15 عاما من الاحتجاج.. ماذا قدّم الجيل الجديد من المتظاهرين في تايلاند؟

ربما لا تتّجه أنظارك عادة إلى أخبار هذه الدولة الواقعة في جنوب شرق آسيا، إلا إذا قرّرت القيام برحلة سياحية مثلا، لكنّ جيلا جديدا من المتظاهرين الشباب جذب أنظار العالم كله إلى بلاده تايلاند. فهذه البلاد التي تُعاني اقتصاديا وسياسيا تحت الحكم الملكي تخرج الاحتجاجات فيها عاما تلو آخر طيلة الـ 15 عاما الماضية، وما زال التغيير أمل آلاف الشباب الذين ينزلون الشوارع باستمرار منذ فبراير/شباط الماضي، لكنهم لم يسيروا على خُطى أجيال المعارضة السابقة واستطاعوا تحقيق ما لم يتحقق سابقا. حول هذا الموضوع كتبت تمارا لوس، الأستاذة المساعدة في التاريخ ودراسات جنوب شرق آسيا في جامعة كورنيل، تحليلا نشرته مجلة "فورين أفيرز" الأميركية.

 

منذ فبراير/شباط الماضي، خرج المتظاهرون في احتجاجات ملأت شوارع تايلاند مطالبين بإصلاح النظام السياسي للبلاد، واحتدّت الاحتجاجات في الشهور الأخيرة، إذ ارتفعت نبرة انتقادات النشطاء للحكومة والتاج الملكي، وهي المؤسسة التي لطالما حظيت بالتقديس. واجه آلاف المحتجين قوات الشرطة في الأسبوع الأول من ديسمبر/كانون الأول الماضي أمام موقع عسكري لكتيبة تتبع سيطرة الملك فاجيرالونغكورن مباشرة، وفي محاولة لسحق التظاهرات، استخدمت السلطات قوانين مسّ الذات الملكية في تايلاند التي تحظر أي انتقاد للعائلة الملكية لاتهام خمسة من أبرز النشطاء.

 

شهدت تايلاند تقلبات سياسية من قبل، ففي الخمسة عشر سنة الماضية عجّلت التظاهرات الشعبية بصعود حكومتين وسقوطهما، في 2006 و2014 على التوالي. لكن الحراك الأخير يكشف تغييرا ثقافيا ثوريا في البلاد، ففي الماضي كانت المعركة الأساسية بين الفصائل السياسية المتنازعة على السلطة، أما اليوم فالتايلانديون يتحدون النظام الملكي علانية، إذ أصبحت المؤسسة التي كانت يوما ما لا يمكن المساس بها موضوعا للجدال العام والاستهزاء وحتى الرفض.

 

التظاهرات الحالية هي امتداد لاضطرابات سياسية سابقة هزت البلاد لسنوات، إذ تنازع اثنان من الفصائل السياسية المعروفان بالقمصان الحُمر والقمصان الصُّفر على السيطرة السياسية في البلاد منذ عام 2006. أتاح هذا العداء الفرصة لانقلاب عسكري في 2006 أطاح برئيس الوزراء المدعوم من القمصان الحُمر تاكسين شيناواترا. تظاهر أنصار القمصان الحمر ضد الانقلاب ما أدى إلى حملة عسكرية قمعية ووحشية في 2010. أجرت السلطات انتخابات مرة أخرى في 2011، ونتج عنها ترشيح شقيقة تاكسين وهي ينغلاك شيناواترا لمنصب رئيس الوزراء. وفي 2014، نظمت جماعة تحت مظلة المحافظين، تتضمن مؤيدي القمصان الصُّفر، تظاهرات مناهضة للحكومة، ما دفع الجيش لتنفيذ انقلاب عسكري آخر، وتعيين قائد الجيش، برايوت تشان أوتشا، رئيسا للوزراء ظاهريا لضمان انتقال هادئ للسلطة من الملك المنحسرة شعبيته بوميبول أدولياديج إلى ابنه فاجيرالونغكورن.

 

تم هذا الانتقال حاليا، واعتلى فاجيرالونغكورن سُدَّة العرش في 2016 في أعقاب وفاة والده. أُدخلت تعديلات على الدستور في عام 2017 وضمنت لبرايوت البقاء في منصب رئيس الوزراء لما بعد انتخابات 2019، في دلالة على مدى احتفاظ الجيش بسيطرته على مفاصل الحكومة. لم يكن يتوقع برايوت الحضور القوي للحزب السياسي التقدمي الجديد، حزب المستقبل، الذي فاز بدعم الكثير من المصوِّتين الشباب. وفي مطلع 2020 حلّت المحكمة الدستورية في تايلاند، التي تخدم مصالح الطغمة الحاكمة، حزب المستقبل وأدانت قائده الشهير، ثانثورن جوانغروونغروانغكيت، بتهمة خرق قانون الانتخابات. أشعل قمع الحزب التظاهرات في الجامعات، ومنذ ذلك الحين، بدأت تتزايد الاحتجاجات المناهضة للحكومة من حيث حجمها ومطالبها بالتغيير. وعلى عكس التظاهرات السابقة فإن الناس الذين يحتلون الآن المساحات العامة في مدن تايلاند هم من الشباب، أغلبهم في سن المرحلة الثانوية والجامعية، ويسعون نحو تغيير جوهري، وانضم إليهم الكثير من مؤيدي القمصان الحُمر.

 

أظهرت احتجاجات العام الجاري تحوُّلا عميقا في السياسة والثقافة في تايلاند. اعتلى بوميبول العرش مراهقا في 1946 وحكم لسبعين عاما تالية، كان خلالها السياسيون والشعب في البلاد يُكِنّون احتراما للملكية باعتبارها رمزا للاستقرار، لكن صعود فاجيرالونغكورن غيَّر هذه النظرة. في أغسطس/آب دعا المحامي الحقوقي أنون دامبا في تظاهرة حاشدة إلى إصلاح النظام الملكي، وبذلك فقد كسر علانية الإطار العام الذي يحظر انتقاد الملكية. ومنذ ذلك الحين، أطلق المتظاهرون العنان لفيض من الانتقاد للملك، وهو ما لم يكن ليجول في خاطرهم قبل أشهر قليلة، وهو أمر عجزت السلطات عن إيقافه. لا تُطالِب هذه الانتقادات بإلغاء الملكية وإنما بالإصلاح، أي تحديد صلاحيات الملك والتدقيق المالي في ثروته وفرض أشكال أخرى من الرقابة على الممارسات الملكية.

 

 

إذا كان السلوك الشعبي تجاه الملكية قد تغير فإن شخصية الملك تغيرت أيضا، إذ إن شخصية فاجيرالونغكورن على النقيض تماما من شخصية والده الملك بوميبول الذي حظي بتقدير كبير شعبيا. شجّع الملك بوميبول على التدبير المالي والادخار والزواج الأحادي التقليدي، بينما تزوج نجله أربع مرات مُعيدا إحياء مؤسسة تعدُّد الزيجات المندثرة. ابتعد الملك فاجيرالونغكورن كثيرا عن ثقافة النزاهة العامة التي زرعها والده، إذ ينغمس الملك في نمط حياة يتسم بالبذخ، فيقضي معظم أيام السنة في ألمانيا (انتشرت شائعات بأنه يُقيم في فندق فخم في جبال الألب البافارية)، كما لم يُظهِر كبير اهتمام بالمعاناة الاقتصادية التي يعيشها شعبه هذه الأيام بسبب جائحة كورونا.

 

ونتيجة لذلك، تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي في تايلاند انتقادات وهجاء ساخر مُوجَّه للتاج الملكي. وهو ما صدم المراقبين التايلانديين، إذ لم تكن مثل هذه السخرية لتحدث في عهد الملك السابق. لكن انقلبت الآية الآن واتخذ المحتجون في التظاهرات وعلى مواقع التواصل الاجتماعي من خطابات الملك شعارات ساخرة مكررين كلماته بتحريف ساخر. كما رفض الخريجون من جامعة تاماسات حضور حفل تخرجهم لأن مَن سيُسلِّمهم شهاداتهم فرد من أفراد العائلة الملكية، وفضّلوا التقاط صور لأنفسهم مع مجسم من الكرتون لبائع فول محلي. حتى إن المتظاهرين قد غيّروا لهجتهم في اختيار الألقاب التي تُظهِر تقديس الملك واحترامه وأصبحوا يختارون ألفاظا أخرى تدل على أن الملك إنسان مثلهم تماما وليس شبيه الإله على الأرض.

 

وأدّت وسائل التواصل الاجتماعي دورا واضحا في الحراك الحالي، إذ طالما كان الجيش وأجهزة الدولة يتحكمون في وسائل الإعلام التقليدية، لكن الآن يستطيع المتظاهرون الشباب الوصول إلى مواقع التواصل مثل "تيك توك" و"فيس بوك" و"تويتر" واستخدامها لإبداء آرائهم السياسية. وحاولت السلطات جاهدة السيطرة على هذه المنصات، لكن خطواتها لاقت معارضة من شركات مواقع التواصل نفسها، إذ علَّقت "تويتر" حسابا ملكيًّا شهيرا بسبب محاولته التلاعب بالمنصة. كما سمحت هذه المواقع بالتواصل بين المحتجين والمعارضين التايلانديين في الخارج، في فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة، علاوة على تواصلهم مع مناصري الديمقراطية في هونغ كونغ وتايوان، وهو التحالف الذي عُرِف بـ "تحالف الشاي بالحليب". كما خصّص عشاق موسيقى البوب الكورية أكثر من 100 ألف دولار لتزويد المتظاهرين بمعدات حماية ذاتية مثل الخوذات والنظارات الواقية والمساعدة القانونية اللازمة إذا ما احتجزتهم السلطات.

 

إن فهم الجيل الجديد للديمقراطية يشمل التزاما تجاه المساواة، بما فيها المساواة بين الجنسين وفي الحقوق الجنسية، وهو ما يقف على النقيض من الثقافة الأبوية للملكية والمؤسسة السياسية. وبينما كانت الاحتجاجات يقودها رجل في منتصف العمر ومغاير الجنس، فإن مَن يقودون الاحتجاجات الآن يشملون النساء والمثليين والمثليات جنسيا، كما أن أغلبية المتظاهرين الذين يصرخون بالتغيير في الشوارع هن من النساء الشابات. فألقت قائدات الاحتجاجات من النساء الضوء على حقيقة أن المؤسسات النافذة في تايلاند مثل الجيش والتاج الملكي والرهبانية يديرها الرجال وتكاد تنعدم فيها مشاركة المرأة. لقد أصبحت هذه التظاهرات متنفسا للشباب، ليس فقط لرفض الملكية ولكن للمطالبة بالحق في الخروج عن السائد.

 

كان للحراك عاقبة سياسية فورية، إذ وضعت رئيس الوزراء برايوت تشان أوتشا في مأزق. تمسّك المحتجون بمطلب استقالة برايوت، لكنه لم يُظهِر رغبة في الزحزحة عن منصبه. كما يبدو أن الملك فاجيرالونغكورن لا يثق في برايوت وحلفائه، ففي أكتوبر/تشرين الأول 2019، فرض الملك سيطرته المباشرة على وحدتين عسكريتين مهمتين في بانكوك، وفي 2018 دشّن قسما أمنيا خاصا، يُعرَف الآن بـ "الحرس الملكي 904" تحت هدف مُعلَن وهو حماية الملكية والخدمة باعتبارهم قوة حماية خاصة للملك.

 

ربما تكون أيام باريوت في المنصب معدودة، فهو لا شعبية له في الشارع، ويبدو أنه فَقَدَ دعم الملك. وعلى الرغم من أن المتظاهرين لا يُكِنّون تقديرا يُذكَر لباريوت، فإن أي انقلاب عسكري ضده لن يفيد، بل سيوسّع الهوة بين الجيل الجديد من المتظاهرين من جهة والجيش والملكية من جهة أخرى. ومن المحتمل أن يأتي الانقلاب إلى السلطة بضباط جيش يرغبون في استخدام العنف ضد الناس الذين يرونهم أعداء القصر الملكي والجيش.

يَعتبر الجيش نفسه حامي حمى المملكة، في حين يُشكِّك الجيل الجديد من المتظاهرين بكلتا المؤسستين بممارسة النقد تجاه إحداهما. فالجيش يمكنه أن يقمع التظاهرات بالعنف بدعم من الملك، لكن مثل هذا القمع سيزيد من خيبة أمل الشباب التايلاندي ويُقوِّض شرعية المملكة والجيش في آنٍ واحد.

 

حقّق المتظاهرون التايلانديون الشباب ما لم تستطع الأجيال السابقة حتى الإقدام عليه، فقد طرحوا الملكية للنقاش العام والانتقاد. لقد عبّروا عن هذا الرفض الجذري بكثافة وعلى نطاق واسع، حتى أصبح إسكاتهم أمرا لن يمر دون أن تدفع السلطة ثمنه.

—————————————————————————————-

هذا المقال مترجم عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة