ترمب وتيك توك.. هل يهدد "الرقص" الأمن القومي؟

 

نُشرت المقالة التالية بصحيفة "الأتلانتك" الأميركيّة استباقا لقرار ترمب بوقف عمليّات تطبيق "تيك توك" في الولايات المتحدة قبل عدة أيام. بعد نشرها بأيّام، صدر القرار، وتجري المفاوضات حاليا بين "بايت دانس"، الشركة الأم للتطبيق، و"مايكروسوفت" من بين شركات أخرى، وصاحب النصيب هو المتقدّم بالعرض الأفضل. لكن قبل معرفة صاحب النصيب هذا، سيكون من الجيّد التعرّف إلى رحلة "يي من تشانغ"، مؤسس "تيك توك"، والاستماع إلى جانبه من الحكاية، كما يرويها في المقابلة التالية.

 

ليسَ "يي من تشانغ" بأكثر من تجسيد لما أرادت الولايات المتحدة للصين أن تكون عليه، إنه المؤسس والمدير التنفيذي لشركة تُسمّى "بايت دانس"، تعود لها ملكية منصة للتواصل الاجتماعي هي أشهر من نار على علم، تُدعى "تيك توك". كما أنه رائد أعمال شغوف، نظرا لإنشائه العديد من التطبيقات ومحركات البحث. ليست حكاية تشانغ بإحدى حكايات النسخ واللصق أو قصّ التكلفة -الحكايات النمطية المعلوكة التي يُعرَف بها ملاك الأعمال التجارية في الصين-، بل هي حكاية إنسان مبدع.

 

لفترة طويلة من نصف القرن الماضي، تَمثَّل أحد الأهداف الرئيسية لحملة السياسة الخارجية في واشنطن بصنع المزيد من أمثال تشانغ. كانت الولايات المتحدة تعتقد أن بإمكانها تحويل الصين الشيوعية إلى مجتمع يكون أكثر شبها بمجتمعها الثري والحر والخلّاق والمفتوح، إلى بلد يتمكّن فيه أي شخص عادي مثل تشانغ، بقليل من الدهاء وأدوات الرأسمالية، من أن يبني الأعمال التجارية ويقترح أفكارا تُغيّر العالم.

"يي من تشانغ" المؤسس والمدير التنفيذي لشركة "بايت دانس"

إلى حدٍّ ما، يُمثِّل تشانغ شاهدا على نجاح الولايات المتحدة. قد يكون "تيك توك" صينيا، لكنّ الأميركيين يعدّونه منهم. وبينما يُستخدم "فيسبوك" لمشاركة صور الأطفال، و"تويتر" للمعمعات السياسية، و"إنستغرام" لاستعراض الجماهيرية، مَثَّل "تيك توك" ضربا من ضروب البساطة الهزلية الفريدة، حيّزا يمكنك فيه أن ترقص في غرفة المعيشة، أو تزامن حركات شفاهك مع مقاطع لنكات سمجة، أو تلتقط طرائف الحيوانات، أو أن تشارك شذرات أخرى من حياتك الشخصية.

 

لطالما تفاخرت الولايات المتحدة بانفتاحها على أي شخص وأي شيء، من أي بقعة كانت، مما حسّن حياة الأميركيين ومستوى معيشتهم. وبحسب الرواية الأميركية، لطالما كان رواد الأعمال، بما هُم عليه من عزم وعبقرية، موضع ترحيب، بل وتقدير، مهما كانت البلاد التي وُلدوا فيها.

 

قد تحسب، والحال هذه، أن تشانغ سينال التبجيل من واشنطن إلى وول ستريت بوصفه رمزا لأفضل ما في الصين وأميركا معا، ولما يُمكن لشراكة البلدين أن تسفر عنه، وأنه مع اقتراب الانتخابات الرئاسية سوف ينبغي لترمب وبايدن أن يحرثوا "تيك توك" طولا وعرضا للظفر بالمصوّتين اليافعين، وأن المصرفيين في نيويورك سيتسابقون على إدراج حصص "بايت دانس" ضمن تبادلات البورصة الأميركية.

 

قبل عدّة سنوات، لربما كان حدوث ذلك ممكنا، لكن ليس في الزمن الحالي. لم يعد معظم الأميركيين، من داخل وخارج نطاق نخبة واشنطن، ينظرون إلى الصين باعتبارها شريكا ممكنا، بل كخطر إستراتيجي. ترمب يتصيّد لبكين في تويتر ومؤتمرات الصحفيين. أما سياسة الاشتباك المتأني فمحطُّ سخرية بوصفها خيالات ليبرالية ساذجة لم يكن من أمرها سوى مناولة الثروة والسلطان إلى غريم استبدادي. بالنظر إليهما من هذه العدسات، فإن تشانغ و"تيك توك" لا يُجسّدان المآل الطيب للأمور مع الصين، بل مآلها السيئ. إن "تيك توك" -وهو تطبيق مكرّس بصورة كبيرة لصرعات الرقص الجديدة ومقالب المراهقين بحيواناتهم الأليفة- يُمثِّل جزءا من التهديد الصيني، أي وجهه الحادّ، ذلك الوجه التقني للنظام الشيوعي الذي ينشب أظفاره بعمق في لحم المجتمع الأميركي، ويسرق منه الأسرار، ويراقب مواطنيه، ويُمكّن لأهداف بكين العدوانية.

هكذا، مدفوعة بإجماع متزايد ضد بكين في واشنطن، بالإضافة إلى إجماع الصقوريين في الحزب الجمهوري، فمن المتوقّع لوزارة الخزانة الأميركية خلال هذا الأسبوع أن توصي باتخاذ إجراءات ضد التطبيق، حسبما أفاد وزير الخزانة ستيفن منوشين.

 

أخبرني السيناتور الجمهوري عن ولاية ميسوري أن على الأميركيين في تيك توك "الحذر منه، إذ إنه جهاز مراقبة لبكين. إنه حصان طروادة في هواتف الناس".

 

للوهلة الأولى، يبدو تحذير من هذا النوع ضربا من ضروب جنون الارتياب، إذ كيف يمكن لمقاطع مرئية لأولاد يتمايلون على أنغام الهيب هوب أن تُشكِّل تهديدا مخيفا لأي شيء؟ لكن في واشنطن، فإن المخاطر المستشَفّة التي يفرضها "تيك توك" على الأمن القومي ملموسة جدا، وفي الأسابيع الأخيرة، ازداد تزمُّت المواقف تجاه الشركة، وأصبح "تيك توك" يرمز لتحدٍّ جديد في طور النشوء، لا تفرضه الصين المتمكنة تقنيا على المجتمع الحر فحسب، بل على هيمنة الولايات المتحدة في القطاع التكنولوجي. فالإنترنت اليوم بنسبة كبيرة -شئنا أم أبينا- محكوم بشركات أميركية من أمثال "ألفابت" و"أمازون" و"فيسبوك"، و"تيك توك" هي أول شركة صينية تتمكّن بحقّ من اختراق الوعي الأميركي والعالمي، وهذا أمر سوف يتعيّن على أبناء جلدتها الآخرين، بمَن فيهم "علي بابا" و"بايدو" و"تنسنت" القيام به.

 

تتصاعد المخاوف في الولايات المتحدة من أن بكين، مع قوتها التكنولوجية المتنامية، قد تكون بصدد تجميع خزان ضخم من المعلومات التي يمكن استخدامها في التعرف إلى المواطنين الأميركيين أو ابتزازهم، أو لأغراض لعلها لا تخطر لنا بعد. وينبع القلق من أن يكون "تيك توك" مجالا ضخما يبتلع في فوّهته صورا وتفاصيل حول الأميركيين السّذّج لإشباع نهم بكين. حصد البيانات الواسع الذي تقوم به الصين على شعبها، أو من خلال دولة المراقبة التي شيّدتها في سنجان، أو نظام الائتمان الاجتماعي الذي تنفّذه، أو التعقب التطفلي للتحركات واللقاءات بهدف مجابهة انتشار فيروس كورونا، قد أدّى إلى مزيد من المخاوف بشأن عزمها على تجميع هذا النوع من البيانات خارج حدودها الجغرافية لخدمة أغراضها الخاصة. هكذا، لا يجد "تيك توك" نفسه رمزا لنهوض الصين والتغلغل في أميركا، وإنما على خطوط الجبهات لمعركة جديدة تدور رحاها بين الولايات المتحدة والصين.

 

يُصِرّ تشانغ على أنّ "بايت دانس" لم تقم ولو لمرة بتسليم معلومات عن الأميركيين إلى السلطات الصينية، وأنّها لن تفعل ذلك أبدا، ويقول لي: "لم يسبق أن تلقّينا طلبا من هذا النوع. وحتى وإن تلقّينا هكذا طلب، فمن المستحيل التعاون".

من المرجّح أنه صادق تماما، فما من دليل ملموس على أنه يعمل لصالح الحزب الشيوعي، ولم يذع أي خبر من هذا القبيل على الأقل. لكن في خضم الارتياب المتزايد من الصين، فإن وعود وعهود تشانغ تعني الشيء القليل. لقد رعى النظام الصيني انطباعا بأن الـ 1.4 مليار مواطن صيني كلهم أوفياء له، أو من الممكن تحويلهم إلى أوفياء للحزب. نظريا، والحال هذه، سوف يعني ذلك أن أي شخص يحمل جواز سفر صينيا يمكن أن يكون جاسوسا، أو أن من الممكن إقناعه بالتجسس. ما الذي سوف يمنع حكومة تُعذِّب المعارضين وتحتجز مئات الآلاف من المسلمين في معسكرات الغولاغ من أن تقوم ذات يوم بالضغط على تشانغ للائتمار بأمرها؟

 

ما قد يفعله تشانغ أو يمكن أن يفعله مستقبلا ما هو إلا هوّة سحيقة من أسئلة "الاحتمالات الأخرى" والأسئلة غير المجابة. وحقيقة أننا نطرح هذه الأسئلة إنما يُشير إلى مدى سوء الأحوال بين الصين والولايات المتّحدة. ومن الغرابة بمكان أن يكون ما يحدث على تطبيق لمشاركة الفيديوهات الترفيهية الموجّه للمراهقين مؤشرا على ما إذا كان البلدان يتجهان نحو تعاون جديد، أو إن تعسر الأمر إلى مواجهة عظمى قد تحمل عواقب وخيمة على السلام والازدهار العالميين. مصير "تيك توك" يخبرنا أيضا إن كان بوسع الصين مواصلة نهوضها التاريخي وتحدي السيادة السياسية والاقتصادية الأميركية، إذ يعرف القياديون الصينيون أن عليهم تحويل بلادهم إلى مركز نفوذ تكنولوجي للارتقاء إلى قمم جديدة من النجاح الاقتصادي والنفوذ الدبلوماسي. لكن إن أحبطت رياح الجغرافيا السياسية طموحات تشانغ، أفلا تُدمِّر الصين أيضا؟

 

لكن الأهم أنّ الجدال حول "تيك توك" يتيح نافذة على المجتمعيْن الأميركي والصيني حاليا، وعلى المسار الذي قد يسلكانه. إن "تيك توك" إنما يعرض خير الصين الحديثة وشرّها في آنٍ واحد، أي إمكانياتها غير المحدودة في توليد الثروة، والأفكار التي يُمكن أن تُفيد أي شخص، والخوف والصراع الذي يمكن أن تُنزله بسلطويّتها التوسعية الآخذة في الانتشار. ما من شركة صينية أخرى قد حاكت نفسها في نسيج الحياة الأميركية بهذه الحميمية. في عصر التكنولوجيا التطفليّة، والبيانات الضخمة، والتهديدات الخارجية المحمومة، تُمتَحن مُثُلنا العليا بناء على طريقة تعاملنا مع هذا التطبيق اليتيم.

يخبرني سام ساكس، الخبير في الشؤون الصينية والأمن السيبراني لدى جماعة تفكير "أميركا الجديدة": "إننا عند نقطة الانعطاف هذه. هل سوف يكون بإمكاننا الحفاظ على الانفتاح الذي كان أحد أبرز نقاط قوّتنا وأن نحمي أنفسنا من التكنولوجيا في كل ركن؟ إن القواعد تُكتَب بحسب سير الأحداث الحالية".

 

كما هو حال معظم الصحفيين، فإنني أُفضِّل إجراء المقابلات المهمّة شخصيا، إذ إنك تَعبر إلى شخصية المرء بالنظر في هندامه، في لغة جسده، في طريقة تفاعل الآخرين معه. هذا ما جال في خاطري عندما بدأت أناقش فكرة عقد لقاء مع تشانغ، لكن الجائحة أتت على كل أمل بمحادثة أتبيّن فيها هذا كله، وانتهى بي المطاف إلى الحديث معه باستخدام "زوم"، الذي يُضيّق بدرجة كبيرة حدود النفاذ إلى شخصية المرء.

 

مهما يكن، فلا يخلو الأمر من بعض الإشارات. عند التخطيط للمقابلات (تحدثت إليه مرتين)، أشرت إليه في رسائل البريد الإلكترونيّ باسم "السيد تشانغ". لم أكن أعرفه، وفي الصين، ينحو رجال الأعمال باتجاه الجانب الرسمي في شؤون كهذه، لكن رئيس الاتصالات في "تيك توك" تندّر قائلا: "إنك الشخص الوحيد الذي يُسميه سيّد تشانغ". في أروقة "بايت دانس"، يختار أن يُنادى باسمه الأول "يي من"، العفوية وترك التكلف تبدو سمته الأثيرة. عند بداية مقابلتنا الأولى، أخبرني تشانغ كيف، وفي خضمّ التفشي، أدار "بايت دانس" افتراضيا، وأضاف: "إنهم لا يحتاجون إليّ إلى ذلك الحد"، موضحا ضعف الرياح الإمبريالية بشكل نادر في أوساط رواد الأعمال التجارية الصينيين، إذ قلّما رأيت ذلك خلال فترة 18 عاما قمت فيها بتغطية الصين.

 

في رواية تشانغ، هو مجرد شخص عادي، وُلِد في بلدة مغمورة هي لونغ يان، في إقليم فوجيان إلى الجنوب الشرقي من الصين، كان والده أمين مكتبة في رابطة محليّة للعلوم، أما والدتهُ فممرضة. قضى الكثير من وقت طفولته يقرأ -كل شيء من الروايات إلى المجلات الموسيقية-، وهذه عادة شجّعها شيء من التسامح من قِبل والديه. تشانغ، البالغ من العمر 37 عاما، بلغَ من الحظ ما كفل له أن يُولد في زمن الثورة الرأسمالية الصينية، عندما كان استكشاف الأفكار الجديدة موضة عصرية. كان دينج شياو بينج قد أطلق إصلاحاته الاقتصادية بعد مدة قصيرة على ميلاد تشانغ، وشاءت المصادفة أن كان إقليم فوجيان أول الأقاليم التي تنفتح على العالم، وبالتبعية من أول المنتفعين من الإصلاحات. بحلول فترة دخول تشانغ المرحلة الإعدادية، كان لدى والديه من المال ما يكفي لاقتناء جهاز حاسوب (كان والده يرجو أن يحالفه الحظّ في تجارة الأسهم في بورصة شنغهاي التي أُعيد افتتاحها مرة أخرى آنذاك). تعلّم تشانغ كيفية استخدام "ويندوز 3.1" وبعضا من البرمجة البدائية، ويقول: "إن بإمكانك القيام بالكثير من الأشياء بمفردك. لديك حرية خلق الأشياء، وأعتقد أن جاذبية الحواسيب إنما تأتي من هنا".

مع ذلك، فإنه لم ينذر نفسه للتكنولوجيا كمسار مهني حتى سنوات الجامعة. بعد عام واحد من التخرج، كان قد انضم إلى مجموعة من رجال الأعمال لتطوير محرك بحث للسفر اشتراه في النهاية موقع "تريب أدفايسور". ثم غادر إلى مايكروسوفت، لكن الأمر استمر لمدة 6 أشهر هناك، قناعة منه بأنه غير ملائم للشركات الكبرى. بعد مدة قصيرة في شركة ناشئة أخرى، أسّس محركا بحثيا للعقارات بدعم من "مجموعة سوسكوينا الدولية"، وهي شركة مالية في نواحي فيلادلفيا.

 

بحلول العام 2011، كان تشانغ مستعدا مرة أخرى لشيء جديد، وأخذ يتأمل في مستقبل التكنولوجيا، فوجده في الهواتف المحمولة، ويتذكر بالقول: "كنا على مشارف نقطة التحول بالنسبة إلى الهواتف المحمولة". مجددا، بمساعدة من مجموعة سوسكوينا، يقول تشانغ إنه تمكّن من جمع مليونَيْ دولار أميركي، تضمّنت مساهمته المتواضعة جدا، واستخدم الأموال في تأسيس "بايت دانس" عام 2012، باستعادة ستة من موظفيه السابقين وتحويل شقة في بكين إلى مكتب غير مُجهّز يُطوّرون فيه تطبيقات الهواتف المحمولة. من بين أول التطبيقات التي أخرجتها "بايت دانس" منصة لتجميع الأخبار تسمى "توتياو"، التي تُترجم حرفيا إلى "عناوين صحفية"، وقد شكّلت ضربة قوية، ولا تزال تحتفظ بشعبيتها في الصين حاليا.

 

بعدها بعدّة سنوات، في عام 2017، خرج "تيك توك" إلى النور، ويقول تشانغ: "لقد حوّلنا انتباهنا إلى الفيديو، ثم أدركنا كم من الصعب على المستخدمين العاديين صنع الفيديوهات، وكنا نُفكّر في كيفية حل الأمر". تَمثَّلت الفكرة في مساعدة الأشخاص العاديين على التعبير عن أنفسهم عبر تيسير مزيد من الوصول إلى التكنولوجيا.

 

في البداية، كانت شعبية "تيك توك" مقتصرة بشكل كبير على السوق الآسيوية مثل اليابان والفلبين. عقب إطلاقه بعدة أشهر، استحوذت "بايت دانس" على تطبيق مزامنة الشفاه مع المقاطع الصوتية "ميوزكلي" (Musical.ly) مقابل مليار دولار أميركي. كان التطبيق يمتلك سابقا قاعدة معتبرة من المستخدمين في الولايات المتحدة، وعملت "بايت دانس" على دمج التطبيق وقاعدة مستخدميه بـ "تيك توك".

حتى مع هذا الانخراط في السوق الأميركية، لم يكن لأحد أن يتنبأ بهذه الصرعة التي سيُولّدها "تيك توك". لقد حُمِّل التطبيق 165 مليون مرة في الولايات المتحدة وحدها، وفقا لشركة الأبحاث "سينسور تاور"، وعالميا فهو يتخطى حاجز المليارَيْ مرة تحميل، مما يموضعه بين أكثر التطبيقات شعبية في العالم. يقوم الأميركيون والمستخدمون في أماكن أخرى بتسجيل مقاطع مرئية لأنفسهم ومشاركتها، يُزامنون حركة شفاههم، ويرقصون، ويروون النكات، أو أي عدد من الأمور الأخرى الترفيهية والإبداعية والشخصية على نحو مدهش (بل وربما المحرجة أيضا). حقيقة أن بإمكان المستخدمين استعارة وإعادة مزج مقاطع صوتية أخرى هو العلامة الفارقة للتطبيق، كما أنه يُخفّض من رهبة استخدامه بشكل أكبر.

 

يقول تشانغ: "إننا نريد أن نكون نافذة، نافذة نطل منها على عالم أكبر. إننا نودّ أن يصبح للمنصة إطلالة على عالم أكبر فأكبر".

 

عليّ الاعتراف، عند هذه المرحلة، أنني قبل الشروع في تغطية القصة لم أكن أمتلك خبرة سابقة، وأن معرفتي كانت ضئيلة فيما يخص "تيك توك" وطريقة عمله. قمت بتحميله، وبعد التقليب في بئر لا قعر له من الفيديوهات القصيرة، اكتشفت سريعا أنني لم أفهمه. إن تقديري الشديد للخصوصية أكبر من أن أُشهِد العالم على ضعفي في الرقص، والوقت والمجهود المطلوبان لتصنيع مقطع مرئي جيد بدَوَا مروّعَيْن. لكن الأمر لا يتطلب كثير تقليب لكي تلاحظ أن أبناء الجيل "زد" يُهيمنون على "تيك توك"، ولنقل إنني أكبُر هذا الجيل بعدّة حروف.

 

الأميركيون في العادة ذوّاقون لهذا النوع من الحكايات الريادية، وفي الماضي، تمكّن رواد الأعمال الصينيون من كسب ودّهم. في عام 2014، تلقّى جاك ما، مؤسس "علي بابا"، معاملة الملوك عندما أدرج عملاق التجارة الإلكترونية في بورصة نيويورك. أما وانغ جيانلين، مؤسس المطوّر العقاري "مجموعة واندا"، فاستحوذ على سلسلة المسارح "AMC" وشركة الإنتاج "ليجنداري إنترتيمنت"، التي ظفرت بجائزة أوسكار عن فيلم "سبوت لايت"، بمشاركة أستوديوهات أخرى.

جاك ما (يمينا) رئيس مجموعة علي بابا، ووانغ جيانلين (يسارا) رئيس مجموعة داليان واندا

كما اتضح لنا، مع ذلك، فإن تلك الفترة قد وسمت خاتمة التعاون السلمي مع الصين. صعود ترمب وكلامه المستعر حوّلا بكين كُليًّا من شريك (على علّاته) إلى عدو ينهب خلسة الوظائف والتكنولوجيات والديمقراطية الأميركية. على القدر نفسه من الأهمية، كان التحول الدراماتيكي في سياسة الصين التي جعلت البلد يظهر كتهديد آخذ بالتصاعد لهيمنة الولايات المتحدة عالميا وأمنها الداخلي. لقد فرد الرئيس الصيني تشي عضلاته بجرأة في السياسات الخارجية، بينما بلاده تحكم قبضة الدولة على التكنولوجيات الجديدة، من حصد البيانات إلى تمييز الوجوه، بالإضافة إلى حملات القمع في سنجان وهونغ كونغ.

 

أجندة تشي كانت مفسدة كبيرة للشركات الصينية الطامحة نحو العالمية، مثل "بايت دانس". سابقا، كان يمكن للأعمال التجارية الصينية والأميركية أن تتبادل التجارة وتفصل كل مجال تقريبا عن طقوس الصين في انتهاكات حقوق الإنسان، لكن تشي هدم الجدار الذي وفّر الحماية الهشّة للتجارة من الاستبدادية، فدولة المراقبة الجديدة الخاصة به والأساليب المروعة التي استخدمها قد جرّت المديرين التنفيذيين السُّذج، بل وحتى الرياضيين المحترفين، ولاعبي ألعاب الفيديو، والفنّانين، على ضفتَيْ المحيط الهادئ إلى أزمة سياسية.

 

وكان تشانغ أحذق بكثير من أن يغفل عن مثالب تشغيل تطبيق من التطبيقات داخل الصين وخارجها في آنٍ واحد حينما أطلق "تيك توك". ومنذ بدايته، كان يتصوّره منصة عالمية. لم يجرِ تشغيل "تيك توك" مطلقا في الصين، وتمتلك "بايت دانس" تطبيقا آخر يكاد يكون مطابقا، يُدعى "دو يين"، يُشغَّل هناك.

هذا الفصل بين "تيك توك" والصين كان حجر الزاوية في حملة تشانغ للحد من مخاوف واشنطن حياله وشركته. مع تأجيج السياسيين الأميركيين الأجواء، حاول تشانغ أن يخلق مزيدا من المسافة بين بكين والتطبيق، ونُقِل فريق إدارة عمليات "تيك توك" في الولايات المتحدة إلى خارج الصين في مكاتب أميركية متفرقة، وأصرّت فانيسا باباس، المدير العام للتطبيق في الولايات المتحدة، على أن تشانغ منح الفريق التنفيذي استقلالية تكاد تكون تامة لإجراء الأعمال التجارية في الولايات المتحدة وفق ما يرونه مناسبا، وقالت إنه على الرغم من أنها أجرت محادثات مع "بايت دانس" حول الإستراتيجية العامة والأفكار، "فإن كل القرارات اليومية تعود لي وحدي". منذ انضمامها إلى الشركة في عام 2019، أردفت: "يسألني الناس عادة عن عدد المرات التي زرت بها الصين، وقد كانت مرة واحدة فحسب".

 

كما أضاف تشانغ مجموعة من التعيينات الجديدة لتعزيز الثقة. في مارس/آذار، جلب "تيك توك" عضو الجماعات الضاغطة المعروف في أوساط واشنطن مايكل بيكرمان بهدف التعامل مع أمثال السيناتور الجمهوري هاولي وشكّل مجلسا استشاريا، يتألف من الأكاديميين والخبراء الآخرين، لتوجيه قرارات التطبيق فيما يخص المحتوى. لكن الإضافة الأبرز جاءت في مايو/أيار، عندما عُيِّن التنفيذي الكبير في ديزني كيفن ماير رئيسا تنفيذيا جديدا في "تيك توك" والمسؤول الرئيسي في العمليات في "بايت دانس"، وقال تشانغ: "إن سبب تعيين كيفن هو أن أعمالنا التجارية في السوق غير الصينية تسير على أحسن ما يُرام، وأننا نحتاج إلى شخص يعرف السوق. شركتنا لا تزال يافعة، ودائما ما أفكر في جلب ذوي الخبرة من التنفيذيين إلى الإدارة".

 

داخل حدود الصناعة، نُظِرَ لإضافة ماير وآخرين باعتبارها محاولة لتعيين وجوه أميركية توحي بالثقة في مقصورة قيادة الشركة الصينية. وتقول ليزا سوتو التي تترأس عمليات الأمن السيبراني في شركة المحاماة هانتن أندروز كورث في نيويورك: "لا يسعني التفكير فيما هو أكثر من ذلك للقيام به".

 

لكن من الواضح أن أيًّا من ذلك لم يُخفِّف من وتيرة حشد الصقوريين في واشنطن. وعندما تحدثت مع هاولي، سخر من محاولة تشانغ بوصفها "سخيفة"، مضيفا: "إنها شركة مقرها الصين". وهذا، فيما يبدو، كل ما يهم.

 

في جوانب معيّنة، أرّق "تيك توك" واشنطن أكثر من أي شركة صينية أخرى، حتى تلك الموجودة روتينيا في مرمى الأهداف السياسية، "هواوي". قضية الأمن القومي فيما يخص "هواوي" مباشرة أكثر بكثير، إذ إن الشركة تُوفِّر ما يُعرف بالبنية التحتية الحساسة، أي اللوازم الأساسية لأنظمة الاتصال اللا سلكي. إن أي حكومة سوف، وينبغي لها أن، تتوجّس من إمكانية أن تكون شبكات اتصال حيوية من هذا النوع هشة أمام الخصوم الخارجيين المتربصين. لكن المعدات التي تعدها "هواوي" يمكن استبدالها بيُسر من قِبل شركات أخرى من دول صديقة، مثل إريكسون السويدية، ويمكن لمعدّاتها ببساطة أن تُفكَّك وتُستبدَل، كما تعتزم بريطانيا أن تفعل.

أما "تيك توك" فيُمثِّل أحجية من نوع آخر. أولا، التطبيق يسري سلفا على الأجهزة الذكية لملايين من الأميركيين، ومخاوف واشنطن بشأن أمن البيانات فيما يخص الصين تصاعدت بفعل اثنين من الاختراقات التي وقعت مؤخرا: اختراق شركة تقارير الائتمان "إكويفيكس" في 2017، وآخرُ يخص مكتب إدارة شؤون الموظفين التابع للحكومة الاتحادية في 2015. في كلتا الحالتين، كان كبش الفداء بحسب خبراء الأمن هو بكين. فثمة افتراض أن السلطات الصينية تُجمّع إضبارات من البيانات حول المواطنين الأميركيين لأغراض مجهولة، لكنها خطيرة على الأرجح. الأكثر من ذلك أن "تيك توك" قد يكون جهازا يُسهِّل تجميع ملفات مملوءة بتفاصيل جديدة خصبة، والأكثر أن "تيك توك" يعمل في مجال المحتوى، ما يعني أن بإمكانه بسهولة أن يعمل ممرا لنشر المعلومات وجمعها، وهو بالتالي يمكن أن يُستخدم في الدعاية السياسية للدولة الصينية.

 

لكن هذا الكلام نظري، إذ يغيب الدليل الملموس فيما يبدو على أن "تيك توك" قد تُشارك البيانات الشخصية عن الأميركيين مع الصين. تقول المنصة إنها تُخزِّن البيانات عن الأميركيين في الولايات المتحدة وسنغافورة، وإنها بالتالي خارج متناول الحكومة الصينية. تزعم دعوى قضائية رُفِعت في كاليفورنيا العام الماضي أن "تيك توك" قد رفع البيانات الخاصة ونقلها إلى خوادم في الصين، وإن كان الدليل الذي تقوم عليه الشكوى غائبا. عندما ألححت على مكتب هاولي بشأن ما إذا كان بحوزته أي دليل ملموس ضد "بايت دانس" أو "تيك توك"، جاء موقفه مبنيا بشكل رئيسي على الحدس، إذ القوانين في الصين تطلب من الشركات الصينية أن تسلّم البيانات إلى الحكومة، كما أفاد السيناتور في تعليق مرسل إليّ. من هناك، تم التوصل إلى استنتاج مفاده أن "تيك توك" يُشكِّل، في أفضل الأحوال، تهديدا محتملا.

 

ليس من الواضح، مع ذلك، ما إذا كانت "بايت دانس"، بصفتها شركة صينية، ملزمة بمشاركة البيانات الأميركية مع بكين. حجاج هاولي يعكس اعتقادا واسع النطاق أن القوانين الصينية تمنح الحكومة تفويضا مطلقا على البيانات التي بحوزة الشركات الصينية، لكن بعض الخبراء يعتقدون أن المسألة ليست بهذه البساطة، لا سيما فيما يخص البيانات التي تقع خارج الصين. ثمة أيضا سوابق تمكّنت فيها شركات صينية من مقاومة مطالب الحكومة بالبيانات.

 

حقيقة أن ما من اتفاق بشأن نوع النقطة القضائية الأمثل إنما يُجسِّد صلب المشكلة، وهي أن القوانين الصينية تُكتب بأسلوب هزلي فضفاض يسمح للمسؤولين بمساحة أكبر أو أقل للقيام بما يرتضونه، والأكثر من ذلك أن الحزب الشيوعي لا ينصاع دائما إلى تفصيلات العمليات القضائية. لا تملك الصين نظاما قضائيا مستقلا، وقليلة هي القوة التي تمتلكها الشركات والأفراد للوقوف في وجه حكومتهم. لذا فإن أرادت السلطات شيئا مثل البيانات عن الأميركيين، على سبيل المثال، فبإمكانك أن تُراهن على أنها ستجد طريقة للحصول عليه.

وفقا لهذا الاعتبار، فإن "تيك توك"، أو أي شركة صينية في هذا الصدد، لا تؤتمن، لأن الصين نفسها لا يمكن أن تؤتمن. ويقول دان هاريس، مؤسس شركة المحاماة "هاريس بريكن" المتخصصة في الأعمال التجارية في الصين: "من المرجح أن ثمة كثيرا من الناس في "تيك توك" ممن يريدون فحسب تشغيل شركة ربحية، لكن ذلك غير ممكن. فإذا عرفت كيف تُدار الأمور في الصين، فلن يمكنك أن تزعم أن "تيك توك" مأمون الجانب".

 

كان لتشانغ نصيبه من المشاحنات مع بكين في الماضي أيضا. في عام 2019، تعرّض أحد تطبيقاته إلى المساءلة بادعاء توليده نتائج بحثية تقدح في بطل شيوعي. وقبل ذلك بعام، أغلق منصة لتبادل النكات عندما أنشبت مجسات الحكومة أظفارها في المحتوى بوصفه محتوى "سوقيًّا"، وتعيّن على تشانغ أن يكتب "نقدا ذاتيا"، وهو شكل شائع من أشكال التذلل والاعتذار إلى السلطات في الصين.

 

إلى حدٍّ ما، ما من شيء غير مألوف بالضرورة بشأن هذه الحوادث. الشركات التي تعمل في الصين، بشقّيها المحلي والأجنبي، تدخل في هذه المساجلات تكرارا مع المسؤولين المتحسسين من أبسط التعارضات السياسية المُستشَفّة. لكن هذا النوع من التدخل كان قد فاقم من حذر قرارات "تيك توك" بشأن المحتوى. تواجه كل صنوف وسائل التواصل الاجتماعي تحديات كبح المحتوى، لكن في حالة "تيك توك" يفترض المنتقدون أن القرارات المتعلقة بشأن ما ينبغي أو ما لا ينبغي أن يكون على التطبيق إنما تُتَّخذ إرضاء للمجسّات الصينية. "تيك توك"، بالطبع، يُنكر ذلك، ويُصِرّ أن فريق الولايات المتحدة هو مَن يتخذ القرار.

 

لكنّ الخلافات المحتومة تلت ذلك على أي حال، إذ اتهم النقاد "تيك توك" بتصفية مقاطع مرئية داعمة لمحتجي هونغ كونغ المنادين بالديمقراطية، والذين تعدُّهم بكين "إرهابيين"، وبإقفال حساب يعود لمراهق شارك مقطعا مرئيا ينتقد معاملة الحكومة الصينية المعتلة لأقلية جماعة الإيغور في البلاد. في الولايات المتحدة، عقب موت "جورج فلويد"، كان "تيك توك" في مرمى النيران لما يُزعم بأنه إزالة فيديوهات تتصل بحركة "حياة السود مهمة" والاحتجاجات ضد وحشية الشرطة والعنصرية، وقالت الشركة إن السبب في ذلك كان خطأ تقنيا مؤقتا.

في ظل التهديدات المستشَفّة من الصين، اتجه الكونغرس والبيت الأبيض إلى المواجهة بإجراءات كان المسؤولون الأميركيّون يُفضِّلون تفاديها سابقا؛ وهي القيود على الأعمال التجارية والشخصيات. وواشنطن تتعامل مع "تيك توك" بأسلوب مماثل، حيث قدَّم هاولي مشروع قانون في مارس/آذار سيمنع الموظفين الحكوميين من استخدام "تيك توك"، كما اقترح تشريعا سيكون من شأنه إقامة جدار عازل منيع بين الصين والولايات المتحدة عبر منع صريح لشركات مثل "تيك توك" من إرسال البيانات إلى الصين والحدّ من أنواع المعلومات التي بإمكانهم جمعها من مستخدميهم. كان البنتاغون قد طلب سلفا إلى العاملين في الجيش حذف التطبيق من هواتفهم المحمولة. وبإصرار من أمثال السيناتور ماركو روبيو، استهلّت لجنة الاستثمار الخارجي في الولايات المتحدة تحقيقا في استحواذ "بايت دانس" على تطبيق "ميوزكلي" من شأنه أن يؤدي إلى سحب الاستثمار منه. يخبرني السيناتور هاولي: "إنّ أفضل شيء لبايت دانس أن تبيع "تيك توك" وأن يكون مملوكا لأميركا ومقرّه هنا". وذهب آخرون لما هو أبعد، إذ حظرت الهند -وهي أكبر سوق لتيك توك- التطبيق في يونيو/حزيران الماضي، ويجادل السياسيّون في أستراليا لحذو حذوها.

 

يقول كلور بارفيلد، الباحث في معهد المشروعات الأميركي والمتخصص في الأمن السيبراني، إن أحوال "تيك توك" "ستعتمد بشكل كبير على مسائل تتخطى التطبيق نفسه".

 

الحقيقة أنَّه أيًّا كان المكان الذي ينصّب فيه خوادمه، ومهما بلغ عدد النوابغ الأميركيون الذين يُجنّدهم، وكيفما كان ترتيبه مع المديرين تحت إمرته، فإن تشانغ لا يستطيع بمفرده أن يُعيد بناء الثقة الأميركية بالصين، وقد كانت هذه، في النهاية، مشكلته الفعلية.

 

الوقوف بحزم ضد صين صاعدة هو على الأرجح الشيء الوحيد الذي يمكن لليمين واليسار الاتفاق عليه في الولايات المتحدة في اللحظة الحالية، أي مشكلة أخرى تلك التي ستؤلّف بين القطبين المتنافرين في مجلس الشيوخ، ألا وهما العضو عن الحزب الديمقراطي تشاك شومر والسيناتور المحافظ المتشدد توم كوتون، اللذان قاما معا بدعوة خبراء الاستخبارات الحكوميين إلى التحقيق في المخاطر الأمنية التي يفرضها "تيك توك".

 

مع أن الأبواب تُطبق على تشانغ في أميركا، فإن تبعات الأمر قد تمتد إلى ما هو أبعد من ثروته وشركته. قد ينجو تشانغ بأريحية بفضل الأتباع الكُثُر لـ "بايت دانس" في الصين، لكن الضرر الحقيقي سيقع على تطلعات الصين ومستقبلها الاقتصادي. يظل "تيك توك" قصة النجاح التقني العالمي اليتيمة للصين، المبنية كليا على البراعة، والقادرة على ترويج نفسها للناس من حول العالم. لكن النهاية الحزينة ستُدلِّل على أن سلطوية الصين الآخذة في التوسع وولعها بالمواجهات الدولية يحدّان من فرص رواد المشاريع فيها، وعلى النطاق الأوسع، من آمالها في أن تكون رائدا تكنولوجيا قادرا على التنافس مع الغريم الأميركي والتأثير في التكنولوجيا التي يستخدمها العالم. بدون التحوّل إلى لاعب مهيمن في التكنولوجيا العالمية، فإن الصين، المثقلة بالأثمان المتزايدة والشرائح السكّانية المتشيّخة، قد تجد نفسها عالقة وعاجزة عن دفع عجلة اقتصادها إلى مصافي الدول الأثرى في العالم.

لكن إن اتخذت واشنطن خطوة جذرية بحظر "تيك توك"، فإن التبعات ستطول الولايات المتحدة أيضا. فذلك سيعني إخفاق الأميركيين في إيجاد حل وسط بين الحفاظ على قيمهم وبين حماية أمنهم في وجه التكنولوجيا التي لا تتوقف عن التغير، ولهذا قالت سام ساكس، من برنامج "نيو أميركا"، إن إغلاق "تيك توك" "فكرة مريعة"، وإن هذا "أشبه بالغش من كراسة إرشادات الصين" باستدعاء ذريعة مخاوف الأمن القومي للتحكم بشأن ما يمكن للأميركيين القيام به عبر الإنترنت.

 

ذلك يُثير احتمالية مؤسفة من تدمير لغايات الإنترنت الرئيسية التي تتمثَّل في غزل العالم في نسيج واحد وتمتين الأواصر مع المجتمعات الأخرى. إن بدأنا بحظر التطبيقات وتقييد العبور، فإنّ المطاف سينتهي بنا إلى العديد من شبكات الإنترنت المنفصلة، وسنصبح أكثر عُرضة للانقسام من الاتحاد. وهذا ليس نوع الإنترنت الذي يريده الكثير من الناس. لكن برغم كل العناوين المخيفة والتحذيرات المروعة، فقد جرى تحميل "تيك توك" 300 مليون مرة حول العالم -20 مليون مرة في الولايات المتحدة وحدها- خلال الأشهر الثلاث الأولى للسنة، في رقم يتجاوز أي ربع سنوي آخر، بحسب "سينسور تاور".

 

لربما كان "تيك توك" يُمثِّل فعلا تهديدا لخصوصيتنا وأمننا، لكنني بتّ أخشى من أننا نواجه السلطوية بأساليبها هي.

 

إن الديكتاتورية الصينية تحظر "فيسبوك"، و"تويتر"، ومنصات وسائل تواصل اجتماعي أجنبية أخرى لأن قيادتها لا تمتلك من الشجاعة ما يجعلها تسمح لمواطنيها أن يمتلكوا حرية الكلام أو النشر أو المشاهدة.

 

إن الدافع لحظر "تيك توك" في الولايات المتحدة مختلف جدا بالطبع، لكنه يأخذنا إلى النقطة نفسها، حيث تُقرِّر الدولة ما يمكننا أن نقوله من عدمه عبر الإنترنت، وهو ما يضع الحكومة الأميركية في هذه المفارقة من دفاعها عن الحريات عبر تقويضها، ولا يمكن لهذه أن تكون أفضل طريقة للتعامل مع مخاوفنا.

—————————————————————————-

هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.


حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة