الحرب السوداء.. كيف تحولت أفريقيا الوسطى إلى صراع دموي بين فرنسا وروسيا؟

غالبا ما تُعلن نتائج الاستحقاقات الانتخابية بأي مكان في أجواء كرنفالية، ولكن في بعض الحالات الخاصة والاستثنائية، ينتظر الجميع نتائج الانتخابات بينما تُقرع طبول الحرب. ينطبق هذا الحال تماما على جمهورية أفريقيا الوسطى، بلد غير ساحلي يبلغ عدد سكانه بالكاد خمسة ملايين شخص، غير أنه لا يزال يعاني من تداعيات إرث طويل من الاستعمار والتدخلات الخارجية والاقتتال الأهلي، إرث لا يتلاءم أبدا مع ما يبدو من وزنه الإستراتيجي والديموغرافي بوصفه بلدا صغيرا منعزلا في وسط القارة السمراء.

 

جرت الانتخابات الرئاسية والتشريعية في أفريقيا الوسطى في 27 ديسمبر/كانون الأول المنصرم للعام 2020، وسط تقارير ومؤشرات أولية تُفيد باقتراب الرئيس فوستين أرشانغ تواديرا، الذي تسيطر حكومته بالكاد على ثلث مساحة البلاد، من الفوز بولاية رئاسية ثانية، خاصة وقد أعلنت نتائج مبدئية فوزه بـ 53% من الأصوات، في اقتراع أُجرِيَ وسط مقاطعة وحصار عسكري فرضته الميليشيات والفصائل المعارضة للحكومة على العاصمة بانغي.

بدأت الجولة الأخيرة من هذه المواجهات المحتدمة في الثالث من ديسمبر/كانون الأول؛ إثر قرار محكمة الدولة الدستورية استبعاد الرئيس الأسبق "فرانسوا بوزيزي" من السباق الرئاسي بدعوى تورطه في جرائم حرب وعدم استكماله للفترة القانونية للمكوث في البلاد قبل الترشُّح (عاما كاملا)، مع إقصاء 78 مرشحا آخرين للجمعية الوطنية (البرلمان) ينتمي معظمهم إلى فصائل المعارضة، وهو ما أثار غضبا واسعا لدى الفصائل المسلحة المعارضة للحكومة، ومن ثم أعلن قادتها المسيطرون بحكم الواقع على معظم أراضي الجمهورية الاندماج وتشكيل تحالف تحت اسم "تحالف الوطنيين من أجل التغيير". ودعا التحالف الجديد لتأجيل الانتخابات في وقت وسّع فيه من عملياته العسكرية مُضيِّقا الخناق على الحكومة عبر الاستيلاء على أربع مدن إستراتيجية، وتمركزت قواته على الطرق الحيوية المؤدية للعاصمة من أجل عزلها عن باقي مناطق البلاد.

 

مقابل ذلك، أعلنت الحكومة تمسُّكها بإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في موعدها، واتهمت بوزيزي بالسعي لتدبير انقلاب عسكري، واستنجدت بحلفائها من أجل المساعدة في تأمين الانتخابات التي أُجريت بالفعل في موعدها، وسط تنديد المعارضة بالمخالفات النظامية، وعلى رأسها عدم تمكُّن ثلث المواطنين من الإدلاء بأصواتهم بسبب انعدام الأمن الذي تسبّب في إيقاف التصويت في أكثر من ألفَيْ مركز اقتراع في البلاد، والشكاوى من حدوث عمليات تسويد واسعة للبطاقات في ظل غياب المراقبين في المناطق النائية.

 

تعني هذه الخروقات المزعومة أن نتائج الانتخابات الجديدة أيًّا كانت لن تتمكّن من جلب السلام أو الوحدة للبلد الأفريقي الممزق بالصراعات، لكن ذلك الصراع الذي يبدو في ظاهره اشتباكا داخليا بين الفصائل المحلية حول السلطة يُخفي بين طياته تنافسا أعمق وراء الكواليس بين قوتين أجنبيتين تتصارعان بشدة على النفوذ والموارد والوجود العسكري والإستراتيجي هناك.

فبينما يقف الرئيس تواديرا مُتمتِّعا بدعم غير محدود من روسيا التي تُقدِّم له الأسلحة والتدريب للجيش والقوات الخاصة، وتُشرِف بشكل مباشر على جميع المهام الأمنية في البلاد بما في ذلك الحراسة الشخصية للرئيس نفسه، أملا في تأمين بقاء الرئيس الموالي لها في السلطة لفترة جديدة؛ سنجد على الجانب الآخر أن تحرُّكات المعارضين تحظى بدعم ضمني ومباركة من فرنسا، مَن تشعر بعدم الرضا تجاه النفوذ الروسي المتزايد في أحد بلدان أفريقيا الفرنكوفونية، وهي مناطق نفوذ باريس الاستعمارية الأثيرة، وبذلك فهي تسعى جاهدة لاستبدال الرئيس الحالي الموالي لموسكو بآخر موالٍ لها.

 

بين شِقَّيْ رحى ذلك الصراع الدموي سنجد أن أفريقيا الوسطى، البلد الخارج لتوّه من حرب أهلية مدمرة، الذي فشلت ثمانية اتفاقات سلام خلال ست سنوات في جلب الهدوء والسلام إليه، سنجده على وشك الدخول في موجة جديدة ومطولة من العنف نُرجِّح أن تأثيرها سيتجاوز حدود البلاد مُهدِّدا الاستقرار الهش في دول الجوار الأهم والأكبر، وعلى رأسها تشاد والسودان وجنوب السودان والكاميرون، لكن الرجال الأقوياء في الكرملين والإليزيه لا يعبؤون بذلك بطبيعة الحال، وهم مستعدون لتعزيز ودعم حلفائهم الأفارقة حتى النهاية، وللاستثمار في تغذية الصراع والعنف ما دامت هذه الطريقة ستخدم مصالحهم الخاصة، بصرف النظر عن المصير القاتم الذي ينتظر أفريقيا الوسطى ووسط القارة نتيجة لذلك التنافس الاستعماري الذي لا ينتهي.

 

تمتلك فرنسا نفوذا تاريخيا في وسط أفريقيا تعود جذوره إلى عهود الاستعمار المباشر، حين كانت منطقة أوبانغي-شاري، الواقعة في دولة أفريقيا الوسطى حاليا، جزءا من أفريقيا الاستوائية الفرنسية مع تشاد والغابون ومملكة الكونغو (الكونغو الفرنسية حينها)، بين عامَيْ 1910-1934، وقد اتسمت فترة الاستعمار الفرنسي لأوبانغي شاري بالاستغلال وعدم الكفاءة والإهمال والفساد، وفي بعض الأحيان ارتُكبت العديد من الانتهاكات الشنيعة من قِبَل الإدارات الاستعمارية، وردًّا على ذلك شنّ السكان المحليون موجات من المقاومة ضد المستعمرين، ويُشكِّل هذا الإرث التاريخي للاستعمار والفساد ومقاومة السلطة معالم السياسة في بانغي إلى اليوم.

 

فحتى بعد استقلالها عام 1960، ظلّت أفريقيا الوسطى تعتمد اعتمادا كبيرا على دعم فرنسا، مَن احتفظت بقاعدة عسكرية ثابتة في البلاد حتى عام 1997، لدرجة أن كل مَن حكموا الدولة الصغيرة تقريبا وصلوا إلى السلطة عبر انقلابات عسكرية مدعومة من باريس رأسا. فعلى سبيل المثال، جاء الرئيس الأسبق فرانسوا بوزيزي للسلطة عام 2003 في انقلاب عسكري مدعوم فرنسيا بعد أن أصبح الإليزيه غير راضٍ عن مساعي رئيس البلاد آنذاك "أنجي فيليكس باتاسيه" لتقليل الاعتماد على فرنسا، ويُوضِّح هذا الفصل الطويل من تاريخ الدولة الأفريقية أنه لا يوجد زعيم للبلاد كان قادرا على البقاء في السلطة دون دعم كامل وصريح من العاصمة الفرنسية.

فرانسوا بوزيزي

تسبَّب حكم بوزيزي القمعي والفاسد وغير الكفء في إشعال ما صارت تُعرف بـ "حرب الأدغال" بين عامَيْ 2004-2008، حيث دخلت العديد من الحركات المتمردة في قتال شرس ضد الحكومة المركزية، ورغم أن بوزيزي وقّع اتفاق سلام مع المتمردين عام 2008، فقد فشل في الالتزام به، ما دفع الميليشيات المتمردة إلى تشكيل تحالف جديد أكثر قوة، عُرِف باسم "سيليكا"، وتألّف بشكل أساسي من المسلمين المحرومين من حقوقهم في شمال الدولة وشرقها، بالإضافة إلى عدد كبير من المقاتلين السودانيين والتشاديين الذين شاركوا في نزاع دارفور والحرب الأهلية التشادية. وخلال أقل من خمسة أعوام نجح تحالف سيليكا في السيطرة على معظم مساحة البلاد، وفي عام 2013 نجح رئيس سيليكا "ميشال دجوتوديا" في الوصول إلى مقعد الرئاسة ليصبح أول رئيس لأفريقيا الوسطى يصل إلى المنصب دون دعم باريسي مباشر.

 

بعد سيطرة سيليكا ازدادت الفوضى في أفريقيا الوسطى، حيث سعت الميليشيات المرتبطة بالتحالف الحاكم للانتقام من عقود التهميش التي عاشتها تحت حكم الأنظمة السابقة، ونظرا لأن دجوتوديا لم يكن قادرا على كبح جماح ميليشياته؛ فقد أصدر قرارا بحل سيليكا في عام توليه الرئاسة نفسه، وبالتزامن مع ذلك بدأت باريس في رعاية تحالف معارض من الفصائل المناهضة لـ "سيليكا" تحت اسم "أنتي – بالاكا"، وهو تحالف لميليشيات مسيحية شرع في شنّ هجمات انتقامية على القرى والمناطق المسلمة، ومع احتدام الحرب الأهلية بين الطرفين، والمخاوف العالمية من إبادة جماعية وشيكة، وجدت فرنسا فرصتها سانحة مجددا لتثبيت نفوذها من خلال التدخُّل عسكريا في الدولة.

 

أطلقت باريس اسم "عملية سنغاريس" على تدخُّلها العسكري، وهو اسم مستوحى من فراشة أفريقية حمراء ذات عُمْر قصير دلالة على أن العملية التي شُنَّت بذريعة استعادة الاستقرار وحماية السكان ستكون قصيرة المدة. ولكن بصرف النظر عن الأهداف المُعلَنة، كان السبب الرئيس لتورُّط فرنسا في الأزمة هو أنها لم تنوِ مطلقا التخلّي عن نفوذها في أفريقيا الوسطى، بوصفها واحدة من 14 دولة أفريقية لا تزال تحتفظ بالعملة الاستعمارية الفرنسية "الفرنك الأفريقي"، وتمتلك احتياطات وطنية في البنك المركزي الفرنسي، وتُورِّد نسبة كبيرة من حصيلتها من العُملات الأجنبية إلى الخزانة الفرنسية. وبجانب ذلك تمتلك باريس ولا تزال العديد من الشركات التي تمتص الموارد الطبيعية بشراهة في أفريقيا الوسطى، بما يعني أن لديها مصلحة استعمارية راسخة في الحفاظ على البلاد تحت قبضتها.

الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند (وسط) ووزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس (الثالث من اليمين) ووزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان (الثاني من اليسار) يتفقدون الأسلحة التي صودرت من مقاتلي سيليكا السابقة وميليشيا "مكافحة بالاكا" من قبل الجيش الفرنسي لعملية سانغاريس في قاعدة عسكرية فرنسية في بانغي

على الرغم من ذلك، فقد أثبتت عملية سنغاريس أنها مُكلِّفة للغاية للفرنسيين وتستنزفهم عسكريا، وحتى بعد تنحي دجوتوديا فقد ظلَّ العنف متفشيا في البلاد، كما انتُقِدت العملية الفرنسية إثر ظهور تقارير حول تورُّط الجنود الباريسيين في اعتداءات جنسية على السكان المحليين. ونتيجة لكل ذلك وجدت فرنسا نفسها مضطرة لإنهاء عملياتها العسكرية وسحب قواتها من بانغي بمجرد انتخاب الرئيس الجديد "تواديرا" في فبراير/شباط عام 2016، والاكتفاء ببعثة مستقلة قوامها 350 جنديا فقط تتولّى حماية المطار وبعض المنشآت الحيوية، بجانب مشاركتها بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في أفريقيا الوسطى المعروفة باسم "مينوسكا"، وهي بعثة أُممية قوامها 13 ألف فرد، ومهمة الاتحاد الأوروبي للتدريب في أفريقيا الوسطى "إيوتم" التي تولّت باريس قيادتها الدورية في يوليو/تموز 2019. وبمجرد انسحاب هذه البعثة، أدركت فرنسا للمرة الأولى أنها لم تعد اللاعب الأجنبي الأوحد في أفريقيا الفرانكفونية، وأن هناك قوة جديدة تستعد لتحل محلها.

 

خلق انسحاب فرنسا من أفريقيا الوسطى فرصة للقوى الطامحة لترسيخ نفوذها السياسي والاقتصادي في الدولة الغنية بالموارد كاحتياطات ضخمة من الذهب واليورانيوم والمعادن الأخرى. كانت روسيا مستعدة تماما لاغتنام الفرصة وكسب موطئ قدم في بلد أفريقي تمتلك علاقات قديمة معه تعود إلى العهد السوفيتي، وتحديدا إلى السنوات المبكرة لاستقلال البلاد عن الاستعمار الفرنسي في الستينيات. ويُعَدُّ الحدث الأبرز في تاريخ العلاقات بين البلدين هو تلك الزيارة التي قام بها رئيس أفريقيا الوسطى الأسبق جان بيدل بوساكا -الذي منح نفسه لقب إمبراطور- إلى موسكو عام 1970، حيث أصدر البلدان بيانا مشتركا يؤكد موقفهما المناهض للاستعمار والفصل العنصري.

 

وعلى الرغم من القِدَم النسبي للعلاقات بين موسكو وبانغي، فإن الاتحاد السوفيتي -ووريثته روسيا- لم يلعب أي دور بارز في المسيرة السياسية لأفريقيا الوسطى، ولم تُرصَد أي علاقات أمنية وعسكرية أو مبيعات أسلحة بين الطرفين قبل عام 2017، وهو ما يُثير تساؤلات حول الدوافع التي تُحفِّز موسكو لاستثمار جزء من مواردها السياسية والاقتصادية في بلد أفريقي مُهمَّش ومُمزَّق بالصراعات.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يمين) ورئيس جمهورية إفريقيا الوسطى فوستين أرشانج تواديرا (يسار)

تميل النظرة التقليدية لتفسير تحرُّكات روسيا وفق دوافع البحث عن المكانة والحضور الدولي، والسعي لإعادة تأسيس نفسها بوصفها قوة عالمية، ولكن بالنظر إلى محدودية الموارد والاستثمارات التي يمكن لموسكو تقديمها مقارنة بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، أو حتى بالصين، فإن روسيا تمتلك فرصة ضئيلة لتأسيس موطئ قدم لها عبر السياسات الاقتصادية والقوة الناعمة. على جانب آخر، يميل البعض إلى تفسير تحرُّكات موسكو هناك وفق دوافع إستراتيجية، بالنظر لوقوع بانغي في المركز الجغرافي للقارة، بما يعني أن تأسيس قاعدة عسكرية هناك، أو اكتساب حقوق العبور البري والجوي والإقلاع والهبوط في أدنى الأحوال، يمكن أن يُسهِّل قدرة روسيا على الانتشار في جميع أنحاء القارة.

 

تنسجم هذه الفرضية المعقدة إلى حدٍّ بعيد مع بقية تحرُّكات روسيا في أفريقيا، مثل مساعيها لإنشاء قاعدة عسكرية في السودان (شمال شرق أفريقيا الوسطى)، ووجودها الأمني والعسكري الجيد في جمهورية الكونغو (جنوب غرب أفريقيا الوسطى)، وحتى نفوذها المتزايد في ليبيا ومصر. وتعني هذه التحركات مجتمعة أن موسكو ربما تأمل في إنشاء ممر يربط بين البحر الأبيض المتوسط وجنوب المحيط الأطلسي عبر اليابسة في القارة، وهو ما حاولت فرنسا الاستعمارية صنعه وفشلت في حادثة فاشودة عام 1898 إبان ذروة التنافس الاستعماري بينها وبين بريطانيا، حين سعى الطرفان لتأكيد ملكيّتهما لبلاد السودان والساحل.

 

وقتها، قامت فرنسا بتسيير بعثة عسكرية من السنغال لغزو جنوب السودان محاولة بسط سيطرتها من قلب القارة نحو أعالي النيل على حساب بريطانيا، ونجحت في السيطرة على بلدة فاشودة، ما دفع بريطانيا لتسيير قواتها من مصر لمواجهة الفرنسيين، وكادت أن تنشب حرب بين الدولتين لولا أنهما تراجعتا في اللحظة الأخيرة للسماح بتسوية المشكلة دبلوماسيا عبر توقيع معاهدة السودان عام 1899، التي كانت بمنزلة إعلان رسمي عن تخلّي فرنسا عن طموحاتها لربط سواحل أفريقيا مع أعالي النيل.

ويبدو أن روسيا اليوم تمتلك قدرة محدودة جدا على التحكم بقوتها ومواردها في هذه المساحة الشاسعة من الأرض، ومن غير المرجح أن تفعل ذلك في المستقبل المنظور، لذا ربما تكون أهداف مثل السيطرة على مناجم الذهب والماس، وفتح المزيد من الفرص أمام الشركات الاقتصادية والأمنية الروسية لغزو القارة السمراء، ومناكفة القوى الكبرى العاملة على الساحة الأفريقية، ربما هي التفسيرات الأكثر مباشرة لسعي موسكو للاستفادة من الفراغ الذي خلّفه الانسحاب الفرنسي العسكري وتراجع دور باريس عموما في أفريقيا الوسطى.

 

بدأت المغامرة الروسية في بانغي عام 2017، حين ناشد الرئيس المنتخب حديثا "تواديرا" مجلس الأمن الدولي لتعديل حظر الأسلحة المفروض على بلاده من أجل السماح لقوات الجيش باستيراده للدفاع عن نفسها. وكما هو مُتوقَّع، راهن تواديرا بآماله في البداية على فرنسا التي قدّمت اقتراحا بإرسال 1400 بندقية من طراز "AK-47" استولت عليها البحرية الفرنسية أثناء عملية لمكافحة القرصنة قبالة سواحل الصومال، غير أن روسيا استخدمت حق النقض تجاه هذه الفكرة بحجة أنه لا يجوز استخدام الأسلحة المصادرة أثناء عملية حظر أسلحة وتوجيهها لأغراض أخرى، وعرضت بدلا من ذلك التبرُّع بأسلحة خفيفة للجمهورية، وهو اقتراح حظي بموافقة جميع أعضاء المجلس آنذاك، بما في ذلك فرنسا.

 

لكن ما بدأ بتبرع روسي محدود بالأسلحة الخفيفة، سرعان ما تحوَّل إلى وجود أمني أكثر لفتا للانتباه إثر قيام موسكو بإرسال 170 مدربا مدنيا وخمسة أفراد عسكريين في مهمة أمنية تحت ستار زائف مفاده حراسة مواد بناء ومستشفيات تُنشئها روسيا هناك. وكما هو مُتوقَّع، لم يكن هؤلاء المدنيون سوى نخبة من قوات المرتزقة الروس التابعين لمجموعة سيوا للخدمات الأمنية، وكذا مجموعة فاغنر التي يديرها رجل الأعمال يفغيني بريغوجين المقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شخصيا، والملقب إعلاميا بـ "طباخ الكرملين".

يفغيني بريغوجين

وقد أقام معظم هؤلاء المدربين الروس في قصر بيرينغو المهجور، الذي كان يقطنه في السابق "الإمبراطور" بوساكا، وهو قصر يقع على مساحة 100 فدان على بُعد 35 ميلا فقط من العاصمة بانغي، ويتضمّن ساحة واسعة لإطلاق النار ومهبط طائرات يمكن توسعته وتحديثه بسهولة للتعامل مع الطائرات الكبيرة، بما يُتيح لموسكو تجنُّب استخدام المطار الذي تُسيطر عليه فرنسا في العاصمة بانغي.

 

خلال فترة قصيرة، نجح رجال بوتين وبريغوجين في السيطرة على جميع المهام الأمنية الحساسة في أفريقيا الوسطى، حتى إنهم عملوا حراسا شخصيين للرئيس، وهي مهمة قام بها قبلا مرتزقة تشاديون، ونُقلت لاحقا للجنود الروانديين التابعين لبعثة الأمم المتحدة، وتولّى الروس بشكل منفرد مهام تدريب وحدات الجيش والقوات الخاصة بعيدا عن سلطة الأمم المتحدة. وفي خطوة غير مسبوقة، عيَّنت موسكو فاليري زاخاروف، ضابط مخابراتها العسكرية السابق، في منصب مستشار الأمن القومي للرئيس تواديرا، بما يجعله مشرفا، بحكم الواقع، على جميع الأنشطة الأمنية والعسكرية في البلاد. ويبدو أن جهود موسكو للسيطرة على الدائرة المحيطة بالرئيس تواديرا قد آتت أُكلها مع توقيع البلدين اتفاقية عسكرية في أغسطس/آب 2018 بهدف تدريب ضباط أفريقيا الوسطى في أكاديميات الدفاع الروسية، والسماح بافتتاح مكتب تمثيلي لوزارة الدفاع الروسية في بانغي، وإعلان الرئيس أن بلاده تدرس السماح بإنشاء قاعدة عسكرية روسية فوق أراضيها.

 

ونتيجةً مباشرةً لهذا الاختراق الدبلوماسي، تدفّقت الأسلحة الروسية بشكل غير مسبوق إلى أفريقيا الوسطى. وكما تُشير بيانات تقرير معهد جيمس تاون فإن عام 2018 وحده شهد تسليم 900 مسدس من طراز ماكاروف و5200 بندقية هجومية من طراز كلاشينكوف، و140 بندقية قنص و840 رشاشا و270 قاذفة آر بي جي، و20 نظام دفاع جوي محمولا على الكتف وقنابل يدوية ومدافع هاون، والملايين من طلقات الذخيرة. وفي حين أن جميع الأسلحة التي تُقدِّمها موسكو تُعَدُّ "تبرُّعا"، فإن اتفاقات قمة "روسيا – أفريقيا" الأولى في مدينة سوتشي التي أُقيمت في أكتوبر/تشرين الأول عام 2019، وحضرتها 47 دولة أفريقية، وتُقدَّم بموجبها الأسلحة الروسية، هي اتفاقات غالبا ما تضمن شروطا مثل استغلال روسيا للمعادن والموارد ومصادر الطاقة، جنبا إلى جنب مع تعزيز البنية التحتية وتطوير العلاقات التجارية مع الدولة المستقبلة للسلاح.

قمة "روسيا – أفريقيا" الأولى في مدينة سوتشي

شرعت موسكو أيضا في فتح اتصالات خاصة مع الجماعات المتمردة والفصائل العسكرية التي تسيطر بحكم الواقع على أكثر من ثلثي مساحة البلاد، وعلى رأسهم زعيم متمردي سيليكا ورئيس البلاد الأسبق دجوتوديا، وهدفت تلك الاتصالات في البداية إلى التفاوض على عقود التنقيب في مناجم الذهب والماس الخاضعة لسيطرة الفصائل المتمردة لصالح مجموعة فاغنر، التي أسّست شركة تعدين في البلاد عام 2018 تحت اسم "Lobaye Invest"، وكذلك مجموعة باتريوت وهي شركة عسكرية مرتبطة بوزارة الدفاع الروسية يُعتقد أنها تعمل أيضا في بوروندي وعدد آخر من دول القارة.

 

سرعان ما نجحت روسيا في تحويل هذه العلاقات النفعية إلى شكل من أشكال النفوذ السياسي بعدما استغلّت فشل عملية السلام التي ترعاها الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وأطلقت مسارا خاصا بها للتسوية السياسية، مما أدّى إلى ظهور الخلاف المكتوم بين روسيا وفرنسا للعلن أخيرا. ومع إدانة الفرنسيين لتحرُّكات موسكو بشكل صريح؛ انخرط برلمان جمهورية أفريقيا الوسطى في صراع سياسي بالوكالة بين الموالين لموسكو والموالين لباريس، صراع أدّى في النهاية إلى الإطاحة برئيس البرلمان والمرشح الرئاسي السابق الموالي لفرنسا "عبد الكريم ميكاسوا" بتهمة إساءة استخدام الأموال العامة واستغلال السلطة، في علامة واضحة على النفوذ الذي باتت تتمتع به روسيا بفضل تحالفها مع تواديرا.

 

دفعت هذه النجاحات روسيا إلى استغلال الزخم ومحاولات ترسيخ قبضتها على السياسة في أفريقيا الوسطى أكثر فأكثر، لتنجح أخيرا في فبراير/شباط لعام 2019 بإبرام اتفاق سلام، في العاصمة السودانية الخرطوم، بين حكومة أفريقيا الوسطى و14 جماعة مسلحة كبرى نجحت في جلبها لطاولة التفاوض بعدما أغرتها بالحصول على امتيازات اقتصادية ومناصب سياسية في الحكومة الجديدة، ثم شرعت على الفور في استغلال الاتفاق لتمديد بقاء تواديرا وحزبه الحاكم المسمى بـ "حركة القلوب المتحدة" (MCU) في السلطة، سواء عبر تأجيل الانتخابات لفترة طويلة تذرُّعا بجائحة كورونا، أو عبر التحكم في الاقتراع لتأمين فوز الرئيس بولاية جديدة، معتمدة في ذلك على دعم الجماعات المسلحة المشاركة في اتفاق الخرطوم، التي استخدمت جزءا كبيرا من الأموال الروسية لشراء الأسلحة والذخيرة بهدف بسط سيطرتها على مناطق جديدة.

بعد شهرين فقط من توقيع الاتفاق، عُيِّن بعض قادة الجماعات المسلحة على رأس وحدات الحزب الحاكم والهيئات الانتخابية في مناطق سيطرتهم وبدؤوا في تنفيذ خطة الانتخاب، وعلى الناحية الأخرى كان قادة الجماعات المسلحة الذين لم يشاركوا في الاتفاق يُعِدُّون خطة بديلة بدعم ضمني من باريس، حيث شكّلت خمس مجموعات مسلحة تحالفا عسكريا جديدا يهدف إلى الإطاحة بنظام تواديرا، وسُمِّيت تلك الخطة بـ "الخرطوم ب"، في إشارة إلى كونها مسارا موازيا ومناهضا لاتفاق الخرطوم.

 

شُكِّلَ هذا التحالف بدعوة من "نور الدين آدم"، قائد ما يُعرف باسم "الجبهة الشعبية لإعادة إحياء أفريقيا الوسطى" (FPRC)، ولاقت دعوته قبولا لدى "عبد الله مسكين" زعيم "الجبهة الديمقراطية لشعب أفريقيا الوسطى" (FDPC)، وتبعهما كلٌّ من "علي دراسا" رئيس حركة "الاتحاد من أجل السلام في جمهورية أفريقيا الوسطى" (UPC)، و"صديقي عباس" زعيم حركة "العودة والإصلاح والتأهيل" (3R)، وأخيرا "محمد الخاتم" قائد "الحركة الوطنية لجمهورية أفريقيا الوسطى" (MPC)، لتكتمل بهم أركان التحالف المناهض لروسيا والرئيس تواديرا.

 

اتفقت المجموعات الخمس على تأسيس مركزين عسكريين من أجل محاصرة النظام الموالي لموسكو، الأول في الشمال الشرقي بقيادة مسكين، والثاني في الغرب بقيادة صديقي. ولكن في غضون أشهر من توقيع الاتفاق أعلن مسكين صراحة أنه يُخطِّط للإطاحة بالحكومة المركزية بأي ثمن، وقد أعلنت حكومة جمهورية أفريقيا الوسطى في إبريل/نيسان من العام الماضي أنه قد قُبِضَ عليه في العاصمة التشادية إنجامينا، الجارة وحليفة باريس في قوة الساحل، وطالبت بتسليمه لها، لكن الأمم المتحدة وقَّعت عقوبات تقضي بوضعه تحت الإقامة الجبرية في إنجامينا ومنعه من السفر بدون تسليمه لبلده. ولم يمنع ذلك السياسيين الموالين لباريس من الإفصاح مرارا عن رغبتهم في الإطاحة بتواديرا بأي ثمن حتى لو جاء ذلك عبر التمرد العسكري، وعلى رأسهم عبد الكريم ميكاسوا نفسه، المعروف بقربه من وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان.

عبد الله مسكين يخضع الآن لعقوبات الأمم المتحدة ، والتي تشمل تجميد الأصول وحظر السفر [مصدر: وكالة الأنباء الفرنسية]
بالتزامن مع دعمها السري للجماعات المتمردة، شرعت فرنسا في استخدام ثقلها الدبلوماسي والمالي لإعاقة خطط تواديرا المُقرَّب من روسيا لتمديد البقاء في السلطة والضغط على الحكومة لإجراء الانتخابات، مُوظِّفة شبكاتها العسكرية والمسؤولين المحليين الموالين لها وعلى رأسهم ميكاسوا والرئيسة الانتقالية السابقة كاثرين سامبا بانزا للضغط على الحكومة، حيث تعمّدت جماعات المصالح المرتبطة بفرنسا الكشف علنا عن بعض ملامح سوء الإدارة لدى نظام تواديرا، والصفقات الغامضة التي أبرمها مع مجموعة فاغنر وغيرها من الشركات الروسية التي تهدف لتعزيز حظوظه الانتخابية.

 

لكن الضغوط والتدخلات الفرنسية بلغت حدًّا غير مسبوق في 4 يونيو/حزيران للعام الماضي 2020 بإعلان فرنسا عن منحة بقيمة 90 ألف يورو للمحكمة الدستورية قبل يوم واحد من موعد إصدار قرارها بشأن تمديد ولاية الرئيس. وجاء حكم المحكمة الأفريقية في اليوم التالي موافقا لرغبة باريس تماما، حيث أكّدت أن طلب تواديرا تمديد ولايته كان غير دستوري، بما يعني إجراء الانتخابات في موعدها. وكان هذا القرار القضائي المفاجئ علامة واضحة على النفوذ الذي لا تزال باريس تتمتع به، حيث كانت تلك هي المرة الأولى التي تُعارِض فيها المحكمة قرارا رئاسيا منذ صعود تواديرا لمنصبه قبل 4 سنوات تقريبا.

 

في الوقت نفسه سهّل السياسيون الموالون لفرنسا، وفي مقدمتهم عبد الكريم ميكاسوا، العودة المفاجئة للرئيس السابق المُقرَّب من باريس "فرانسوا بوزيزي" لبانغي نهاية عام 2019. وجزءا من تكتيك أوسع سعت باريس، بدعم من الرئيس الكونغولي ساسو نغيسو، لإعادة توجيه الأصوات لصالح بوزيزي من أجل إضعاف القاعدة الشعبية لتواديرا، دون تمكين بوزيزي من العودة للسلطة. وبدلا من ذلك كانت خطة فرنسا هي إقناع بوزيزي بدعم مرشح آخر مثل ميكاسوا أو بانزا للفوز بالانتخابات.

 

في أعقاب هذه التطورات غيَّر تواديرا موقفه فجأة، وأصبح مؤيدا للتصويت بإيعاز من أصدقائه الروس الذي رأوا أن منافسيه الموالين لباريس -وفي مقدمتهم ميكاسوا وبانزا- يمتلكون قواعد انتخابية ضعيفة، فضلا عن تورُّطهم في اتهامات فساد وسوء إدارة أثناء تولّيهم مناصبهم السياسية. ودشَّنت موسكو والشبكات المرتبطة بها جهدا خاصا لتفكيك التحالف العسكري المناهض لتواديرا، عبر الإيعاز لفاغنر بشراء الذهب والماس من الفصائل المتمردة مقابل إجبارهم على انتخاب الرئيس. وقد لعب زخاروف، مستشار الأمن القومي الروسي لتواديرا، دورا رئيسا في هذا الجهد، حيث سعى في إبريل/نيسان الماضي للضغط على "علي دراسا" للانقلاب على تحالف المتمردين وإجبار أنصاره على التصويت لصالح الرئيس مقابل الحصول على منصب حكومي بارز، لكن دراسا رفض العرض، وتمسَّك بخطة المتمردين للإطاحة عسكريا بالرئيس ومنع إجراء الانتخابات.

 

في السياق نفسه، حاولت موسكو تقويض فصيل الجبهة الديمقراطية الذي يقوده عبد الله مسكين عبر تقديم الدعم السياسي والعسكري لثلاثة من قادة الجماعات العسكرية المناهضة له لشن هجمات مُميتة في مدينة بيراو الشمالية، أبرز معاقل جبهة مسكين، وعدد آخر من المدن التي تُسيطر عليها الجبهة، ما أدّى إلى مقتل عشرات المدنيين وتشريد عشرات الآلاف. وجزءا من الهجوم الذي استهدف الجبهة قامت مجموعة فاغنر بتسهيل نشر مرتزقة سودانيين يقودهم علي محمد علي عبد الرحمن، المعروف باسم علي كوشيب، وهو متهم رئيسي من قِبَل المحكمة الجنائية الدولية في عمليات الإبادة الجماعية في دارفور. ولكن على الرغم من تعهُّد تواديرا بحماية كوشيب من أي عملية اعتقال في بلاده، فإنه اضطر للتراجع عن وعده تحت وطأة الضغوط الدولية والسماح باعتقال كوشيب ونقله إلى لاهاي للمحاكمة في يونيو/حزيران الماضي.

علي كوشيب متهم بارتكاب 504 عمليات قتل وتهم أخرى (الجزيرة)

منذ ذلك الحين اتخذ الصراع في أفريقيا الوسطى دينامية واضحة وثابتة في صورة مواجهة متعددة المحاور، سياسيا واقتصاديا وعسكريا، بين الموالين لروسيا والموالين لفرنسا في البلاد. وفيما يبدو، فإن ذلك الصراع السياسي والعسكري بالوكالة تحوَّل أيضا إلى حرب محتدمة حول الروايات الإعلامية بين موسكو وباريس. ففي يونيو/حزيران 2019 نشرت وكالة الأنباء الفيدرالية الروسية (المرتبطة ببريغوجين) قصة تتهم فرنسا بالتورُّط في مقتل ثلاثة صحافيين روس ينتمون إلى وكالة روسية مُعارِضة ذهبوا إلى جمهورية أفريقيا الوسطى للتحقيق في أنشطة مجموعة فاغنر الروسية، من أجل إلصاق التهمة بموسكو ووضعها في سياق أن بوتين ورجاله يغتالون معارضيهم. وفي سياق مُشابه ردّت موسكو على تقرير للأمم المتحدة يتهم مدربين عسكريين روس بتعذيب رجل محلي، مؤكدة أن الرجل الذي تعرَّض للتعذيب تراجع عن مزاعمه على التلفاز المحلي، واعترف أنه أُجبِر على هذه الادعاءات بواسطة ملحق في السفارة الفرنسية هدّده بالقتل من أجل إطلاق هذه التصريحات المناهضة لروسيا.

 

بدورها، لم تألُ فرنسا جهدا للاستثمار في الحرب الدعائية حول أفريقيا الوسطى. ففي منتصف ديسمبر/كانون الأول الماضي أعلنت شركة فيسبوك أنها أوقفت حملة تضليل إلكتروني قادتها أكثر من 100 صفحة وحساب على فيسبوك وإنستغرام ثبت ارتباطها بالجيش الفرنسي، في واقعة هي الأولى من نوعها للكشف عن عملية تضليل إلكتروني تقودها حكومة غربية. ووفقا للبيانات الصادرة عن فيسبوك فإن الحملة الإعلامية الفرنسية، التي بدأت عام 2018 وشارك فيها أيضا قناتان على الأقل على موقع يوتيوب و20 حسابا على تويتر، استخدمت ملفات شخصية وحسابات وصورا مزيفة، بما في ذلك صور أُنشئت بواسطة الذكاء الاصطناعي لتبدو ملامحها مثل ملامح السكان المحليين في بلدان أفريقيا الناطقة بالفرنسية، وقامت بنشر محتويات داعمة لسياسة فرنسا في هذه البلدان، كما قامت بترويج منشورات تنتقد تورُّط روسيا في أفريقيا الوسطى وسعيها للتأثير في نتائج الانتخابات المُزمع إجراؤها في البلاد.

 

بالتزامن مع ذلك، أعلن فيسبوك أيضا إيقاف حسابات مرتبطة بحملة دعائية سرية تقودها روسيا في المنطقة نفسها، فيما وصفه الموقع الشهير بأنه المثال الأول في تاريخه لإزالة حملتين للنفوذ الأجنبي انخرطتا بشدة في مواجهة بعضهما بعضا. ويخبرنا هذا الاستثمار المُكثَّف في الحرب الإعلامية عن مدى الاهتمام الذي يوليه كلٌّ من الكرملين والإليزيه لحربهما المحتدمة في أفريقيا الوسطى، وهي حرب من غير المُرجَّح أن تضع أوزارها مع الإعلان عن نتائج الانتخابات. وبصرف النظر عن هوية الفائز المُعلن، والطريقة التي ستتلقى بها مختلف الفصائل المتناحرة في البلد الأفريقي النتيجة؛ ستستمر باريس وموسكو في ممارسة لعبتهما الخاصة للنفوذ حتى آخر لحظة، حتى لو كان ثمن ذلك هو استمرار الصراع الدموي في أفريقيا الوسطى وتمزيقها إلى الأبد.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة