تغلغل الصين في الأمم المتحدة.. شواهد مقبرة أسّسها ترامب

لا توجد ثغرة في منظمات الأمم المتحدة إلا وزرعت الصين فيها أفضل الدبلوماسيين لديها، وحاليا يرأس الصينيون أربع مؤسسات من مؤسسات الأمم المتحدة، وتُموِّل الصين العديد من مشاريع الأمم المتحدة الإنمائية في وقت انسحاب الولايات المتحدة من المسرح الدولي ومحاربة النظام الليبرالي الدولي. فما تفاصيل هذه التداعيات للسلوك الأميركي تحت إدارة ترامب؟ هذا ما نكتشفه في المقالة التالية من مجلة "الأتلانتيك".

 

في مايو/أيار 2020، عندما دعا الرئيس دونالد ترامب أميركا إلى التوقُّف عن تمويل منظمة الصحة العالمية، قدَّم قائمة بإخفاقات منظمة الصحة العالمية الأخيرة، وتألَّفت القائمة من فشل المنظمة الأوّلي في الإبلاغ عن انتشار فيروس كورونا الجديد، وفشلها الأوّلي في المتابعة عندما استفسرت تايوان -وهي دولة مستبعدة من منظمة الصحة العالمية بسبب اعتراضات الصين- عن الأدلة التي يبدو أنها تُشير إلى أن الفيروس يمكن أن ينتقل من إنسان إلى آخر، ثم فشلها الأوّلي في الضغط على الصين لقبول تحقيق دولي في مصدر الفيروس. في بداية الوباء، بدا أن منظمة الصحة العالمية التي تعمل بوصفها وكالة متخصصة من وكالات الأمم المتحدة قد تأخرت، وبدا أيضا أنها تعتمد بإفراط على المعلومات المتحيزة التي قدّمتها حكومة الصين.

لم يضع ترامب هذه القائمة لأنه يأمل في إصلاح أو تحسين أهم وصي للصحة العامة في العالم. كان هذا إلى جانب إعلان إدارته في سبتمبر/أيلول عن نيّتها البدء في سحب الأموال والموظفين من منظمة الصحة العالمية، مجرد سياسة انتخابية. نظرا لفشل إدارته في الاستجابة لتحذيرات منظمة الصحة العالمية استجابة كافية عندما وصلت أخيرا، وكان ترامب بحاجة إلى كبش فداء. ما الذي يمكن أن يكون أفضل من منظمة غير مألوفة يبدو اختصارها ضميرا (اختصار الأمم المتحدة بالإنجليزية هو "WHO"، وهي أيضا أداة استفهام "Who" بمعنى "مَن").

 

وعلى الرغم من أن الكثير مما تفعله منظمة الصحة العالمية لا يهم ترامب، فإن إنجازاتها حقيقية. فبعيدا عن دورها في احتواء الأوبئة، تُسهِّل المنظمة التبادل العلمي وتجميع نتائج البحوث الدولية وتوزيعها، وتوفر الأدوية واللقاحات والمشورة الصحية للعالم النامي، وهو أمر يحمل أهمية خاصة في البلدان التي لا تمتلك صناعة أدوية تخصها. لقد حققت المنظمة العديد من النجاحات الحقيقية -ربما كان القضاء على الجدري هو الأشهر بينها-، ولها تأثير ومكانة لا يشق لهما غبار. سيؤدي إلغاء التمويل الأميركي إلى الإضرار بقدرتها على مساعدة البلدان على التعامل مع فيروس كورونا المستجد ومحاربة العديد من الأمراض الأخرى.

 

سيكون للانسحاب الأميركي من منظمة الصحة العالمية تأثير آخر وهو تزايد النفوذ الصيني، وستخسر أميركا معركة أخرى في حرب أيديولوجية لا يعرف معظمنا أننا نخوضها. لأكثر من عقد من الزمان بينما تشتّت انتباهنا فيه بأشياء أخرى، جعلت الحكومة الصينية إعادة الكتابة التدريجية للقواعد الدولية -جميع أنواع القواعد وفي العديد من المجالات التي تشمل التجارة والسياسة- واحدة من الركائز الأساسية لسياستها الخارجية. في مؤتمر للحزب الشيوعي في عام 2017، أعلن الرئيس الصيني شي جينبينغ صراحة أن هذه "حقبة جديدة" من "دبلوماسية القوى العظمى ذات الخصائص الصينية". وفي هذا العصر الجديد -زمن "التجديد العظيم للأمة الصينية"- تسعى الصين إلى "القيام بدور نشط في قيادة إصلاح نظام الحكم العالمي". وبصراحة، فإن هذه محاولة لإعادة كتابة لغة تشغيل النظام الدولي بحيث تُفيد الأنظمة الاستبدادية بدلا من الديمقراطيات.

 

ضمن هذه الجهود، حصل شي على مساعدة من مستبدّين آخرين، وعلى الأخص في روسيا وإيران، ولكن أيضا في بعض دول أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى. ومنذ عام 2017، بدأ يحصل أيضا على مساعدة من إدارة ترامب. وبطبيعة الحال، فإن عبارة "مساعدة الصين" لا تصف ما يعتقد أعضاء الإدارة البارزون أنهم يفعلونه. انتقدت السفيرة السابقة لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي ووزير الخارجية مايك بومبيو وآخرون بشدة السلوك الصيني في الأمم المتحدة وأماكن أخرى.

لكن خطاب كبار الجمهوريين المعادي للصين كان يُخفي حقيقة أعمق، فقد تخلى جزء من مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية -وليس فقط الجزء المرتبط بترامب- عن لغة الديمقراطية وحقوق الإنسان التي استخدمتها أميركا في السابق في الأمم المتحدة، كما أنها تخلّت عن المؤسسات الدولية التي لا يزال معظم العالم يحترمها، المؤسسات التي ينبغي نظريا أن تكون قادرة على محاسبة دول مثل الصين وروسيا وإيران، ولم تقدم أي بدائل. فبدلا من بناء تحالفات أقوى -أو حتى منظمات جديدة- حول القيم المشتركة، يتحدث هذا الجزء من المؤسسة عن السياسة الواقعية و"أميركا أولا"، مستخدمين اللغة القومية والاستبدادية نفسها مثل الحكام المستبدين الذين يُفضِّلهم ترامب بوضوح.

 

يرقى إعلان ترامب عن انسحابه من منظمة الصحة العالمية إلى نوع من التهكم الموجَّه إلى الصين: "أنت تغش، لذا سنأخذ كرتنا ونعود من حيث أتينا". لكن الاندفاع سيكون له النتيجة نفسها على المسرح الدولي كما يحدث في الملعب، حيث ستستمر اللعبة لكن بلاعبين مختلفين.

 

مثل كل حركة ثورية، بدأ هجوم الصين على منظومة الأمم المتحدة بهجوم على لغتها. منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، ظل أعضاؤها يتجادلون حول الكلمات المستخدمة في معاهداتها ووثائقها، وخاصة تلك المتعلقة بالحقوق السياسية.

 

كانت هذه هي البداية فقط، فقد سعت الدول الشيوعية وحلفاؤها في العالم النامي طوال فترة الحرب الباردة إلى استبدال جميع الإشارات إلى الحقوق المدنية والسياسية العالمية بلغة "الحقوق الاقتصادية"، وهذا أفضل للهرب من اتهامات القمع السياسي. مع ازدياد فقر العالم الشيوعي وازدهار العالم الديمقراطي الواضح ضَعُفَت حججهم. ومع ذلك، ظلّت الأمم المتحدة لسنوات عديدة هي المسرح الخلفي للمواجهات الأيديولوجية الشهيرة. يتذكّر الكثيرون أن الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف ضرب بحذائه على طاولة اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1960. وقليلون يتذكرون السبب، فقد كان يرد على مندوب فلبيني أعرب عن تعاطفه مع "شعوب أوروبا الشرقية وأماكن أخرى حُرِموا من الممارسة الحرة لحقوقهم المدنية والسياسية".

خفّت حِدَّة هذا الصراع الأيديولوجي في التسعينيات، إذ انتصر الغرب في الحرب الباردة واختفى الاتحاد السوفيتي. باختصار، وعلى الرغم من قِدمه، فقد بدا نظام الأمم المتحدة أنّه قد يصبح بالفعل مصدرا للاستقرار الدولي. لكن على مدار العقد الماضي، شنّت الصين معركة أيديولوجية جديدة في منتديات الأمم المتحدة. وكما فعل السوفييت، يجادل الصينيون بأن "الحقوق الاقتصادية" أهم من الحقوق المدنية والسياسية. لكن حجتهم أقوى من حجة أسلافهم، إذ هم يقدمون قصة صعودهم الاقتصادي دليلا. إنها بالطبع نسخة ملتوية من القصة، لأن النمو الاقتصادي للصين لم يبدأ إلا بعد أن أصبح نظامها مفتوحا وأكثر حرية. ومع ذلك، تُسوِّق الصين الآن فكرة أن الديكتاتورية تُنتج نموا اقتصاديا أسرع من الديمقراطية، "إجماع بكين" بديلا عن "إجماع واشنطن" القديم.

 

لإثبات حجتها، تعتمد الصين كثيرا على كلمة "سيادة" التي تحمل دلالات لا تُعَدُّ ولا تحصى وبعضها إيجابي، لكنها تعني شيئا محددا للغاية في سياق الأمم المتحدة. السيادة هي الكلمة التي يستخدمها الديكتاتوريون عندما يريدون مقاومة النقد، سواء جاء من هيئات الأمم المتحدة أو مراقبي حقوق الإنسان المستقلين أو حتى من مواطنيهم. عندما يحتج أي شخص على جرائم القتل خارج نطاق القضاء التي ارتكبها النظام الإيراني، يهتف الملالي الإيرانيون "سيادة"، عندما يعترض أي شخص على قمع الحكومة الصينية لشعب هونغ كونغ تصرخ الصين أيضا "بالسيادة"، عندما يقتبس أي شخص العبارة من المادة الأولى من إعلان الأمم المتحدة -"يولد جميع البشر أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق"- فإن المدافعين المستبدين عن "السيادة" يرفضون هذه اللغة دليلا على الإمبريالية الغربية.

 

تسعى الصين إلى تغيير أنواع اللغة الأخرى أيضا. وعلى سبيل المثال، بدلا من "الحقوق السياسية" أو "حقوق الإنسان"، يريد الصينيون من الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى أن تتحدث عن "التعاون المربح للجانبين"، مما يعني أن الجميع سيستفيد إذا حافظت كل دولة على نظامها السياسي الخاص. يريدون أيضا أن يستخدم الجميع عبارة الاحترام المتبادل، التي يقصدون بها أنه لا ينبغي لأحد أن ينتقد أي شخص آخر. هذه المفردات مبتذلة وتبعث على السرور عن قصد، فمَن ذا الذي يعارض "التعاون المربح للجانبين" أو "الاحترام المتبادل"؟ لكنّ الصينيين يبذلون قصارى جهدهم لإدخال هذه اللغة المملة المُرضيةِ وثائق الأمم المتحدة وخاصة تلك التي لها أي علاقة بحقوق الإنسان.

إلى جانب محاولتها تغيير لغة النظام العالمي السارية، سعت الصين إلى الاستيلاء على البيروقراطية الدولية والسيطرة عليها جزئيا من خلال إنشاء مؤسسات خاصة بها. أعضاء منظمة شنغهاي للتعاون -الصين وكازاخستان وقرغيزستان وروسيا وطاجيكستان وأوزبكستان والهند وباكستان (إيران وأفغانستان وبيلاروسيا ومنغوليا لديهم صفة مراقب)- يوافقون جميعا على الاعتراف "بسيادة" بعضهم بعضا وليس انتقاد السلوك الاستبدادي لبعضهم بعضا، هذا بجانب عدم التدخل في السياسات الداخلية لبعضهم بعضا.

 

لكن الطموحات الصينية تصل الآن إلى منظومة الأمم المتحدة أيضا. في حين أن العديد من الدبلوماسيين الغربيين الذين ينتهي بهم المطاف بالعمل في سلسلة الوكالات الدولية هم أولئك الذين لم يتمكنوا من الحصول على وظائف أكثر إثارة للاهتمام، أرسلت الصين على مدار العقد الماضي أفضل دبلوماسييها وأكثرهم موهبة.

 

على الرغم من أنه يفترض بأصحاب الوظائف في مثل هذه الأنواع من المنظمات أن يكونوا محايدين سياسيا، فإن البعض لا يُخفي مصالحه. ظهر وو هونغ بو، وكيل الأمين العام السابق لإدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة، على التلفزيون الصيني في عام 2018، وقال لجمهور الأستوديو إنه على الرغم من أنه كان "موظفا حكوميا دوليا" ولا يمكنه تلقي الأوامر مباشرة من حكومة بلاده، فإنه كانت هناك استثناءات لتلك القاعدة: "عندما يتعلق الأمر بالسيادة الوطنية الصينية وأمنها فسوف ندافع بلا شك عن مصالح بلادنا". ومثالا على ذلك، روى قصة كيف جعل أمن الأمم المتحدة يطرد ممثل أقلية الأويغور المسلمة المقموعة في الصين خلال ندوة عُقدت في مبنى للأمم المتحدة.

 

تستخدم الصين أيضا الأدوات المالية من استثمارات وقروض ورشى مزعومة لإقناع الأنظمة الاستبدادية الأخرى بالتصويت على طريقتها في الأمم المتحدة وأماكن أخرى لتأكيد مرشحيها ولبناء دائرة من الأصدقاء عموما. الوسيلة الرسمية الرئيسية لتوزيع الأموال هي مبادرة الحزام والطريق الصينية. تحت رعايتها، تُخطِّط الصين للاستثمار في الطرق والسكك الحديدية وخطوط الأنابيب والموانئ من روما إلى بكين، وفي البنية التحتية الرقمية حيث قالت أكثر من 60 دولة إنها مهتمة بالانضمام.

طريق الحرير الجديد

يبذل الدبلوماسيون الصينيون قصارى جهدهم لدس لغة الحزام والطريق في وثائق الأمم المتحدة. وعلى سبيل المثال، تعمل إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة بجد لمواءمة مشاريع الأمم المتحدة الإنمائية مع مشاريع الحزام والطريق. ويتحدث رئيس القسم الحالي، ليو زينمين، نائب وزير الخارجية الصيني السابق، عن مبادرة الحزام والطريق وأهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة باعتبارهما الشيء نفسه تقريبا: "كلاهما يخدم أغراض ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة"، وليس أقلها لأنها "تهدف إلى تعزيز التعاون المربح للجانبين" في عالم حيث "السيادة" هي المبدأ الحاكم.

 

هذه المعايير الجديدة آخذة في الانتشار. وقد خضعت تايلاند، وهي ليست عضوا في منظمة شنغهاي للتعاون، لضغوط بكين ورحَّلت الأويغور الذين فرّوا من البلاد، وكذلك فعلت مصر. ثم بدأت تركيا، الدولة التي عبرت حتى وقت قريب عن دعمها للأويغور، بدافع من الشعور بالقرابة في اعتقالهم وترحيلهم أيضا. وأفاد الأويغور في أوروبا بأنهم تعرّضوا لمضايقات من عملاء ودبلوماسيين صينيين.

 

حتى أولئك الذين لا ينتمون إلى أقلية مكبوتة يمكنهم الآن أن يشعروا بثقل نفوذ الصين. في يونيو/حزيران، طُرد لاعب كرة قدم صيني المولد من فريقه المحترف الصربي بعد أن أدلى والده، وهو أيضا نجم كرة قدم، بتصريحات تنتقد النظام الصيني في ذكرى مذبحة ميدان تيانانمن. خطوة بخطوة، وفي منطقة من العالم تلو أخرى، تحل السيادة عبر القانون محل سيادة القانون.

 

يمكن كتابة العديد من المجلدات حول عيوب مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الذي أفسدَ سلطته تناوبُ العضوية. ومع ذلك، فإن المجلس لديه شيء من القدرة على مساءلة الدول الأعضاء وتضخيم أصوات المواطنين في الأنظمة التي لن يكون لديها الشفافية ولا النقاش العام لولا المجلس.

 

لكن إدارة ترامب غير مؤهلة للحديث نيابة عن ضحايا الاستبداد في جميع أنحاء العالم. وعلى النقيض من أسلافه، يكره ترامب لغة الحقوق العالمية والعدالة المحايدة، لأنه يخشى شخصيا أحكام المحاكم المحايدة وغير الحزبية، إنه يُفضِّل رفقة الطغاة لأنه مُعجب بالسلطة والقسوة، ويكره تحالفات أميركا لأنه ليس لديه فهم تاريخي لكيفية مساعدتهم في بناء القوة الأميركية.

 

وهو ليس الوحيد في هذا. على الرغم من أن ترامب نفسه لا يفكر أيديولوجيا -فهو يعمل بالغريزة- فإنه محاط بأشخاص أكثر منهجية في كرههم للحقوق العالمية. في خطاب ألقاه أمام الأمم المتحدة عام 2019، كتبه مستشاروه، تحدث ترامب عن السيادة باستخدام لغة يمكن أن تأتي من ديكتاتور صيني أو روسي، وقال باستخدام جملة روّج لها ما يُسمى باليمين البديل: "المستقبل لا ينتمي إلى أنصار العالمية. المستقبل ملك للدول المستقلة وذات السيادة التي تحمي مواطنيها وتحترم جيرانها وتحترم الاختلافات التي تجعل كل دولة خاصة وفريدة من نوعها". كل بند من هذه الجملة كان بمنزلة موسيقى تطرب لها آذان الدبلوماسيين الصينيين والإيرانيين الذين يريدون إغلاق كل انتقادات لبلدانهم.

بينما تقوّي منظمة شنغهاي للتعاون أواصرها تضعف القرارات الأميركية مثل سحب القوات من ألمانيا من قوة الناتو، هذا بينما تعيش قمة الدول السبع على أجهزة الإنعاش، والتحالف بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يحتضر. لقد استغرق الأمر بضع سنوات حتى أدرك القادة الأوروبيون أخيرا أن الرئيس الأميركي يعتبرهم حقا "أعداء"، لكن هذه الحقيقة قد ترسخت الآن. في مناشدة من الرئيس مؤخرا لحلفاء عبر المحيط الأطلسي، كان مسؤول في إدارة ترامب يحث الزملاء الأوروبيين على الانضمام إلى أميركا في مقاومة انتشار التكنولوجيا الصينية، وكان الرد الأوّلي ساخرا: "أوه، إذن نحن أصدقاء الآن مرة أخرى؟". هذا لا يعني أن أميركا لن تجد بعض الحلفاء في الصراع الأيديولوجي القادم ضد الصين، إذ تشعر دول أخرى بالقلق من تداعيات "السيادة عبر القانون"، لكن هذا يعني أن هؤلاء الحلفاء لم يعودوا يشعرون بالولاء للولايات المتحدة على أساس المُثُل العليا المشتركة. بدلا من ذلك، عندما يطلب منهم بومبيو الانضمام إلى ائتلافه السياسي والاقتصادي المناهض للصين فإنهم سوف يزنون التكاليف والفوائد ويتخذون قرارهم وفقا لذلك. ستعتقد بعض الدول أنها بحاجة إلى الولايات المتحدة أكثر من حاجتها إلى الصين، وقد يعتقد البعض أنهم بحاجة إلى الصين أكثر مما يحتاجون إلى الولايات المتحدة. لن تتضمن العملية أي مبادئ ولا محادثات حول الديمقراطية أو القيم المشتركة، فقط حسابات تجارية أو أمنية صعبة. مع نمو القوة الاقتصادية والعسكرية للصين ستستمر هذه الحسابات في التغيير، وليس لصالح أميركا.

 

أخطاء منظمة الصحة العالمية حقيقية، واسمحوا لي أن أختم بالسؤال عما إذا كان يمكن إصلاح عيوبها. نظرا لأن الصين أصبحت أكثر قوة، حيث تشن حملاتها من أجل "السيادة" و"التعاون المربح للجانبين"، وحيث إن نفوذ الصين داخل الأمم المتحدة آخذ بالازدياد، فإن قيادة منظمة الصحة العالمية مثل قيادة العديد من المنظمات الدولية لم تعد قادرة على محاسبة الصين. والانسحاب الأميركي لن يحل هذه المشكلة، بل سيزيد الطين بلة.

 

بعد ترامب، أكان في عام 2021 أو 2025، سوف يناقش البعض من أجل العودة إلى الوضع الراهن بحيث تنضم الولايات المتحدة إلى مجلس حقوق الإنسان ومنظمة الصحة العالمية، وتُوقِّع مرة أخرى على اتفاقية باريس وتُعيد التزامها باللغة القديمة للحقوق العالمية والشفافية والمساءلة. لكن الإدارة القادمة قد تكتشف بما لا يدع مجالا للشك أنه قد فات الأوان على إنقاذ بعض مؤسسات الأمم المتحدة التي أُنشئت من أجل عصر آخر. النفوذ الاستبدادي قوي للغاية الآن، والجمود البيروقراطي لا يقل قوة. علاوة على ذلك، فإنّ حلفاءنا قد لا يعودون إلى الوضع السائد قبل ترامب. حتى لو ردّد الرئيس جو بايدن الشعارات القديمة، فإن الجميع يعرف الآن أن مَن سيخلفونَه قد لا يفعلون ذلك. ربما في يوم من الأيام سيقلب الرئيس مايك بومبيو أو الرئيس توم كوتون أو الرئيس تاكر كارلسون كل شيء مرة أخرى، ومعرفة أن هذا لا يزال ممكنا سيدفع حلفاءنا للحذر من الالتزام بأي قضية ندعمها.

هل توجد نماذج أخرى للتعاون الدولي؟ لدينا بالفعل مثال واحد. في اجتماع عبر الإنترنت عقده الاتحاد الأوروبي في مايو/أيار، تعهّد ممثلو أكثر من ثلاثين دولة ومنظمة دولية بأكثر من 9 مليارات دولار لتطوير لقاحات وعلاجات وطرق جديدة لتشخيص "كوفيد-19″، كما اتفقوا على المساعدة في جعل هذه التطورات الطبية في متناول الجميع، ليس فقط لمواطنيهم ولكن للعالم بأسره. كانت حكومات معظم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي حاضرة، وفي النهاية ضمّت القائمة المملكة المتحدة وجنوب أفريقيا وكوريا الجنوبية وأستراليا وكندا واليابان. وتعهّدت مؤسسة بيل وميليندا جيتس، إلى جانب بعض المانحين الكبار الآخرين. ولم تكن الولايات المتحدة، التي كانت حتى تلك اللحظة أهم مُموِّل لمنظمة الصحة العالمية وأكبر الأطباء والابتكار الطبي، موجودة في أي مكان. كما لم تنضم الولايات المتحدة إلى تحالف "COVAX"، وهو تحالف دولي شُكِّل لضمان حصول البلدان الفقيرة على اللقاحات.

 

هل يمكن تشكيل تحالفات عالمية جديدة وقد فات الأوان على إصلاح الأنظمة القائمة؟ وما الذي سيجعل الدول الأخرى ترغب في الانضمام إلى هذه التحالفات الجديدة؟ تتمتع منظمة الصحة العالمية مثل بقية الأمم المتحدة بالسلطة والشرعية، لأن كل دولة في العالم تنتمي إليها. يجب أن تأتي سلطة وشرعية المؤسسات الجديدة من شيء آخر، قوة لغتها ومُثُل أعضائها وقوة التزامها وبالطبع القيادة الأميركية المدروسة. إن إحياء تفانينا من أجل القيم العالمية لأمر ضروري، وإصلاح النظام الدولي ممكن، ينبغي فقط أن يقودنا أشخاص يريدون القيام بذلك.

———————————————————————————————

هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة