المعجزة الإسبانية.. عندما تتغلب إرادة الشعب على الديكتاتور وحاشيته

 

يحاول عمر إنكارنسيون في المقال التالي من مجلة "فورين أفيرز" الأميركية تفنيد أطروحة بول بريستون في كتابه "خيانة شعب" حول دور ومدى تأثير الفساد في إسبانيا على مستقبل الديمقراطية في البلاد. تكتسب هذه المراجعة للكتاب الذي لم يُترجم إلى العربية بعد أهميتها من كونها تتناول ومضات لتاريخ نشوء الديمقراطية الإسبانية التي تحمل ماضيا مشابها لحاضر كثير من الشعوب العربية التي ما زالت تناضل من أجل مستقبل ديمقراطي.

 

مَرَّ نحو ثلاثة عقود على دراسة صموئيل هنتنغتون بعنوان "الموجة الثالثة" في عام 1991، وهي أهم دراسة علمية عن التحوُّل الديمقراطي العالمي الذي حدث في أواخر القرن العشرين. تتبّع الكتاب الانفتاحات الديمقراطية في جميع أنحاء العالم، بدءا من ثورة القرنفل عام 1974 في البرتغال التي أنهت أطول ديكتاتورية في الغرب وانتهت بإرساء الديمقراطية في أوروبا الشرقية بعد انهيار الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفيتي، وقد بزغ بين هذين الحدثين البارزين قرابة 30 ديمقراطية جديدة.

وفقا لهنتنغتون، كانت هذه هي المرة الثالثة التي تجتاح فيها مثل هذه الموجة العالم؛ وصلت الأولى في القرن التاسع عشر مع ظهور "الديمقراطية الجماهيرية" في المملكة المتحدة والولايات المتحدة، وجاءت الثانية في أعقاب الحرب العالمية الثانية مباشرة التي بشَّرت بإرساء الديمقراطية في ألمانيا الغربية واليابان. وعزا الموجة الثالثة إلى عدد من العوامل، بما فيها التوسع الاقتصادي الذي تلا سنوات ما بعد الحرب، والإصلاحات التحررية التي أجراها الفاتيكان، وتبني الولايات المتحدة والدول الأوروبية تعزيز الديمقراطية بوصفها أداة للسياسة الخارجية، وظاهرة "التضاعف" أو استنساخ الدول التحولات الديمقراطية عن بعضها بعضا. أكّد هنتنغتون أيضا الدور المهم الذي لعبته النخب المحلية في التحوُّل الديمقراطي، وكتب يقول: "الديمقراطيات لا تنشأ عن الأسباب بل بالمتسببين"، وعلى الرغم من أن الحركات الشعبية غالبا ما حفّزت التغيير فإن الديمقراطية لا يمكن أن تتوطد إلا عندما تتبنّاها النخب.

 

لكن في السنوات التي تلت ملاحظة هنتنغتون للموجة الثالثة، انقلب المد. شهد العديد من الديمقراطيات الشابة ما يسميه علماء السياسة "التراجع الديمقراطي": عودة إلى حالة اللا الليبرالية التي سادت في حقبة سابقة وتدهور الأعراف والممارسات والمؤسسات الديمقراطية. وفي بعض الحالات، بدأت الديمقراطيات الواعدة، لا سيما في المجر وبولندا، بالانهيار، بينما تجاوزت دول أخرى مثل روسيا تلك النقطة منذ فترة طويلة واستقرت في الحكم الاستبدادي. وهذه الظاهرة ليست حكرا على عالم ما بعد الشيوعية، فَعبر أميركا اللاتينية، تسبَّب التراجع في خسائر فادحة في بلدان مثل الأرجنتين والبرازيل وفنزويلا.

 

إحدى دول الموجة الثالثة التي تجنّبت مثل هذا التراجع بوضوح هي إسبانيا التي بدأت في التحول إلى الديمقراطية في عام 1975 مع وفاة فرانسيسكو فرانكو، الديكتاتور الذي حكم منذ نهاية الحرب الأهلية الإسبانية في عام 1939. تكشف استطلاعات أجرتها منظمات مثل "فريدوم هاوس" و"الإيكونوميست" أن الإسبان يتمتعون بأفضل حماية للحقوق المدنية والسياسية وحقوق الإنسان في العالم. وفي بعض النواحي، قادت إسبانيا الطريق في توسيع الحقوق والحريات والمواطنة. تميّزت إسبانيا أيضا بمعاملتها المستنيرة نسبيا لسكانها من الغجر، وبكونها أحد أكثر البلدان ترحيبا في كل أوروبا الغربية بالمهاجرين من أجزاء كثيرة من العالم، ليس فقط من البؤر الاستعمارية الإسبانية السابقة في أميركا اللاتينية وآسيا، ولكن أيضا من بلاد المغرب وأوروبا الوسطى والشرقية.

الديكتاتور فرانسيسكو فرانكو

ومع ذلك، بطريقة واحدة على الأقل، يمكن القول إن إسبانيا ليست حالة نموذجية بقدر ما هي حكاية وعظية. وعلى الرغم من كل نجاحاتها في ترسيخ الديمقراطية، تعثّرت البلاد في كثير من الأحيان بسبب الفساد المذهل لطبقتها السياسية. فُصِّلت جوانب هذه المحنة تفصيلا شاملا في أحدث كتاب للمؤرخ البارز بول بريستون بعنوان "خيانة شعب"، الذي يُقدِّم لائحة اتهام غير مكتملة للنخب الإسبانية، بما في ذلك أولئك الذين شكَّلوا النظام الديمقراطي الحالي. يقتبس بريستون من الفيلسوف الإسباني خوسيه أورتيجا وغاسيت القول: "بدءا بالملكية وانتقالا إلى الكنيسة، لم تُفكِّر أي سلطة وطنية في أي شيء سوى نفسها".

 

سيجد أي شخص متمرس في السياسة الإسبانية أن هذا الجدال مألوف. ولكن على الرغم من تلال الأدلة التي تدعم أطروحته، فإن بريستون يبالغ في تقييم الضرر السياسي الذي تسبّب فيه الفساد في إسبانيا. ومع ذلك، يجب أن يتوقف الكتاب عند أفكار هنتنغتون الفاصلة حول مستقبل الموجة الثالثة، إذ حذر القادة في الديمقراطيات الجديدة بوضوح من تجنُّب محض الاعتقاد بأنهم "متعجرفون أو ليسوا كفئا أو فاسدون أو أنهم مزيج من الثلاثة".

 

بالنسبة لهنتنغتون وعلماء آخرين، لا تتوقف الديمقراطية فقط على البراعة السياسية ذات الخبرة في وقت التحول الديمقراطي، بل تعتمد أيضا على قدرة الطبقة السياسية على توليد الثقة في النظام. وكما جادل العالم السياسي روبرت بوتنام، فإن ثقة الجمهور هي التي تشحم عجلة الديمقراطية، ولا شيء تقريبا يضر بهذه الثقة أكثر من الفساد. في السنوات الأخيرة، صعَّب تآكل الثقة في المؤسسات السياسية الإسبانية على البلاد أن تحكم نفسها وتواجه التحديات التي تواجهها حاليا، من ذيوع النزعات الانفصالية إلى جائحة "كوفيد-19". ومن الواضح، كما يُشير بريستون، أنه لمجرد أن الفساد لم يعرقل الديمقراطية في إسبانيا فإن هذا لا يعني أنه لم يفرض ثمنا باهظا على البلاد، كما أنه لا يعني أن الفساد في السنوات القادمة لن يؤدي إلى تراجع ديمقراطي مروّع للغاية مع تصاعد الضغط على النظام وعلى مؤسسة أخذت تفقد مصداقيتها بازدياد.

 

"خيانة شعب".. بول بريستون

يبدأ "خيانة شعب" رحلته من أواخر القرن التاسع عشر مع انهيار إسبانيا بوصفها قوة عالمية بعد هزيمتها في الحرب الإسبانية الأميركية عام 1898، إذ أعقبت "كارثة 98" كما يسميها الإسبان عقود من التعفن في سياسات البلاد، حيث عمّت المؤسسة الرشى والتجاوزات والمحسوبية والجشع الذي يفوق كل وصف. يستعرض بريستون هذه القصة الحزينة بثقة مؤرخ من الدرجة الأولى، ويحافظ بحكمة على السرد حيًّا من خلال تذكير القارئ بالجودة السخيفة والكوميدية لكثير من الفساد الذي انتشر في إسبانيا. ومن الأمثلة على ذلك خوان مارش، الذي أصبح أغنى رجل أعمال في البلاد خلال الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى من خلال تهريب التبغ، وهو الأمر الذي ساعد لاحقا في تمويل الانقلاب العسكري عام 1936 بقيادة فرانكو مشعلا فتيل الحرب الأهلية. يكتب بريستون: "كانت عملية التهريب في مارس/آذار ناجحة جدا، حيث كانت عائدات الحكومة من رسوم التبغ تتراجع إلى درجة أنه تقرر منحه الاحتكار الرسمي مقابل رسوم".

 

يتعمق بريستون أيضا في فضائح فساد العائلة المالكة الإسبانية، التي كانت ذات يوم واحدة من أكثر المؤسسات الموثوقة في البلاد، ومن المفارقات أن هذه الثقة نشأت من سلوك خيانة شهير. في عام 1976، ساعد الملك خوان كارلوس الأول في إرساء الديمقراطية بانتهاكه الجريء للوعد الذي قطعه أمام فرانكو المحتضر بدعم النظام الاستبدادي أو نظام "فرانكو بدون فرانكو". عبر كسر هذا الوعد، ضمن خوان كارلوس دورا للملكية في النظام الديمقراطي الجديد، كما وقف في وجه المتمردين العسكريين الذين حاولوا الانقلاب في عام 1981، وتنصل من المتآمرين في خطاب بُثَّ في وقت متأخر من الليل للأمة وأنهى الأزمة بفعالية. ولكن في عام 2020، حُطَّ من قيمة بطل الديمقراطية الإسبانية هذا، حيث حققت المحكمة العليا الإسبانية فيما إذا كان قد تلقى مدفوعات غير لائقة تتعلق بمشروع بناء في المملكة العربية السعودية. ملطّخا بالفضيحة، اختفى الملك السابق البالغ من العمر 82 عاما وأطلق العنان للعبة التخمين في وسائل الإعلام الإسبانية بشأن مكان وجوده. في النهاية، أكدت العائلة المالكة أن خوان كارلوس قد فرَّ من البلاد وذهب إلى الإمارات العربية المتحدة. أكّد خروجه الشائن وجهة نظر بريستون بأن الملك "استنفد رأس المال السياسي الهائل الذي بناه بين عامَيْ 1975-1982".

 

بالنظر إلى تاريخ إسبانيا الطويل من الحكم غير الليبرالي، فلا ينبغي لحكايات بريستون عن الفساد وعدم الكفاءة أن تُشكِّل أية مفاجأة. قبل سن دستورها الحالي في عام 1978، كانت التجربة الوحيدة المهمة للبلاد مع الديمقراطية والقصيرة العمر هي الجمهورية الثانية التي استمرت من عام 1931 حتى زوالها المأساوي في عام 1939. مع هذا الاستثناء القصير، حتى عام 1978 كان تاريخ إسبانيا منذ أواخر القرن التاسع عشر عبارة عن ألبوم لكل شكل تقريبا من أشكال الحكم الاستبدادي الذي يمكن تخيله، بما في ذلك النظام الملكي المطلق من عام 1886 إلى عام 1931، وهي فترة تضمنت أيضا نظاما فاشيا بين عامي 1923-1930، والثيوقراطية خلال فترة فرانكو المبكرة 1939-1959، والديكتاتورية التكنوقراطية في أواخر فترة فرانكو 1959-1975. عانت إسبانيا أيضا من أكثر الحروب الأهلية دموية التي اندلعت في أوروبا ما بين الحربين العالميتين، حيث لقي مئات الآلاف من الإسبان -ربما ما يصل إلى مليون- حتفهم أثناء القتال وما بعده، وأُخرج 500000 إسباني للعيش في المنافي، واستمرت المجاعة الجماعية والقمع السياسي والعزلة الدولية خلال الخمسينيات من القرن الماضي.

لهذا السبب، كانت قبضة الفساد على الحياة الإسبانية أقل إثارة للدهشة بكثير من ظهور الديمقراطية وبقائها، وهي ظاهرة يكاد كتاب بريستون يتجنب إلقاء الضوء عليها. في الواقع، و في إطار حماسته لإدانة النخب في البلاد، يتجاهل بريستون أو يقلل من اللحظات المهمة في التاريخ الإسباني التي كان يمكن أن تؤثر على روايته بجدية، وخاصة نجاح المرحلة الأخيرة من ديكتاتورية فرانكو في تعزيز النمو الاقتصادي ورفع مستويات المعيشة، والانتقال الماهر من الاستبداد إلى الديمقراطية والملاحقة الصارمة للفساد في السنوات الأخيرة.

 

لقد تشكّلت المرحلة الثانية من نظام فرانكو التي سبقت الصحوة الديمقراطية في إسبانيا مباشرة في الواقع من خلال كفاءة بيروقراطية ملحوظة، وهذه الكفاءة ضرورية لفهم التحوُّل الذي أعقب فرانكو. بعد تجربة كارثية مع الاكتفاء الذاتي بين عامي 1939-1959 التي أوشكت على إنهاء حكم فرانكو، أنقذ النظامَ مجموعة من الاقتصاديين الموهوبين والبراغماتيين، وكان بعضهم منتسبا إلى المنظمة الكاثوليكية (Opus Dei)، لقد أقنعوا فرانكو المتشكك أن السبيل الوحيد لإنقاذ الاقتصاد ومنع انهيار نظامه هو فتح إسبانيا أمام السياحة والاستثمار الأجنبي، وطلب المساعدة من صندوق النقد الدولي، والتخفيف من قمع المعارضة والنقد.

 

في غضون عقد من الزمان، أنتج هذا النهج التكنوقراطي ما يسمى بالمعجزة الإسبانية التي جعلت إسبانيا أحد أسرع الاقتصادات نموا في العالم. بين عامي 1963-1971، زاد دخل الفرد بأكثر من الضعف. بحلول عام 1975، وهي سنة وفاة فرانكو، كانت إسبانيا قد أصبحت دولة مزدهرة من الطبقة الوسطى، وكانت تتمتع بمجتمع مدني قابل للحياة ودولة رعاية متقدمة نسبيا. من خلال الدفع بلا هوادة بأجندات التحديث الاجتماعي والاقتصادي، مهد نظام فرانكو الراحل الطريق عن غير قصد لظهور الديمقراطية، وهي النتيجة التي كان فرانكو يخشى منها أكثر من غيرها.

 

بعد وفاة فرانكو، صمَّم أدولفو سواريز، وهو الرئيس السابق للحركة الوطنية، وهي أقرب شيء إلى حزب سياسي في إسبانيا فرانكو، وأول رئيس وزراء تحظى به إسبانيا في العصر الديمقراطي، تحوُّلا ديمقراطيا يعتبره علماء السياسة بمنزلة تحفة فنية سياسية. لم يحدث من قبل أن أعاد نظام استبدادي اختراع نفسه سلميا بوصفه ديمقراطية من خلال توظيف مؤسسات الدولة الاستبدادية، لكن هذا هو بالضبط ما أنجزه سواريز في إسبانيا في استجابة لضغوط الجمهور وبدعم من الملك. بعد أن حلّ برلمان فرانكو نفسه بالتصويت في عام 1976، أُضفيت الشرعية على الأحزاب السياسية والنقابات العمالية، وأُجريت انتخابات ديمقراطية، وصِيغ أحد أكثر الدساتير ليبرالية في أوروبا الغربية وقد وافق عليه الإسبان باستفتاء وطني، وقد أُنجز هذا كله في أقل من عامين.

أدولفو سواريز

إن تلميح بريستون بأن الحكومة والمواطنين الإسبان يتجاهلون الفساد تُكذِّبه أيضا حقيقة أن قلة من البلدان الأخرى كانت متحمسة بالقدر نفسه لمقاضاة الفساد. كما أشارت بوليتيكو في تقرير يعود إلى عام 2017، سعت إسبانيا وأدانت "كبار رجال الأعمال والوزراء ورؤساء المناطق والبلديات وحتى الأميرة كريستينا". وأضاف التقرير أنه بين يوليو/تموز 2015 ونهاية عام 2016، واجه ما يقرب من 1500 شخص في إسبانيا محاكمة بتهمة الفساد، وأن نحو 70% منهم قد أُدينوا بالفعل، بمَن فيهم إيناكي أوردانجارين (زوج كريستينا وصهر الملك فيليب السادس) ورودريغو راتو، المدير السابق لعمليات صندوق النقد الدولي. حُثَّت هذه الملاحقات القضائية من قِبَل "مناهضة التقشف"، وهي حركة ضخمة لمكافحة الفساد هزت السياسة الإسبانية في عام 2011. في الواقع، وإن نظرنا إليه بعين المقارنة، فإن الفساد في إسبانيا ليس بالسوء نفسه الذي يمكن أن يتخيله المرء من مجرد قراءة كتاب بريستون. في عام 2019، حصلت إسبانيا على 62 نقطة من أصل 100 في مؤشر مدركات الفساد لمنظمة الشفافية الدولية، وهي متأخرة كثيرا عن الدول الأقل فسادا، مثل الدنمارك ونيوزيلندا، ولكنها بالقرب من فرنسا والولايات المتحدة وقبل إيطاليا واليونان والمجر.

 

على الرغم من كل عيوبه، يُمثِّل كتاب بريستون مساهمة كبيرة في هذا المجال. إنه سرد منقطع النظير للطرق العديدة، كبيرها وصغيرها، التي فشل فيها السياسيون وخيّبوا أمل الشعب الإسباني. وعلى الرغم من أن الفساد وانعدام الكفاءة لم يُبرهنا على إعاقة الديمقراطية الإسبانية، بعكس ما يوحي لنا بريستون، فإنَّ هذا لا يعني أن البلد يخلو من الشوائب، بل على العكس تماما. إن تأثير تآكل الثقة في المؤسسات السياسية الناجم عن الفساد أقوى من الإنكار، كما أنه بعيد المدى ومُقلق للغاية.

 

لا يحتاج المرء إلى النظر إلى ما هو أبعد من حالة الحزبين السياسيين الرائدين في إسبانيا، وهما الحزب الشعبي (PP)، والحزب الاشتراكي العمالي الإسباني (PSOE)، وكلاهما تعرّضا لفضائح الفساد في السنوات الأخيرة. وأفاد استطلاع عام 2019 نقلا عن صحيفة مقرها برشلونة "La Vanguardia" أن الإسبان يُصنِّفون الأحزاب السياسية في المرتبة الأخيرة من حيث مصداقيتها، خلف الجامعات والجيش والإعلام والقضاة والشرطة والنقابات العمالية. نتيجة لشعبيتهما المتدهورة، انقسم الحزب الشعبي والحزب الاشتراكي العمالي الإسباني إلى خمسة أحزاب على الأقل في السنوات الأخيرة، وهو عامل رئيسي في الجمود السياسي الذي أصاب السياسة الإسبانية بالشلل في العقد الماضي. بين عامي 2015-2019، لم يتمكن أي حزب من الحصول على أغلبية برلمانية واضحة والحفاظ عليها مما أجبر إسبانيا على إجراء أربعة انتخابات عامة.

أعضاء حزب العمال الاشتراكي الإسباني (PSOE)

من أبرز الأحزاب السياسية الجديدة "فوكس" (Vox)، وهو أول حزب يميني متطرف قابل للحياة في حقبة ما بعد فرانكو. اقتحم "فوكس" البرلمان في عام 2019 وحصل على ثالث أكبر عدد من المقاعد في برنامج محافظ بشكل صارخ وتشككي ومناهض للمهاجرين، واضعا الحدّ لوضع إسبانيا بوصفها واحدة من قلّة من الديمقراطيات الغربية دون حزب يميني شعبوي في هيئتها التشريعية. أشعل "فوكس" (Vox) نيران القومية الإسبانية، مما شكّل عقبة كبيرة أمام حل الأزمة الدستورية التي انطلقت عندما حاولت منطقة كاتالونيا الانفصال عن إسبانيا في عام 2017.

 

وقد شكّل تآكل الثقة في المؤسسات السياسية القائمة تحديا كبيرا لحكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز من حزب (PSOE) وهو يكافح الوباء الذي أودى حتى الآن بحياة نحو 35000 إسباني. لكن من الجدير بالذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها الديمقراطية الشابة في إسبانيا لاختبار قاسٍ. منذ الانتقال إلى الديمقراطية، شهدت إسبانيا محاولة الانقلاب عام 1981، والعنف الإرهابي للجماعات الانفصالية، وتفجيرات القاعدة في مدريد عام 2004 قبل ثلاثة أيام فقط من الانتخابات العامة التي أودت بحياة 193 شخصا، وكان ذلك هو الهجوم الإرهابي الأكثر دموية الذي نُفِّذ على الأراضي الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية، بجانب التراجع الاقتصادي الحاد بعد الأزمة المالية العالمية لعام 2008 التي تركت ما يقرب من ربع السكان في سن العمل عاطلين عن العمل والصراعات الانفصالية في كاتالونيا ومنطقة الباسك.

 

ومع ذلك، استمرت الديمقراطية الإسبانية وأصبحت منارة أمل للديمقراطيات الشابة الأخرى ومثالا للديمقراطيات الأكثر نضجا. على الرغم من فسادها وعدم كفاءتها، واجهت الطبقة السياسية الإسبانية في كثير من الأحيان تحديات العصر وسلمت للشعب. يجب على المرء أن يأمل استمرار الأمر على هذا النحو، ليس فقط من أجل إسبانيا ولكن أيضا من أجل الديمقراطية في كل مكان.

——————————————————————————————————-

هذا المقال مترجم عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

من الممكن مقارعة أزمة صحة عالمية طارئة دون التخلي عن الخصوصية، والحريات المدنية، والقيم الديمقراطية. ولكن تروج الصين لرؤية استبدادية تدمج بين الصحة والأمن. فهل يتحد قادة الديمقراطية لتوفير بديل حقيقي؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة