الصين والذكاء الاصطناعي.. هل أثبتت التجربة أن الإبداع لا يحتاج إلى الحرية؟

بالمنظور الليبرالي يقترن الإبداع بالحريات الشخصية لأنه يتيح لأصحابه السعي وراء الأفكار الغريبة وغير المألوفة بأريحية ودون قيود. في التقرير التالي من مجلة "فورين أفيرز" الأميركية، يبرهن المؤلفان كارل بينديكت فراي ومايكل أوسبورن على صحّة هذا الشرط من منظور تاريخي.

قديما، كان مرتقبا على نطاق واسع أن تحجب اليابان شمس الولايات المتحدة كرائد عالمي للتكنولوجيا. وفي عام 1988، تحدّث مراسل "نيويورك تايمز" ديفيد سانغر عن مجموعة من خبراء الحاسوب في الولايات المتحدة عقدت جلسة لمناقشة التطور التقني الياباني، وعندما قيَّمت المجموعة الجيل الجديد من الحواسيب الآتية من اليابان، كتب سانغر: "إن أي أوهام بأن أميركا تحتفظ بأسبقية مريحة قد ذهبت أدراج الرياح".

 

استبدل "حواسيب" بـ "ذكاء اصطناعي"، و"اليابان" بـ "الصين"، وسيبدو كما لو أن المقال قد كُتب اليوم. في كتاب بعنوان "قوى الذكاء الاصطناعي العظمى: الصين ووادي السيليكون والنظام العالمي الجديد"، الذي أصبح، بما لا يثير الدهشة، أفضل الكتب مبيعا في لمح البصر، يجادل كاي فو لي، رئيس غوغل في الصين، بأن كنز البيانات منقطع النظير، وثقافة النسخ، والالتزام الحكومي الصارم بالذكاء الاصطناعي، التي تحوزها الصين تمنحها قدم سبقٍ كبرى على الولايات المتّحدة. ومؤخرا، جادل جراهام أليسون، عالمُ السياسة بجامعة هارفارد، بأن احتضان الصين لما يراه معظم الأميركيين دولة مراقبة مرعبة إنما يمنحها أفضليّة بيانات كُبرى على الولايات المتّحدة.

 

وبصفتنا اثنين من الباحثين الدارسين لتطبيقاتِ الذكاء الاصطناعي وتداعياته، فإننا بكل احترام نختلف معهم. وإن كان للصين أي رجحان في أن تحل محل الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي فإنها لن تتخطى تلك التي كانت لليابان في الهيمنة على الحواسيب ثمانينيات القرن الماضي. فمع أن الصين غنية بالبيانات، ومع أنها برعت في تحسين تكنولوجيات ابتُكرت في بقاع أخرى، فإن كثيرا من العراقيل تمنعها من التحول إلى مركز جديد في الاختراقات الكبرى التي يحتاج إليها الذكاء الاصطناعي بشدّة.

تصدّرت الصين عناوين الصحف الدولية باستغلالها الفعّال تقنيات المراقبة لديها في تعقّب المخالطين في خضمّ استجابتها لـ "كوفيد-19″، المرض الذي سبّبه فيروس كورونا المستجد. غير أن أفضلية البيانات المزعومة للبلاد أكبر من حجمها الفعلي بكثير، وأحد أسباب ذلك أنَّ البيانات تقترن بكل مجال على حدة، وأنّها لا تحلّ في العادة أكثر من المشكلات التي جُمعت لأجلها، وتجاوزات الصين في مسألة الخصوصية تُمكّنها من التجسس على مواطنيها، لا غير. ذلك أن وفرة بيانات المراقبة لا تعطي الصين أفضلية في تطبيق الذكاء الاصطناعي على مجالات مثل مكتشفات العقاقير أو السيارات ذاتية القيادة، على سبيل المثال.

 

لا يكمن لغز الذكاء الاصطناعي في كمية البيانات التي تصل إليها الخوارزميات، وإنما في فعالية تعلُّمه من تلك البيانات. حتى بكميات مهولة من البيانات، تُستدرَجُ أنظمة الذكاء الاصطناعي لارتكاب الأخطاء. وقد برهن كريتسيان سيغيدي، باحث غوغل وزملاؤه، على هذه النقطة عبر خداع الخوارزميات التي تمكّنت لمرة بكل ثقة ودقة من فرز كلٍّ من صور الكلاب وحافلات المدارس على حدة، إذ تلاعب الباحثون ببكسلات الصور بأسلوب يجعلها عصيّة على الرصد بالعين المجردة، وقد أدى ذلك بالخوارزميات إلى أن تُصنِّف كلًّا من الكلاب والحافلات كطيور نعام. عادة ما تتمكن خوارزميات الذكاء الاصطناعي من تحديد الأجسام، لكنّها تفتقد إلى أي فهم تصوّري للعلاقات بين تلك الأجسام أو خصائصها المميِّزة، في انسجام مع ما حذّرنا منه يوشوا بينجو باحث التعلُّم العميق [1] حينما قال: "لا يمكننا بواقعية أن نَسِم كل شيء في العالم ونفسِّر كل تفصيل بدقّة متناهية من أجل حاسوب".

 

يطيب للكثيرين التفكير في الصين على أنّها "سعودية البيانات". لكن إن كانت البيانات هي النفط الجديد، فإنّها قد تكون موردا طبيعيا ملعونا للصين. وعلى سبيل المثال، في بواكير عشرينيات القرن الماضي، بدت السيارة الكهربائية واعدة أكثر من السيارات المشغلة بالجازولين. لكن اكتشافات النفط الضخمة، من بين أُخرى، أمالت كفّة الميزان لصالح محرّك الاحتراق الداخلي. وبعد قرن من الزمن، فها نحن نحاول الرجوع إلى السيارات الكهربائية. والتركيز على تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتعطشة للبيانات يُمكن أن يؤدي إلى احتجاز مماثل في النوع الخاطئ من الذكاء الاصطناعي.

لقد شاهدنا هذا الفيلم في السابق، ففي ثمانينيات القرن الماضي، أدّت الوعود الضخمة والتركيز الهائل على الذكاء الاصطناعي الرمزي إلى تمويل وتهويل إعلامي كبيرين، وقد عنى ذلك تجفيف التمويل لـ "التعلم العميق". لكن التعلم العميق له نصيبه من المشكلات التي أدّت بالشركات مؤخرا إلى التركيز على حل مشكلات أسهل في الذكاء الاصطناعي، مثل فرز صور القطط والكلاب، حيث تتوفّر البيانات بكثرة، وهذا النهج وحده يُمكن أن يصل إلى طريق مسدود يُدخل الذكاء الاصطناعي في شتاء آخر.

 

فعالية البيانات هي المشعل المقدس للتقدُّم في الذكاء الاصطناعي، فالسبب الرئيسي الذي يجعل معظم الناس يربطون المحرك البخاري بجيمس واط بدلا من توماس نيوكومن، الذي طوّر محرّكا بخاريا يشتغل بالفحم قبله بعقود، هو أن فصل واط للمكثّف أولا جعل تلك التكنولوجيا أكثر فعالية لناحية استهلاك الطاقة. ولا يزال الذكاء الاصطناعي ينتظر لحظة فصل المكثِّف الخاص به. فحتّى يتمكّن من الفوز في لعبة "الغو" الصينية ضد لي سيدول، بطل لعبة اللوح الإستراتيجية، تعيّن على برنامج "ألفا غو ديب مايند" أن يلعب ضد نفسه ملايين المرات، وقد تعلَّم أن يُحرِّك القطع بطريقة أبطأ مما يفعل أي إنسان. يستطيع البشر الاستفادة من البيانات إلى حدٍّ لا يُصدَّق، أما الاختراقات الأخيرة في الذكاء الاصطناعي فأقلّ من ذلك بكثير. وقيادة الولايات المتحدة أو الصين للعالم في مجال الذكاء الاصطناعي تعتمد بشكل أقلّ على مَن يمتلك البيانات مما تعتمد على مَن سيكون أول مَن يبتكر ما يتجاوز هذه العقبة.

 

يخشى أولئك الذين يحذّرون من تقدّم الصين العنيد في مجال الذكاء الاصطناعي لأن التكنولوجيا مركزية بطبيعتها، فالحكومات الاستبدادية ستكون أقدر على تعزيز الإبداع من الحكومات الديمقراطية، وبأن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعيّ، بدورها، ستعطي الأفضلية للحكومات الاستبدادية. يستدعي هذا الخوف اعتقادا ساد في القرن الماضي عن الكهرباء، ومثل ذلك الاعتقاد، فإن اعتقاد اليوم في غير محلّه أيضا.

في عام 1923، توقّع تشارلز ستايمنتس، الذي جعله عمله لـ "شركة الكهرباء الأميركية العامّة" في بداية القرن العشرين من مشاهير تلك الفترة، أنَّ الكهرباء ستؤدي إلى نشوء مجتمع أكثر تكافليّة. وجادل ستايمنتس، عبر استدلال خاطئ، بأن تطوير شبكة كهرباء قومية سيؤدي إلى قيام الاشتراكية، لأن النظام الاشتراكي وحده سيكون قادرا على إدارة الاعتمادات المتبادلة التي سوف يتطلّبها التقدّم باتجاه شبكة قومية.

 

وبالفعل، وفَّر "قانون كهرباء الريف" في عام 1936 التمويل للتعاونيات الريفية التي أهملتها شركات الطاقة الخاصة الكبرى. لكن الانتقال إلى الطاقة الكهربائية نجم عنه تنافس رأسمالي، على شكل تجارب في المصانع. فعندما عرف المهندسون كيفية تزويد كل آلة بمحرّكها الكهربائي الخاص، بدلا من الاعتماد على مورد طاقة مركزي، كان بإمكانهم سلسلة الآلات بحسب التدفق الطبيعي للإنتاج، وهو اختراق أدى إلى نشوء الإنتاج الضخم.

 

وهكذا فإن التجريب وصنع القرار اللا مركزي سيكونان حاسمين إن أراد العالم حصاد محاصيل الذكاء الاصطناعي. ولا تمتلك الصين أفضلية في هذا الصدد، وعادة ما يُستشهد بالطفرة الأخيرة للبلاد في تسجيل براءات الاختراع كدليل على إبداعيّتها، لكن إحصاء البراءات ببساطة ليس طريقة جيدة لقياس الإبداع، وتُظهِر الدراسات أن 10% من براءات فقط تمثّل 90% من القيمة الإجمالية للبراءات حول العالم، ما يعني أن غالبية براءات الاختراع قيمتها ضئيلة جدا. وغالبا ما تكون استشهادات البراءة مؤشرا أفضل، وإن نظرنا إلى أكثر 100 براءة مستشهد بها منذ عام 2003، لوجدنا أن الصين لم تكن مسؤولة عن أيٍّ منها. علاوة على ذلك، فإن شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة في الصين، بما فيها "تنسنت"، و"علي بابا"، و"بايدو"، ما هي إلا محض نسخ عن فيسبوك وأمازون وغوغل لكنها مفصلة على مقاس السوق الصينية.

ومثلما أشار ألكسندر غيرشنكرون مؤرخ الاقتصاد الراحل، فعندما يتخلف بلد عن ركب السباق التكنولوجي، فيمكن لمحاكاة وتبنّي التكنولوجيا الأجنبية أن تستغرقه كثيرا من الزمن، وعموما، فكلّما تأخر هذا البلد عن الركب، وجب على الدور الذي تلعبه الدولة أن يكون أكبر في قيادة اللحاق بالركب الصناعي. وبفضل استثمار الدولة في إنتاج التكنولوجيا الضخم، نما الاتحاد السوفيتي باطّراد خلال فترة طويلة من عمر الحرب الباردة، وكذلك فعلت اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان. وبالتأكيد فإن العديد من الباحثين نسبوا الفضل في "المعجزة الآسيوية" إلى اللحاق بالركب الصناعي الذي تقوده الدولة. ومع أنّها تمكنت من تضييق شيء من الفجوة، لكنّ هذه البلدان لم تتمكّن أبدا من الإطاحة بالولايات المتحدة. فعلى عكس المحاكاة، التي يُمكن تخطيطها وتنسيقها، يكون الإبداع رحلة غوص في المجهول، إن أعدنا صياغة كلام رجل الاقتصاد والفيلسوف فريدريك فون هايك. والانتقال من المحاكاة إلى الإبداع صعب، ولو كان الأمر سهلا لتمكّنت معظم البلدان من الإبداع على الجبهة التكنولوجية.

 

وبالقول إن من المستبعد للصين الإطاحة بالولايات المتحدة عن عرش الإبداع التكنولوجي، فإننا لا نعني بأي شكل الاستخفاف بالإنجازات الاقتصادية الهائلة للصين منذ أن صعد دنغ شياو بينغ إلى الحكم في عام 1978. الصين مملوءة بالمواهب، لكن الحقيقة تظل أن الإبداع الصيني لا يزال حتى الآن منصبّا على تحسين تدريجي لتكنولوجيات وُجدت في بقاع أخرى. وفي الوقت الحالي، تقود الشركات الصينية العالم في تطوير شبكات الجيل الخامس، على سبيل المثال، لكن عملها مبني على كثير من الأجيال السابقة من تكنولوجيا الاتصال. وما تبرهنه هواوي هو أن للصين قدرات هندسية ضخمة، مثل اليابان وبكل تأكيد مثل الاتحاد السوفيتي.

 

لم يصبح الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا ناضجة بعد، كما أن تقدمه المتواصل سيكون مرهونا بالإبداع الجذري على عدد من الجبهات. أما الاختراقات فستحصل كما كانت تحصل دوما: بالتصادفية وإعادة التركيب، في تفاعل وتبادل أفكار لدى المخترعين ورواد المشاريع. تكتنف الصين كدولة قوية وبنية تكافلية على العديد من المزايا فيما يخص البنى التحتية سريعة الإنشاء أو الاستجابة السريعة الضخمة للجوائح. لكن الإبداع الجذري شأن آخر، وعلى مدار التاريخ، فقد كانت أكثر المجتمعات إبداعا هي تلك التي تسمح لمواطنيها بالسعي وراء الأفكار الغريبة. وكما جادل يوئيل موكير، مؤرخ الاقتصاد البارز، فإن هذا السبب الذي جعل الثورة الصناعية تحدث في الغرب بدلا من الصين في المقام الأول.

 

ومن المرجّح أن تكون جهود الصين في التضييق على تدفق الأفكار عبر الإنترنت وفي كل مكان آخر عقبة أمام الإبداع. منذ سبتمبر/أيلول 2019، كانت كلٌّ من الصين وهواوي تطرحان تغييرات جذرية على بنية الإنترنت التحتية بحيث تساهمان في الشبكات العالمية. وإن نُفِّذت، فإن من المحتمل لهذه التغييرات أن تزيد من تشظية الإنترنت وتحدّ من انكشاف المواطنين الصينيين على أفكار جديدة خارج البلاد. تُسجل هذه المبادرة رغبة بكين بالحفاظ على الوضع السياسي القائم، حتى إن عنى الأمر إبداعا أبطأ وديناميّة أقل.

 

أما وقد قلنا ذلك، فحتى الولايات المتحدة غير موعودة بالفوز في سباق الهيمنة على الذكاء الاصطناعي، إذ لا يزال بإمكان الصين تغيير مسارها، كما أن القيود الجديدة المفروضة على المهاجرين من قِبل إدارة دونالد ترمب في الولايات المتحدة قد تعرقل الإبداع في الولايات المتحدة، حيث تُظهِر الأبحاث أن الهجرة شكّلت دافعا أساسيا للإبداع الأميركي خلال السنوات الـ 130 الماضية. ومخططات إدارة ترمب المزعومة في الحد من تأشيرات "H-1B" مقلقة على نحو خاص في هذا الصدد، لكن في حين أن ترامب قد يمسك بالسلطة لولاية أخرى، فإن تشي جين بينغ قد يحكم إلى أجل غير مسمى.

تحت تشي، سرّع الحزب الشيوعي الصيني جهوده لاختراق قطاع الأعمال التجارية الخاصة وتعزيز القوة السياسية. وظاهريا، من المستبعد لأجهزة مراقبة دولتية وشبكة إنترنت خاضعة للرقابة، إلى جانب نظام ائتمان اجتماعي يعزز التناغم والطاعة، أن تعزز الإبداع، فالإبداع مقرون بكسر القواعد، لا طاعتها، وهو ما تؤكده دراسة نشرت مؤخرا في "وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم" من أن المواقف الإيجابية تجاه التناغم والطاعة مؤشر على إبداع أقلّ ثورية.

 

لقد فشلت اليابان في الإطاحة بالولايات المتحدة، حتى دون تلك القيود على تدفق الأفكار ودون نظام استبدادي يعزز الطاعة. وبالتبعية، فإن للولايات المتحدة أفضليات حاسمة حري أن تبقيها في ريادة العالم في مجال الذكاء الاصطناعي. وإن تنازلت عن هذا المركز للصين، فإن السبب سيكون على الأرجح محاولة واشنطن محاكاة النموذج الصيني عبر دعم شخصيات قومية بدلا من اعتناق المنافسة والدينامية التي جعلت الولايات المتحدة جبهة العالم التكنولوجية لأكثر من قرن من الزمن.

___________________________________________

هامش

  1. هو مجال بحث جديد يتناول إيجاد نظريات وخوارزميات تتيح للآلة أن تتعلم بنفسها عن طريق محاكاة الخلايا العصبية في جسم الإنسان.

———————————————————

هذا التقرير مترجم عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.


حول هذه القصة

لا يقتصر التطور الصيني على الجوانب الاقتصادية والتكنولوجية فحسب، بل إنه يمتد، كما يليق بأي دولة تريد المنافسة على الزعامة العالمية، للنواحي العسكرية.. تعرف على أبرز الأسلحة الصينية خلال العقد الماضي.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة