرين غير النظاميين(14). وقد أقدمت فرنسا على هذه الخطوة بعد أن رفضت الدول الثلاث السماح لهؤلاء المهاجرين بالعودة دون إخضاعهم لفحص فيروس كوفيد-19، في الوقت الذي يرفض فيه هؤلاء المهاجرون الخضوع للفحص إجباريا، وسط استنكار المنظمات الحقوقية بسبب ظروف احتجازهم ومحاولة إجبارهم على الفحص بهدف ترحيلهم في أسرع وقت.(15)

 

يعلم ماكرون أن ملف المهاجرين سيكون من أبرز النقاط التي ستدور حولها مناظرات المرشحين للرئاسة الفرنسية، ولذلك أظهر الرئيس الفرنسي نوعا من الحزم فيما يخص اللاجئين الأفغان، مدركا أن انفجارا جديدا لموجات المهاجرين سيزيد من فرص اليمين المتطرف المنافس بذراعيه "مارين لوبِن" و"إريك زمور" على الإطاحة بالرئيس الفرنسي الحالي في الانتخابات المقبلة.

 

تركيا.. المنافس العنيد

BERLIN, GERMANY - JANUARY 19: French President Emmanuel Macron (R) and Turkish President Recep Tayyip Erdogan (L) are pictured during a family picture at the Chancellery on January 19, 2020 in Berlin, Germany. Leaders of nations and organizations linked to the current conflict are meeting to discuss measures towards reaching a consensus between the warring sides and ending hostilities. (Photo by Emmanuele Contini/Getty Images)

في إطار جهود باريس لاستعادة نفوذها في الشرق الأوسط، تبرز تركيا بوصفها عقبة ومنافسا رئيسا. تعتبر فرنسا وعدد من الدول الأوروبية أنه لا مكان لتركيا داخل الاتحاد الأوروبي لأسباب متعددة، منها تحفظاتهم على النظام السياسي الداخلي الحالي بقيادة الرئيس أردوغان، وكذلك رغبة هذه الدول في حصر عضوية الاتحاد على الدول ذات الأصول المسيحية(16). وقد ازدادت هذه الخلافات بين تركيا وأوروبا، وعلى رأسها فرنسا، بسبب عدم رضا باريس عن تحركات أنقرة في الشرق الأوسط، مستفيدة من قربها الثقافي والديني، وأحيانا السياسي، من عدد من الدول. وقد هاجم ماكرون في مناسبات عديدة غريمه التركي، لا سيما أثناء الخلاف بين تركيا وقبرص حول التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط، وهو ما رفضته تركيا داعية فرنسا إلى "التوقف عن الاستعلاء، واتباع سياسات معقولة وعقلانية، والتوقف عن دعم الانقلابيين في ليبيا".(17)(18)

 

لم تقتصر الخلافات بين تركيا وفرنسا على ليبيا، حيث وقفت فرنسا وراء الجنرال حفتر، فيما دعمت تركيا حكومة الوفاق الليبية، بل وصلت إلى العراق، إذ إن الرئيس الفرنسي لم يتردد أثناء زيارته إلى بغداد سبتمبر/أيلول الماضي في التأكيد على ضرورة الحفاظ على "السيادة الوطنية للبلاد"، داعما في الوقت نفسه استقلال إقليم كردستان، وهي رسالة واضحة إلى تركيا التي تنخرط في العراق عسكريا للحد من خطورة حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه أنقرة منظمةً إرهابية(19). وفي لبنان، تخشى فرنسا من تقارب تركيا مع التيار السني، خصوصا بعد تراجع دور السعودية التاريخي إثر الخلاف بين ولي العهد السعودي ورئيس الحكومة اللبنانية السابق سعد الحريري.(20)

 

شملت المواجهة التركية الفرنسية أفريقيا، القارة المحورية في سياسات فرنسا ذات الماضي الاستعماري هناك، والتي لا تزال تملك أواصر اقتصادية وسياسية وعسكرية مع العاصمة الفرنسية. وتشير صحيفة "لوموند" في تقرير لها إلى أن التحركات التركية في القارة باتت مقلقة بعد توقيع اتفاقية دفاع مشترك بين تركيا والنيجر في يوليو/تموز 2020 لم يُفصَح عن بنودها، وتهدف إلى مواجهة تنظيم "بوكو حرام"، وكذلك بعد الموقف التركي من انقلاب مالي في أغسطس/آب 2020 الذي رفضته فرنسا. فقد كان "مولود جاويش أوغلو"، وزير الخارجية التركي، أول مسؤول أجنبي يلتقي الجناح المُنقَلِب على "إبراهيم أبو بكر كيتا"، وهو موقف استفز باريس التي ترى تأثيرا سلبيا لهذا التغيير السياسي على مصالحها في المنطقة.(21)

 

فراغ صعب الملء

epa07124965 French President Emmanuel Macron attends a press conference during the Syria summit in Istanbul, Turkey, 27 October 2018. Turkish President Recep Tayyip Erdogan, Russian President Vladimir Putin, German Chancellor Angela Merkel, and French President Emmanuel Macron met in Istanbul to plan a political resolution for the conflict in Syria. EPA-EFE/MAXIM SHIPENKOV / POOL

تحاول فرنسا جاهدة ملء ذلك الفراغ الذي تتركه الولايات المتحدة الأميركية وراءها بعد عقود طبعها التدخل السياسي والعسكري الذي أنهك واشنطن، لكن العودة إلى الشرق الأوسط ليست بتلك السهولة. ورغم محاولات ماكرون المتعددة لإعادة بلاده إلى مصاف الدول ذات اليد الطولى في المنطقة، فإن النتائج الأولى لهذه المحاولات لم تحقق حتى الآن نتائجها المرجوة.

 

ففي لبنان، لم يحقق ماكرون شيئا ملموسا، وهو ما عبر عنه "سمير جعجع"، رئيس حزب القوات اللبنانية، في تصريحه لصحيفة "فاينانشال تايمز" الذي قال فيه: "ماكرون أجابنا عن 1001 نقطة، لكن لم نخرج منها بشيء واحد واضح". أما في العراق، فإن المشاريع الاقتصادية التي استثمرت فيها باريس مليار يورو لم تقدم أي جديد، ولم تخدم مصالحها الاقتصادية، إذ فضَّلت بغداد التعامل مع الحكومة البريطانية في المجال الاقتصادي، في حين سيقتصر الحضور الفرنسي على التعليم والثقافة، إلى جانب المجال العسكري.(22)(23)

 

رغم كل شيء، يطمع الرئيس الفرنسي في البقاء في الإليزيه لولاية ثانية كي يواصل حلمه بإعادة "فرنسا عظيمة مجددا" كما تركها "شارل ديغول"، لكن فشله في الانتخابات المقبلة سيعني ترك الجَمَل بما حمل لليمين المتطرف التقليدي، الذي يبدو أن أجندته السياسية الخارجية مختلفة تماما عن أحلام ماكرون.

——————————————————————————–

المصادر

  1. دموع ماكرون وعناق ماجدة الرومي يثيران جدلا (فيديو)
  2. الدور الفرنسي في منطقة الشرق الأوسط
  3. فرنسا والشرق الأوسط من ديستان إلى ماكرون
  4. الدور الفرنسي في منطقة الشرق الأوسط
  5. المصدر السابق
  6. طائرات رافال: مصر توقع عقدا مع فرنسا لشراء 30 طائرة حربية
  7. هل ينجح إيمانويل ماكرون في توسيع نفوذ فرنسا في الشرق الأوسط؟
  8. المصدر السابق
  9. المصدر السابق
  10. المصدر السابق
  11. A New Strategy for France in a New Arab World
  12. Macron Wants to Be a Middle Eastern Superpower
  13. Liban: le pas de deux d’Emmanuel Macron avec le Hezbollah
  14. فرنسا تشدد شروط منح التأشيرات لمواطني المغرب والجزائر وتونس
  15. بين مطرقة "الخذلان" وسندان "الترحيل".. اللاجئون الأفغان يشعلون حربا سياسية في أوروبا
  16. تركيا تعتبر اتّهامات ماكرون بانتهاكها سيادة اليونان وقبرص في المتوسط "باطلة ولاغية"
  17. المصدر السابق
  18. Macron Wants to Be a Middle Eastern Superpower
  19. Que peut la France au Moyen-Orient ?
  20. L’influence croissante de la Turquie au Sahel suscite l’inquiétude
  21. washingtonpost
  22. Macron in Beirut and Baghdad: a New French Approach to the Middle East?
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

French President Emmanuel Macron, wearing a protective face mask, attends a video-conference meeting with World Health Organization (WHO) Director-General Tedros Adhanom Ghebreyesus at the Elysee palace in Paris amid the coronavirus disease (COVID-19) outbreak, France, February 8, 2021. REUTERS/Christian Hartmann/Pool

تواصل فرنسا بعهد ماكرون مسيرتها بتحويل العلمانية من وعاء فضفاض يتسع للجميع لأيديولوجيا قسرية تستهدف الأقليات خاصة المسلمين تحت دعوى حماية مبادئ الجمهورية.فكيف استغلت فرنسا الوباء للفتك بحقوق المسلمين؟

Published On 6/9/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة