أحلام الكرملين المؤجلة.. لماذا قررت روسيا إقامة قاعدة بحرية في السودان؟

في الثامن من (ديسمبر/كانون الأول) الماضي، أعلنت روسيا والسودان توصُّلهما إلى اتفاقية تسمح للأولى بتشغيل منشأة بحرية في بورتسودان على البحر الأحمر، لتصبح بذلك أول قاعدة عسكرية بحرية روسية في أفريقيا منذ العهد السوفيتي، على أن تُستَخدم المنشأة -بشكل أساسي- بوصفها مركز دعم لوجستي ونقطة إصلاح وإعادة إمداد للسفن، مع منح الروس الحق في استخدام المطارات السودانية المجاورة لنقل الأسلحة والذخائر والمعدات اللازمة لبناء القاعدة وتشغيلها.

 

تمنح الاتفاقية موسكو امتياز تشغيل القاعدة المُزمع إنشاؤها لمدة 25 عاما قابلة للتمديد التلقائي كل 10 أعوام بموافقة الطرفين، وتنص أيضا على أحقية البحرية الروسية في نشر ما يصل إلى أربع قطع حربية في وقت واحد، بما في ذلك السفن العاملة بالطاقة النووية (الغواصات النووية الروسية بشكل رئيس)، على أن يقتصر عدد العاملين في القاعدة على 300 عسكري فقط لمهام التشغيل. وفي المقابل، تتعهّد روسيا بتوفير الأسلحة والتدريب للجيش السوداني انسجاما مع اتفاق التعاون الأمني الذي وقّعه الطرفان في (مايو/أيار) 2019، وينص على التزام موسكو بتوفير الدعم العسكري للحكومة السودانية.

 

تُعَدُّ هذه القاعدة السودانية حلقة في سلسلة من المنشآت العسكرية التي تسعى موسكو لنشرها على طول الممرات المائية خارج حدودها، وتضم أيضا القاعدة البحرية التي يديرها الجيش الروسي في ميناء طرطوس في سوريا منذ عام 1971، التي وقّع الروس عقدا لتوسعتها قبل ثلاث سنوات لاستيعاب 11 سفينة تشمل السفن العاملة بالطاقة النووية، وعلى الرغم من تواضع مواصفات المنشأة البحرية السودانية مقارنة بقاعدة طرطوس، وغيرها من القواعد البحرية التقليدية، إلى الدرجة التي تجعلها أقرب بالفعل إلى مركز للدعم اللوجستي من كونها قاعدة حقيقية تخدم مهام نشر القوة البحرية الروسية، على الرغم من ذلك فإن أهميتها الإستراتيجية تفوق حجمها بكثير.

لا ترجع هذه الأهمية فقط إلى حقيقة أن موقعا بحريا في السودان من شأنه توسيع النفوذ البحري لروسيا في منطقة شرق أفريقيا والقرن الأفريقي، وعلى طول طرق الشحن الحيوية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ويُلقي بموسكو في قلب معترك بحري تتنافس العديد من القوى الإقليمية والعالمية على السيطرة عليه، ولكن الأهمية الرئيسية ترجع أيضا إلى أن العودة لممارسة النفوذ في البحر الأحمر كان حلما مؤجلا طالما سعى الروس لتحقيقه منذ أُجبروا على مغادرة هذه المنطقة الحيوية أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي قبل قرابة ثلاثة عقود كاملة، حلما يبدو أن موسكو تنجح في تحقيقه رغم كل شيء.

 

لا يُعَدُّ الاهتمام بالبحر الأحمر أمرا جديدا على العقيدة العسكرية الروسية، فلطالما نظر الروس إلى المنطقة بوصفها مسرحا قيِّما لإبراز قوتهم منذ ثلاثينيات القرن الماضي، على الرغم من أن الاتحاد السوفيتي لم يظهر بوصفه لاعبا رئيسا على الساحة إلا في نهاية الستينيات، تزامنا مع الانقلاب العسكري الذي قاده محمد سياد بري في الصومال عام 1969 بدعم من الكرملين. وفي وقت لاحق، وسَّع السوفييت نفوذهم عبر دعم استقلال جيبوتي في منتصف السبعينيات. لكن بحلول نهاية العقد كانت علاقات موسكو مع كلا البلدين قد دخلت في موجة من التوتر بسبب الدعم الروسي العلني لإثيوبيا في حرب أوغادين، وبات واضحا أن السوفييت قرّروا الرهان على أديس أبابا بوصفها فرسا رابحا في منطقة القرن الأفريقي.

 

كانت سفن البحرية السوفيتية وقتها تتمركز بالفعل عند مدخل البحر الأحمر في جزيرة نواكرا، حيث قدّمت الدعم للنظام الشيوعي في أديس أبابا بقيادة منغستو هيلا مريام في مواجهة المتمردين المطالبين بالاستقلال في إريتريا، التي كانت حينها لا تزال جزءا من إثيوبيا. وفي الوقت نفسه امتلكت موسكو وجودا بحريا قويا في جنوب اليمن، المستعمرة البريطانية التي حُكمت آنذاك بواسطة نظام ماركسي معتمد بشكل كلي في بقائه على الدعم الروسي.

مع نهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991، تساقطت معظم الأنظمة الماركسية حول العالم تباعا كما تتساقط أحجار الدومينو، ولم تكن أديس أبابا استثناء، حيث أُطيح بالحكومة الشيوعية الموالية لموسكو وحصلت إريتريا على استقلالها تاركة إثيوبيا دولة حبيسة مترنحة جيوسياسيا، أما الجمهورية الديمقراطية الشعبية في جنوب اليمن فقد اضطرت تحت وطأة سقوط الداعم العالمي الوحيد لها للدخول في وحدة إجبارية مع الشمال، ضمن موجة من التغيرات الإجبارية التي أنهت وجود روسيا ونفوذها في المنطقة.

 

وباستثناء استخدام الصواريخ والطائرات الروسية من قِبَل القوات المتحاربة في إثيوبيا وإريتريا خلال الحرب بين البلدين (1998-2000)؛ ظل الكرملين لاعبا هامشيا في القرن الأفريقي لقرابة ثلاثين عاما، وتحديدا حتى أزمة القرصنة الشهيرة عام 2008. وقد انخرط الروس، بسبب التهديد الذي يُشكِّله القراصنة الصوماليون على المصالح التجارية لهم، في الجهود الدولية لمكافحة القرصنة في القرن الأفريقي بفاعلية بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ومع ذلك فإن هذه المشاركة لم تكن كافية لإشباع طموحات موسكو في استعادة حضورها الجيوسياسي، ما دفعها للبحث عن وسائل أكثر جدوى لممارسة النفوذ.

 

من وجهة صُنّاع القرار في الكرملين، كان البحث عن موطئ قدم عسكري ثابت في المنطقة هو الضمانة الوحيدة لاستعادة روسيا لقدرتها على نشر نفوذها في ممرات الشحن البحري الحيوية التي تربط آسيا وأوروبا، عبر خليج عدن وبحر العرب والبحر الأحمر؛ وصولا إلى الخليج العربي والمحيط الهندي، لذا فقد انخرط الروس في جهود حثيثة لتأسيس وجود عسكري بحري لهم في المنطقة مجددا. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2008 زار اليمن سيرجي ميرونوف، رئيس مجلس الاتحاد الفيدرالي وهو الغرفة العليا في البرلمان الروسي، مُعرِبا عن رغبته في بناء قاعدة لبلاده على ساحل البحر الأحمر. وعلى مدار السنوات التالية دخل الطرفان في مفاوضات مُكثَّفة، لكن حقبة عدم اليقين وغياب الاستقرار التي أعقبت الإطاحة بالرئيس اليمني علي عبد الله صالح عام 2012 أدّت إلى إخراج هذه الخطة عن مسارها، ودفعت موسكو إلى تحويل تركيزها نحو بناء منشأة في القرن الأفريقي.

 

في عام 2014 شرعت موسكو في مفاوضات لبناء قاعدة بحرية في جيبوتي، لكنّ المسؤولين الجيبوتيين رفضوا مبادرات الكرملين في النهاية تحت وطأة الضغوط الأميركية. لاحقا في عام 2018، أجرى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف محادثات مع إريتريا لإنشاء مركز لوجستي على ساحل البحر الأحمر، لكن لم يُحرَز أي تقدُّم ملحوظ في المشروع. وفي ضوء هذه المتوالية من المحاولات والإخفاقات، فإن موسكو لم تكن لتفوِّت عرض الرئيس السوداني السابق عمر البشير مطلع عام 2019 لاستضافة قاعدة عسكرية روسية، ودخلت على الفور في مناقشات جادة مع الخرطوم لوضع اللمسات النهائية على الاتفاق، على الرغم من أن الوجود العسكري في السودان يُعَدُّ أقل جدوى من الناحية الجيوسياسية مقارنة باليمن والقرن الأفريقي.

كان العرض السوداني تتويجا لعقود من العلاقات الثنائية الوثيقة بين البلدين، خاصة في عهد البشير الذي حكم قرابة ثلاثين عاما بعد إطاحته برئيس الوزراء المنتخب الصادق المهدي في انقلاب عسكري عام 1989. فقد أقام البشير منذ السنوات الأولى لحكمه علاقات جيدة مع روسيا بحثا عن رعاة دوليين في ظل علاقاته المتوترة مع الغرب. وعلى الرغم من أن موسكو لم تكن داعمة لنظام البشير على طول الخط، حيث أيّدت على سبيل المثال حظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة على النظام بسبب الحرب في دارفور، فإنها عادت وزوّدت البشير بدبابات قتالية من طراز "T-72" وقنابل يدوية وأسلحة أخرى في عام 2008.

 

وبحلول السنوات الأخيرة من حكم البشير فإن العلاقات بين روسيا والسودان تعمّقت بشكل أكبر. وفي اجتماع عقده البشير مع بوتين في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، اتهم الرئيس السوداني واشنطن بدعم "المتمردين" في دارفور، وحثّ موسكو على التدخُّل لحماية السودان من العدوان الأميركي المفترض، مؤكدا أن بلاده يمكن أن تكون "بوابة روسيا إلى أفريقيا"، وقد كان ذلك الاجتماع على الأرجح هو الذي أطلق سلسلة الجولات التفاوضية التي انتهت بدعوة البشير الروس لإقامة قاعدة بحرية على أراضي بلاده.

 

لكن الرياح القادمة من الخرطوم سرعان ما أتت بما لم تشتهه سفن موسكو، حيث فشل نظام البشير في احتواء الانتفاضة الشعبية التي اندلعت ضده أواخر عام 2018، على الرغم من قيام الروس بنشر مرتزقة شركة فاغنر، وهي شركة أمنية خاصة مرتبطة بالكرملين، من أجل مساعدة النظام على احتواء الاضطرابات. وبحلول إبريل/نيسان 2019 اضطر الجيش للتدخُّل للإطاحة بالبشير، وخوفا من أن تتسبّب التغييرات السياسية في الخرطوم في تذبذب العلاقة فقد استثمرت موسكو بقوة في شراكتها مع الجيش السوداني، حتى مع تكلفة تلك الشراكة السلبية على علاقاتها بالتيارات الثورية والمدنية الصاعدة، مَن باتت تنظر بريبة للدور الروسي منذ معارضة الأخيرة لقرار مجلس الأمن بإدانة المذبحة التي ارتكبتها قوات نظامية سودانية ضد المتظاهرين السلميين في يونيو/حزيران من العام المذكور نفسه.

وبوصفه عميلا تاريخيا للأسلحة الروسية (السودان هو ثالث أكبر سوق للسلاح الروسي في أفريقيا بعد الجزائر ومصر)، كان الرهان على الجيش السوداني هو الخيار الأكثر أمانا بالنسبة للكرملين للحفاظ على نفوذه هناك، وضمان عدم توقف المفاوضات حول القاعدة العسكرية بعد رحيل البشير، وهو رهان أثبت نجاعته -حتى الآن على الأقل- مع نجاح الروس في إقناع رئيس المجلس الانتقالي العسكري الحاكم "عبد الفتاح البرهان" وحلفائه داخل الجيش بأهمية الوجود الروسي على الأراضي السودانية، وخاصة أن اتفاق القاعدة الجديدة جاء مصحوبا بسلسلة من العقود التجارية المربحة، والوعود بصفقات أسلحة من المرجح أن تُعزِّز قدرة الجيش على قمع أي انتفاضات شعبية ضده في المستقبل.

 

هناك العديد من المبررات التي تُفسِّر 12 عاما من المحاولات الروسية لبناء قاعدة بحرية قرب البحر الأحمر، وهي الجهود التي تكلَّلت بنجاحها في الحصول على منشأة لوجستية في بورت سودان. على المستوى الأكثر مباشرة، ستستخدم موسكو مرفقها اللوجستي الجديد لحماية استثماراتها السودانية وتعزيز علاقاتها مع البلد الأفريقي، وبالنظر إلى أن روسيا تمتلك بالفعل وجودا أمنيا فيه عبر مرتزقة فاغنر المكلفين رسميا بحراسة مناجم الذهب السودانية التي تُديرها شركة "M-Invest" المرتبطة بمالك المجموعة يفغيني بريغوزين، المقرب من الرئيس الروسي بوتين، يأمل الروس أن القاعدة الجديدة ستسمح لهم بإضفاء الشرعية على وجودهم العسكري في الخرطوم، وأن تساعدهم على تعزيز استثماراتهم في مجال الذهب، فضلا عن الارتقاء بالعلاقة بين البلدين من مبيعات الأسلحة المجردة -تسيطر روسيا على 80% من واردات الأسلحة السودانية منذ عام 2003- نحو شراكة أمنية أكثر شمولا.

 

ومن المرجح أن تُوظِّف موسكو وجودها البحري في السودان لتعزيز مصداقيتها بوصفها شريكا موثوقا في مواجهة تهديدات الأمن البحري في البحر الأحمر والمحيط الهندي، بالنظر إلى أن العقيدة البحرية الروسية تُصنِّف عمليات القرصنة في المحيط الهندي، إلى جانب خليج غينيا والمحيط الهادئ، بشكل رسمي على أنها تهديدات أمنية خطيرة. وبالنظر إلى التعاون المتنامي بين روسيا والمملكة العربية السعودية للحفاظ على استقرار أسعار النفط العالمية، فإن وجود موسكو المباشر بالقرب من طرق نقل النفط سيسمح لها أيضا بالتدخُّل -حال اقتضت الحاجة- لمنع الجماعات المتمردة في اليمن أو الصومال من تعطيل الملاحة عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

عبد الفتاح البرهان وفلاديمير بوتن

أما إلى الشمال فسيكون بإمكان روسيا استخدام منشآتها في السودان بوصفها نقطة انطلاق لتعزيز قدرتها على إبراز قوتها في البحر المتوسط من خلال تخفيف التزامات إعادة الإمداد التي تقوم بها قاعدتها البحرية في طرطوس، وتحقيق هدفها في تحويل القاعدة السورية من مجرد منشأة إمداد إلى قاعدة بحرية متعددة الأغراض، يمكنها أن تُغيِّر المعادلة الإستراتيجية في شرق المتوسط عبر تفكيك شبه الحصار الذي يمارسه الناتو على تحرُّكات السفن الروسية، بحكم سيطرة الحلف الفعلية على المضائق الحيوية في تركيا العضوة به.

 

فمن خلال توفير نقطة أكثر ملاءمة لتوقُّف وإعادة إمداد السفن السطحية الروسية العابرة من المحيط الهندي وخليج عدن، لن تكون هذه السفن مُجبرة بعد الآن على السفر بطول البحر الأحمر وقناة السويس نحو البحر المتوسط للوصول للإمدادات اللازمة في سوريا. وبخلاف ذلك، فإن تمركز موسكو جنوب البحر الأحمر سيمنحها نفوذا إضافيا على حركة المرور عبر قناة السويس التي تستأثر بنسبة 10% من حركة النقل البحري العالمية، وذلك من خلال توفير معقل بحري للبحرية الروسية جنوب تلك النقطة الخانقة بالنسبة لها.

على نطاق أوسع، يمكننا اعتبار القاعدة الجديدة جزءا من إستراتيجية روسية أكثر شمولا لتعزيز نفوذها في وسط أفريقيا وسواحلها الشرقية، فإلى جانب المنشأة المقرر بناؤها في بورتسودان، تعتزم روسيا بناء المزيد من القواعد والمنشآت العسكرية في جمهورية أفريقيا الوسطى ومدغشقر وموزمبيق، وهي لا تزال تسعى أيضا لتحصيل وجود عسكري ذي مغزى في إريتريا، وحتى في ميناء بربرة في أرض الصومال.

 

وضمن هذا الإطار، من المتوقع أن تعمل القاعدة السودانية بوصفها مركزا ثابتا لدعم القوات والمصالح الروسية في جميع أنحاء القارة. فنجد أن روسيا تستثمر على سبيل المثال في احتياطيات الغاز البحرية في جميع أنحاء موزمبيق، وهي تنشر في الوقت نفسه مرتزقة فاغنر في مقاطعة كابو ديلجادو الشمالية لمواجهة التمرد العنيف الذي يُهدِّد أنابيب الغاز هناك. ومن المرجح أن يسمح وجود السفن الحربية الروسية في السودان لموسكو بإدارة نشاطها على مسرح موزمبيق بشكل أفضل من خلال تحريك السفن لضرب الأهداف الحيوية للمتمردين على الشاطئ وقطع طرق الإمدادات، وإثبات وجودها الفعّال لكسب المزيد من النقاط لدى النظام في مابوتو.

 

وبالقياس على حالة موزمبيق، يمكن اعتبار امتلاك روسيا لقاعدة بحرية على البحر الأحمر تأكيدا لرغبة موسكو في إعادة الاتصال مع القارة بشكل عام، وهو توجُّه يبدو أنه يحظى باهتمام روسي عالي المستوى كما ظهر خلال القمة الروسية الأفريقية التي عُقدت في سوتشي في أكتوبر/تشرين الأول 2019 بحضور أكثر من 50 رئيس دولة وحكومة أفريقية. ففي وقت تُخفِّض فيه الولايات المتحدة التزاماتها الخارجية؛ تسعى موسكو لإثبات نفسها بوصفها مصدرا أكثر موثوقية للدعم العسكري لحلفائها، وسيسهم الوجود المستمر للبحرية الروسية، جنبا إلى جنب مع أنشطة مجموعة فاغنر، في ترسيخ الانطباعات حول موسكو بوصفها حليفا يمكن الاعتماد عليه وضامنا موثوقا لبقاء الأنظمة في القارة أيًّا كان نوعها.

غير أن الوجود الروسي في السودان لا يخدم أنشطة موسكو الأمنية والعسكرية في أفريقيا فحسب، وهو يتعلق بشكل أكثر مغزى بطموحات روسيا لإثبات نفسها بوصفها قوة بحرية على المسرح العالمي. ووفقا لتقييم صادر عن وزارة الخارجية الألمانية فإن القاعدة الروسية المنتظرة على البحر الأحمر ستكون هي الحلقة الأحدث في سلسلة من المنشآت التي تمتد من سيفاستوبول في شبه جزيرة القرم نحو سوريا وصولا إلى السودان والقرن الأفريقي، ما سيسمح للبحرية الروسية بربط نشاطها في البحرين الأسود والمتوسط مع المحيط الهندي وخليج عدن، وصولا إلى المحيط الهادئ.

 

بعبارة أخرى، تأمل موسكو -ربما- أن وجودها في السودان بالقرب من البحر الأحمر، ونقاط الاختناق والممرات المائية المحورية مثل مضيق باب المندب وخليج عدن وقناة السويس، سوف يمنحها امتيازات مهمة على المسرح البحري الإستراتيجي الممتد بين الهند والمحيط الهادئ، بعد ضم السودان إلى قائمة من الدول الواقعة على المحيطين، الهندي والهادئ، التي أبرمت معها موسكو اتفاقات خاصة بامتيازات الوصول إلى الموانئ، حيث تشمل القائمة دولا أخرى على رأسها موزمبيق وميانمار وباكستان وسيشل وفيتنام (حيث كان لروسيا منشأة بحرية دائمة حتى عام 2002). علاوة على ذلك، وفي حال أثبتت القاعدة في السودان حقا أنها قادرة على دعم السفن التي تعمل بالطاقة النووية، فقد تصبح موقعا تشغيليا جديدا مهما للغواصات النووية الروسية، ما سيسمح لموسكو بإبراز المزيد من القوة في المنطقة من خلال السفن القادمة من قواعدها البعيدة في المحيط الهادئ.

 

على الرغم من هذه الخطط الروسية الطموح، هناك عوامل تدفعنا إلى التشكيك في إمكانية نجاح الكرملين في تحقيق أحلامه بممارسة وجود بحري فاعل في منطقة البحر الأحمر. في مقدمة هذه العوامل تأتي الشروط الواردة في اتفاقية القاعدة السودانية ذاتها التي تُقيِّد عدد السفن التي تستطيع روسيا تشغيلها بأربع وحدات فقط، وهو ما سيُحدِّد دور المنشأة فعليا في أنشطة الدعم اللوجستي دون العمليات الموسعة لإبراز النفوذ، فضلا عن القدرات الاقتصادية واللوجستية المحدودة نسبيا للروس التي تجعل خطط الكرملين لتطوير وإعادة بناء أساطيله الأربعة الرئيسة تسير ببطء شديد، ما يُلقي شكوكا على حجم الموارد التي سيكون الروس قادرين على تسخيرها من أجل تطوير قاعدتهم السودانية حتى لو استطاعوا تعديل الشروط المقيِّدة لهم نسبيا في الاتفاقية الحالية.

 

بخلاف ذلك، ومقارنة بالمنشآت التي استخدمتها البحرية السوفيتية في المنطقة قديما مثل قاعدة العمليات القديمة في جزيرة سقطرى اليمنية، فإن بورتسودان لا يُعَدُّ موقعا مثاليا من الناحية الجيوسياسية، حيث سيتعيّن على السفن الروسية الإبحار عبر مضيق باب المندب قبل الدخول إلى المحيط الهندي، فضلا عن أن النفوذ الروسي سيظل عُرضة للمخاطر المرتبطة بالهشاشة الداخلية والاضطرابات السياسية في السودان بما في ذلك على النقاط الساخنة مثل دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.

هناك أيضا عقبات فنية قد تقف في طريق تشغيل المنشأة بشكل فعّال، يتعلق أبرزها بالطريقة التي ستُوفَّر بها إمدادات الطاقة اللازمة للتشغيل، حيث لا تحتوي مدينة بورتسودان إلا على محطة واحدة لتوليد الطاقة تعمل بالديزل بقدرة 337 ميغاواط، ما يعني أن روسيا ستضطر لتشغيل المنشأة من خلال مولّدات ديزل تستخدم وقودا يُنقل مباشرة من قلبها، ما يعني ارتفاع تكاليف التشغيل بشكل ملحوظ.

 

علاوة على ذلك، فإن البند المُدرج في الاتفاقية الذي يسمح لموسكو بتشغيل السفن العاملة بالطاقة النووية في المنشأة يبدو جيدا فقط من الناحية النظرية، لكن من الناحية العملية فإن البنية التحتية لبورتسودان والبحر الأحمر بشكل عام ليست مُجهَّزة بشكل جيد لرسو وخدمة الغواصات العاملة بالطاقة النووية، كما أن روسيا لا تملك سوى سفينة سطحية واحدة تعمل بالوقود النووي، وهي سفينة (طراد) من طراز كيروف تُدعى "بيوتر فيليكي" أو بطرس الأكبر، لم تُنشَر خارج البحار الروسية لمدة طويلة، ومن المنتظر أن تدخل قريبا في عملية تجديد طويلة، ويعني ذلك أنه لا توجد أي وحدات روسية تعمل بالطاقة النووية ستكون متاحة للعمل في السودان في أي وقت قريب.

 

وحتى مع تجاوز العقبات اللوجستية، تبقى هناك حزمة من المخاطر السياسية المرتبطة بطموحات موسكو لتعزيز وجودها حول البحر الأحمر، وترتبط معظم هذه المخاطر بالمنافسة المتوقعة مع اللاعبين الآخرين في المنطقة. وفي سعيها لإعادة ترسيخ نفسها بوصفها قوة نافذة في شرق أفريقيا، تخطو روسيا إلى ساحة متنازع عليها بشدة بين الولايات المتحدة والصين، حيث يمتلك البلدان قاعدتين عسكريتين في جيبوتي، تفصل بينهما مسافة 15 دقيقة فقط بالسيارة. وفي حين أن واشنطن لديها هواجس بالفعل تجاه نيّات بكين في تعطيل ميناء جيبوتي وخنق الإمدادات العسكرية المتوجهة إلى معسكر ليمونير، فإن هذه المخاوف ستتفاقم مع رسو السفن الحربية الروسية على سواحل السودان، والاشتعال المتوقع للمناورات في الممرات المائية المكتظة بالسفن الأميركية والأوروبية والصينية، ما يعني إضافة طبقة جديدة من التعقيد لتحديات الملاحة في البحر الأحمر.

وعلى الرغم من ذلك، من غير المرجح أن تسعى موسكو في وقت مبكر لاستفزاز الولايات المتحدة، بالنظر إلى الوجود الأميركي القوي في المنطقة الذي سيصبح الحضور الروسي بالمقارنة معه باهتا نسبيا. ولكن في المقابل، تُشير توقعات إلى أن تحرُّكات موسكو تهدف -في المدى القريب على الأقل- إلى التنافس مع القوى الإقليمية الأصغر، وعلى رأسها تركيا التي تنخرط في معارك دبلوماسية ضد الروس على عدد من المسارح، وخاصة أن قرار إنشاء القاعدة البحرية الروسية جاء في وقت تكافح فيه أنقرة لاستعادة نفوذها في السودان بعد رحيل البشير، فيما لا يزال مصير مشروع المنشأة اللوجستية التي تنوي أنقرة تشييدها في جزيرة سواكن غامضا في أفضل الأحوال، على الرغم من أن تركيا لا تزال تواصل ترميم القطع الأثرية العائدة إلى العصر العثماني في الجزيرة.

 

علاوة على ذلك، تقع بورتسودان على الضفة المقابلة لمكة المكرمة في السعودية. ومن هذه الزاوية، يمكن للمملكة بسهولة أن تنظر إلى تحركات موسكو بوصفها مزعزعة للاستقرار، خاصة أن روسيا من المرجح أن تنشر أصولا استطلاعية وقوات خاصة وجنود مرتزقة في منشأتها السودانية على بُعد كيلومترات معدودة من المملكة، وهي مخاوف تتفاقم بالنظر إلى التعاون العسكري القائم بين روسيا وإيران، الخصم اللدود للسعودية، في بعض مناطق الشرق الأوسط وعلى رأسها سوريا، وفي ضوء ذلك فلن يكون من المستبعد أن تستخدم المملكة نفوذها المالي على النظام السوداني لتحجيم الوجود العسكري الروسي قرب شواطئها.

 

ولن تكون الضغوط السعودية هي الوحيدة من نوعها التي سيُكابدها السودان بسبب الوجود الروسي. فمع قيام الولايات المتحدة بحذف البلاد من قائمة الدول الراعية للإرهاب، واستعداد الخرطوم للاندماج في المجتمع الدولي، لن يكون من المستبعد أن تطالب واشنطن من النظام السوداني في المقابل تخفيض علاقاته مع موسكو، أو التلويح بإعادة فرض العقوبات مجددا، وساعتها ربما يُقرِّر السودان التراجع عن قراره بشأن القاعدة الروسية، ضاربا بخطط الكرملين الطموح عرض الحائط.

 

تكشف طموحات موسكو الكبرى إذن حدود قوتها وهشاشتها الكامنة في الوقت ذاته. ومع ذلك فإن موسكو لا تبدو مترددة في خوض جولة جديدة من مغامرات القوة الخطرة، هذه المرة على سواحل أفريقيا، على أمل أن يصب فراغ السلطة والتردُّد الغربي في مصلحتها مجددا كما حدث قبل ذلك في أوكرانيا. ففي قرارة نفسه، يؤمن فلاديمير بوتين أنه لاعب شطرنج جيوسياسي بارع، لكن السبب الرئيسي لبراعته هو أن خصومه غالبا ما يُقرِّرون الانسحاب، تاركين الرقعة فارغة أمامه للعب بمفرده مرة تلو المرة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة