مركز اقتصادي وحصن عسكري.. لماذا ستحدد مأرب مصير حرب اليمن؟

تشهد الساحة اليمنية هذه الأيام وضعا مُعقدا أكثر من أي وقت مضى؛ فلا الحرب الضروس المستعرة منذ 7 سنوات انتهت بهزيمة أحد الأطراف في الميدان وكسر شوكته، ولا السياسة نجحت في ما عجزت عنه الحرب، ولم تفلح كذلك أي جهود دولية لنقل الصراع إلى طاولة المفاوضات، والوصول إلى حل يجمع الفرقاء كافة. ومن ثَم، لم يتبق أمام اليمن سوى أن يستمر القتال دون نهاية واضحة في الأفق، حتى يصل الجميع إلى مرحلة الإنهاك التي يَفرض بها صاحب النفَس الطويل التسوية التي يريد. وفيما يبدو، فإن طول أمد الحرب لم يعد في صالح الجيش اليمني المدعوم سعوديا بعدما تعقدت آماله كُليا في تغيير المعادلة العسكرية على الأرض، إذ تحولت الحرب من جهته من الهجوم القاسي إلى الدفاع المُستميت.

منذ بداية العام الجاري، بدأ الحوثيون المتّهمون بتلقي الدعم من إيران، والمسيطرون على العاصمة صنعاء منذ سبتمبر/أيلول 2014، وكذلك معظم المحافظات الشمالية التي تضم الجزء الأكبر من السكان، بدؤوا هجوما ضاريا زادت وتيرته في الأسابيع الأخيرة؛ بهدف السيطرة على محافظة مأرب النفطية، آخر معقل للقوات الحكومية في الشمال. ولمأرب أهمية كبرى عند الحوثيين، إذ إن السيطرة عليها تعني رجوح كفة الحرب لصالحهم سياسيا وعسكريا. ومن جهتها، تعتبر السعودية المعركة الحالية مصيرية لها هي الأخرى، فخسارتها تعني نهاية دور التحالف العربي في اليمن، ما يصعِّب الخروج بأي مكاسب إستراتيجية في المفاوضات المستقبلية.

سبعة أعوام من الحرب

لا تعد مأرب أول إشكالات اليمن على كل حال، فالبلد يشهد معارك ممتدة منذ نحو 7 سنوات، أودت بحياة أكثر من 233 ألف شخص، وجعلت 80% من سكانه -البالغ عددهم نحو 30 مليون نسمة- معتمدين على الدعم والمساعدات، في أسوأ أزمة إنسانية يشهدها العالم اليوم وفقا لمفوضية الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية. وبينما سعت ثورة فبراير/شباط اليمنية عام 2011 نحو تأسيس دولة مستقرة وديمقراطية كما حلم الثائرون حينها، إلا أن اليمن تشرذم على وقع حرب أهلية ضروس، وانقسم إلى ما يُشبه الدويلات الصغيرة المتناحرة.

في الشمال، يسيطر الحوثيون على 12 محافظة من أصل 22، وفي الجنوب الغربي المُطِل على البحر الأحمر تسيطر القوات المشتركة التي يقودها "طارق صالح"، نجل شقيق الرئيس الراحل "علي عبد الله صالح"، على الشريط الساحلي لمحافظتَي تعز والحُدَيْدَة الإستراتيجيتين، وفي الجنوب يفرض المجلس الانتقالي الجنوبي سيطرته على مدينة عدن (العاصمة المؤقتة)، وهو جهة غير رسمية تأسست عام 2017 بدعم إماراتي. أما الحكومة اليمنية المنتهية ولايتها، فتحتفظ بسيطرتها على الجزء الأكبر من مساحة البلاد الجغرافية، لكن معظمها أراض صحراوية تقع في الشرق الهادئ، باستثناء المراكز النفطية في "شبوة" و"حضرموت"، فيما تحضر صوريّا في عدن، في ظل سيطرة أمنية كاملة للمجلس الانتقالي الجنوبي.

تعصف الخلافات والاضطرابات العسكرية والأمنية بالمناطق غير الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، ناهيك بالخلافات السياسية المكتومة بين الحكومتين اليمنية والسعودية. وفي حين تبدو شوارع العاصمة صنعاء، التي ازدهرت فيها سوق العقارات، وكأنها لم تتأثر فعليا بالصراع، فإن هدوءها هذا يشرح بوضوح لماذا اختار الحوثيون طريق الحرب بدلا من السلام، وكيف تحولت إستراتيجيتهم في السنوات الأخيرة من الدفاع إلى الهجوم، مستفيدين من تراجع الدعم السعودي للجيش اليمني، وغياب الدعم الجوي في معارك عدة. وقد ارتكزت تحركات الحوثي العسكرية منذ بداية 2020 على نقل المعارك من الجبال إلى المدن، وهي إستراتيجية قلبت موازين القوى فيما يبدو.

ففي الوقت الذي واجهت فيه الحكومة اليمنية شبح انقلاب جديد في الجنوب بإعلان المجلس الانتقالي إدارة ذاتية في مارس/آذار 2020، كان الحوثي يستثمر الوقت في خوض معارك مصيرية شمالي البلاد لاستعادة كل المناطق القديمة التي خسرها عام 2016. وقد خاض أعنف معاركه على الإطلاق بدءا من محافظة الجوف النفطية (أكبر محافظات شمال اليمن)، وبعد انتزاعها اتجهت قواته نحو محافظة البيضاء المعروفة بـ"قلب اليمن"، وهو تقدم شكَّل انتكاسة كبرى للجيش اليمني الذي فشل في تحقيق أي مكاسب على الأرض، وصولا إلى الفصل الأخير الذي بدأ للتو على أعتاب محافظة مأرب، المعقل الأخير للحكومة الشرعية في الشمال.

تشهد مأرب منذ مارس/آذار الماضي قتالا عنيفا بين الحوثي والجيش اليمني المدعوم من التحالف العربي، وقد أعلن المتحدث باسم جماعة الحوثي مؤخرا الوصول إلى آخر جبهة في المحافظة من الغرب، تزامنا مع اقتتال عنيف في الجنوب شهد استخدام الطائرات المُسيَّرة من جانب الحوثيين، وهو ما دفع السعودية للقيام بغارات جوية مكثفة لمنع تقدم الحوثيين ووصولهم قلب المدينة بأي ثمن. ومن جهتهم، لم يعبأ الحوثيون بخسائرهم البشرية وواصلوا تقدمهم، في حين تستمر جهود دبلوماسية غير مُجدية للوصول إلى حل سياسي يوقف تلك المعركة المصيرية التي يعلم الجميع أن انتهاءها عسكريا يعني هزيمة واضحة لأحد الطرفين.

أهمية مأرب السياسية والعسكرية

تحظى مأرب والسيطرة عليها بقيمة عسكرية وسياسية خاصة لدى جماعة الحوثي، وبخلاف كونها آخر الأهداف العسكرية المُعلنة من جانب الحوثيين في الشمال اليمني، فإن السيطرة عليها رسميا تعني عودة اليمن إلى ما قبل 2015، حين سيطر الحوثيون سيطرة كاملة على 12 محافظة من أصل 22. ويحمل ذلك بالتبعية فوزا سياسيا ومعنويا كبيرا، إذ إنه يعني فشل الحرب التي شنها التحالف العربي قبل 7 سنوات، وفشل هدفها الرئيس المتمثل بإعادة الحكومة الشرعية اليمنية إلى الحكم. ورغم أن جولة القتال الحالية حول مأرب بدأت مطلع العام الجاري، فإن محاولات الحوثيين استعادة المدينة العصية على السقوط تعود للعام 2016.

على خلاف بقية المعارك الأخرى، لم ينسحب الحوثيون من مواقعهم في مأرب رغم الخسائر البشرية والمادية التي تكبدتها قواتهم، والأمر نفسه ينطبق على الجيش اليمني الذي يخوض حرب استنزاف عنيفة رافضا الانسحاب، وهو مؤشر على ما تمثله المدينة من أهمية وجودية للطرفين. بالنسبة إلى الحوثيين، تكمن أهمية استعادة مأرب، ليس في أنها المعقل الأخير للحكومة الشرعية في الشمال، بل في الفوز بجولة جديدة وحاسمة من الجولات الاقتصادية للحرب المتمحورة جزئيا حول النفط (المحرِّك الرئيس لاقتصاد اليمن)، وهو السبب نفسه الذي دفع بالحوثيين إلى خوض معارك دامية لاستعادة الجوف التي تحوي احتياطيات ضخمة من نفط اليمن.

يريد الحوثيون -إذن- السيطرة على مأرب والاستحواذ على آبارها النفطية من أجل استخدام النفط في دعم اقتصاد الحرب، وهو السبب نفسه الذي خاضت السعودية من أجله عام 2015 حروبا مكثفة خاطفة استعادت عبرها المدينة من أيدي الحوثيين. ولذا، تسعى الحكومة اليمنية، ومن ورائها قوات التحالف العربي، للحيلولة دون سقوط مأرب بأي ثمن، ليس فقط لأنها تضم مقرات وزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان، بل لأن فقدانها سيمثل خسارة أهم الموارد الاقتصادية التي تحصل عليها الحكومة الشرعية عبر النفط والغاز. هذا وتتخوف السعودية من أن إسقاط مأرب سيفتح شهية الحوثيين للاتجاه نحو بقية المحافظات النفطية، مثل حضرموت وشبوة اللتين تشكلان مع مأرب مثلثا فائق الأهمية تتحدد على أساسها التحركات العسكرية مذ بدأت الحرب.

يرى الحوثيون في مأرب أيضا بابا لفتح ثغرات جديدة في الجنوب اليمني، ووسيلة لتأمين مواقعهم القديمة، بيد أن التحدي الذي تواجهه الجماعة يكمن في أن مأرب لطالما استعصت عليها، ليس بسبب كونها مركزا للقوات الحكومية فحسب، بل لأن المدينة تُعَد معقلا لحزب الإصلاح اليمني المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، والذي يجمعه عداء أيديولوجي واضح مع الحوثيين. ومن ثَم، فإن استمرار وجود مأرب تحت سيطرة الحكومة الشرعية وقوات حزب الإصلاح، يمثل تهديدا وجوديا لسيطرة الحوثيين على صنعاء التي باتت عاصمتهم السياسية فعليا، أما سيناريو إسقاط مأرب فلا يعني للحكومة اليمنية سوى حسم الحرب لصالح عدوها بشكل شبه كامل، وهو ما يفسر احتدام الصراع مؤخرا.

يلفت النظر هُنا أن قوات المجلس الانتقالي لم تشارك في المعركة الحالية التي توصف بأنها المعركة الأهم في حرب اليمن. ويستفيد المجلس الانتقالي المدعوم إماراتيا من سقوط مأرب المحتمل بيد الحوثي في إضعاف موقف الحكومة اليمنية، والقضاء على شوكة حليفها حزب الإصلاح، والأهم أن سقوط مأرب يفتح الباب لمشروع انقسام اليمن إلى جزئين شمالي وجنوبي، حيث يسعى الحوثيون لإنشاء حكم فيدرالي في الشمال اليمني، وهو ما يتوافق مع هدف المجلس الانتقالي الذي يسعى لإنشاء دولة فيدرالية في الجنوب. يعني ذلك إجمالا أن سقوط مأرب يفتح الباب أمام فيدرالية يمنية شمالية-جنوبية، سيحكم كل طرف من الطرفين فيها بالوكالة عن حليفه الأبرز (إيران والإمارات على الترتيب)، وستتضاءل فيها -على الأرجح- إمكانية تحقيق الطموحات التي دفعت باليمنيين إلى المشاركة في ثورتهم قبل 10 أعوام، علاوة على تقويض أهداف التحالف العربي الذي تقوده السعودية كليا.

متى تنتهي الحرب ويبدأ التفاوض؟

رغم مرور أكثر من 7 سنوات على الحرب المستعرة في اليمن، لا يزال هنالك بون شاسع يفصل السعودية عن تحقيق هدف تدخلها العسكري المتمثل في استعادة العاصمة اليمنية من الحوثيين. أما اليمن نفسه فيظل غارقا في مستنقع الفوضى والتقسيم، لا سيما مع انفصال الأجندة الإماراتية فعليا عن التحالف العربي ورعاية مصالحها الخاصة في الساحل الجنوبي. وفي الوقت الذي خسرت فيه الحكومة اليمنية قبضتها على الأرض، يرفض الحوثيون الدخول في مفاوضات سلام مع طرف يرونه منهزما دون أن يحوزوا أهدافهم كاملة؛ فدولة دون نفط الجوف ومأرب، ودون منفذ بحري في الحُدَيْدَة، هي دولة لا ترضي طموحهم.

على الجانب الآخر، ومع استحالة الحسم العسكري، تشكلت قناعة رسمية سعودية بأن استمرار الحرب ليس في صالحها، في وقت تتنامى فيه القدرات العسكرية للحوثيين يوما بعد يوم، ما دفعها إلى فتح باب السياسة والتفاوض معهم رغم أنها لا تعترف بهم حتى اللحظة. ويسعى الحوثي عبر التفاوض إلى تحصيل شرعية دولية والاعتراف بجماعته على أنه جزء من الحل النهائي للصراع في اليمن، لكنه يرفض حتى اللحظة الانخراط في محادثات السلام كليا دون تحقيق أهدافه العسكرية كاملة، خاصة وهو يعتقد أنها باتت قاب قوسين أو أدنى من التحقُّق.

لقد رفض الحوثيون أكثر من مرة مبادرات سعودية للسلام، كان آخرها تلك التي أعلنتها الرياض في مارس/آذار 2020 عقب وصول الرئيس الأميركي جو بايدن إلى الحكم، وتضمنت أبرزَ المطالب التي اشترطها الحوثي، مثل: فتح مطار صنعاء، وتخفيف الحصار على ميناء الحُدَيْدَة. بيد أن الحوثي يشترط أيضا وقفا كاملا لإطلاق النار، وانسحاب التحالف العربي من الأراضي اليمنية، وهو مطلب غير متناسب مع الواقع على الأرض حتى اللحظة، وتعتبره الرياض -بطبيعة الحال- بمثابة إعلان هزيمة لها لم يحن أوانه بعد، علاوة على ما يمنحه من اعتراف ضمني بقوة الحوثيين التي لا تزال السعودية تراهن على إمكانية تقويضها، مقابل رهان الحوثيين الأخير على ترسيخها بحيازة مأرب.

من المتوقع أن تقرر معركة مأرب سيناريوهات الواقع السياسي والعسكري المستقبلي في البلاد، ففي حال سقطت مأرب في يد الحوثيين، سيفرض المنتصر شروطه القديمة المُعلنة باستبعاد الحكومة اليمنية من أي مفاوضات قادمة، لكونها لا تملك أي ثقل عسكري على الأرض. ويُراهنُ الحوثيون على التوصل إلى حل نهائي يضمن مركزية تمثيلهم السياسي بوصفهم شريكا مستقبليا في حكم اليمن، وهو شرط ترفضه السعودية حتى اللحظة.

بالتزامن مع ذلك، سيُطيل سقوط مأرب نفسها أمد الحرب عسكريا لسنوات وسنوات قد تدفع الأطراف الإقليمية إلى الاعتراف بحق تقرير المصير للشماليين والجنوبيين، لا سيما أن الرئيس هادي نفسه بدأ يميل إلى هذه الفكرة عبر تشكيله لجنة رئاسية لصياغة نموذج فيدرالي لليمن بوصفه الحل الوحيد لإنهاء الحرب. إذن، ترسم المعارك الدائرة هذه الأيام في مأرب -إلى حد بعيد- مستقبل اليمن، وكذلك مستقبل أطراف إقليمية عدة وطئت أقدامها اليمن بحثا عن أهداف سياسية واقتصادية عدة لا يبدو أن جميعها سيتحقق، أما طي صفحة الحرب برمِّتها فلا يبدو متوقعا في ظل التشرذم الداخلي الشديد والجبهات الإقليمية غير المتجانسة في أهدافها.

في الأخير، تستمر الحرب غير المسبوقة في طولها وشدِّتها منذ الحرب اليمنية التي دارت قبل نصف قرن تقريبا، والتي عكست -للمفارقة- تحوُّلات إقليمية كبرى مشابهة صاحبت صعود الأفكار الثورية والجمهورية في الشارع العربي، لتثبت مجددا أن اليمن، الهامشي جغرافيا فيما يبدو، يؤدي دورا مركزيا في التأثير والتأثر بخطوط السياسة العربية بدرجة لا تقل كثيرا عن الأدوار التي أدتها وتؤديها بلدان مركزية أخرى في شرق المنطقة وغربها على حد السواء.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة