صورة واحدة تلخص المأساة التي عاشتها أميركا وتعيشها الآن من جديد

شهدت العاصمة الأميركية واشنطن أحداث عنف وفوضى يوم الأربعاء 6 يناير/كانون الثاني الجاري، عندما اقتحم مناصرون لترامب مبنى الكابيتول الذي يضم قاعات الكونغرس بغرفتيه النواب والشيوخ. كان ذلك وقت انعقاد المجلس للتصديق على نتيجة الانتخابات الرئاسية التي أقرّت فوز الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن. ووقعت الأحداث بعد خطاب وتغريدات متلاحقة للرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب حثَّ فيها مناصريه على التمسك بفوزه المزعوم. خرّب هؤلاء المتمردون ممتلكات بعض مكاتب الكونغرس بما فيها مكتب رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، واضطر ترامب بعد ساعات من الأحداث مناشدة مناصريه العودة إلى منازلهم خوفا على حياتهم. وفي خضم هذه الأحداث انتشرت صورة التُقطت بعدسة أحد مصوري رويترز لرجل يحمل علم الكونفدرالية الانفصالية الأميركية ويمشي به في قاعات الكونغرس. حول هذه الصورة بالتحديد أعدَّ الصحافي كلينت سميث قطعة تحليلية، نشرتها مجلة "الأتلانتيك"، يُحلِّل فيها ما تُمثِّله هذه الصورة وما تُخبرنا به عن تاريخ الولايات المتحدة وحاضرها.

 

بينما كان المتمردون يقتحمون مبنى الكابيتول في ظهيرة يوم الأربعاء الماضي، كان رجل يرتدي سترة بنية وتحتها قميص أسود يتجوّل في قاعات الكونغرس حاملا على كتفه علم المعركة الكونفدرالية. انتشرت الصورة التي التقطها مصور وكالة رويترز، مايك ثيلير، لهذا الرجل وهو يخطو حاملا العلم الذي يظهر مضيئا بفعل الضوء الساطع من الممر على يساره. تظهر فوقه من الخلف مباشرة لوحة لتشارلز سومنر، السناتور من ولاية ماساتشوستس المدافع عن إلغاء الرق.

تعرّض سومنر في 22 مايو/أيار 1856 لهجوم على يد بريستون بروكس، النائب في ولاية ساوث كارولينا المؤيد للعبودية. كان ذلك بسبب خطاب ألقاه سومنر انتقد فيه الأسياد مالكي العبيد، بمَن فيهم أحد أقارب بروكس وهو أندرو بتلر، السيناتور عن ولاية ساوث كارولينا. هاجم بروكس سومنر على أرضية مجلس الشيوخ، وقال بروكس: "السيد سومنر، لقد قرأت خطابك بعناية مرتين، إنه تشهير بولاية ساوث كارولينا وبالسيد بتلر الذي هو أحد أقاربي". وقبل أن يكمل سومنر رده هَمَّ بروكس بضربه على رأسه بالطرف الذهبي لعصاه الغليظة التي يتوكأ عليها، وحاصر سومنر تحت مكتبه بينما كان يحاول الهرب، حتى استطاع نائبان اثنان التدخُّل وتخليص سومنر وإخراجه خارج القاعة. لم يعد سومنر إلى مجلس الشيوخ لمدة ثلاث سنوات، وعاش بقية حياته في ألم وإنهاك مستمرين.

 

ظهرت خلف الرجل في صورة الأربعاء الماضي صورة ذاتية، حجبها العَلَم جزئيا، لجون سي كالهون. كان كالهون، السيناتور من ولاية ساوث كالورينا ونائب الرئيس في ولايتَيْ جون كوينسي أدامز وأندرو جاكسون، كتب في عام 1837: "أعتقد أن الحضارة بحالتها الحالية، إذ يتحد عِرقان من أصول مختلفة وألوان متمايزة وبينهم فوارق مادية وفكرية أخرى، فإن العلاقة بينهم الآن في ولايات الأسياد ملاك العبيد لم تصبح علاقة شر ولكنها علاقة جيدة، جيدة بصورة إيجابية".

 

حقيقة إن هذه الصورة التُقطت في اليوم التالي لاختيار الناخبين في جورجيا شخصا أسود وآخر يهوديا للمرة الأولى في تاريخ الولاية ليخدما في مجلس الشيوخ، وإنها صورة تُظهِر رجلا بجوار صورة ذاتية لنائب رئيس شجّع البلاد على الحفاظ على العبودية البشرية، وصورة ذاتية أخرى لسيناتور كاد يموت ضربا بسبب مناهضة العبودية، وحقيقة أنها تُصوِّر رجلا يمشي حاملا علم الكونفدرالية بينما تخطّى حشد من المتمردين قوات الأمن وكسروا نوافذ وخربوا مكاتب، وسرقوا ممتلكات وتجولوا في قاعات الكونغرس لساعات، ما أجبر أعضاء مجلسَيْ الشيوخ والنواب على الاختباء وتعليق جلسة التصديق على نتيجة الانتخابات، كل ذلك جعل من الصعب تصديق أن يجتمع الكثير من إرثنا التاريخي وحاضرنا القائم لتعكسهم صورة واحدة مثل هذه.

جسّدت هذه الصورة الفارق بين حقيقتنا التي طالما ادّعيناها وبين ما أصبحنا عليه الآن بالفعل. جسّدت الصورة هذه الفجوة بين وعود التأسيس وبين حقيقتنا الواقعية الآن. لم يكن العَلَم الذي حمله الرجل، الذي نربطه جميعنا بالانفصالية، هو الأول الذي يرفرف في سماء الولايات الكونفدرالية الأميركية.

 

في عام 1861، وبعد انتخاب أبراهام لينكولن، بدأت الولايات الجنوبية الانفصال عن الاتحاد من أجل تثبيت دعائم مؤسسة العبودية البشرية، إذ قالت ولاية ميسيسيبي في اتفاقية انفصالها: "إن وضعنا قائم بالكامل على مؤسسة العبودية، أعظم فائدة مادية للعالم".

 

وفي تلك السنة دعت مسابقة لابتكار تصاميم لعَلَم الكونفدرالية الوطنية الجديدة. عُرف التصميم الفائز باسم "نجوم وشرائط" الذي كان فيه ثلاثة شرائط أفقية، اثنان باللون الأحمر وبينهما واحد باللون الأبيض، وفيه مربع أزرق مع دائرة من النجوم البيضاء في أعلى الركن الأيسر. وبذلك يتضح التشابه بين هذا العَلَم والعَلَم الأميركي، وهو ما قد يكون غير مفاجئ، بالنظر إلى أن الكثير من قادة الكونفدرالية العسكريين كانوا خدموا من قبل في الجيش الأميركي. ولكن بطرق أخرى فإن هذا التشابه ربما يبدو غريبا. كتبت لجنة العَلَم الوطني في الولايات الكونفدرالية الأميركية في إعلانها التصميم الفائز: "يجب أن يكون العلم بسيطا، ويسير الصنع، وأن يكون قابلا للطباعة على أقمشة الرايات، ويجب أن يكون مختلفا عن علم أي دولة أخرى أو مكان آخر أو مجموعة من الناس، ويجب أن يكون مُعبِّرا، ويمكن التعرُّف عليه من مسافة بعيدة، كما أن ألوانه يجب أن تكون متباينة وثابتة، وأخيرا وهي نقطة ليست الأقل أهمية، أن يكون العَلَم مؤثرا وبهيًّا".

 

في الحقيقة لم يُتعرَّف على النجوم والشرائط من مسافة بعيدة ولم تُفرَّق عن العَلَم الأميركي، ما سيُشكِّل إشكالية في أرض المعركة. وفي 21 يوليو/تموز 1861 وعلى بُعد 30 ميلا (48 كيلومترا تقريبا) جنوب غرب العاصمة واشنطن، وقعت معركة "بول رن" الأولى بين جنود الكونفدرالية وجنود الاتحاد. انتصرت الكونفدرالية وهو ما لم يكن ليحدث لولا الإرباك التكتيكي والتضييق، إذ ارتدى بعض جنود الكونفدرالية بزات زرقاء بدلا من الرمادية فيما ارتدى بعض جنود الاتحاد بزات رمادية بدلا من الزرقاء. وعندما كان الجنود والضباط من الفريقين يتجوّلون في ميدان المعركة المليء بالدخان والدماء والجثث لم يستطيعوا التفرقة بسهولة بين العَلَمين.

معركة "بول رن" الأولى

بعد تلك المعركة، طالب جنرال الكونفدرالية بي. جي. تي. بيرجارد بعَلَم جديد لتجنُّب مثل هذا الخلط الخطير، وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1861 بدأت تظهر أعلام المعارك الانفصالية الجديدة. كان هناك عدة تكرارات للتصميم، لكن النسخة الأكثر شيوعا تضمنت 13 نجمة (11 نجمة تُمثِّل الولايات الانفصالية بالإضافة إلى ميزوري وكنتاكي) داخل صليب قُطري مُزيَّن بالأبيض، وكل ذلك يقع على خلفية حمراء. وفي عام 1863 وُضع هذا التصميم في الجزء الأعلى ناحية اليمين لعَلَم آخر أكبر أبيض اللون أصبح هو علم الكونفدرالية الرسمي الوطني الأول وعُرف باسم: "راية الفولاذ المقاوم". ومع ذلك فإن هذه النسخة من العَلَم تعرّضت للنقد لأنها تشابهت كثيرا مع راية الاستسلام ناصعة البياض.

 

خلال 150 عاما مضت أصبح تصميم علم معارك الكونفدرالية مرتبطا ارتباطا وثيقا بقصة الانفصال نفسها، إذ لا يمكن الفصل بين رمزية العلم وقضية أولئك الذين حاربوا تحت رايته، ولا يمكن فصله عن كلمات نائب رئيس الكونفدرالية أليكساندر ستيفنز، الذي كتب في خطابه المخزي بعنوان "خطاب حجر الزاوية": "إن السبب المباشر للتمزق السابق والثورة الحالية، الذي تأسست عليه الكونفدرالية، هو الحقيقة الجلية بأن الزنجي لا يساوي الرجل الأبيض".

نائب رئيس الكونفدرالية أليكساندر ستيفنز

وبينما كنت أنظر إلى الصورة يوم الأربعاء فكّرت في مدى توسُّع المعاني التي يُمثِّلها العَلَم وتطوُّرها، وكيف أصبح هذا العلم سمة مميزة لمسيرات منظمة "كو كلوكس كلان"، وكيف كان يلوح به البيض لتخويف الأطفال السود أثناء تطبيق القرار القضائي بدمجهم في المدارس مع البيض، وكيف أن هذا العَلَم كان جزءا من أعلام الولايات التي عمل مُشرِّعوها بلا هوادة لحرمان المواطنين السود من حقوقهم. والآن سيصبح هذا العَلَم للأبد مرتبطا بأحداث التمرد في مبنى الكابيتول في 6 يناير/كانون الثاني 2021، وقتما شهدت الأمة تكرارا جديدا للعنف الأبيض المتعصب، بتحريض من رئيس مضطرب وجبان.

 

خلال الحرب الأهلية نفسها لم يصل جيش الكونفدرالية أبدا إلى مبنى الكابيتول. ولم يرفرف أبدا، على حد معرفتي، داخل قاعات الكونغرس حتى يوم الأربعاء الماضي، اليوم الذي تجوَّل فيه رجل في قاعات الحكومة يحمل عَلَما يُعبِّر عن مجموعة من الناس الذين انفصلوا عن الولايات المتحدة وحاربوا ضدها، ومن المحتمل أنه بعدها خرج حاملا الكثير من تاريخ هذا البلد معه.

———————————————————————–

هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

عقد موقع “ميدان” مقابلة مطوّلة مع الدكتور أسامة أبو ارشيد حول تزايد الاستقطاب الداخلي بالولايات المتحدة وتأثيره على العرب والمسلمين ومدى التغيّر المرتقب لحضور الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن للحكم.

يضعنا قرار ترمب بوقف عمليّات تطبيق “تيك توك” في الولايات المتحدة منذ عدة أيام أمام السؤال: كيف يمكن لمقاطع مرئية لأولاد يتمايلون على أنغام الهيب هوب أن تُشكِّل تهديدا مخيفا لأي شيء؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة