جو بايدن: الرجل العادي.. رئيسا استثنائيا

يقف جو بايدن على عتبة محطة "ويلمينغتون" العريقة، والمزدحمة دوما، في انتظار قطار "أمتراك" المعروف ليأخذه إلى العاصمة الأميركية واشنطن. العام هو 1973، والرحلة هي الأولى له على متن القطار ليُباشر مهامه في الكونغرس الأميركي بعد انتخابه سيناتور عن ولاية دِلاوير الصغيرة. لم يكن جو ينوي أن يسلك تلك الرحلة، التي تستغرق تسعين دقيقة، مرتين يوميا ذهابا وإيابا، لكنها رحلة اختارها بإرادته ليقضي ليلته في منزله بـ "ويلمينغتون" مع ولديه بعد أن فقد زوجته وابنته الصغرى في حادث مُفجع بُعَيد انتخابه.

جو بايدن عام 1988 في محطة قطار ويلمينغتون، بولاية دِلاوير، في رحلته المعتادة إلى العاصمة واشنطن (GettyImages)

تردَّد جو في دخول عالم السياسة حينئذ بعد أن أثقله الحزن، لكن قيادات الحزب الديمقراطي أثنته عن موقفه، وأقنعته بالمُضي في مشواره كما بدأه، لا سيما وقد حقَّق فوزا تاريخيا على غريم جمهوري مخضرم. وفي المركز الطبي بـ "ويلمينغتون"، حيث ظلَّ ولداه "بو" و"هَنتر" طريحَيْ الفراش بعد الحادث، أُحضِر إنجيل خصيصا إلى بايدن ليقوم بالقسم كما هي العادة والقانون، ومن ثمَّ بدأت رحلة طويلة ستمتد نحو نصف قرن، وستُوصل صاحبها إلى البيت الأبيض على رأس السلطة في الموعد الوحيد الذي لم يتوقعه ولم يسعَ له.

 

ساعتان على الأقل يوميا قضاها الزوج المكلوم والأب المتعلِّق ببيته في جنبات قطار أمتراك لسنوات طوال، بدأت في 1973 ولكنها لم تنتهِ أبدا، إذ انتُخب بايدن سيناتور لستّ دورات متتالية استمرت 36 عاما، ثم انتقل منها إلى منصب نائب الرئيس في إدارة أوباما لثماني سنوات أخرى. لم يتغيَّر الكثير في حياة بايدن، ولا تزال ويلمينغتون، التي أعلن منها فوزه في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، مركز الثقل في حياته، ولا يزال قطار أمتراك وأطقم العاملين به، الذين باتوا بمنزلة عائلته الأكبر، عنصرا مركزيا في حياته، يلقون عليه التحيات حين يستقل القطار إلى واشنطن بين الحين والآخر، ويحجزون له مقعدا عشوائيا لأسباب أمنية منذ أصبح نائب الرئيس عام 2009، ويحلُّون ضيوفا عليه أيضا في منزله بـ "ويلمينغتون".[1]

 

الكُل يعرف جو بايدن هُنا، الذي أطلق اسمه على المحطة تكريما له عام 2011؛ اعتقادا ربما بأن حياته في الخدمة العامة قاربت على الانتهاء آنذاك بجوار أوباما نظرا لسنّه الكبيرة. الجميع تقريبا يعرف بعضه بعضا على أي حال في ويلمينغتون، المدينة التي لا يتجاوز تعدادها مئة ألف، وفي دِلاوير كلها التي لا يتجاوز تعدادها المليون.

جو بايدن يقوم بالقسم سيناتور بالكونجرس الأمريكي في يناير 1973 بمركز ويلمينغتون الطبي

"دِلاوير ليس سوقا إعلاميا ضخما مثل نيويورك أو بنسلفانيا، إذ يسعُك أن تصافح كل قاطني الولاية فعليا، فالأمر كله مرتبط بالتواصل الشخصي، وفي الغالب مع الطبقات العاملة"، هكذا يقول عضو سابق بفريق بايدن. خلقت تلك الحالة في دِلاوير ما يُعرف بـ "طريقة دِلاوير"، وهي ببساطة الركون إلى العلاقات الشخصية الوثيقة، والاعتماد على الاحترام المتبادل بين أعضاء الحزبين في إدارة دفة السياسة. في دِلاوير، وعلى عكس ولايات عدة عكَّر الاسقطاب فيها العلاقات بين أطراف العملية السياسية الأميركية، لا يزال أعضاء الحزبين الجمهوري والديمقراطي يجلسون على طاولة واحدة ليتوصّلوا إلى سُبُل إدارة الولاية. ولدى دِلاوير كذلك تقليد خاص مُتَّبع بعد أيِّ انتخابات وهو احتفال "يوم العودة"[2]، إذ يجتمع الرابحون والخاسرون معا في بلدة جورجتاون في قلب الولاية، ويقومون برفع فأس يرمز للتنافس السياسي أمام الحاضرين، ثم يُدفَن الفأس في إشارة إلى بداية جديدة يتعاون فيها الجميع متجاوزا ضغائن المنافسة[3]. يبدو ذلك رومانسيا جدا بالطبع مقارنة بما يحدث في معظم الولايات الأخرى، لكنه يُعزَى لا إلى صِغَر الولاية فحسب، بل وكذلك إلى تاريخها المعقَّد الذي يعلم سياسيّوها بأنه يجعل من المستحيل بمكان احتكار حزب واحد لمصيرها السياسي.

 

تمتد دِلاوير بطول شريط ساحلي أطلسي ضيق، فلا تكاد تُرى بين ولايات ماريلاند ونيوجرسي وفيرجينيا. أما ويلمينغتون، مدينتها الأكبر، فلا تحظى عادة بالانتباه مقارنة بالمدن الضخمة المتاخمة لها؛ فيلادلفيا ومن بعدها نيويورك وواشنطن وبالتيمور. وعلى امتدادها الطويل نسبيا من ويلمينغتون الصناعية في الشمال إلى بلدية ساسِكس الريفية في أقصى جنوبها؛ تأرجحت دِلاوير بين الجنوب الأميركي الأكثر محافظة وعنصرية والشمال الشرقي الأكثر تمدُّنا وعصرية. فقد انضمت الولاية رسميا لقوات أبراهام لينكولن الاتحادية ضد الكونفيدرالية المتمسِّكة بالعبودية خلال الحرب الأهلية، لكن المئات من سكانها العنصريين حاربوا فعليا مع الكونفيدرالية، ثمَّ نجحوا في تمرير قوانين الفصل العنصري المعروفة بقوانين "جيم كرو" عام 1875، لتصبح ويلمينغتون تاريخيا المدينة الأكثر شمالا على قائمة مدن "جيم كرو"، وتبقى مدينة بيضاء متوسطة محافظة، على مفترق الطرق بين تلك الاتجاهات كافة.

جو بايدن نائبا للرئيس عام 2008، في طريقه لإحياء مراسم "يوم العودة" في دِلاوير (حقوق الصورة: روب كار-أسوشيتد برِس)

وقد شكَّلت ويلمينغتون الثقل الاقتصادي بتحوُّلها إلى معقل صناعة السفن والسيارات والبارود أثناء الحرب، فكانت بصمة الحرب الأهلية الاقتصادية أوضح وأبعد أثرا في رسم مصير المدينة من نتائجها السياسية. وسرعان ما تحوَّلت ويلمينغتون إلى مغناطيس يشد العمَّال المتعسِّرين من الولايات المجاورة، وهي سمة امتدت لنحو قرن تقريبا، وطالت عائلة بايدن نفسها، التي انتقلت من مدينة سكرانتون البسيطة في ولاية بنسلفانيا إلى دِلاوير حين تعثَّرت حياة الأب جوزيف تاجر السيارات المستعملة وابنه جو لم يتجاوز العاشرة من عمره. بينما تمدَّنت ويلمينغتون وباتت أشبه بجاراتها في الشمال، كانت الشرائح الاجتماعية التي سكنتها سببا في جذبها من جهة أخرى إلى الجنوب المحافظ، إذ كانت في الأغلب طبقات عمَّالية بيضاء ومسيحية محافظة، وبعضها من الأقليات الدينية والعِرقية. كانت عائلة بايدن هذا وذاك في الوقت نفسه، فقد كانت أسرة بيضاء من أصول أوروبية واضحة، لكنها أصول أيرلندية جعلتهم فعليا من الأقلية الكاثوليكية.

 

لقد تمركزت الحياة في دِلاوير حول "الرب والوطن والأسرة" كما تقول الكاتبة "أنِت وولارد-بروفين"[4]. ولكن الكنائس البيضاء بروتستانتية المذهب (بأنواعه) تنازعت الحديث باسم الرب في دِلاوير، والكنيسة الكاثوليكية البيضاء أيضا ولكن الأقل عنصرية، والكنائس السوداء (للأميركيين من أصول أفريقية). وحين حلَّت الستينيات وانفتح ملف الفصل العنصري، كانت دلاوير في القلب من التقلُّبات السياسية، وحين انتفض سُكَّان ويلمينغتون ذوو الأصول الأفريقية للتعبير عن سخطهم بعد اغتيال مارتن لوثر كينغ، رزحت المدينة بأمر حاكمها تشارلز تيري تحت سيطرة قوات الحرس الوطني بالولاية مدة عام.

 

كان تيري ديمقراطيا في وقت لم يزل فيه الديمقراطيون هُم صوت الجنوب المحافظ المؤيد للفصل العنصري، والجمهوريون هُم المهيمنون في الشمال بإرثهم الممتد حتى رئيسهم الأبرز أبراهام لينكولن. لكن الستينيات ستصبح نقطة تحوُّل كبرى في مسار الحزبين، وستختلط فيها الأوراق السياسية شمالا وجنوبا، تماما كما ستختلط في دِلاوير، المتأرجحة أبدا بين مصيريها الشمالي والجنوبي، وسيتأرجح معها بايدن الذي خطا أولى خطواته في عالم القانون والسياسة وهو ابن السادسة والعشرين.

 

 

جو بايدن شابًا في السبعينيات بعد انتخابه في الكونجرس (حقوق الصورة: تشارلز هاريتي – أسوشيتد برِس)

يقف جو، الشاب العشريني، على أحد شواطئ دلاوير التي يرتادها بشكل حصري ذوو الأصول الأفريقية، متطوعا بوصفه منقذا على الشاطئ ليكون الأبيض الوحيد هُناك. لم يكن هنالك شيء مشترك بالضرورة بين جو والأميركيين من أصل أفريقي، ولم يُعانِ الرجل عنصرية تُذكَر، رُغم أن بني ملَّته الكاثوليك عانوا تمييزا قبل مولده بعقود، لكنه حمل باستمرار حساسية مُفرطة ضد التمييز والتنمُّر والبلطجة، لأسباب شخصية ابتداء، إذ عانى بايدن وهو طفل من تنمُّر أصدقائه بسبب تلعثُم شديد جعله يُمضي ساعات أمام المرآة يقرأ الشعر كي يتجاوز تلك المشكلة، وهي مهمة لم تكتمل أبدا[5].

 

إذن، وعلى شاطئ "أسود" إن جاز القول، قرّر جو الوقوف لينقذ أرواح شباب اعتقد كثيرون دنوّهم في المنزلة، ومنهم حاكم الولاية تيري، ما جعل بايدن أقرب للانتماء للحزب الجمهوري حينئذ. لم تكن تلك هي الصورة نفسها على المستوى الوطني، فقد كان جون كينيدي، الرئيس الشاب المنتخب عن الحزب الديمقراطي، مصدر إلهام لـ "جو" بأفكاره الليبرالية والإصلاحية، لا سيما وهو أول رئيس كاثوليكي، وحين اغتيل كينيدي وخلفه نائبه ليندون جونسون، وقَّع الأخير بنفسه على قانون الحقوق المدنية التاريخي عام 1964.

 

كانت الستينيات سنوات اضطراب أيضا بسبب الحرب في فيتنام، والحركة الطلابية التي قامت بوجهها، ولكن على الرغم من مواقفه الأخلاقية ضد العنصرية فإن بايدن لم ينجذب بهدوئه المحافظ إلى ذلك الحراك أبدا، وذلك بعكس ما فعله برني ساندرز مثلا الذي شارك مرارا في التظاهرات الطلابية ضد الحرب، ورفض الخدمة العسكرية[6]. وكما كتب كلٌّ من مات فلِجِنهايمر وكيتي جلوك في صحيفة "نيويورك تايمز"، في مقال بعنوان "ستينيات جو بايدن غير الراديكالية": "حين صادف بايدن وأصدقاؤه متظاهرين معارضين للحرب في مكتب العميد بالجامعة، تجاوزوهم بازدراء. لقد كانوا في طريقهم لتناول البيتزا"[7].

 

كانت تلك إذن سمة من سمات بايدن عموما، فهو لم يعتقد بتلك الأيديولوجيات الصلبة، ولم يتوقف عن ارتداء رابطة العنق في الجامعة على الرغم من تخلِّي الجميع عنها، ولم يشرب الكحول أو يدخن السجائر أو يسعى لمغامرات نسائية. "أنا رجل أسرة بالأساس.. وأود بشدة أن أحب وأتزوج من جديد"، هكذا قالها بايدن في لقاء صحافي بعد عامين من وفاة زوجته، وقد نفَّذ رغبته قبل أفول السبعينيات بالزواج من "جيل بايدن"، السيدة الأولى الآن.[8]

بِرني ساندرز شابًا في إحدى التجمُّعات المناهضة للحرب في فيتنام (حقوق الصورة: أرشيف صور جامعة شيكاغو)

احتاجت الأمور إلى بضعة أعوام حتى يكتمل الانقلاب السياسي الانتخابي الأهم في الولايات المتحدة خلال القرن العشرين، واحتاجت إلى ظهور ريتشارد نيكسون على رأس الحزب الجمهوري كي ينتهي تماما أي احتمال أن يكون بايدن جمهوريا. فحين بدأ تملمُل أنصار الديمقراطيين وأعضائهم القدامى من التوجُّه الجديد للديمقراطيين، ظهر نيكسون رئيسا عام 1968، وحاز ثقة ناخبي عدد من الولايات الجنوبية، لتبدأ الأصوات الجنوبية نزوحها نحو البطاقة الجمهورية الحمراء، كما تفعل حتى يومنا هذا، وتبدأ أصوات الشمال الشرقي بنزوح معاكس نحو البطاقة الديمقراطية الزرقاء.

 

عُرِف نيكسون بالإمعان في سياسة الاستمرار في فيتنام على الرغم من مؤشرات فشل الإستراتيجية الأميركية هناك، ومن ثمَّ استجلب معارضة الحركة الطلابية والشبابية، لكن فيتنام لم تكن السبب في كراهية بايدن له، بل بلطجته السياسية في الداخل واستغلاله لسلطاته اللذان وصلا إلى ذروتهما في فضيحة ووترجيت، وأدّيا في الأخير إلى سقوطه في نظر الرأي العام، وفي نظر كل الرجال "العاديين" ومنهم بايدن نفسه.

 

"يتكبَّد الصالحون ثمن عزوفهم عن السياسة؛ بالرزوح تحت حُكم رجال أسوأ منهم"، بتلك الكلمات المُقتبسة من أفلاطون أفصح بايدن عن نفسِه بوصفه سيناتور في مقابلة لمجلة "ذا واشنطونيان" عام 1974. كان الرجل السيئ المقصود هُنا بالطبع نيكسون، إذ مَثَّل نيكسون باحتياله على الرأي العام وأسلوبه اليميني المُطعَّم بالبلطجة كل ما أمكن لبايدن أن يكرهه في سياسيّ واحد. لكن تلك الأفلاطونية الأخلاقية الفضفاضة التي حملها بايدن بوصفه شابا من أسرة محافظة كانت "منزوعة الدسم" سياسيا وليِّنة بما يكفي لتُكسِبه سجلا متضاربا في أروقة الكونغرس، فقد تحدّث الرجل حينها قائلا: "أنا ليبرالي قُح حين يتعلَّق الأمر بكبار السن، وبالرعاية الصحية التي أعتقد أنها حقٌّ لكل إنسان. لكن حين يتعلَّق الأمر بالإجهاض، وتقنين مُخدِّر الليسرجيك، فأنا لا أزيد ليبرالية عن جدَّتك! لا أرى أن للمرأة حقا حصريا في التصرُّف بجسدها، ولا أعتقد بتقنين الماريجوانا، ولا بإلغاء التجنيد، وفكرة الجيش المحترف تُصيبني بالرعب!".[9]

 

لكن مواقفه تلك تغيُّرت لتواكب التحوُّلات الاجتماعية المتسارعة في الأخير، فقد بات الرجل مناصرا للإجهاض، ولحقوق المثليين على الرغم من تصويته لمنع الاعتراف بزيجاتهم عام 1996، وعلى الرغم من تمسُّكه بعدم تقنين الماريجوانا فإنه صار معارضا لتجريمها، كما أصبح مؤيدا لإلغاء عقوبة الإعدام، ورفع الحظر عن انضمام عابري الجنس للجيش الأميركي[10].

أطفال من ذوي الأصول الأفريقية يصعدون إلى حافلة مدرسية في الستينيات (مصدر)

لم تكن تقلُّبات مواقف بايدن فحسب ما أثار الجدل حوله وأتاح لخصومه باستمرار الإحالة إلى تاريخه للنيل منه، بل أثارت براغماتيته الجدل كذلك فيما يخص ملفا يُفترض أنه ناصره بلا هوادة منذ شبابه وهو إنهاء الفصل العنصري. ففي منتصف السبعينيات، وبينما كابدت قيادات عديدة لتحقيق أهداف قانون الحقوق المدنية على الأرض، وتفكيك المنظومة العنصرية القائمة، ظهرت إلى السطح مسألة المدارس البيضاء والسوداء المنفصلة فعليا، ورأى البعض آنذاك أن السلطة يجب أن تضطلع بدور لإجبار الأطفال البيض والسود على الاختلاط في المدارس والحافلات المدرسية بتوزيعهم بطريقة تُنهي الفصل القائم، وهي سياسة عُرفت بـ "باسينغ" (Busing). وقد لاقت تلك السياسة معارضة من شرائح واسعة من البيض والسود على السواء، الذين اعتبروها تدخُّلا في اختياراتهم لمدارس أبنائهم، إذ تخضع الأخيرة تلك لاعتبارات السكن وموقع المدرسة من المنزل، ومن ثمَّ يصبح الفصل في المدارس تعبيرا عن انفصال قائم بين أحياء البيض والسود على المستوى الجغرافي، لا فصلا عنصريا متعمدا. وتوجَّس السود أيضا من أن يتعرَّض أبناؤهم للإيذاء في مدارس البيض، أو أن يتعرَّضوا للتمييز دراسيا من مُدرّسيهم.

 

تحمَّس بايدن في البداية للفكرة انطلاقا من التزامه الأخلاقي بإنهاء الفصل العنصري، لكنه سرعان ما انصاع للرأي الجديد في حزبه الحريص على أصوات الناخبين، وكانت ردود الأفعال الشعبية السلبية التي رآها بايدن بنفسه في شوارع ويلمينغتون من أولياء الأمور الرافضين لموقفه سببا إضافيا جعله يُراجع موقفه السابق بدعم الـ "باسينغ"، وسريعا بات صوتا مهما معارضا لتلك السياسة الجديدة، وبلور حُجة لا بأس بها لتسويغ معارضته بالقول إن الطالب الأسود بحاجة إلى مدرسة بيضاء كي يتفوّق هو العنصرية بعينها. في الأخير، نُفِّذَت السياسات، ولا يزال نجاحها من عدمه محل جدل إلى اليوم، لكن موقف جو "غير التقدُّمي" كما يقول نقاده، يشي بهشاشة مرتكزاته الأخلاقية، التي تفقد بوصلتها السياسية سريعا حين يلوح مؤشر الأسهم الانتخابية في الأفق.[11]

جو بايدن وروبرت بورك في الثمانينيات (المصدر)

بدأ بايدن يتطلّع جديًّا نحو البيت الأبيض عام 1987، فأعلن حملته داخل الحزب الديمقراطي لكنها باءت بالفشل، فعاد إلى مهام الكونغرس ولجنة التشريع التي ترأسها بين عامَيْ 1987-1995. وفي اليوم الذي ألغى فيه بايدن حملته الانتخابية وجد نفسه وجها لوجه في الكونغرس مع أحد رفقاء نيكسون: القاضي روبرت بورك، وقد كان لبورك مواقف متحفِّظة تاريخيا على إنهاء الفصل العنصري كما يشي سجلُّه بالقضاء، لكن مشكلة بايدن معه تمحورت حول دوره أثناء فضيحة ووترجيت، إذ حاول نيكسون آنذاك إجبار المدعي العام (ثمَّ نائبه) على إقالة المُحقِّق المسؤول عن التحقيق، وحين استقالا احتجاجا ورفضا تنفيذ مطلب نيكسون، أصبح بورك قائما بأعمال المدعي العام، ونفَّذ من فوره مطلب نيكسون. كان ذلك قبل 14 عاما من ترشيحه للمحكمة العليا من جانب الرئيس ريجان عام 1987، وهو ترشيح استوجب موافقة الكونغرس، لذا لعب بايدن، بوصفه رئيسا للجنة القضاء، دورا مركزيا في إسقاط ترشيح بورك عبر إقناع عدد من الجمهوريين بالتصويت ضده مع الديمقراطيين، ومن ثمَّ أُجبِر ريجان على ترشيح بديل له.[12]

 

كان لبايدن أيضا اهتمام جمٌّ بالسياسة الخارجية، فكان عضوا في لجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس منذ 1997 فصاعدا. مجددا، اختلط سجل بايدن بين دعمه لتسليح البوشناق في وجه الصرب من جهة، وما يُروى عن أنه قال لميلوسوفيتش زعيم الصرب آنذاك في إحدى المفاوضات إنه مجرم حرب دون مواربة،[13] وبين ملفَّيْ غزو أفغانستان والعراق عامَيْ 2001 و2003 من جهة أخرى، وهما غزوان دعمهما بايدن قبل أن يتراجع جزئيا ويرفض تعزيز أعداد القوات هناك عام 2007، ولعل تلك النقطة الأضعف في سجله التشريعي كله، مثله في ذلك مثل رفيقه في لجنة العلاقات الخارجية وصديقه المُقرَّب الذي اختاره قبل أسابيع ليتولى وزارة الخارجية: طوني بلينكن.

جو بايدن يصافح الرئيس المصري الراحل أنور السادات عام 1979

"النقطة هُنا ليست في الرجوع إلى الوراء عشرين عاما، بل في النظر إلى الاتساق، في النظر إلى أي مرشح امتلك الجرأة للادلاء بأصوات صعبة (في الكونغرس) لأنها كانت الأصوات الصحيحة. كل ما بوسعي أن أقوله لكم هو إنني كنت هناك، سواء أكان الأمر متعلقا بالحرب على العراق، أو القوانين المتعلِّقة بالمثليين؛ واقفا على الجانب الصحيح من التاريخ، في حين لم يكن صديقي جو بايدن واقفا هناك".[14] بتلك الكلمات هاجم ساندرز السجل المتناقض لبايدن، واتجاهه المؤسسي المحافظ على الرغم من تحوُّل آرائه فيما يخص هذه الملفات أثناء عمله نائبا للرئيس أوباما. لم يكن الرجل مخطئا في الحقيقة، والفروق بينه وبين بايدن تعود جذورها بوضوح إلى سنوات شبابهما واختياراتهما خلال الستينيات والسبعينيات. لكن الاتساق والصلابة الأيديولوجية التي امتلكها ساندرز، على مزاياها، لم تجد الزخم الكافي بالمقارنة مع بايدن.

 

تأرجح جو يمينا ويسارا مثله مثل دِلاوير لعقود، وحاول مجددا الوصول إلى البيت الأبيض عام 2008 مواجها أوباما الشاب "الهاوي فيما يتعلَّق بالسياسة الخارجية" على حد قول بايدن في إحدى هجماته عليه آنذاك، لكنه سرعان ما اتبع سُنَّته في مواكبة التغيُّرات من حوله، وقدَّم اللباقة السياسية العابرة للخلافات على أي مواقف صلبة، فقَبِل بمنصب نائب الرئيس حتى 2016، وقَبِل معه الكثير مما لم يقبله سابقا، أهمها التنازل الفعلي عن حلمه بالرئاسة التي لن تسمح له سِنُّه الكبيرة بعدئذ بمواصلة السعي لها.[15]

 

لكنّ شيئا واحدا لم يتغيَّر أبدا، وهو كراهية بايدن للجمهوريين البيض ممّن هم على شاكلة نيكسون، المدافعين عن حقوقهم المكتسبة سياسيا واقتصاديا، ضاربين بقيم المؤسسة والجمهورية في الولايات المتحدة عرض الحائط، غير عابئين بآداب الاحترام المتبادل واللباقة التي ميَّزت أجيالا عديدة من أقطاب الحزبين في الحياة السياسية الأميركية. وسيُكتب لبايدن في الأخير مواجهة النُّسخة الأسوأ منهم في انتخابات رئاسية لم يكن يعلم أنه سيظل على قيد الحياة بما يكفي ليخوضها، نسخة ربما كارثية بالنسبة له تُدعى "دونالد ترامب".

 

أوباما يمنح بايدن، الذي لم يتمالك دموعه حينئذ؛ الوسام المدني الأرفع في الولايات المتحدة: ميدالية "الحرية" الرئاسية، قبل انتهاء رئاسته بأيام في يناير 2017 (حقوق الصورة: سوزان وولش، أسوشيتد بِرس)

لطالما قال لي أبي: "أيها الفتى! إن قيمة رجل لا تكمُن في كم مرة يسقط، بل في سرعة نهوضه بعد السقوط. إنني لم أرَ في حياتي هذا العدد من الأميركيين وقد سقط. ولكن، كما كان أبي يقول لي، حين تقع، انهض! انهضوا جميعا!".[16] كلمات بدت وكأنها كلمات من فيلم "فورِست غامپ" لا من حملة انتخابية، لكن بايدن قالها بصوت عالٍ في لحظة ربما لا يسع الجميع فيها النهوض لأنهم لا يملكون ذلك، فتلك ليست أزمة لتاجر سيارات مستعملة سينتقل على إثرها إلى ولاية مجاورة، بل أزمة وباء عالمي لم يستثنِ أميركا من حساباته وما انفك يضرب كل ولاية، يصاحبه آلام فقد ومرض لم تعرفها البلاد منذ الإنفلونزا الإسبانية.

 

لا يرى جو الفرق بين الآلام التي فتكت به حين فقد زوجته والآلام التي ضربت الملايين ولا تزال بسبب فيروس "كوڤيد-19" المستجد، لكن الأخير يجلب معه بوضوح أسئلة كبرى حول الرعاية الصحية وتوزيع اللقاحات وقدرة السلطات على إلزام الناس بالتعليمات من عدمه، في ظل تفشي الأفكار العلمية الزائفة المرتبطة ارتباطا وثيقا بالاستقطاب السياسي. وحين تخرج "طريقة دِلاوير" من ولايتها الصغيرة، تصبح فيما يبدو "متلازمة دِلاوير"، التي يعتقد معها صاحبها أن التواصل الشخصي والارتكاز الأخلاقي فحسب كافيين لإدارة السياسة والخروج من الأزمات.

 

لطالما اعتمد الرؤساء الأميركيون على ملحمة شخصية ما للتواصل مع الجماهير وتسويغ فكرة الرجال الذين يصنعون أنفسهم بأنفسهم في مجتمع نظر لهؤلاء الرجال بعيون رومانسية فأَسَرته ملاحم الأبطال، دون نظرٍ غالبا إلى الأسئلة السياسية الجذرية. لم تحوِ ملحمة جو حربا أو نساء أو راديكالية في شبابه أو تربُّعا على عرش جامعة كبرى أو ملايين طائلة، بل حملت مآسي فقد وسنوات دأب ومكابدة يشاركه فيها ملايين الأميركيين، ولعل ذلك ساعده في لحظة لم يَعُد أحد فيها يرغب برئيس بطل، بل برئيس يشاركهم مآسيهم الشخصية، وما من مرشَّح أمكنه أن يستشعر ما فقده الملايين هذا العام أكثر من جو. تماما مثل عام 1920، الذي انقلب فيه الأميركيون على طموحات أميركا العظيمة التي خطَّها ويلسون، واختاروا التمسُّك بأميركا المألوفة التي عرفوها طوال القرن التاسع عشر في لحظة تقلُّب وتوجُّس من المستقبل؛ تغيَّر مسار المزاج العام في 2020 على خلفية محنة الوباء في الولايات المتحدة، وفقد شعار ترامب "لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى" جاذبيته التي حازها قبل أربعة أعوام.

كاركاتير يعود لعام 1920، يُظهر المرشح الفائز "وارن هاردينغ" يقود سيارة "نحو الوضع الطبيعي أو العادي"، ساخرًا من القضايا التي سيحملها على عاتقه الآن بعد بينما يناديه راكب في الخلف "مهلًا الآن يا وارن" (المصدر)

"تحتاج أميركا إلى الالتئام لا إلى الملاحم البطولية"، هكذا أعلنها قبل مئة عام المرشح الرئاسي الجمهوري "وارِن هاردينغ" في أعقاب الحرب عالمية الأولى ووباء الإنفلونزا الإسبانية اللذين هزَّا أركان المجتمع الأميركي وأخرجاه عن مساره الطبيعي، وحرما الأميركي العادي من حياته العادية. وفي خضم تحوُّلات عالمية كبرى آنذاك، لم يَعِد هاردينغ ناخبيه بأكثر من العودة لكل ما هو عادي. لقد كان الرجل نفسه "عاديا" كما وصفه مَن رشَّحه ابتداء في قيادات حزبه الجمهوري. "ما من مرشح من الدرجة الأولى هذا العام، كل مَن لدينا من الدرجة الثانية، وهاردينغ أفضل هؤلاء". بتلك الكلمات وصفه ببساطة سيناتور جمهوري عام 1920، قبيل السباق الانتخابي[17]، لكن الناخب الأميركي الذي انقلبت حياته رأسا على عقب بسبب الوباء، وفقد أحد أقاربه على الأرجح بسبب المرض، وافتقد أميركا التي اعتاد عليها طوال القرن التاسع عشر، ومقت بشدة طموحات وودرو ويلسون عن أميركا العظيمة والنظام الدولي الذي لا يأبه له؛ لم يكن بحاجة إلى أكثر من مرشح عادي يُطمئنه أن الحياة ستعود كما كانت، وأن ليبرالية ويلسون محض هُراء.[18]

 

مجددا، بات الجميع في حاجة ماسة إلى أميركا العادية، وبات وجه بايدن ليس فقط وجها لنائب أول رئيس أسود، وأطول أعضاء الكونغرس خدمة، بل الأهم من ذلك أنه وجه للأميركي الأبيض العادي، القادم من ولاية صناعية صغيرة، على متن قطار عام، وفي حوزته أموال قليلة، وبالكاد شهادة جامعية بتقدير مقبول، ليكون رئيسا ذا باعٍ سياسي طويل يحمل كل ما هو مألوف من القرن العشرين، بعيدا عن جنون ترامب الذي انفصل بوضوح عن الجماهير في معاناتها مع الوباء. تنتصر الديمقراطية في الأخير، ليس مع وصول أول أسود أو أول لاتينية بالضرورة لمقعد مهم، بل الأهم من ذلك حين ينتصر باستحقاق رجل عادي بعد مشوار طويل ودؤوب. ويسعنا القول إن الوباء منح للديمقراطية الأميركية بطلها العادي لأول مرة منذ زمن طويل، ورئيسا ديمقراطيا مخضرما لأول مرة منذ ليندون جونسون، ولكن مجددا، دون طرح للأسئلة الجذرية المهمة حيال النهوض بعد السقوط.

جو بايدن والسيناتور الجمهوري المخضرم جون ماكين، اللذان شكَّلا علاقة وطيدة عابرة للانتماءات الحزبية، حتى رحل الأخير عام 2018 (حقوق الصورة: هادي مِزبان، أسوشيتد برِس)

يربح جو، الكاثوليكي المهندم والمتلعثم، معركته المثلى ضد بلطجي آخر بقدرته على التواصل الشخصي وأفلاطونيته. إنها معركته المفضلة التي طالما فاز فيها. لكننا في انتظار ما إن كان سيربح معركته السياسية الحاسمة والصعبة خلال رئاسة سعى لها باستمرار، فأتته في عُمر لم يتوقعه. لم يَعُد جو اليوم بالطبع فقيرا وعاديا، بل ولعله بعيد عن المشهد المتغيِّر في دِلاوير نفسها التي ضربتها البطالة وتزايد العنف المسلَّح ويزحف الاستقطاب السياسي إليها تدريجيا.[19] ولن يسع جو في الأخير أن يصافح ملايين الأميركيين ويحل مشكلاتهم على طاولة كما فعل في دِلاوير، ولن يكون ممكنا -أو حكيما- أن يواري فأس السياسة الحادة في وجه حزب جمهوري لا يحيد عن حقه في الإمساك بمسدس.

 

وبينما يدخل جو إلى البيت الأبيض، مُلَمْلِمًا آثار رئاسة كارثية سبقته، سيكون بحاجة إلى الاستماع إلى مَن يمسكون بالفأس على يسار الحزب الديمقراطي، بدلا من البحث عن رفقاء "عبر الممر" أو (Across the Aisle) كما يقول الأميركيون عن سياسة رأب الصدع والبحث عن التوافق. وفي الحقيقة ما من أحد قد بقي عبر الممر ليعمل معه بايدن بالأساس، ومن ثمَّ فإن رئاسته الاستثنائية في تاريخ بلاده وولايته وحزبه ستكون استثنائية له أيضا، فهي المهمة الوحيدة التي لن ينجح فيها بـ "طريقة دِلاوير"، وسيكون عليه البحث عن طريقة جديدة ربما يكون هو مبتكرها إن تم له الأمر على ما يُرام في واحدة من مرات حياته العادية المتكررة.

————————————————————————————————

المصادر

  1. biden-amtrak
  2. Return Day in Delaware in 2022
  3. Column: The Delaware Way Is A Good Model for All
  4. Annette Woolard-Provine. (2003). Integrating Delaware: The Reddings of Wilmington. Newark: University of Delaware Press.
  5. Joe Biden’s Contest with His Words
  6. Here’s What Bernie Sanders Actually Did in the Civil Rights Movement
  7. Joe Biden’s Non-Radical 1960s
  8. Death and the All-American Boy
  9. Death and the All-American Boy
  10. Where Trump and Biden stand on the issues
  11. Here’s How Deep Biden’s Busing Problem Runs
  12. For Joe Biden, 1987 Brought Triumph In The Wake Of Political Setback
  13. Biden Played Less Than Key Role in Bosnia Legislation
  14. Sanders attacks Biden’s record on gay rights and women’s issues
  15. After Cheney
  16. Father’s Tough Life an Inspiration for Biden
  17. When World War I and Pandemic Influenced the 1920 Presidential Election
  18. Joe Biden’s promise: a return to normalcy
  19. Joe Biden personifies the ‘Delaware Way.’ In Wilmington, that clubby style of politics is being questioned
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة