أين ذهب كل مؤيدي ترامب من الشعبويين؟

أعدّت الصحافية ياسمين سرحان تقريرا، نشرته مجلة "الأتلانتيك"، تحدّثت فيه عن ردود أفعال القادة الشعبويين من اليمين المتطرف في أوروبا على أحداث العنف التي وقعت في مبنى الكونغرس يوم 6 يناير/كانون الثاني الجاري، عندما اقتحم مؤيدو ترامب مبنى الكابيتول وخرّبوا ممتلكات المكاتب وسرقوا بعضها. فماذا قال مؤيدو ترامب الشعبويين في أوروبا عن الأمر؟ ومَن الذين تجاهلوا الأمر برُمَّته كأنه لم يحدث؟

 

بدأ الأمر بشجب المشرعين الأميركيين من الحزبين لأحداث الشغب التي وقعت في مبنى الكابيتول هيل، ودور ترامب في تأجيجها، ثم سرعان ما تصاعد لينضم الكثير من حلفاء الولايات المتحدة إلى قائمة المستنكرين لما حدث. أعرب قادة عالميون من بريطانيا وكندا والهند عن ضيقهم وانزعاجهم من التخريب المتعمد الذي وقع في الولايات المتحدة، قلعة الديمقراطية، وهو ما أعرب عنه أيضا قادة من الاتحاد الأوروبي والناتو.

 

وسرعان ما لحق بركب انتقاد ترامب عدد من أكثر مؤيديه الخارجيين حماسة، إذ غرّد نايجل فراج، السياسي البريطاني الذي طالما أيّد ترامب، قائلا: "اقتحام الكابيتول تصرُّف خاطئ"، وكأن ترامب لم يُشجِّع مناصريه على فعل ذلك. كما غرّد ماتيو سالفيني قائد حزب اليمين المتطرف الإيطالي "رابطة الشمال": "لم يكن العنف حلًّا أبدا". وفي خضم البث المباشر للأحداث، شدّد خيرت فيلدرز، أحد سياسيي اليمين المتطرف في هولندا والمعروف بأنه "ترامب الهولندي"، في تغريدة له: "يجب دائما احترام نتيجة الانتخابات الديمقراطية، سواء كنت فائزا أو مهزوما".

إذن فأين ذهب أصدقاء ترامب؟ إذ لطالما نظر الشعبويون والقوميون حول العالم ولسنوات إلى الرئيس ترامب باعتباره بطلا عالميا، فهو القائد الذي لا يتحدث لغتهم الأصلانية المحطمة للرموز فحسب، ولكنه أيضا أثبت أن إمكانية تطبيق المشروع السياسي الشعبوي الذي حاول كلٌّ منهم تطبيقه في بلده ليس مستحيلا، إذ إنهم ظنوا بشكل أو آخر أن ما يمكن حدوثه في أميركا، وهي أعظم الديمقراطيات التي عرفتها العالم، يمكن حدوثه في بلادنا أيضا.

 

قد تكون خفتت هذه الرؤية عقب هزيمة ترامب في الانتخابات الرئاسية في 2020، لكنها لم تختفِ بالكامل، إذ بقي الكثير من مشاهير أوروبا، من المنجذبين لترامب، داعمين له في الأحداث المشحونة بعد الانتخابات المتنازع عليها. فيما استمرّت سياسية اليمين المتطرف الفرنسي ماري لوبان في التشكيك في فوز بايدن بعد إعلان النتائج (وهي النتائج التي لم تعترف بها سوى الأسبوع الماضي). ومن جانبه، فإن رئيس وزراء سلوفينيا يانيز يانشا استبق الأحداث لدرجة أنه هنَّأ ترامب على إعادة انتخابه. ولكن بحلول الأربعاء 6 يناير/كانون الثاني كان كلٌّ من لوبان ويانشا قد غيَّرا لهجتهما بشأن ترامب، إذ غرَّد يانشا قائلا: "على الجميع أن ينزعجوا بشدة من أحداث العنف التي تقع في العاصمة واشنطن". فيما أطلقت لوبان تغريدة استنكرت فيها "أي أعمال عنف تستهدف تعطيل العملية الديمقراطية"، وحثّت ترامب على فعل الأمر ذاته.

لم تكن هذه قطيعة أيديولوجية، فالكثير من هؤلاء المشاهير الذين أدانوا العنف في الولايات المتحدة أعلنوا صراحة من قبل رغبتهم في فوز ترامب بولاية ثانية. وحتى بعد هزيمته سارعت قلة منهم بالإقرار بفوز بايدن، ناهيك بعدم إدانتهم لجهود الرئيس ترامب لتقويض الديمقراطية الأميركية بادّعاءات لا أساس لها بتزييف التصويت أو بإجرائه مكالمات لترجيح كفة الانتخابات لصالحه بالقوة، وهي التصرفات التي ظهرت تداعياتها جلية في أحداث الكابيتول. توقَّف جميعهم تقريبا بسرعة عن إلقاء اللوم على ترامب في أعمال العنف التي وقعت.

 

لكن ربما كانت القطيعة عملية، فحتى الشعبويون الذين يُظهِرون كل الازدراء للمؤسسات الديمقراطية لا يريدون أن يكونوا مرتبطين بأعمال تمرد أو أن يظهر تحريضهم عليها. فالمشاهد التي ظهر فيها مؤيدو ترامب الذين يرتدون القبعات الحمراء وهم يمشون في أروقة الكونغرس، وبعضهم يُشهِر أعلام الكونفدرالية، وآخرون كتبوا على قمصانهم عبارات مثل "معسكر أوشفيتز " و"6MWE" وتعني "6 ملايين لم تكن كفاية"، في إشارة مبطنة إلى عدد ضحايا الهولوكوست، كل هذه المشاهد كانت كافية لإزعاج أي شخص. لكن بالنسبة إلى قادة اليمين المتطرف في أوروبا أمثال لوبان، التي أحرزت محاولاتها لإبعاد حزبها عن إرثه في رهاب الأجانب وإنكار الهولوكوست قليلا من النجاح، فإن هذه الصور كانت تماما بمنزلة تذكير لهم بالصلة الفاشية التي طالما حاولوا تجنُّبها.

 

يسعى هؤلاء الأجانب الذين اعتادوا في السابق التهليل لترامب إلى إبعاد أنفسهم لسبب آخر أعمق: فبينما لا يجد الشعبويون غضاضة في مهاجمة المؤسسات أو أي تهديدات أخرى لسلطتهم، فإنهم لا يزالون يدّعون ولايتهم الديمقراطية. فهم يستمدون شرعيتهم من الفكرة الشعبوية القائلة إنهم يُمثِّلون "الشعب الحقيقي"، الموجود في تصورهم، في مقابل النخب الفاسدة. أما ما فعله ترامب عندما دعم علانية تقويض العملية الديمقراطية فهذا مما ينسف ادعاء الشعبويين بالسلطة. غرّد تينو كروبالا، الناطق باسم حزب اليمين المتطرف "البديل من أجل ألمانيا" قائلا: "أي فرد يهاجم البرلمانات بعنف فهو يستهدف أساس الديمقراطية".

شعر ترامب يوم الخميس 7 يناير/كانون الثاني أنه محاصر، ما اضطره لوصف المنخرطين في أحداث التمرد أنهم "مندسون لا يُمثِّلون بلدنا"، هؤلاء أنفسهم الذين عبَّر لهم عن تعاطفه معهم وحبه لهم في اليوم السابق. ربما يعود شعوره بالحصار إلى الاستنكار الواسع الذي تلقّاه من الفريقين: حزبه وداعميه خارج البلاد.

 

ليس كل نظراء ترامب الشعبويين نظروا إلى ما حدث في واشنطن على أنه حكاية لأخذ العبرة. وما يجدر بالملاحظة هو أن هؤلاء الذين في السلطة بالفعل (وبالتالي هم أقل اهتماما بالحفاظ على المظاهر) لم يروا ما يمنعهم من البقاء خارج هذا النزاع، أو ما يدعو لإظهار دعمهم للرئيس، إذ تجاهل الرئيس البولندي أندريه دودا الهجوم على الكابيتول الأميركي معتبرا إياه "شأنا داخليا"، فيما عبَّر رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، وهو مؤيد صريح لانتخاب ترامب لولاية ثانية، عن وقوفه ضد التدخل في "الشأن الأميركي". ويلحق بهم في ركب تجاهل هذه الأحداث الرئيس المكسيكي أندريه مانويل لوبيز أوبرادور، الذي له ماضٍ أيضا مع رفض نتائج الانتخابات عندما لا تتماشى مع رغبته. وقال الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو، الذي صمَّم حملته الانتخابية لتكون نسخة من حملة ترامب، للصحافيين إن البرازيل "قد تواجه مشكلة أسوأ من تلك التي واجهتها الولايات المتحدة" في الانتخابات البرازيلية العام المقبل، وهو تلميح واضح إلى أنه قد يتبع التعليمات من دليل إرشادات ترامب مرة أخرى.

 

لطالما يضع القادة ذوو العقليات المتشابهة أساسات تُنبئ بأنهم سيتصرّفون بصورة متشابهة، لكن تحريض ترامب لأعنف داعميه قد يكون رادعا للشعبويين الآخرين من سلوك المسلك نفسه.

———————————————————————————–

هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة