إيران لا تنوي الخروج من سوريا.. ماذا يعني ذلك بالنسبة لإدارة بايدن؟

كانت إيران من أوائل الأيادي التي مُدَّت لدعم نظام الأسد في سوريا بعد خروج الاحتجاجات السلمية ضده في 2011. توسَّع النفوذ الإيراني في سوريا حتى تفوَّق على جميع الأطراف الأجنبية التي تدخَّلت في النزاع السوري، بما فيها الولايات المتحدة، وهو ما لم تلتفت إليه إدارة الرئيس الأميركي المُنتهية ولايته دونالد ترامب، رغم كل الخطابات شديدة اللهجة التي كان يُلقيها مُتوعِّدا فيها إيران ووجودها ونفوذها في سوريا. لكن ماذا يمكن أن تفعل إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن لإزاحة القوات الإيرانية وأذرعها المختلفة في سوريا؟ مع أخذ الأطراف الخارجية الموجودة على الأرض هناك في الاعتبار: موسكو وأنقرة. حول هذا الموضوع كتبت كلٌّ من إليزابيث دينت، الباحثة غير المقيمة في برنامج محاربة الإرهاب والتطرف التابع لمعهد الشرق الأوسط، وأريان طباطبائي، الزميلة لشؤون الشرق الأوسط في التحالف لتأمين الديمقراطية التابع لصندوق جيرمان مارشال، تقريرا نشرته مجلة "فورين أفيرز" الأميركية.

 

أعلنت السلطات العراقية في مطلع ديسمبر/كانون الأول مقتل قيادي في الحرس الثوري الإيراني في غارة جوية، وكان هذا القائد دخل إلى سوريا عن طريق العراق، في 29 نوفمبر/تشرين الثاني، وبحوزته شحنة أسلحة. جاء هذا الخبر بعد أيام من عملية اغتيال وقعت قُرب طهران وطالت مسؤولا آخر رفيع المستوى في الحرس الثوري الإيراني وهو محسن فخري زاده، الذي طالما نظرت إليه وكالات الاستخبارات باعتباره العقل المدبر لبرنامج إيران النووي السري السابق. ورغم أن إسرائيل التزمت الصمت كعادتها فإن جهاز استخباراتها مُشتبه فيه بصورة واسعة في الضلوع في العمليتين.

 

سارع المسؤولون الإيرانيون بتحميل إسرائيل مسؤولية مقتل زاده وتوعّدوا بالثأر، لكنهم رفضوا الاعتراف بوقوع هجوم في المقام الأول ضد قوات الحرس الثوري، ناهيك بالقول إنها قتلت قياديا بارزا بالقُرب من الحدود العراقية الإيرانية. وبعد يوم واحد من جنازة فخري زاده التي أُذيعت على التلفزيون الرسمي، سخر المتحدث باسم الخارجية الإيرانية من التقارير التي تُفيد مقتل قيادي في الحرس الثوري في سوريا ووصفها بأنها "فرقعة إعلامية".

تمتلك إيران مبررا قويا يدفعها لتجنب جذب الأنظار لأنشطتها في سوريا، فالنظام الإيراني طالما قلّل من شأن دوره في ذلك الصراع. وفي منتصف ديسمبر/كانون الأول الجاري، ركّز محللون أميركيون حول ما إذا كان انتقام إيران الموعود لمقتل فخري زاده يمكنه أن يُعرقل آمال الرئيس المنتخب جو بايدن في إحياء الاتفاق النووي الإيراني. لكن تظل الصلة بين طهران ودمشق خطرا يُهدِّد استقرار المنطقة، إذ تتسارع حِدَّة التوترات بين إيران وإسرائيل في نزاعهما على سوريا مما قد يُجبر إدارة بايدن على التصرف هناك عقب توليه المنصب بوقت قليل.

 

اعتادت إسرائيل لسنوات أن تضرب دوريّا مواقع إيرانية في سوريا، وفي الأشهر الأخيرة السابقة استهدفت إسرائيل مواقع إيرانية حساسة بضربات رفعت حِدَّة التوترات بين إيران والولايات المتحدة. وأفادت مصادر إخبارية أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعطى لوزير خارجيته المتشدد، مايك بومبيو، الضوء الأخضر لمعاقبة إيران، ما دامت الهجمات "لن تشعل حربا عالمية ثالثة". لم يؤكد البيت الأبيض صحة هذه الأخبار، لكن يبدو أن الأميركيين يقضُّون مضاجع الحكومة الإيرانية بفكرة أن الولايات المتحدة ستستمر في إعطاء إسرائيل الضوء الأخضر على تصرفاتها أو حتى أن تتولّى الأمور بنفسها مستهدفة مواقع إيرانية.

 

أشار بايدن إلى أن مواجهة وجود إيران ونفوذها في سوريا ستكون أولوية لدى إدارته، إذ تساهم طهران في زعزعة استقرار المنطقة بدعمها النظام في دمشق الذي يقمع شعبه بوحشية، وأيضا بضخّها الأسلحة والمعدات لحلفائها وشركائها غير الحكوميين في كلٍّ من العراق ولبنان وسوريا. شخَّصت إدارة ترامب المشكلة بطريقة صحيحة، لكنها اتبعت سياسة كل شيء أو لا شيء التي بالغت كثيرا في تقدير نفوذ واشنطن على طهران. ساعد هذا النهج في تثبيت أقدام "تنظيم الدولة" في سوريا وتوسيع نفوذه. فإذا كان بايدن يريد السير عكس هذا التيار فسيكون على فريق سياسته الخارجية العمل مع شركاء في المنطقة وأوروبا، وإدراك أنه يكاد يكون من المؤكد محافظة إيران على درجة من النفوذ في سوريا. بالإضافة إلى ذلك فإن النفوذ الأميركي في سوريا محدود، لكنه يشمل القوة الجوية، والوجود في الجزء الشمالي الشرقي من البلاد، والتحكم في مناطق الحقول النفطية. كما أن النفوذ الأميركي يتضمن إمكانية تخفيف العقوبات، وهو ما تحتاج إليه كلٌّ من إيران وسوريا بشدة.

 

منذ ثورتها الإسلامية في عام 1979، كانت علاقات إيران بجيرانها العرب مملوءة بالعراقيل. فخلال الحرب الإيرانية العراقية في الفترة بين عامَيْ 1980-1988 وقفت كل الدول العربية تقريبا في صف صدام حسين، فيما كانت سوريا استثناء واضحا إذ ساعدت إيران. وخلال العقدين التاليين، في حقبتَيْ حافظ الأسد وابنه وخليفته بشار، ظلّت سوريا ضمن حلفاء الجمهورية الإسلامية الأوفياء الوحيدين في المنطقة.

 

في بداية الحراك في سوريا في 2011 مدّت إيران يديها للنظام لتساعده في سحقه، وسرعان ما تحوَّل ما رأته طهران في البداية حملة سريعة وستنتهي إلى تدخل عسكري كامل تضمّن في أوجِه أفرادا من الحرس الثوري الإيراني علاوة على القوات العسكرية التقليدية. كما كانت إيران تحشد تدريجيا حلفاءها وشركاءها غير الحكوميين لدعم الأسد. ويصعب من خلال المعلومات المتاحة للعامة تقدير أعداد القوات الإيرانية وتلك المدعومة من إيران التي ما زالت تعمل في سوريا. غادرت الكثير من القوات الإيرانية الأراضي السورية بعد إحكام الأسد قبضته، لكن بقي عدد من القادة العسكريين والعملاء من أجل حماية المصالح الإيرانية والإشراف على العمليات المستمرة. ترى طهران سوريا على أنها عنصر حاسم في "محور المقاومة"، ومسلكا مهما لنقل الأسلحة والمعدات الأخرى إلى حزب الله اللبناني. كما أن أي حكومة قد تأتي في حقبة ما بعد الأسد قد لا تُفضِّل النفوذ الإيراني، بل وقد تكون غالبيتها من السُّنة، وبالتالي قد تصطف بجانب أعداء إيران الإقليميين مثل المملكة العربية السعودية. ومع قلة حلفاء إيران في المنطقة، فإنها ترى وجود حكومة سورية صديقة لها أمرا أساسيا لوجودها وقوتها.

 

على مدار السنوات الأربع الماضية، اتبعت إدارة ترامب سياسة مُهلهلة في سوريا دمرت مصداقية الولايات المتحدة وعملت لصالح إيران، حيث أعلنت الولايات المتحدة مرارا الانسحاب والخفض التدريجي لقواتها، كما استخفت بالتزاماتها تجاه قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وهي شريكتها في محاربة "داعش". هذه القرارات وغيرها في سوريا كذّبت خطابات ترامب شديدة اللهجة مما يرجح أن محاربة إيران لم تكن فعلا أولوية لدى الرئيس.

تحتاج الإدارة الجديدة بقيادة بايدن إلى التسليم بأن خياراتها في مواجهة النفوذ الإيراني في سوريا محدودة، لكن ما زال بإمكانها اتخاذ بعض الخطوات الفورية، فمثلا تواجه حاليا قوات "قسد" أمرا من واشنطن بوقف المحادثات مع النظام السوري، ويجب على الإدارة الجديدة إزالة تلك العثرة والسماح بمشاركة أكبر لـ "قسد" مع روسيا باعتبارها وسيطا. إذا كان هناك لاعب إقليمي واحد يعارض بشدة النفوذ الإيراني في سوريا فهي قوات "قسد"، إذ أنهكت المليشيات المدعومة إيرانيا قوات "قسد" على طول نهر الفرات، وفعلت المثل مع السكان في مدينتَيْ دير الزور والقامشلي. يمكن لـ "قسد"، خصوصا إذا ما تفاوضت بجانب روسيا، أن تساعد في إزاحة المليشيات المرتبطة بإيران من المناطق التي تعمل الولايات المتحدة وأطراف أخرى على استقرارها.

 

السياسة الأميركية الحالية هي رفض تطبيع العلاقات مع نظام الأسد الوحشي، بينما تسعى بالفعل دول عربية عديدة إلى استعادة الروابط الدبلوماسية مع سوريا بمعرفة الولايات المتحدة أو بدونها. فمؤخرا، أعادت عُمان سفيرها إلى دمشق، وفي وقت سابق من عام 2020 أعادت الإمارات العربية المتحدة فتح سفارتها هناك. يمكن للولايات المتحدة التأثير في هذه المحادثات عن طريق إشراك دول الخليج فيها، وكذا التلويح بأنها ستسمح باستمرار قنواتهم الخلفية مع النظام السوري.

 

لطالما حافظت الولايات المتحدة على قناة دبلوماسية مع روسيا فيما يخص الشأن السوري. وبينما تدرك الولايات المتحدة محدودية نفوذ روسيا ورغبة الأخيرة في شراكة إيران، فإنها يجب أن تستمر في التعاون مع روسيا حيث تتوافق مصالحهما. من جهة أخرى، تسعى كلٌّ من موسكو وطهران لإعلان انتصار الأسد والاستفادة من ذلك، وعلى الولايات المتحدة أن تستغل الهوة المتنامية في الاتساع بين روسيا وإيران، فيمكن لأميركا الضغط على روسيا لتساعد في إزاحة القوات الإيرانية والمليشيات التابعة لها من المناطق المتاخمة على طول نهر الفرات، ومن تلك القريبة من إسرائيل. وفي المقابل يمكنها التنازل لموسكو عن المناطق غير المهمة للولايات المتحدة لكن تراها روسيا مهمة لأهدافها المتمثلة في استعادة سيطرة نظام الأسد على الأراضي السورية كاملة مثل القاعدة الأميركية في التنف.

علاوة على ذلك، يجب على الولايات المتحدة أن تتعاون مع أنقرة وموسكو لاستبعاد إيران، وأحد الاحتمالات هو أن تبدأ أميركا محادثات ثلاثية بشأن الخلايا الإرهابية في إدلب، المعقل الأخير المتبقي للمعارضة السورية، ومن الواضح أنها موطن لبعض أفراد "تنظيم الدولة" و"القاعدة" وبعض الجماعات المتطرفة العنيفة الأخرى. هذه المهمة لن تكون سهلة، فالعلاقات الأميركية-التركية ليست في أفضل حالاتها، كما أن موسكو وأنقرة لا تتفقان بالأساس حول ما الجماعات التي يجب أن تُعتبر إرهابية، بالإضافة إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أظهر قدرته على الاشتباك مع الملفات الساخنة، من شرق أوروبا وحتى شمال أفريقيا. ومع ذلك، يمكن لواشنطن تعزيز الوجود الأميركي في شمال شرق سوريا، والعمل في الوقت نفسه على اقتلاع الخلايا الإرهابية وإعادة إدراج نفسها باعتبارها لاعبا أساسيا في مستقبل الجهود الدبلوماسية السورية.

 

يجب على الولايات المتحدة الاستمرار في العمل بصورة وثيقة مع إسرائيل لضمان أمرين: أن إسرائيل لديها الحرية لدحر التهديدات بالقرب من حدودها مع سوريا، وأن يكون لها دور في أي مفاوضات بشأن إيران وأذرعها. قد تكون الولايات المتحدة قادرة على استخدام محادثات تُجريها مع إسرائيل وروسيا كلٌّ على حِدَة بوصفها نقطة انطلاق لمفاوضات ثلاثية، التي تستطيع فيها الولايات المتحدة وإسرائيل تحميل روسيا مسؤولية أي وعود تُطلقها. كما أن المفاوضات الثلاثية قد تُبرهن أنها مفيدة في تقاسم الجهود الاستخبارية بشأن الأسلحة الإيرانية، وتحركات إيران وتهديداتها لإسرائيل.

 

سيكون ملف الشرق الأوسط الذي ترثه إدارة بايدن ملفا معقدا، لأسباب أقلها التوترات بين إيران وإسرائيل، بما يشمل صراعهما على سوريا. إن السياسة الأميركية الحالية الهادفة إلى معالجة الدور الإيراني في سوريا تُغالي في تقدير نفوذ الولايات المتحدة وقدرتها على التفوُّق على النفوذ الإيراني. ويجب على الإدارة الأميركية الجديدة قبول هذا الوضع في الوقت الراهن، فإيران لن تغادر سوريا كليا، ولن تفقد نفوذها هناك بالكامل، لكن ستساعد سياسة أميركية واقعية وتدريجية في سوريا في خفض حِدّة التوترات وتقليل خسائرها.

—————————————————————————————————

هذا المقال مترجم عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة