حقل الألغام الأفغاني.. هل نجح ترامب بإيقاع بايدن في فخ أفغانستان المميت؟

في الخامس من ديسمبر/كانون الأول لعام 2020، قاد الدبلوماسي المخضرم والمبعوث الأميركي الخاص للمصالحة الأفغانية زلماي خليل زاد الاجتماع الأول للمصالحة التي تجري بين حركة "طالبان" ووفد حكومي أفغاني في العاصمة القطرية الدوحة، منذ إعلان الاتفاق على أجندة المفاوضات نهاية الشهر الماضي، وهي مصالحة تهدف لوضع الأفغان على خارطة الحل السياسي والوقف الدائم والشامل لإطلاق النار بين الفرقاء.

 

كان "زاد" ذا همة عالية -كما أظهرت تحرُّكاته وجولاته الأخيرة- للدفع بعملية السلام الأفغانية قُدما، وهي همة تراقبها الإدارة الأميركية القادمة بقيادة الرئيس المنتخب جو بايدن، رغم أنها تهتم أكثر باتفاق البيت الأبيض مع طالبان الذي وُقِّع في فبراير/شباط الماضي ويقضي بالانسحاب الأميركي من أفغانستان. إذن يُراقَب الآن زاد من قِبَل الإدارة الأميركية الجديدة، وتحديدا كبار مستشاري السياسة الخارجية فيها، خاصة مع حث خبراء السياسة الأفغانية الأميركيين إياهم للإبقاء عليه، إذ يرون أن إدارة بايدن لن تجد أنسب من زاد في هذا المنصب ليستمر فيه، فهو دبلوماسي مخضرم نشأ في كابول وأسّس علاقات قوية مع القادة الأفغان ومنهم قادة طالبان، وهو شخص لا غنى عنه لمعرفته الكبيرة بمفاوضات السلام ومناطق وفاعلي القوة على الأراضي الأفغانية، حيث يفاوض الأفغان بلغاتهم الأساسية مع وعيه العميق بسياقهم الثقافي.

 

ورغم أن في الإدارة الجديدة مَن لا يريد زاد المنبثق من خصومهم في "الحزب الجمهوري"؛ فإن هؤلاء مقتنعون، على الأرجح، بأن استبدال زاد مخاطرة كبيرة في هذه المرحلة الحساسة، لأنه رغم اتفاق ترامب وبايدن في الهدف النهائي المُتمثِّل في انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، فإن ترامب يفعل ذلك بسرعة كبيرة، ويستغل وقته الأخير لوضع البنتاغون على مسار خفض عدد القوات الأميركية في أفغانستان بحلول 15 يناير/كانون الثاني الحالي، أي قبل خمسة أيام فحسب من تنصيب بايدن رئيسا، وذلك لوضع إدارة بلاده المقبلة في مأزق حرج قد يضع المفاوضات في مهب الريح، لذا فإن وجود زاد قد يُنقذ إدارة بايدن من فخ جيوسياسي عميق يواصل ترامب صنعه في أيامه الأخيرة في أراضي الأفغان.

بالنسبة للأميركيين، لم تكن هناك نقطة انتقام لهجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول عام 2001 أهم من أفغانستان، فهناك، وبعد أسابيع من أحداث سبتمبر، بدأت واشنطن غزوها للأراضي الأفغانية وحربها مع حركة "طالبان" التي آوت تنظيم القاعدة المتهم الأول بتلك الهجمات، وبالفعل تمكّن التحالف الذي قادته واشنطن من القضاء على أساسات الحركة العسكرية بسرعة.

 

لكن رغم أن القوات الأميركية لم تغادر أفغانستان منذ ذلك الوقت، ولم تتوقف عمليات التحالف ضد طالبان، فإن الحركة أعادت تنظيم صفوفها على مر عقد ونصف كاملين، وأصبحت بحلول عام 2018 قوة متمردة تسيطر على أكثر من ثُلثي أفغانستان، ومع مقتل نحو 157 ألف شخص بينهم أكثر من 43 ألف مدني في الغزو الأميركي وما تبعه، وأكثر من 2400 من الجنود الأميركيين أيضا، وفقا لإحصاءات جامعة براون بشأن حصاد ما حدث؛ شَكَّلَ وجود القوات الأميركية في أفغانستان مصدر قلق مستمر للإدارات الأميركية الثلاث الأخيرة. فخلال ولاية جورج دبليو بوش بدأت مستويات القوات الأميركية عند نحو 1300 جندي بعد أحداث سبتمبر، وارتفع ذلك الرقم إلى 25 ألف جندي مع تسليم جورج بوش الابن السلطة لباراك أوباما، ومع أن أوباما ناهض التدخُّل الأميركي في أفغانستان والعراق فإنه استسلم في المحصلة لضغط البنتاغون وزاد عدد القوات إلى مستوى أضخم، إذ وصل عدد العسكريين الأميركيين في منتصف فترته الأولى، تحديدا عام 2010، إلى نحو مئة ألف.

 

ومع وصول إدارة ترامب الذي نصب نفسه "صانع سلام"، فقد بدأ الرئيس الجمهوري عامه الأول بخوض حملة لإنهاء الوجود الأميركي هناك، لكنه اضطر للتقيُّد بنصائح مستشاريه بعدم الانسحاب أو بدء التخفيض قبل الوصول إلى تسوية، فأضاف 4000 جندي عام 2017، ثم مضت إدارته نحو تسوية سياسية تفاوضية تاريخية في العاصمة القطرية الدوحة مع حركة طالبان في أوائل العام المنصرم، يتم بموجبها إخراج قوات بلاده من الأراضي الأفغانية بحلول مايو/أيار من العام الحالي 2021.

 

وقتها، أبرمت إدارة ترامب في فبراير/شباط 2020، صفقة مع حركة طالبان تنص على سحب جميع القوات الأميركية وحلف شمال الأطلسي، وإخلاء العديد من القواعد الأفغانية في غضون 14 شهرا، وبالفعل قام الجيش الأميركي بتخفيض حجم وجوده إلى 4500 جندي بعدما كان العدد 13 ألفا وقت توقيع الاتفاق، وفي مقابل ذلك تتكفّل طالبان بقطع العلاقات مع تنظيم القاعدة، وتعمل على منع الهجمات المسلحة من أفغانستان على الشركات والمنظمات الدولية والجاليات الأجنبية وكذا الأهداف الحكومية المحلية المتعددة، وكذلك يجب عليها وفق الاتفاق أن تشارك في المحادثات مع الحكومة لمحاولة إنهاء الصراع الدائر بينهم.

 

وفي منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أعلن كريستوفر ميلر القائم بأعمال وزير الدفاع الأميركي حاليا أن إدارة ترامب تُخطِّط لخفض القوات الأميركية إلى 2500 في يناير/كانون الثاني الحالي، وقد زاد ذلك من التكهنات القائلة إن إصرار ترامب على إتمام التسوية والانسحاب حتى لحظاته الأخيرة في البيت الأبيض هو بمنزلة "كأس مسموم" سيورثه لبايدن، حيث رفض ترامب أن يُكرِّر تجربة سلفيه جورج بوش الابن وأوباما اللذين أجّلا في أيامهما الأخيرة في الرئاسة قرارات زيادة القوات في أفغانستان من عدمها، وفضّلا ترك تلك التركة بالكامل للإدارة التالية، أما ترامب فيبدو عازما على جعل الطريق السياسي صعبا على بايدن بقدر ما يستطيع في كل جبهة أميركية خارجية مُمكنة.

 

منذ الوهلة الأولى يُركِّز منتقدو الاتفاق بين واشنطن وحركة طالبان على كونه يُمثِّل قرارا سياسيا بحتا لا يعتمد على النصائح العسكرية، كما أدّى إلى حالة من القلق الدولي من أن الإدارة الأميركية أصبحت شريكا غير موثوق به خاصة من دول الحلفاء الآخرين على الأراضي الأفغانية، وهي دول ستتركها واشنطن وحدها في البلاد. ورغم عدم تعرُّض تلك الدول للهجوم في 11 سبتمبر/أيلول فإنهم أعطوا واشنطن الشرعية الدولية الرسمية المطلوبة هناك لمدة 19 عاما، وضحّوا بأكثر من ألف جندي من جنودهم ومليارات الدولارات من خزائنهم، ويمكن تبيُّن ذلك القلق بإجماله فيما قاله الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ من أن "أفغانستان تخاطر بأن تصبح مرة أخرى منصة للإرهابيين الدوليين للتخطيط وتنظيم الهجمات على أوطاننا"، حد تعبيره، ويعني هنا أن إبقاء قوة أميركية صغيرة سيمنح دولا حليفة مثل بريطانيا وألمانيا قدرة على البقاء وتدريب الجيش الأفغاني.

من جهة أخرى، واستكمالا لوجهة نظرهم، فإن بقاء قوة أميركية مهما كان حجمها يجعل قدرة طالبان على الاستيلاء على أي مدن محدودة، مما يقوّي الحكومة الأفغانية ويعطيها فرصة للتفاوض من منبع قوة، وفي المحصلة يرى أولئك الحلفاء أن الانسحاب الأميركي سيترك أفغانستان في حالة من الفوضى مما يجعلها ملاذا آمنا للجماعات المسلحة، أُسوة بما حدث في العراق إثر الانسحاب المبكر عام 2011 من قِبَل إدارة أوباما، بل إن ذلك يتحقّق الآن بالفعل مع طمأنة تلك الجماعات بأن الأميركيين باتوا خارج المشهد، حيث شهدت البلاد بالفعل موجات عنف عالية، وقد سجّل أكتوبر/تشرين الأول الماضي أعلى عدد ضحايا في أفغانستان خلال الأعوام الأخيرة.

 

كما يعتقد منتقدو الاتفاق أن تخلّي طالبان عن تنظيم القاعدة "مجرد وهم"، حيث لا يزال قادة الحركة يتواصلون بانتظام مع التنظيم ويُقدِّمون تطميناتهم المستمرة بأن العلاقات قائمة، كما يبدو في نظرهم الاعتقاد بأن طالبان ستفي بوعدها في المساعدة في "احتواء التهديد المتزايد من تنظيم الدولة الإسلامية" وهما آخر، ويصف الباحث الرئيس بمركز كليمنتس للأمن القومي جيم جولبي نتائج الانسحاب الكامل إن حدث بأنها ستكون "مدمرة على الأرجح"، مُتوقِّعا تصاعد القتال على الأراضي الأفغانية بشكل كبير مع وقوع المزيد من الضحايا المدنيين، ومضيفا أنه رغم المبالغة بعض الأحيان في حجم تهديدات الجماعات والتنظيمات المسلحة، فإن "الفوضى التي ستعقب الانسحاب الأميركي الكامل ستتيح لهم مجالا لإعادة بناء قدراتهم" حد تعبيره، ليترك ترامب وراءه وجودا غير مستديم في أفغانستان، وأزمة للشعب الأفغاني، وفوضى لإدارة بايدن-هاريس القادمة.

 

في الحقيقة، تعلم طالبان جيدا بحكم الواقع أنه يصعب على إدارة بايدن الابتعاد عن خطة ترامب المتعلقة بالانسحاب من أفغانستان في هدفها النهائي على الأقل، فقد عارض بايدن زيادة القوات الأميركية في عهد أوباما، وظلّ مُصِرًّا طوال العقد الماضي على أهمية خفض عدد تلك القوات إلى بضعة آلاف، وطالب بالتركيز على "ضرب ما يُهدِّد الأمن الإقليمي والأميركي في أفغانستان"، وقالها صراحة إنه إذا ما انتُخب فسيحتفظ بقوات صغيرة في أفغانستان لضمان السيطرة على أي تهديدات محتملة من تنظيمَيْ الدولة والقاعدة، مما يُشير إلى أنه سيكون أكثر صرامة في تطبيق صفقة الخروج من أفغانستان من ترامب، وسيولي مزيدا من الاهتمام بالتزام طالبان بإنهاء التعاون مع القاعدة.

إذن، يُتوقَّع من الرئيس الديمقراطي القادم إبقاء قوة صغيرة تحت اسم "مكافحة الإرهاب" في أفغانستان فيما بعد الانسحاب العسكري المقرر، وهو ما يتوافق مع رغبة حلفاء واشنطن والقوى الإقليمية عموما الذين يرون أهمية الرحيل المنظم للقوات الأميركية. وكما تقول كبيرة محللي مجموعة الأزمات الدولية بخصوص أفغانستان كانديس روندو: "بايدن لا يحتاج إلا إلى إعادة النظر في مسألة أي انسحاب إضافي إذا كان هناك انخفاض واضح وكبير وعنف مستديم من قِبَل طالبان، خلال الأشهر القليلة المقبلة على الأقل، حيث يمكن لفريق بايدن المُضي قُدما بشكل أكثر حزما من خلال تبنّي افتراض أساسي مفاده أن طالبان ليس لديها خطط للحد من العنف حتى يتأكدوا من حصولهم على مزيد من السلطة في كابول. ومع إطلاق سراح الآلاف من سجناء طالبان بموجب الاتفاق مع الحكومة الأفغانية، وانخفاض مستويات القوات الأميركية، فمن المُرجَّح أن يشتد التمرد في الربيع المقبل مع بدء القتال الطقسي السنوي مرة أخرى كالساعة" حد تعبيرها.

 

إذن، يطمح ترامب حتى آخر أيامه في البيت الأبيض بأن تحمل نهاية رئاسته لافتة "تم إنجاز المهمة الأفغانية" بوصفها جزءا من طموحه الشخصي باستمرار صورته بأنه أنهى معظم الأزمات الأميركية الدولية العسكرية، وأوفى بجزء كبير من وعوده الانتخابية للسياسة الخارجية، حتى ولو أتى ذلك في هيئة فخ وعدم استقرار سوف تواجههما إدارة بايدن، لكن إدارة بايدن رغم وضوح ذلك الفخ فإنها ستسير على "المسار الترامبي" نفسه إن جاز القول، ولكن بوتيرة أبطأ، وأكثر تأنيا وأطول تفاوضا، وستميل طالبان على ما يبدو للتماهي مع ذلك المسار في محاولة لتقليل الوجود الأميركي على أراضي بلادهم للحد الأدنى الذي يمكن التعامل معه مستقبلا، وهو حدٌّ ترى الحركة على الأرجح أنه سيُمكِّنها من ممارسة سلطة أكبر على النظام الأفغاني والبلاد بالتبعية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

عقد موقع “ميدان” مقابلة مطوّلة مع الدكتور أسامة أبو ارشيد حول تزايد الاستقطاب الداخلي بالولايات المتحدة وتأثيره على العرب والمسلمين ومدى التغيّر المرتقب لحضور الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن للحكم.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة