أسامة الجويلي.. ماذا تعرف عن عدو حفتر وصانع انتصارات الوفاق؟

بعد أيام من مقتل الزعيم الليبي معمر القذافي، وبينما كان 14 عنصرا من عناصر كتيبة "أبو بكر الصديق" التي تشكّلت إثر الثورة الليبية يؤدون مهامهم كدورية حدودية في الصحراء وعلى رأس تلك المهام تتبع خط سير فلول نظام القذافي، رأت تلك العناصر رجلا يرتدي زي الطوارق بصحبة آخرين يحاولون الفرار عبر الحدود الليبية. كان هذا في اليوم 19 من نوفمبر/تشرين الثاني عام 2011، حين اعتقد نجل القذافي الأكبر "سيف الدين" وثلة من الشخصيات التي تُوالي نظام والده أن بمقدورهم الفرار من الثوار عبر الصحراء إلى النيجر، لكنه اعتُقل على يد الكتيبة التي تشكّلت إثر الثورة الليبية في مدينة الزنتان (جنوب غرب ليبيا)، وبقي فيها طيلة فترة اعتقاله وحتى بعد إطلاق سراحه واختفائه عن الأنظار منذ يونيو/حزيران 2017.

 

المحطة الأهم في عملية اعتقال نجل القذافي كانت تخص ضابطا سابقا عمل في الجيش الليبي إبان عهد القذافي، صعد نجمه بعد أن تمكّنت قوات الزنتان التي يقودها من اعتقال نجل القذافي، إنه القائد العام لمجلس الزنتان العسكري "أسامة الجويلي" مؤسس واحد من أكبر التحالفات العسكرية قوة، وكذلك وسيط له دوره المهم في المشهد السياسي الليبي.

 

برز اسم الجويلي مبكرا بعد الثورة الليبية التي اندلعت في منتصف فبراير/شباط 2011، ذلك حين اختار أن يبقى في مسقط رأسه وينشط كقائد محلي تتوافق عليه شخصيات مهمة في مدينته "مهد الثور" الزنتان، حيث أتاحت له قدراته العسكرية العمل "سفيرا" تلتف حول قراراته ميليشيات الزنتان، بل وتتوافق معه قوات ثورية أخرى شكّلها ضباط عسكريون انشقوا عن النظام السابق في جميع أنحاء ليبيا، وبالتحديد تحرك الجويلي نحو العمل العسكري في أغسطس/آب 2011 حين تمكّن من إنشاء قوة رئيسية شاركت في عملية انتزاع العاصمة من القوات الموالية للقذافي، حيث واصل دوره القيادي في مجلس الزنتان العسكري حتى بعد عملية اعتقال نجل القذافي، وبعد تسميته كأول وزير للدفاع في حقبة ما بعد القذافي، إثر تعيينه من قِبل المجلس الوطني الانتقالي في هذا المنصب منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2011 إلى سبتمبر/أيلول 2012.

أسامة الجويلي (رويترز)

وُلِد الجويلي الذي نفى أن يكون تعيينه وزيرا للدفاع ثمنا للقبض على سيف الإسلام عام 1961 في الزنتان التي تقع على بُعد نحو 180 كيلومترا جنوب غرب العاصمة طرابلس، وهي المدينة التي شهدت انقساما بين الموالين لحكومة الوفاق الوطني وبين الداعمين للواء حفتر، لكن أهم ما يمكن ربطه برحلة المدينة في أحداث ما بعد الثورة الليبية يخص انقسامها السياسي والعسكري مع مدينة مصراتة الذي وقع في يوليو/تموز 2014 نتيجة انجرار قوات الزنتان للانقلاب السياسي الذي أعلنه حفتر، والذي كانت ترفضه مصراتة مما أحدث صداما عسكريا عُرِف بعملية "فجر ليبيا"، وفي هذا الصدام برز دور الجويلي كقائد ذي ثقل عسكري ساهم في إحلال السلام بين الزنتان ومصراتة في مارس/آذار 2018، فهو المحاور الرئيس الذي عمل على تعزيز المحادثات بين مجلس الزنتان العسكري ومجلس مصراتة العسكري حتى التوصل للمصالحة، التي كان لها أهميتها في نجاح حكومة الوفاق الوطني واستقرار الأوضاع في العاصمة، بل بقي المجلس الذي يقوده الجويلي فيما بعد "إحدى المؤسسات التي تُحدِّد نجاح أو فشل الجهود الدولية لتحقيق الاستقرار في ليبيا في ظل حكومة الوفاق الوطني" كما جاء في تقرير معهد "جيمس تاون".

 

فضَّل الجويلي ترك العمل قائدا عسكريا مستقلا عن أي كيان سياسي، وانضوى تحت راية حكومة الوفاق الوطني في ديسمبر/كانون الأول 2016 للعمل تحت إطار شرعيتها الدولية، وتُعَدُّ المحطة الأبرز في رحلته السياسية مع الوفاق تعيينه في إبريل/نيسان 2019 قائدا لغرفة العمليات المشتركة من قِبل رئيس حكومة الوفاق فايز السراج، حيث وجد الأخير في الجويلي رجل المرحلة المهمة في التصدي لتحركات للواء المتقاعد خليفة حفتر ضد العاصمة طرابلس، ويُعرف الجويلي بتعامله بواقعية مع الأحداث، فهو "أول مَن نبه إلى خطورة تقدُّم حفتر نحو طرابلس، وحاول التصدي له في الطريق عندما تحركت قواته تجاه طرابلس ونجح في تأخيره لأيام قليلة نظرا لفارق القوة"، كما يقول الإعلامي الليبي عمر معتوق، ويضيف لـ "ميدان": "الجويلي أول قائد عسكري من حكومة الوفاق خرج علنا من اليوم الأول لهجوم حفتر وبدأ بتجميع القوات وتشكيل قوس دفاعي إلى حين تكليفه رسميا بقيادة العمليات المشتركة بشكل رسمي والتحاق بقية المقاتلين به".

 

واحد من المشاهد التي أسرت قلوب عناصر قتالية في حكومة الوفاق الوطني الليبية كان يتعلق برؤيتهم ستة من قوات حفتر يخرجون من داخل قاعدة الوطية ومحيطها مستسلمين دون أسلحة، المشهد كان كفيلا للتأكيد لهم أن اقتحام القاعدة الإستراتيجية قد نجح هذه المرة، ففي مرتين سابقتين حيل بينهم وبين السيطرة على القاعدة المحصنة، واقتصر الإنجاز العسكري آنذاك على تطويق القاعدة وقصفها عبر البر والجو. كان هذا في اليوم التاسع من مايو/أيار 2020، بعد أن توالت مشاهد انتصارات الوفاق بشكل باهر واحدا تلو الآخر، فاستعادت عشرات المدن بإقليم طرابلس وغيره، لكن بعد سقوط قاعدة الوطية الإستراتيجية (140 كلم جنوب غرب طرابلس) الذي يعني السيطرة الكاملة على غرب ليبيا، اتضح مدى نجاعة الخطة العسكرية لقادة الوفاق والتي أدّت إلى انتزاع أكبر قاعدة عسكرية حوّلتها قوات حفتر منذ السيطرة عليها قبل ست سنوات إلى مركز لقيادة العمليات الغربية، مركز لم يكف قادته عن إعطاء الأوامر بشنّ غارات عسكرية على مناطق طرابلس.

أعضاء في الحكومة الليبية المعترف بها دوليًا بعد أن سيطروا على قاعدة الوطية الجوية، جنوب غرب طرابلس (رويترز)

كان رجل تخطيط الهجوم على القاعدة هو الجويلي، فقائد غرفة العمليات المشتركة الذي سمع السراج يتعهّد في اجتماعه معه خلال شهر رمضان الماضي بالاستيلاء على القاعدة هو مَن أعدّ الخطة الأخيرة للسيطرة على الوطية، تلك السيطرة التي منحت الوفاق إنجازا عسكريا تمثّل في السيطرة على طول الحدود مع تونس خاصة المعبرين البريين رأس جدير والذهيبة/وزان. بيد أن دور الجويلي الذي صرّح أن "عملية السيطرة على قاعدة الوطية تمت بشكل سريع ومدروس وبدون خسائر في قواتنا" هو أعم وأشمل من التخطيط للسيطرة على تلك القاعدة، فهو مهندس عملية "عاصفة السلام" التي أطلقتها الوفاق في 25 مارس/آذار 2020 واعتمدت لأول مرة بشكل كبير على الدعم العسكري التركي الذي تعهّدت به أنقرة، حيث شاركت الطائرات بدون طيار التركية لأول مرة إلى جانب المدفعية ونيران الصواريخ في المعركة.

 

وبعد سقوط الواطية تعهّد الجويلي الذي يُعرف بأنه أكثر القادة الليبيين ثقة عند الأتراك على العمل لإسقاط آخر معقل لحفتر في الإقليم وهو ترهونة، وبالفعل أوفى قائد القطاع العسكري الغربي بما تحدث عنه في 5 من يونيو/حزيران الماضي، بل إن الجويلي بعد أقل من أسبوع من سقوط ترهونة تمكّن من توسيع سيطرته على مناطق من الزنتان، فسيطرت قواته المتحالفة الآن على معسكر أبو بكر الصديق، والمقر المحلي للحكومة الموازية في الشرق، وغيرها، فالجويلي كما يعتقد المحلل العسكري الليبي عادل عبد الكافي: "أدار المعركة باحترافية عسكرية جيدة وحكمة في التعامل مع البعد الاجتماعي للمنطقة الغربية بقدر الإمكان دون التأثير على سير العملية العسكرية، كما أنه تعامل مع القوات العسكرية وأمراء المناطق الأخرى بروح الفريق".

 

الآن، وبعد توقف عمليات قوات الوفاق على حدود سرت بعدما تعرّضت تلك القوات لقصف جوي من طائرات حربية روسية خلّف أكثر من 60 قتيلا، حيث وصلت المدينة تعزيزات روسية كبيرة لمنع قوات حكومة الوفاق من دخولها، يدرك الجويلي مدى خطورة الوضع العسكري في ليبيا، يقول الإعلامي الليبي عمر معتوق إن الجويلي يدرك أن معركة سرت ستكون معركة دولية، وهو يدرك أيضا أن المعركة تحتاج إلى تجهيز أكبر بكثير من معركة الدفاع عن طرابلس، ويُضيف: "ما يميز معارك جويلي السابقة هو النصر بأقل الخسائر البشرية الممكنة، وهو الآن يرأس الغرفة المشتركة للعمليات، وما زالت جميع الأسلحة وخاصة الجوية تتبع تعليمات الغرفة وتتبادل المعلومات معها، وسيكون تعويض فارق القوة بأسلحة نوعية".

 

في اليوم 19 من مايو/أيار 2019، استوقف مشهد مرور عشرات المركبات المدرعة من طراز "بي إم سي كيربي" تركية الصنع العديد من المواطنين الليبيين عن متابعة سيرهم كمارة أو يقودون السيارات، فقد ذهل هؤلاء لما رأوا من عتاد عسكري جديد قدم لتوه من طريق ميناء العاصمة طرابلس، ذلك أنهم اعتادوا على رؤية الدبابات والمدرعات المتهالكة في الغالب في شوارع العاصمة طرابلس، والتي لم يمكن باستطاعتها مضاهاة قوة الدبابات والمدرعات الحديثة التي دُعِم بها حفتر من قِبل حلفائه الإقليميين.

لقد كان هذا الدعم النوعي هو أول ما جناه قادة الوفاق من تحركهم نحو تركيا، وليس بآخر ما أفضت إليه الاتفاقية الأمنية التي وقّعها الجانبان في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، فبعد أيام من زيارة ليبية رسمية إلى أنقرة هدفت لتحريك المياه الراكدة في العلاقات التركية مع حكومة الوفاق التي اقتصرت على مجرد دعم سياسي محدود، استُجيب لطلب وزير الداخلية الليبي، فتحي باشاغا، أن تدعم أنقرة بلاده عسكريا، وتحديدا بتزويدها طائرات عسكرية لإحداث توازن قوى في أرض المعركة مع حفتر، حيث استمع الأتراك في هذه الزيارة لقادة عسكريين اصطحبهم باشاغا معه وعلى رأسهم الجويلي الذي قدّم مع زملائه شرحا وافيا لأهمية وجود طائرات حديثة تصد طائرات حفتر عن ضرباتها المتتالية على مناطق الوفاق، وبالفعل سرعان ما لمُس أهمية السلاح التركي في يد قوات الوفاق التي استرجعت في أواخر يونيو/حزيران 2019 المدينة الإستراتيجية غريان الواقعة على بُعد 60 كم جنوب طرابلس، حيث سقطت المدينة في أول استخدام للطائرات بدون طيار التركية فيما استكملت بالسلاح ذاته سلسلة انتصارات أبرزها تحرير طرابلس، ومدينتَيْ ترهونة وبني وليد، ومدن الساحل الغربي بالكامل، وقاعدة الوطية الإستراتيجية، وبلدات بالجبل الغربي.

 

لقد تنبّه الجويلي الذي امتلك قدرة كبيرة على التواصل مع جميع الأطراف داخل ليبيا إلى أهمية العلاقات الخارجية أيضا، وضمن هذه الرؤية أتت مشاركته للسراج في لقائه مع قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، الجنرال ستيفن تاونسند يوم 22 يونيو/حزيران 2020، فعلى أرض مدينة زوارة الساحلية (120 كم غرب العاصمة طرابلس)، استعرض الجويلي أحدث المستجدات العسكرية والأمنية في ليبيا في سبيل تحريك الجهود الأميركية لتحقيق الاستقرار في بلاده.

رئيس الوزراء الليبي المعترف به دوليًا فايز السراج يلتقي بالسفير الأمريكي في ليبيا ريتشارد نورلاند وقائد القيادة الأمريكية الإفريقية (أفريكوم) الجنرال ستيفين تاونسند، في زوارة، ليبيا 22 يونيو 2020 (رويترز)

ولم تكن قناعة الجويلي بأن العلاقات الدولية لها دور في الساحة الليبية وليدة التطورات الأخيرة، فمنذ البداية أدرك الرجل جدوى إقامة المجلس العسكري للزنتان الذي ترأسه علاقات مع جهات أجنبية ثرية، كإيطاليا على سبيل المثال التي رغبت في الاستثمار الاقتصادي في منطقة الزنتان، وما لبث أن سار الجويلي على الدرب نفسه حين انخرط في العمل تحت لواء حكومة الوفاق الوطني، إذ تنبّه أنه ليس بمقدور الوفاق تعزيز سلطتها في طرابلس وغيرها دون توفير شبكة دولية تمنحها نفوذا دوليا، يقول الإعلامي الليبي عمر معتوق:

"جويلي رجل ليبيا، يُقدِّر الحليف الذي يعلم أنه لا يحمل أطماعا استعمارية، وعلى هذا الأساس يتعامل مع الحليف التركي تحت القيادة المدنية لحكومة الوفاق، ويتعامل بواقعية مع الأحداث، ويعلم جيدا أن الدور الأميركي محوري في ليبيا، ويعلم أيضا أن الولايات المتحدة منذ زمن مؤثرة في الشأن الليبي ولها قواعدها في ميزان القوى، مما لا يتعارض مع استقرار البلاد تحت المصالح المشتركة، وهو ما تفتقده روسيا مثلا، حيث ينظر لها كمحتل وليس شريكا".

الآن، وفيما تتأهب قوات الوفاق لتحرير مدينة سرت (450 كم شرق طرابلس)، يُحدِّثنا المحلل العسكري عادل عبد الكافي عن تجهز الجويلي للمرحلة القادمة فيقول: "ستعمل جميع القيادات تحت غرفة مشتركة لتقديم كل الدعم والإمكانيات العسكرية لكل الوحدات البرية والبحرية والجوية للقضاء على المرتزقة الروس التابعة لحفتر، حيث يسعى الآن المجلس الرئاسي إلى التحالف مع الدول التي تدعم الاستقرار في ليبيا".


حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة