بعد حفلات التطبيع.. هل يمهِّد الاتفاقُ طريق دحلان نحو رام الله؟

قبيل 21 مايو/أيار الماضي، انشغلت المقاطعة (مقر السلطة) في مدينة رام الله الفلسطينية وزعيمها الرئيس محمود عباس بآلية مواجهة القرار الإسرائيلي المُتعلِّق بضمِّ أجزاء من أراضي الضفة الغربية، لكن في اليوم المذكور قُطع اهتمام عباس نحو حدث هبوط طائرة إماراتية لأول مرة بشكل علني في مطار بن غوريون بمدينة اللد المحتلة، فالطائرة المُحمَّلة بـ 16 طنا من المساعدات الطبية قالت أبو ظبي إنها أرسلتها خصيصا للفلسطينيين لمواجهة أزمة "كوفيد-19".

 

آنذاك، لم تجد السلطة الفلسطينية ذريعة لرفض "الهدية" إلا أنه لم يُنَسَّق معها حول إدخال الشحنة، وبالفعل عادت الطائرة أدراجها إلى الإمارات، لكن المفاجئ أنه في غضون أقل من شهر أعادت الإمارات الكَرَّة، حين هبطت في العاشر من يونيو/حزيران 2020 طائرة بدون علامات تعريف في المطار الإسرائيلي نفسه مُحمَّلة أيضا بالمساعدات الطبية للفلسطينيين، ورُفضِت أيضا هذه الشحنة.

 

كان من الطبيعي أن يُعزى الرفض الفلسطيني الرسمي المتكرر إلى موقف الإمارات من محمود عباس وتأييدها لخصمه اللدود القيادي الفلسطيني المفصول من حركة (فتح) محمد دحلان، والذي بناء عليه جُمِّدت العلاقات بين الإمارات والسلطة الفلسطينية في عام 2012، وأوقفت أبو ظبي منذ عام 2014 مساعداتها كلية إلى رام الله، كما لم يُستثنَ شعور مسؤولي السلطة الفلسطينية أن الطائرات الإماراتية كانت بمنزلة الشماعة لتطوير علاقات أبو ظبي التطبيعية مع الإسرائيليين، وهو ما تأكّد لدى السلطة حين أُعلِن عن اتفاق التطبيع الكامل بين إسرائيل والإماراتيين في 13 أغسطس/آب الماضي، الذي قدَّمت فيه أبو ظبي تعليقَ إسرائيل لقرار الضم باعتباره نوعا من البلسم للفلسطينيين.

محمد دحلان

خلال الأيام القليلة الماضية، أُعيد للأذهان الحديث عما حملته الطائرة الثانية تحديدا في بطنها بجوار ملابس الأطفال وعشرات المواد الغذائية والطبية، إذ كان داخل الطائرة التي انتظرت لوقت بعد رفض السلطة حمولتها شخصان قَدِما من الإمارات، هما الشقيق الأصغر لحاكم الإمارات ومستشاره للأمن القومي طحنون بن زايد، والعدو اللدود لعباس "دحلان"، استُقبِل هؤلاء من قِبل سيارات تابعة لوزارة الخارجية الإسرائيلية، واجتمعا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والسفير الأميركي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان بحضور مسؤولين أمنيين إسرائيليين، وأكّدت مصادر فلسطينية لموقع "دار الحياة" الفلسطيني أن سبب اجتماع طحنون مع نتنياهو هو نقل توصية من شقيقه ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد بالمساعدة في فتح الباب أمام عودة دحلان، الذي اجتمع آنذاك مع شخصيات فلسطينية في أحد فنادق مدينة القدس، إلى المشهد السياسي الفلسطيني خلال المرحلة المقبلة.

 

وتُظهِر التحرُّكات السابقة أن كلًّا من الإمارات ودحلان المحكوم غيابيا لاختلاسه 16 مليون دولار من منظمة التحرير الفلسطينية لا يكفان عن العمل الدؤوب من أجل تحقيق حلم الأخير بالتربُّع على عرش القيادة الفلسطينية، فدحلان بعد توقيع اتفاق التطبيع الكامل بين الإمارات وإسرائيل يعمل على أكثر من جبهة لتسجيل نقاط لصالحه في صراعه مع المقاطعة برام الله.

 

بعد نحو أسبوع من توقيع اتفاق التطبيع الإماراتي مع إسرائيل، وقبل أن يهدأ ضجيج التنديدات بالاتفاق في مبنى المقاطعة في رام الله، خرج صوت غاب 15 عاما عن الساحة الفلسطينية يُندِّد بالموقف الفلسطيني الرسمي الرافض لهذا للاتفاق، بل ويعتذر نيابة عن عامة الفلسطينيين من أبو ظبي عن حرق علمها وإهانة رموزها في الاحتجاجات الشعبية.

 

يعود هذا الصوت إلى أرملة مؤسس حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) الراحل ياسر عرفات "سهى" التي تعيش الآن في مالطا، فعبر حسابها في "إنستغرام" كتبت سهى: "أريد أن أعتذر باسم الشرفاء من الشعب الفلسطيني إلى الشعب الإماراتي وقيادته، عن تدنيس وحرق علم الإمارات في القدس وفلسطين، وعن شتم رموز دولة الإمارات الحبيبة"، لم تكتفِ سهى بهذا الاعتذار، بل عجَّلت ولأول مرة بالخروج على قناة التلفزيون الإسرائيلي شبه الرسميّ (كان)، وشنَّت هجوما ضد رجال الرئيس الفلسطيني محمود عباس، فهدَّدت بإخراج "الصندوق الأسود" من جعبتها لفضح مسؤولين في السلطة انتقدوا موقفها السابق، وقالت: "سأفتح أبواب الجحيم، ويكفي أنْ أنشر قليلا ممّا أعرفه، وسأحرقهم أمام الفلسطينيين".

View this post on Instagram

اريد ان اعتذر باسم الشرفاء من الشعب الفلسطيني الى الشعب الاماراتي وقيادته عن عن تدنيس وحرق علم الامارات في القدس وفلسطين وعن شتم رموز دوله الامارات الحبيبه. هذه ليس من شيمنا واخلاقنا ولا عاداتنا ولا تقاليدنا. الاختلاف بالرأي لا يفسد للود قضيه. اقول لاجيالنا ان تقرأ التاريخ جيدا لتعرف كيف كانت الامارات ماضيا وحاضرا تدعم الشعب الفلسطيني والقضيه ولحد الان. اعتذر لشعب وقياده الامارات عن اي ضرر صدر من اي فلسطيني لهذا الشعب المعطاء اللطيف الذي استقبلنا دائما بكل ترحاب. واعتذر من ام الامارات سمو الشيخه فاطمه بنت مبارك عن هذه التصرفات الغير مسؤوله.

A post shared by Suha Arafat سهى ياسر عرفات (@officialsuhayasserarafat) on

في الواقع، لم يكن موقف سهى السابق غريبا على الأقل عند مسؤولي السلطة برام الله الذين سمعوا أرملة عرفات في ذكرى وفاته التي توافق 11 نوفمبر/تشرين الثاني من كل عام تُشيد برجل (فتح) دحلان الذي أنفق عليها وعلى تعليم ابنتها زهوة، ودأب على الترويج بأن رام الله أهملتها، كانت هذه الإشادة تتزامن مع خروج عباس نفسه أو أحد رجاله وهم يُوجِّهون أصابع الاتهام لدحلان بالوقوف وراء تسمُّم عرفات بأوامر إسرائيلية عام 2004، حيث أثبت علماء سويسريون وجود آثار للبولونيوم 210، وهو نظير مُشِعٌّ في جثمان عرفات الذي أُخرِج من القبر لفحصه بناء على طلب من سهى نفسها.

 

وإذ يُعيد موقف سهى الرئيس عباس إلى ذكريات صراعه مع دحلان الذي بدأ عام 2010، حين سرَّب الأخير معلومات مهمة تُدين ابنيه طارق وياسر بالفساد، والذي على إثره تمكَّن عباس من إخراج دحلان من رام الله، يبدو أن رجال عباس لا يرون في موقف سهى إلا أنها أداة جديدة حرَّكها "عرَّاب اتفاق التطبيع الإماراتي الإسرائيلي" في معركته معهم، لذا لم يتوانوا عن الربط بين سهى ودحلان، فقال رئيس تحرير صحيفة "وطن" نظام المهداوي: "سهى عرفات أرملة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات أصبحت اليوم خرطوشا في مسدس الهارب إلى الإمارات محمد دحلان ومُعلِّمه ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد".

 

في المُحصِّلة، لم يترك دحلان صوت سهى وحيدا يُبارك اتفاق التطبيع الإسرائيلي الإماراتي، إذ خرج التيار المحسوب عليه، تيار الإصلاح الديمقراطي، في بيان خاص مَصوغ بعناية جاء فيه: "الإمارات ستُراعي دوما مصالح الشعب الفلسطيني العليا، بتوظيف كل علاقاتها بإطار إستراتيجية تهدف للتخلُّص من الاحتلال"، وأضاف البيان: "ستُوظِّف الإمارات جهودها في الضغط المباشر على الإدارة الأميركية وغيرها لإنهاء مخطط الضمّ بالكامل، واستبدال خطة ترامب للتسوية بقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية، وتأكيد مواقفهم المُعلنة برفض قرار ترامب إعلان القدس عاصمة لدولة الاحتلال".

علاوة على ما سبق، شرع جملةٌ من المحللين الإسرائيليين في الحديث عن الفرص الذهبية التي سيُقدِّمها اتفاق التطبيع لدحلان، حيث تضمن الاتفاقية الثلاثية (الإمارات، إسرائيل، الولايات المتحدة) كما قال هؤلاء عودة دحلان إلى السلطة، ومنهم الضابط الإسرائيلي السابق في المخابرات العسكرية (أمان) يوني بن مناحم الذي قال: "اتفاق التطبيع بين الإمارات وإسرائيل يفتح الباب أمام عودة دحلان إلى الساحة الفلسطينية، ويُجدِّد محاولاته لتولي منصب رئيس السلطة الفلسطينية، الأمر الذي قد يُمهِّد للحديث عن انتهاء التحالف السياسي بين دحلان"، ويضيف بن مناحم في مقال نُشِر على موقع "نيوز ون" الإخباري: "يختفي دحلان من حين لآخر، ثم يُفاجئ الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية بعودته مرة أخرى، والآن يعود دحلان الذي يملك علاقات وثيقة مع كبار مسؤولي الأمن الإسرائيليين إلى الساحة الفلسطينية بفضل اتفاق التطبيع الإماراتي مع إسرائيل كونه مستشارا خاصا لمحمد بن زايد، ولي عهد أبو ظبي، الذي شارك في إبرام الاتفاقية مع إسرائيل".

 

انتهت فترة ولاية محمود عباس الرئاسية في عام 2009، لكن لا يزال الانقسام الفلسطيني حتى يومنا هذا يَحُول دون إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، وفي وقت يرى دحلان أن الانتخابات هي طريقه للمنافسة على كرسي الرئاسة، فإنه يسابق الزمن لترتيب أموره، وبالأخص بعدما انخرط في عملية التطبيع مع الإمارات ومن قبلها إعلان ما تُعرف بـ "صفقة القرن" التي يرى داعموها فيه رجلَ المرحلة المقبلة.

 

وفعليا، بدأ دحلان منذ سنوات العمل على إيجاد بقعة جغرافية فلسطينية ينطلق منها زعيما، حين اختار غزة التي سحقها الحصار الإسرائيلي منذ عام 2007 باعتبارها "بروفة" لتلك الزعامة، فمنذ عام 2015 تصالحت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) مع "عدوها" دحلان بعدما قضى عباس على أشكال التعاون كافة معها، وفي غزة يقوم تياره "تيار الإصلاح الديمقراطي" بالتغلغل وسط سكان قطاع غزة من شماله حتى جنوبه مُتَّخِذا من المركز الفلسطيني للتواصل الإنساني "فتا" الذي أسّسته زوجته جليلة دحلان ركيزة قوية للعمل الإنساني، إذ تُبحر المؤسسة غير الربحية التي تمتلك ميزانية بعشرات الملايين من الدولارات في تقديم مساعدات مالية وعينية من طرود غذائية وتمويل للمشاريع الصغيرة، وتُشارك في علاج مئات من حالات العقم، وتُقدِّم تبرعات لزرع الأطراف الاصطناعية.

يقول رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح عدنان أبو عامر إنه في ظل تراجع تأثير تنظيم فتح والخط السياسي الذي يقوده أبو مازن يرى دحلان نفسه بديلا قويا لعباس، خاصة في أوساط فتح في قطاع غزة، لكن تبقى المسألة الأهم بعد وجود رغبة لدى دحلان بخلافة أبو مازن هي توافر الإمكانية لتحقيق ذلك، ويُوضِّح أبو عامر لـ "ميدان": "تلك القدرة مرتبطة بعدة اعتبارات، منها إمكانية استقطاب دحلان لجماعة عباس في غزة، وكذلك إفساح المجال له من قِبل حماس في غزة أكثر وأكثر، وثالثا البُعد التنظيمي والمجال الميداني للعمل في قطاع غزة".

 

لكن تحقيق حلم دحلان يبدو بعيد المنال، في المقام الأول لانعدام الثقة الهائل بينه وبين الشعب الفلسطيني، إذ ينظر الفلسطينيون له بوصفه رجلا له تاريخ طويل مكشوف في التعاون مع الاحتلال، بدأ بتجسُّسه على زملائه الأسرى لصالح جهاز الأمن الإسرائيلي (الشاباك)، ولم ينتهِ مع انتهاء دوره كونه أولَ رجال التنسيق الأمني مع إسرائيل، فالحديث عن دوره بالوقوف وراء مخططات سمسرة لشراء منازل فلسطينية في القدس الشرقية بغرض إعادة بيعها للمستوطنين الإسرائيليين، وشراكته مع الإمارات في كل مسعى تخريب في دول الربيع العربي لا يتوقف.

 

وفي غزة، لا يعني توافق حماس مع دحلان السماح له بالاتساع الكبير للعمل في قطاع غزة بسبب مجموعة من الاعتبارات يذكرها أبو عامر، وهي أن حماس تُدرِك أنها كلما تقاربت مع دحلان أكثر تباعدت عن مشروع المصالحة مع عباس بشكل أكبر، ومن جهة ثانية بات واضحا أن بعض القوى السياسية في قطاع غزة لا تُحبِّذ تقارب حماس مع دحلان، بدليل أن تلك القوى تُبدي "فيتو" على مشاركة دحلان في الكثير من الفعاليات في غزة لأنها ترى في مشاركته "شقًّا للعصا" من الناحية التنظيمية، والمسألة الأخيرة -حسب أبو عامر- تتعلق بالبُعد الإقليمي الحاضر بقوة، فتقارب حماس مع قوى الإقليم كقطر وتركيا التي تربطها حالة من العداء المُستحكِم مع دحلان وداعمه يجعل تقارب حماس مع دحلان محفوفا بالكثير من العقبات، خاصة أن البُعد الإقليمي حاضر بقوة في الساحة الفلسطينية.

كما أنه في الضفة الغربية، ورغم أن اتفاق التطبيع الإسرائيلي الإماراتي جاء ضربة قوية لجهود عباس أظهرت فشل تحرُّكاته السياسية للضغط على الإسرائيليين في الساحة الدولية والإقليمية، وكذلك على مستوى قادة فتح حيث حرَّك الاتفاق المياه الراكدة فيما يتعلَّق بإيجاد خليفة لعباس في الحُكم، ستظل حالة الاستقطاب الحادة في الضفة الغربية بين المنافسين لخلافة عباس الذين يتحركون من أجل إزاحته، فهؤلاء متفقون جدا رغم الخلافات بينهم على استبعاد دحلان وإقصائه من الساحة السياسية.

 

في المُحصِّلة، يبدو أن طريق دحلان الذي يفكر دوما بقرب نهاية ولاية أبو مازن باعتبارها فرصة تُمكِّنه من وضع قبعته مرة أخرى في الحلبة السياسية الفلسطينية ليس مفروشا بالورود، فهو كما تقول الكاتبة فازيت رابينا في مقالها بصحيفة مكور ريشون: "قد يكون سياسيا ناجحا، لكن أن يقبله أي شخص في الضفة الغربية أو قطاع غزة زعيما مشكوك فيه، قد يريدون ماله، لكنهم لا يقبلونه قائدا".


حول هذه القصة

يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي أن يتشبث برقصته الأخيرة على المسرح السياسي هذه المرة في مواجهة خصوم أقوياء يبدو أنهم متمسكون بدفعه إلى الهامش أو إلى السجن.. فهل انتهى زمن نتنياهو؟

28/9/2019

فيما يخوض الفلسطينيون والإسرائيليون صراعهم المستمر، صدر كتاب حظي بمتابعة وتغطية إعلامية واسعة “حرب حق العودة: المعركة على مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وكيفية الانتصار الإسرائيلي فيها”.. مراجعة الكتاب تجده بهذا التقرير.

13/10/2019
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة